|
|
مارك كارني بين تحدي واشنطن ورهان بناء اقتصاد كندي أكثر استقلالاً
جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 19:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مرحلة تتسم باضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، يسعى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى إعادة صياغة موقع كندا في الاقتصاد العالمي، من خلال تعزيز قدراتها الإنتاجية، وتنويع شراكاتها التجارية، وتقليص مواطن الضعف الناجمة عن اعتمادها الكبير على السوق الأمريكية، من دون التخلي عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. غير أن هذه المهمة أصبحت أكثر تعقيداً في ظل تصاعد الخلافات التجارية بين أوتاوا وواشنطن، واستمرار التوترات المرتبطة بالرسوم الجمركية، ودخول اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك مرحلة مراجعة مفصلية. لم يعد السؤال المطروح أمام الحكومة الكندية يقتصر على كيفية الحفاظ على انسياب التجارة مع الولايات المتحدة، بل بات يتعلق أيضاً بقدرة البلاد على حماية مصالحها الاقتصادية في عالم تتزايد فيه النزعة الحمائية، وتتحول فيه التجارة إلى أداة ضغط سياسي واستراتيجي. وفي هذا السياق، تبدو رؤية كارني أبعد من مجرد إدارة خلاف تجاري عابر؛ إنها محاولة لإعادة بناء أسس القوة الاقتصادية الكندية، بحيث تصبح البلاد أكثر قدرة على التفاوض والمناورة، وأقل تعرضاً للصدمات الناجمة عن القرارات التي تُتخذ خارج حدودها. من عالم المال إلى قيادة الحكومة يختلف مارك كارني عن كثير من السياسيين الذين يصلون إلى رئاسة الحكومة بعد مسيرة طويلة داخل الأحزاب والبرلمانات. فقد تشكلت خبرته الأساسية في عالم الاقتصاد والتمويل، حيث عمل في مؤسسة "غولدمان ساكس" الدولية، وتنقل بين عدد من المراكز المالية الكبرى، مكتسباً معرفة واسعة بالأسواق العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال، وآليات التجارة والاستثمار وإدارة المخاطر. وبعد انتقاله إلى العمل العام في كندا، تولى منصب محافظ بنك كندا عام 2008، بالتزامن مع اندلاع الأزمة المالية العالمية. وقد أسهمت السياسات النقدية التي اتبعتها السلطات الكندية، إلى جانب قوة الإطار التنظيمي والمصرفي في البلاد، في الحد من التداعيات التي واجهها الاقتصاد الكندي مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة. وعززت تلك المرحلة مكانة كارني بوصفه أحد أبرز المسؤولين النقديين على الساحة الدولية. وفي عام 2013، انتقل إلى المملكة المتحدة لتولي منصب محافظ بنك إنجلترا، ليصبح أول شخص غير بريطاني يتولى هذا المنصب في العصر الحديث. وخلال ولايته واجه تداعيات أزمة منطقة اليورو، ثم الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وما رافقه من تقلبات في الأسواق وتحديات اقتصادية وسياسية. وبعد مغادرته البنوك المركزية، واصل كارني نشاطه في المؤسسات المالية والاستثمارية الدولية، كما انخرط في مبادرات تتصل بالتمويل المستدام والعمل المناخي. وقد منحته هذه المسيرة شبكة واسعة من العلاقات والخبرات، لكنها وضعت عليه أيضاً توقعات مرتفعة بشأن قدرته على تحويل المعرفة الاقتصادية إلى نتائج سياسية وعملية.
وتفسر هذه الخلفية، إلى حد بعيد، مقاربته لمستقبل كندا. فهو ينظر إلى الاقتصاد الوطني باعتباره منظومة متكاملة من الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتجارة، لا مجرد مجموعة من المؤشرات المالية. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز استقلال كندا لا يعني الانعزال عن الاقتصاد العالمي، بل بناء قدرة أكبر على اختيار الشركاء، وإدارة المخاطر، وتحويل الموارد المحلية إلى قوة اقتصادية مستدامة. العلاقة مع واشنطن: من الشراكة التقليدية إلى اختبار الثقة تحتل العلاقة مع الولايات المتحدة موقعاً مركزياً في أي استراتيجية اقتصادية كندية. فالبلدان يرتبطان بشبكات إنتاج وتجارة واستثمار عميقة، تمتد من السيارات والطاقة والمعادن إلى الزراعة والصناعات التحويلية والخدمات. وتستند هذه العلاقة إلى الجغرافيا المتجاورة، والتكامل الصناعي، وتاريخ طويل من التعاون الأمني والاقتصادي. لكن هذا الترابط، الذي شكل لعقود مصدر قوة للبلدين، كشف أيضاً عن نقطة ضعف كندية أساسية: الاعتماد الكبير على سوق واحدة. فحين تتغير السياسة التجارية الأمريكية أو تُفرض رسوم جديدة على المنتجات الكندية، لا يقتصر التأثير على المصدرين وحدهم، بل يمتد إلى العمال والمصانع والمزارعين والمستهلكين، ويؤثر في قرارات الاستثمار وتوسيع الأعمال. وقد أصبحت هذه المعضلة أكثر وضوحاً مع تصاعد الإجراءات الجمركية الأمريكية خلال عامي 2025 و2026. ففي 20 يوليو 2026، أعلن كارني أن الإدارة الأمريكية تعتزم فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 50 في المئة على عدد كبير من السلع الكندية، في خطوة وصفها بأنها جزء من سلسلة إجراءات تجارية أحادية الجانب. وأكد أن كندا مستعدة لمواصلة التفاوض، لكنها ستتخذ التدابير اللازمة لحماية عمالها وشركاتها ومصالحها الوطنية. وفي أغسطس، اتخذ الخلاف منعطفاً أكثر حدة. فقد أعلن كارني تعليق المفاوضات التجارية مع واشنطن بعد تعثر المحادثات، معتبراً أن المطالب الأمريكية الأخيرة لم توفر أساساً لاتفاق متوازن، وأن بعض الشروط المقترحة تمس المصالح الاقتصادية والثقافية والسيادية الكندية. كما أعلنت حكومته عزمها فرض رسوم مضادة على واردات أمريكية، بالتوازي مع اتخاذ تدابير لدعم الشركات والعمال المتضررين. ولا يعني هذا التصعيد أن كندا تتجه بالضرورة إلى قطيعة اقتصادية مع الولايات المتحدة. فالتكامل بين الاقتصادين أعمق من أن يُفكك بسهولة، كما أن استبدال السوق الأمريكية بأسواق أخرى في فترة قصيرة أمر غير واقعي. لكن ما تغير هو مستوى الثقة في استقرار قواعد التجارة، ومدى استعداد أوتاوا للاعتماد على استمرار الظروف التي حكمت العلاقة لعقود. وفي أحدث مؤشر على استمرار الأزمة، أكد الممثل التجاري الأمريكي جاميسون غرير، في 8 أكتوبر 2026، أن واشنطن متمسكة بموقفها التجاري في المحادثات مع كندا، رغم استمرار التواصل بين الجانبين على مستويات رفيعة. وأشار إلى أن التطورات السياسية الداخلية في كندا قد تؤخر استئناف المفاوضات. ويعكس هذا الموقف أن قنوات الاتصال لا تزال قائمة، لكن وجودها لم يتحول بعد إلى تسوية واضحة للخلاف. وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام كارني: كيف يمكن الحفاظ على المصالح الاقتصادية المشتركة مع واشنطن، مع تجنب تحويل الاعتماد التجاري إلى مصدر دائم للضغط؟ الإجابة التي تتبناها حكومته تقوم على مسارين متوازيين؛ مواصلة التفاوض مع الولايات المتحدة من جهة، وتعزيز القدرة الاقتصادية الكندية المستقلة من جهة أخرى. اتفاقية التجارة الثلاثية في قلب المواجهة تكتسب الخلافات الحالية أهمية إضافية لأنها تتزامن مع المراجعة المشتركة لاتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، المعروفة اختصاراً باسم "كوسما"، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2020، وحلّت محل اتفاقية نافتا السابقة. وقد بدأت المراجعة المشتركة في الأول من يوليو 2026، لتفتح الباب أمام تقييم أداء الاتفاقية ومناقشة التعديلات الممكنة على قواعد التجارة والاستثمار في أمريكا الشمالية. وتكمن أهميتها في أنها قد تحدد طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الدول الثلاث خلال السنوات المقبلة، ولا سيما في ظل الخلافات المتعلقة بالرسوم الجمركية والسيارات والمعادن والصناعات الاستراتيجية. وتتمثل مصلحة كندا الأساسية في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفاذ التفضيلي إلى السوق الأمريكية، وضمان قواعد واضحة ومستقرة للشركات التي تعتمد على سلاسل إنتاج عابرة للحدود. فصناعة السيارات، على سبيل المثال، لا تعمل وفق حدود وطنية منفصلة، بل تعتمد على انتقال المكونات والمواد والمنتجات بين الدول الثلاث خلال مراحل التصنيع. وأي ارتفاع مستمر في الرسوم أو زيادة في عدم اليقين يمكن أن يدفع الشركات إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج والاستثمار، بما قد يضعف القدرة التنافسية للصناعات الكندية. وفي المقابل، فإن الوصول إلى اتفاق أكثر استقراراً من شأنه أن يمنح الشركات مجالاً أوسع للتخطيط والتوسع والتوظيف. لكن المراجعة لا تتعلق بالرسوم وحدها؛ إذ تتيح أيضاً مناقشة قضايا التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة وتطور سلاسل الإمداد. ولذلك تنظر أوتاوا إلى المفاوضات باعتبارها اختباراً لقدرتها على الدفاع عن مصالحها داخل منظومة اقتصادية مترابطة، لا مجرد محاولة لخفض تكلفة الصادرات. وتواجه كندا معضلة دقيقة هنا: فهي تحتاج إلى اتفاق مستقر مع الولايات المتحدة، لكنها لا تريد أن يكون ثمن الاستقرار تقديم تنازلات تضعف صناعاتها أو تحد من قدرتها على إبرام اتفاقات تجارية مع شركاء آخرين. ومن ثم، فإن نتيجة المراجعة ستؤثر ليس فقط في حجم التجارة، بل أيضاً في هامش الاستقلال الاستراتيجي الذي تستطيع كندا الاحتفاظ به. الاستقلال الاقتصادي لا يعني فك الارتباط من الخطأ قراءة استراتيجية كارني باعتبارها مشروعاً لفك الارتباط بالاقتصاد الأمريكي. فالولايات المتحدة ستظل، بحكم الجغرافيا وحجم السوق والتكامل الصناعي، الشريك التجاري الأهم لكندا في المستقبل المنظور. كما أن الشركات الكندية لا تستطيع إعادة توجيه صادراتها واستثماراتها نحو أسواق بديلة من دون تكاليف مالية ولوجستية وزمنية كبيرة. المقصود بالاستقلال الاقتصادي، في هذه الحالة، هو الحد من المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على شريك واحد، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام الشركات والمستثمرين، وتحسين قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. فكلما زادت الأسواق المتاحة أمام الصادرات الكندية، واتسعت مصادر الاستثمار والتكنولوجيا، تحسن موقف البلاد التفاوضي حتى في علاقتها بالولايات المتحدة. ولهذا تركز الحكومة على تنويع العلاقات الاقتصادية الخارجية، وتعزيز الشراكات التجارية والأمنية، وتوسيع فرص الشركات الكندية في أوروبا وآسيا ومناطق أخرى. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى إزالة الحواجز التجارية بين المقاطعات الكندية، وتسريع المشروعات الوطنية الكبرى، وتحسين حركة السلع والخدمات داخل السوق المحلية. وتحمل هذه المقاربة رسالة مزدوجة إلى واشنطن: كندا لا تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة، لكنها لن تبني مستقبلها الاقتصادي على افتراض أن السياسات الأمريكية ستظل ثابتة أو أن الخلافات التجارية ستبقى استثناءً عابراً. أوروبا وآسيا: البحث عن خيارات إضافية في إطار هذه الاستراتيجية، تبرز أوروبا باعتبارها شريكاً طبيعياً لكندا، نظراً إلى الروابط السياسية والمؤسسية والاقتصادية التي تجمع الطرفين، وإلى وجود اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي. وتتيح هذه العلاقة فرصاً لتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والمعادن الحيوية والصناعات المتقدمة والدفاع. كما تتيح الأسواق الآسيوية فرصاً لتنويع الصادرات الكندية، خصوصاً في مجالات الطاقة والمنتجات الزراعية والمعادن والموارد الطبيعية. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب أكثر من إبرام الاتفاقيات؛ فهي تحتاج إلى استثمارات في الموانئ والسكك الحديدية وشبكات النقل، وإلى بناء علاقات طويلة الأمد مع المستوردين والشركات، وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات الكندية. ولا يمكن لهذه الأسواق، حتى مع التوسع فيها، أن تحل سريعاً محل الولايات المتحدة. فالتجارة مع الجار الأمريكي تستفيد من القرب الجغرافي وتكامل المصانع وسرعة النقل، وهي مزايا لا تستطيع الأسواق البعيدة توفيرها بالسهولة نفسها. لكن قيمة التنويع لا تقاس فقط بحجم الصادرات الإضافية، بل أيضاً بتقليل مخاطر تركّز التجارة. فإذا واجه قطاع معين قيوداً في السوق الأمريكية، فإن وجود أسواق أخرى قادرة على استيعاب جزء من إنتاجه يمنح الشركات مرونة أكبر، ويخفف من أثر الصدمات على العمال والمجتمعات المحلية. ومن هذا المنظور، فإن الانفتاح على أوروبا وآسيا ليس بديلاً عن العلاقة الأمريكية، بل أداة لتحسين شروطها وتقوية قدرة كندا على التفاوض من موقع أكثر توازناً. الموارد الطبيعية والبنية التحتية: تحويل الإمكانات إلى قوة اقتصادية تمتلك كندا مقومات مادية كبيرة يمكن أن تدعم مشروعها الاقتصادي، تشمل النفط والغاز والمعادن الحيوية والمياه والأراضي الزراعية والموارد اللازمة لتطوير الطاقة النظيفة. غير أن وفرة الموارد لا تضمن وحدها تحقيق الازدهار؛ فالقيمة الاقتصادية الحقيقية تتوقف على قدرة البلاد على استخراجها ومعالجتها ونقلها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة. ولهذا تبرز أهمية تطوير البنية التحتية، من الموانئ وخطوط السكك الحديدية إلى شبكات الطاقة والنقل وممرات التصدير. كما يتطلب الأمر تسريع القرارات الاستثمارية، مع الحفاظ على المعايير البيئية والحقوق القانونية والتشاور مع المجتمعات المحلية والسكان الأصليين. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل التوترات التجارية مع واشنطن. فكلما تمكنت كندا من تطوير قدراتها في إنتاج الطاقة ونقلها وتصديرها إلى أسواق متعددة، تراجعت بعض المخاطر المرتبطة بتركيز الطلب في السوق الأمريكية. وينطبق الأمر نفسه على المعادن المستخدمة في البطاريات والصناعات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة. ومع ذلك، فإن توسيع الإنتاج والصادرات يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، وإلى ضمان وجود طلب مستدام وأسعار مجدية، فضلاً عن بنية تنظيمية تسمح بتنفيذ المشروعات في آجال معقولة. ولذلك فإن التحدي لا يتمثل في إعلان الطموحات فحسب، بل في تحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، تحقق عائداً اقتصادياً واضحاً وتوفر فرص عمل مستدامة. الإنتاجية والابتكار: الاختبار الداخلي للمشروع لا يمكن بناء اقتصاد كندي أكثر استقلالاً اعتماداً على الموارد الطبيعية وحدها. فالمشكلة الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الكندي تتصل أيضاً بمستويات الإنتاجية، وحجم الاستثمار في المعدات والتكنولوجيا، والقدرة على تحويل البحث العلمي إلى منتجات وخدمات تنافسية. ومن هنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والتقنيات الرقمية، والبحث والتطوير، وتحديث الشركات الصغيرة والمتوسطة. فهذه القطاعات لا تفتح أسواقاً جديدة فحسب، بل يمكنها أيضاً رفع القيمة المضافة لكل ساعة عمل، وتحسين الأجور، وزيادة قدرة الشركات الكندية على المنافسة عالمياً. كما أن تقليص الحواجز التجارية والتنظيمية بين المقاطعات يمكن أن يساعد في بناء سوق داخلية أكثر تكاملاً. فوجود اختلافات تنظيمية وإدارية تعيق انتقال السلع والخدمات والعمالة بين مناطق البلاد يحد من حجم السوق المتاحة أمام الشركات، ويضعف قدرتها على التوسع وتحقيق وفورات الحجم. وفي هذا الإطار، يصبح الاستثمار في البنية التحتية والابتكار والتعليم والتدريب المهني جزءاً من استراتيجية الأمن الاقتصادي، لا مجرد سياسة للنمو. فالدولة التي تمتلك شركات أكثر إنتاجية، وقوة عاملة مؤهلة، وسوقاً داخلية أكثر تكاملاً، تكون أقدر على مواجهة القيود الخارجية والتكيف مع التحولات التكنولوجية. لكن هذا المسار يتطلب الصبر والموارد والقدرة على تنفيذ السياسات بصورة متواصلة. كما يتطلب التأكد من أن ثمار الاستثمار تصل إلى الاقتصاد الحقيقي، ولا تقتصر على ارتفاع قيمة الأصول أو زيادة الإنفاق الحكومي. بين ضغوط الخارج وتوقعات الداخل على الرغم من أهمية التحديات الخارجية، فإن نجاح كارني لن يُقاس فقط بنتائج المفاوضات مع واشنطن أو بعدد الاتفاقيات التجارية التي تستطيع حكومته إبرامها. فالمواطن الكندي يهتم أيضاً بتكاليف المعيشة والسكن وفرص العمل ومستوى الأجور وقدرته على التخطيط لمستقبله المالي. ويمكن للرسوم الجمركية المتبادلة أن تزيد تكاليف بعض السلع والمدخلات الصناعية، بينما قد يؤدي عدم اليقين التجاري إلى تأجيل الاستثمارات أو الحد من التوظيف. ومن ثم، فإن الدفاع عن المصالح الوطنية يحتاج إلى موازنة دقيقة بين الضغط التفاوضي وتخفيف الأعباء عن الشركات والمستهلكين. كذلك لا تعني زيادة الإنفاق على المشروعات الكبرى نجاحاً تلقائياً. فالمهم هو اختيار الاستثمارات التي ترفع الإنتاجية، وتوسع الطاقة الإنتاجية، وتحسن القدرة التصديرية، وتخلق وظائف ذات قيمة مضافة، مع مراعاة تكلفتها المالية وآثارها البيئية والاجتماعية. وتبرز هنا حدود الخبرة المالية التي يتمتع بها كارني. فإدارة البنوك المركزية والأسواق تتطلب أدوات مختلفة عن تلك اللازمة لبناء توافقات سياسية واجتماعية، أو التوفيق بين مصالح المقاطعات والقطاعات الاقتصادية المتباينة. وقد تساعده خلفيته على فهم المخاطر، لكنها لا تعفيه من ضرورة إقناع المواطنين بأن التغييرات المقترحة ستؤدي إلى تحسين ملموس في حياتهم.
.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العراق: دولة النفط التي تخشى يوم الراتب
-
العراق بين وعود الإصلاح وسلطة المحاصصة: من يحكم الحكومة؟
-
العنف الجنسي في العراق ومعركة النساء من أجل العدالة
-
هل انقرض اليسار في العراق؟ أزمة حزبٍ تراجع أم فرصة لاستعادة
...
-
الاغتراب والهوية في رواية -ليالي ابن زوال- لكريم كطافة
-
من -دولة 2003- إلى سؤال الدولة نقدٌ لأطروحة التبعية وتغييب م
...
-
الانسحاب الأمريكي والسيادة العراقية: هل يبدأ الاستقرار من هن
...
-
جيل وُلد بعد السقوط: ماذا بقي من وعود العراق الجديد؟
-
الروائية الكندية ماركريت أتوود: أدب المرأة والحرية ومواجهة ا
...
-
هل كانت الاشتراكية غريبة عن العراق؟
-
العلاقات الأمريكية الكندية: تاريخ طويل من الشراكة وتحديات ال
...
-
كريت... حيث مشيتُ مع زوربا في ظل كازانتزاكيس
-
دور المخبرين في كشف الفساد: بين الحاجة إلى المعلومة وغياب ال
...
-
العراق: من فرهود 1941 إلى فرهود ما بعد 2003
-
قراءة في رواية «عند باب الأزج»: بغداد بين تاريخين من منظور ن
...
-
الهوية الوطنية العراقية: بين إرث الانقسامات وأمل بناء وطن لل
...
-
قراءة في حصار العنكبوت: حين تتحول الرواية إلى شهادة على سقوط
...
-
العودة إلى أي عراق؟ دعوات استعادة المسيحيين تصطدم بواقع الدو
...
-
حصر السلاح بين الدولة والفصائل... هل يكفي القرار؟
-
على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير
المزيد.....
-
ترامب يهاجم عبد الرحمن السيد مجددًا ويصفه بـ-الجهادي-
-
تبون يبحث الأزمة الليبية والتهدئة الإقليمية مع وزيري خارجية
...
-
زيلينسكي لا يستبعد مشكلات جديدة مع -ستارلينك-
-
ماسك يحذر من خطر استخدام -ستارلينك- في شن هجمات ويوضح السبب
...
-
تحرك ليبي جديد بشأن اتفاق تركيا بعد اعتراض القاهرة
-
مصير -المعارضة الكردية- لإيران بالعراق
-
ترامب يتغزل بـ-مؤخرة- مغنية الراب نيكي ميناج خلال تجمع انتخا
...
-
فوتشيتش يعترف بفوز المعارضة في الانتخابات التشريعية الصربية
...
-
ماريا كورينا ماتشادو تعود إلى فنزويلا بعد نحو عام في المنفى
...
-
السعودية واليونان تتفقان على تعزيز الشراكة في الطاقة والربط
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|