|
|
هل انقرض اليسار في العراق؟ أزمة حزبٍ تراجع أم فرصة لاستعادة مشروعه؟
جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 17:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أثار الكاتب فلاح المشعل، في منشور له على فيسبوك، سؤالاً يستحق التوقف عنده: هل انقرض اليسار العراقي؟ وجاء السؤال على خلفية بيان أصدره "تجمع اليسار" احتجاجاً على قرار صرف الدولار، ولم يحظَ بعدد كافٍ من التواقيع المؤيدة له. لكن المسألة لا تتعلق بعدد التواقيع وحده، بل بما هو أعمق: لماذا يتردد بعض المثقفين والأكاديميين والناشطين في إعلان مواقفهم المؤيدة لقضايا يطرحها اليسار؟ وهل أصبح الانتساب إلى اليسار عبئاً سياسياً أو اجتماعياً، أم أن المشكلة تكمن في تراجع الثقة بالتنظيمات التي تتحدث باسمه؟ إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اليسار العراقي قد انقرض، بل لماذا تراجعت قدرته على تمثيل تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع، في وقت ما تزال فيه قضايا العدالة الاجتماعية والبطالة والفساد وحقوق العمال والدولة المدنية حاضرة بقوة في حياة العراقيين. إذا كان المقصود باليسار قوةً سياسية جماهيرية تمتلك نفوذاً انتخابياً واجتماعياً واسعاً، فإن تراجعه واضح، ولا يمكن إنكاره أو تجميله. فالحزب الشيوعي العراقي، الذي كان في مراحل تاريخية سابقة أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، لم يعد يمتلك الحضور الجماهيري الذي عرفه في منتصف القرن العشرين. أما إذا كان المقصود باليسار منظومةً من الأفكار والمبادئ التي تدافع عن العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق العاملين ومقاومة الاستغلال والفساد، فإن الحديث عن انقراضه يصبح أقل دقة؛ فهذه القضايا ما تزال تمثل احتياجات حقيقية لملايين العراقيين. لكن بقاء الأفكار لا يعني بالضرورة بقاء القوة السياسية التي يفترض أن تمثلها. وهنا تكمن المعضلة: لماذا بقيت كثير من المطالب التي ناضل اليسار من أجلها حية، بينما تراجعت ثقة المجتمع بالتنظيمات اليسارية؟ فعدم التوقيع على بيان يساري لا يعني بالضرورة أن المجتمع لم يعد معنياً بالقضايا التي يطرحها اليسار. وقد لا يعني حتى أن المثقف أو الأكاديمي الذي امتنع عن التوقيع يرفض مضمون البيان. فقد تكون هناك أسباب سياسية أو اجتماعية أو شخصية أو حتى أزمة ثقة بالمؤسسات والتنظيمات التي تتحدث باسم اليسار. لذلك فإن السؤال عن عدد التواقيع قد يكون مدخلاً إلى سؤال أعمق: لماذا لم يعد كثير من العراقيين يرون في التنظيمات اليسارية القائمة الأداة الطبيعية للتعبير عن مطالبهم الاجتماعية والسياسية؟ من الصعب قراءة تاريخ العراق السياسي الحديث من دون التوقف عند الدور الذي أداه الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه عام 1934، وما ارتبط بنضاله من قضايا الاستقلال الوطني وحقوق العمال والإصلاح الاجتماعي والتعليم والثقافة والحريات العامة. غير أن هذا التاريخ لم يكن مساراً صاعداً باستمرار. فقد تعرض الحزب لموجات متعاقبة من القمع والملاحقة والاعتقال والإعدام والنفي والعمل السري، وكانت أحداث عام 1963 وما أعقبها من بطش، ثم سنوات حكم البعث، محطات قاسية تركت آثارها العميقة في بنيته التنظيمية والاجتماعية. كما أسهمت الخلافات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، في تعميق الأزمة الفكرية والتنظيمية التي واجهتها الأحزاب الشيوعية في أنحاء العالم. وهكذا دخل اليسار العراقي القرن الحادي والعشرين وهو يحمل إرثاً نضالياً مهماً، لكنه يواجه واقعاً مختلفاً، لم تعد فيه مكانته التاريخية كافية لضمان حضوره أو استعادة جمهوره. فالتاريخ يمنح صاحبه رصيداً أخلاقياً، لكنه لا يعفيه من مسؤولية التجديد، ولا يضمن له المستقبل ما لم يستطع تحويل ذلك الرصيد إلى مشروع معاصر يستجيب لحاجات الناس. كان سقوط نظام صدام حسين عام 2003 فرصة لليسار العراقي كي يستعيد نشاطه العلني ويعيد بناء علاقته بالمجتمع. فقد انتهى عهد من القمع الشديد الذي تعرض له الشيوعيون، وأصبح العمل السياسي متاحاً في فضاء جديد. لكن هذه الفرصة لم تؤدِّ إلى عودة الحزب الشيوعي إلى موقعه الجماهيري السابق. فقد تشكل النظام السياسي الجديد على أساس المحاصصة الطائفية والقومية، وتعاظم نفوذ الأحزاب الدينية، وانتشرت ظواهر الفساد والسلاح المنفلت، وتراجعت مؤسسات الدولة، وأصبحت الثروة العامة والوظائف والنفوذ السياسي عرضةً للتقاسم بين القوى المتنفذة. في هذه البيئة، واجه اليسار صعوبة في منافسة قوى تمتلك المال السياسي وشبكات النفوذ والقدرة على تعبئة الجمهور على أساس الهوية الطائفية أو القومية أو الولاء الحزبي. لكن الاعتراف بهذه الظروف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتفسير التراجع. فالقمع والمحاصصة والمال السياسي عوامل حقيقية، إلا أن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه اليسار بشجاعة هو: ماذا فعل لتجديد خطابه وتنظيمه وأدواته، وبناء بديل سياسي قادر على إقناع المجتمع بأنه ليس مجرد شاهد على الأزمة، بل قوة مؤهلة لتغيير الواقع؟ من القضايا التي تستحق مراجعة جادة تجربة دخول الحزب الشيوعي العراقي في تحالف "سائرون" عام 2018 مع التيار الصدري، على الرغم من التباين الفكري والسياسي بين الطرفين. لم تكن المشكلة في البحث عن قواسم مشتركة أو في إدراك ضرورة العمل السياسي المشترك بحد ذاتهما؛ فالتعاون بين قوى مختلفة ليس مرفوضاً بصورة مطلقة. لكن السؤال الجوهري هو: ما حدود هذا التعاون؟ وهل يحافظ الحزب الشيوعي على استقلال قراره وهويته السياسية، أم يجد نفسه، بمرور الوقت، جزءاً من اصطفافات لا تنسجم مع مشروعه؟ إن أي تحالف لا يُقاس بمجرد ما يتيحه من فرص انتخابية أو حضور مؤقت، بل بما يتركه من أثر في استقلال الحزب ومصداقيته وثقة جمهوره به. وإذا أدى التحالف إلى إرباك هويته أو جعل مواقفه قابلة للتأويل، فإن كلفته السياسية قد تكون أكبر من مكاسبه المباشرة. وهنا ينبغي الانتقال من نقد التحالفات السابقة إلى موقف أكثر حسماً من النظام السياسي القائم على المحاصصة. إن الحزب الشيوعي العراقي لا يستطيع أن يكون قوةً معارضة للمحاصصة، وفي الوقت نفسه يسعى إلى حجز موقع له داخل منظومتها أو التعامل مع رموزها كما لو كانوا شركاء طبيعيين في مشروع الإصلاح. فالنظام الذي أعاد إنتاج الفساد والامتيازات، وأضعف المواطنة ومؤسسات الدولة، لا يمكن إصلاحه بمجرد إشراك قوى جديدة في تقاسم مواقعه ومنافعه. وإذا كان الحزب يريد استعادة ثقة المواطنين، فعليه أن يعلن بوضوح أنه ليس معنياً بالحصول على حصة داخل هذا النظام، ولا بتجميل صورته، ولا بتوفير غطاء سياسي لقواه تحت عناوين التوافق أو الواقعية أو المصالح المشتركة. كما أن المطلوب هو تجنب اللقاءات السياسية الملتبسة مع رموز المحاصصة وقواها، متى كانت تمنح انطباعاً بالتقارب أو تفتح الباب أمام تأويل الموقف المعارض. فالمعارضة لا تكفي أن تُعلن في البيانات؛ بل ينبغي أن تنسجم معها الممارسة السياسية والسلوك العلني. ليس المقصود أن الحوار السياسي ممنوع من حيث المبدأ، أو أن الاختلاف يلغي إمكان النقاش في القضايا العامة. إنما المقصود أن الحزب الذي يرفع شعار التغيير لا يجوز له أن يبعث برسائل متناقضة إلى جمهوره، أو أن يمنح القوى التي ينتقدها فرصة الظهور بمظهر الشريك المقبول لديه. إن استقلال الموقف المعارض ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل شرط أساسي للمصداقية وعلى الحزب الشيوعي أن يميز بوضوح بين العمل من أجل إسقاط منظومة المحاصصة وبناء بديل وطني ديمقراطي، وبين السعي إلى المشاركة فيها أو التفاهم مع أركانها على حساب مشروع التغيير. فلا يمكن الجمع بين الأمرين من دون إضعاف الموقف السياسي وإرباك الجمهور. وإذا أراد الحزب أن يكون بديلاً حقيقياً، فعليه أن يرفض منطق المحاصصة في الممارسة، لا في الخطاب وحده؛ وأن يضع مسافة سياسية واضحة بينه وبين القوى التي كرست هذا النظام، حتى لا يتحول رفضه للمحاصصة إلى شعار يفقد معناه عند أول اختبار سياسي. جاءت انتفاضة تشرين عام 2019 لتضع سؤال انحسار اليسار أمام اختبار جديد، وتكشف عن مفارقة سياسية مهمة: فالمطالب التي رفعها المتظاهرون لم تكن متناقضة مع ما ناضل الحزب الشيوعي العراقي من أجله، بل تقاطعت في جوهرها مع كثير من الشعارات والقضايا التي تبناها الحزب تاريخياً. فقد خرج آلاف الشباب العراقيين مطالبين بوطن أفضل، وفرص عمل، وخدمات عامة، ومحاسبة الفاسدين، وإنهاء هيمنة الأحزاب المتنفذة على الدولة، وهي مطالب تمسّ صميم قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحقوق والحريات التي شكّلت جزءاً أساسياً من خطاب اليسار وبرنامجه السياسي. لم تكن تشرين حركة شيوعية أو يسارية بالمعنى التنظيمي التقليدي، بل انتفاضة شعبية واسعة ومتنوعة شارك فيها مستقلون وناشطون ومدنيون ونقابيون وشباب من خلفيات وتوجهات مختلفة. غير أن أهمية هذه الانتفاضة لا تكمن في تنوّع المشاركين فيها فحسب، بل في أنها أظهرت أن الشارع العراقي كان يرفع، بصورة عفوية ومستقلة، شعارات تتقاطع مع ما كان الحزب الشيوعي يطرحه ويدافع عنه، من دون أن يكون أصحابها بالضرورة أعضاء في الحزب أو منضوين تحت راية أي تنظيم سياسي أو تشكيل نقابي محدد. وهنا تبرز المفارقة الأساسية: لم تكن المشكلة في غياب المطالب التي يتبناها اليسار عن وعي المجتمع أو في تعارضها مع تطلعات الشباب، بل في أن هذه المطالب وجدت تعبيرها الشعبي الواسع خارج الأطر التنظيمية اليسارية التقليدية. فقد أثبتت تشرين أن قضايا العدالة الاجتماعية، والدولة المدنية، ومقاومة الفساد، ورفض احتكار السلطة والثروة، لم تفقد حضورها في الوعي الشعبي، وأن قطاعات واسعة من العراقيين كانت مستعدة للنضال من أجلها، حتى من دون ارتباط تنظيمي بالحزب الشيوعي أو بغيره من قوى اليسار. وبذلك، كشفت تشرين عن فجوة بين تقاطع البرنامج اليساري مع المطالب الفعلية للمجتمع، من جهة، وقدرة الحزب على تحويل هذا التقاطع إلى حضور سياسي وتنظيمي مؤثر، من جهة أخرى. فالشعارات التي رفعها المتظاهرون لم تكن غريبة عن تاريخ الحزب أو بعيدة عن مشروعه، لكن تبنّيها من جانب جمهور واسع ومستقل دلّ على أن الانتماء إلى الحزب لم يعد شرطاً للدفاع عن قضايا طالما ناضل من أجلها. ومن هنا، فإن السؤال الذي طرحته تشرين لم يكن ما إذا كانت أفكار اليسار قد فقدت صلاحيتها، بقدر ما كان يتعلق بقدرة الحزب على تجديد أدواته وخطابه، وبناء علاقة حية مع الأجيال الجديدة، وتحويل التقاطع في المطالب والمواقف إلى فعل سياسي وتنظيمي قادر على التأثير. وبعد الانتفاضة، واجهت المحاولات الرامية إلى تحويل زخمها إلى قوة سياسية منظمة تحديات أمنية وسياسية وانتخابية كبيرة. كما اتخذ الحزب الشيوعي موقف مقاطعة انتخابات عام 2021، فيما تمكنت بعض القوى المنبثقة من الاحتجاجات من دخول البرلمان. وتؤكد هذه التجربة أن الغضب الشعبي لا يتحول تلقائياً إلى مشروع سياسي موحد، وأن الاحتجاج على المحاصصة لا يعني بالضرورة أن المحتجين سيختارون اليسار ممثلاً لهم. لذلك لا ينبغي للحزب أن يفترض أن كل احتجاج ضد الفساد رصيد سياسي مضمون له، كما لا ينبغي له أن يتعامل مع الحركات الشبابية والمدنية بوصفها ظواهر عابرة. المطلوب هو بناء علاقة فعلية معها، تقوم على الاستماع والمشاركة واحترام استقلالها، لا على مطالبتها بالالتحاق بتنظيماته القائمة. أزمة التنظيم والخطاب والجيل الجديد تغير العراق، وتغير معه الاقتصاد والمجتمع وطبيعة العمل ووسائل التواصل. ولم تعد الطبقة العاملة محصورة في صورها التقليدية، بل تشمل شرائح واسعة من العاملين في الخدمات والقطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي والعمل الهش والمنصات الرقمية. كما أن الخريج العاطل عن العمل، والعامل الذي لا يتمتع بضمانات، والموظف الذي يعاني تراجع الخدمات والأجور، والشاب الذي لا يجد فرصة لبناء مستقبله، جميعهم يواجهون قضايا ترتبط بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وغياب تكافؤ الفرص. لهذا لا يكفي استعادة المصطلحات القديمة أو تكرار الشعارات التي ارتبطت بتاريخ الحركة الشيوعية. المطلوب هو إعادة صياغة المشروع اليساري بلغة مفهومة للأجيال الجديدة، وتقديم حلول عملية لقضايا العمل والتعليم والصحة والسكن والضمان الاجتماعي والبطالة. كما ينبغي مراجعة بنية التنظيم وأساليب اتخاذ القرار، وتوسيع المشاركة الداخلية، وإتاحة المجال أمام الطاقات الشابة، وتجاوز الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي للمواطنين. إن أزمة اليسار ليست أزمة أفكار فقط، ولا يمكن تفسيرها بالظروف الخارجية وحدها. إنها أيضاً أزمة تمثيل وتنظيم وثقة، وأزمة قدرة على تحويل المبادئ إلى برنامج سياسي واجتماعي ملموس. هل انقرض اليسار العراقي؟ إذا كان المقصود هو انحسار قوته الجماهيرية والتنظيمية، فإن التراجع واقع لا يصح إنكاره. أما إذا كان المقصود هو موت القضايا التي حملها، فإن الواقع العراقي يقدم شواهد كثيرة على استمرارها. ما تزال البطالة قضية ملحة، وما تزال حقوق العمال موضع نزاع، وما تزال الثروة العامة تتعرض للهدر، وما تزال المحاصصة تعطل بناء دولة المواطنة، وما تزال العلاقة بين السلطة والمال والنفوذ تثير أسئلة جوهرية عن طبيعة النظام السياسي. لكن استمرار هذه القضايا لا يعني أن المجتمع سيعود تلقائياً إلى الأحزاب اليسارية. فالأفكار لا تمنح أصحابها حقاً أبدياً في تمثيلها، والتاريخ لا يعفي التنظيمات من المنافسة والتجديد والمحاسبة. لقد كشفت تشرين أن المطالب التي ارتبطت باليسار يمكن أن تتحول إلى حركة اجتماعية واسعة من دون أن تكون الأحزاب اليسارية في مركزها. وهذه حقيقة ينبغي أن تدفع الحزب الشيوعي إلى مراجعة تجربته، لا إلى الاكتفاء بالتذكير بتاريخه وتضحياته. إن استعادة اليسار العراقي لدوره لا تبدأ من تغيير الاسم أو الشعار، ولا من استحضار الماضي وحده، بل من مراجعة صريحة للتجربة، وإعادة بناء العلاقة مع المجتمع، وتقديم مشروع واضح للدولة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. وفي قلب هذه المهمة تقع مسألة الموقف من نظام المحاصصة. فلا يمكن للحزب الشيوعي العراقي أن يقنع المواطنين بأنه بديل عن القوى التي أضعفت الدولة وأفسدت الحياة السياسية إذا بدا، في الوقت نفسه، مستعداً لمشاركتها مواقعها أو الدخول معها في تفاهمات تلتبس فيها الحدود بين المعارضة والشراكة. ولا يمكنه أن يستعيد ثقة الشباب الذين انتفضوا ضد المحاصصة إذا لم يكن موقفه منها ثابتاً وواضحاً، لا يتغير بتغير الحسابات الانتخابية أو فرص التقارب مع هذه القوة أو تلك. إن المطلوب ليس معارضة لفظية، ولا انسحاباً من المجتمع، بل بناء معارضة سياسية مستقلة، ذات برنامج وطني ديمقراطي واجتماعي، تنحاز إلى مصالح الناس، وتعمل مع القوى المدنية والنقابية والشبابية على أساس المبادئ والبرامج المعلنة، لا على أساس تقاسم النفوذ أو عقد الصفقات. ومن هنا، فإن تجنب اللقاءات والتفاهمات الملتبسة مع رموز المحاصصة ليس مسألة شكلية، بل جزء من معركة استعادة الثقة. فالموقف الذي لا يستطيع المواطن تمييزه بوضوح، أو الذي يترك مجالاً للتأويل والمزايدة، لن يكون قادراً على بناء بديل سياسي مقنع. خاتمة: لا بديل عن الوضوح والاستقلال ربما كان فلاح المشعل محقاً في إثارة سؤال انقراض اليسار العراقي، لكن الإجابة لا تختزل في عدد التواقيع على بيان، ولا في حجم الحضور الانتخابي وحده. السؤال الأعمق هو: لماذا بقيت قضايا العدالة الاجتماعية حية، بينما تراجعت التنظيمات التي يفترض أن تمثلها؟ وهل يستطيع الحزب الشيوعي العراقي أن يحول إرثه التاريخي إلى مشروع جديد، يستعيد به ثقة المجتمع ويخاطب الأجيال التي لم تعد تجد نفسها في الأطر السياسية التقليدية؟ إن ذلك يتطلب تجديداً فكرياً وتنظيمياً، وانفتاحاً حقيقياً على المجتمع، ومراجعة نقدية للتحالفات السابقة، والأهم من ذلك كله، موقفاً لا لبس فيه من نظام المحاصصة وقواه. إن اليسار العراقي لا يحتاج إلى الدفاع عن وجوده بالكلمات بقدر ما يحتاج إلى إثبات ضرورته بالفعل؛ ولا يحتاج إلى استعادة ماضيه بقدر ما يحتاج إلى بناء مستقبله. وهذا المستقبل يبدأ من استقلال قراره، ووضوح معارضته، ورفضه أن يكون شريكاً في منظومة المحاصصة التي يدعو إلى تجاوزها. فإذا استطاع الحزب الشيوعي العراقي أن يربط مبادئه التاريخية بمشروع معاصر، وأن يفصل بوضوح بين المعارضة والتواطؤ السياسي، فقد يتمكن من استعادة مكانته بوصفه قوة تغيير حقيقية. أما إذا ظل متردداً بين رفض المحاصصة والسعي إلى التقارب مع قواها، وبين خطاب المعارضة وممارسات تثير الالتباس، فإن الأزمة لن تكون أزمة حضور جماهيري فحسب، بل أزمة مصداقية أيضاً. فاليسار لا يستعيد ثقة الناس بمجرد أنه يرفع شعاراتهم، بل حين يثبت أنه لن يساوم على مصالحهم، ولن يصبح جزءاً من النظام الذي يطالب بتغييره. وهنا تكمن الإجابة الأهم عن السؤال: هل انقرض اليسار العراقي؟ ربما لم تنقرض أفكاره، لكن مستقبله يتوقف على قدرته على أن يكون وفياً لها، مستقلاً في قراره، واضحاً في معارضته، وحاسماً في رفضه للمحاصصة، قولاً وفعلاً.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الاغتراب والهوية في رواية -ليالي ابن زوال- لكريم كطافة
-
من -دولة 2003- إلى سؤال الدولة نقدٌ لأطروحة التبعية وتغييب م
...
-
الانسحاب الأمريكي والسيادة العراقية: هل يبدأ الاستقرار من هن
...
-
جيل وُلد بعد السقوط: ماذا بقي من وعود العراق الجديد؟
-
الروائية الكندية ماركريت أتوود: أدب المرأة والحرية ومواجهة ا
...
-
هل كانت الاشتراكية غريبة عن العراق؟
-
العلاقات الأمريكية الكندية: تاريخ طويل من الشراكة وتحديات ال
...
-
كريت... حيث مشيتُ مع زوربا في ظل كازانتزاكيس
-
دور المخبرين في كشف الفساد: بين الحاجة إلى المعلومة وغياب ال
...
-
العراق: من فرهود 1941 إلى فرهود ما بعد 2003
-
قراءة في رواية «عند باب الأزج»: بغداد بين تاريخين من منظور ن
...
-
الهوية الوطنية العراقية: بين إرث الانقسامات وأمل بناء وطن لل
...
-
قراءة في حصار العنكبوت: حين تتحول الرواية إلى شهادة على سقوط
...
-
العودة إلى أي عراق؟ دعوات استعادة المسيحيين تصطدم بواقع الدو
...
-
حصر السلاح بين الدولة والفصائل... هل يكفي القرار؟
-
على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير
-
عندما يصبح الإعلام ضحية المحاصصة قراءة نقدية في آليات الاختي
...
-
عندما يفسد الرأس… يمرض الجسد: لماذا يختلف الفساد في العراق ع
...
-
الوعي الجمعي وصناعة الدولة: لماذا تبدأ معركة الإصلاح في العر
...
-
الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهو
...
المزيد.....
-
مراسلة CNN تشرح ما نعلمه للآن عن تفتيش منزل إلهان عمر ضمن تح
...
-
-أغنى رجل في العالم-.. كيف أصبح إيلون ماسك -أكبر متبرع للحزب
...
-
هل توقف وساطة إيران التصعيد الحوثي السعودي؟
-
الملكة رانيا: قلوبنا مع السعودية
-
الخارجية الإيرانية: لا يمكن توقع المزيد من المرونة من طهران
...
-
نوفاك: موسكو وواشنطن تتفاوضان على توريد الديزل الروسي إلى ال
...
-
سجناء رومية في لبنان ينهون إضرابا عن الطعام والدواء دام 30 ي
...
-
التحالف يعلن اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيو
...
-
هجوم إلكتروني -غير مسبوق- يعطل أنظمة التبريد في مئات المتاجر
...
-
بـــــــــــيـــــــــــــان تشكيل الأغلبية الحكومية
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|