جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 02:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ثمة مفارقة اقتصادية يصعب تفسيرها للوهلة الأولى: أن يكون العراق من كبار منتجي النفط في العالم، لكنه لا يمتلك اقتصاداً قادراً على تمويل دولته بصورة مستدامة، حتى يصبح دفع رواتب موظفيه عرضة للضغوط كلما تراجعت الصادرات النفطية أو تعطلت.
هذه هي المفارقة التي يعيشها العراق اليوم. فالمشكلة ليست في فقر الموارد أو محدودية الثروة، بل في الطريقة التي أُديرت بها هذه الثروة، وفي إخفاق الدولة في تحويلها إلى اقتصاد متنوع قادر على توليد الدخل بعيداً عن النفط.
على مدى سنوات، تحولت الدولة إلى ربّ العمل الأكبر، وأصبحت الإيرادات النفطية المصدر الأساسي لتمويل الرواتب والتقاعد والدعم وسائر النفقات العامة. ومع كل موجة ارتفاع في أسعار النفط، توسعت قدرة الحكومة على الإنفاق، وتضخمت معها الالتزامات الدائمة، فيما ظل الاستثمار في بناء اقتصاد منتج ومتنوع دون المستوى المطلوب.
وهكذا نشأت معادلة شديدة الهشاشة: إيرادات متقلبة تموّل نفقات ثابتة.
وقد جاءت أزمة عام 2026 لتكشف خطورة هذه المعادلة. فمع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتزايد المخاطر التي تواجه صادرات المنطقة، عاد سؤال طالما أمكن تأجيله خلال سنوات الوفرة: ماذا يحدث عندما لا يصل النفط الذي تعتمد عليه الدولة إلى الأسواق بالكميات المعتادة؟
سرعان ما امتدت المخاوف إلى السيولة والرواتب وسعر الصرف والإنفاق الحكومي. فارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يضمن بالضرورة زيادة الإيرادات العراقية؛ إذ قد يتزامن ارتفاع سعر البرميل مع تراجع الكميات المصدّرة، فتتقلص الحصيلة الإجمالية التي تحتاج إليها الخزينة لتمويل التزاماتها.
لذلك، لا يحتاج العراق إلى أسعار نفط مرتفعة فحسب، بل إلى استمرار تدفق صادراته أيضاً. وأي اضطراب في هذا التدفق يمكن أن يحوّل أزمة خارجية إلى ضغط مباشر على المالية العامة، ثم إلى مشكلة تمس حياة المواطنين.
من السهل إلقاء مسؤولية الأزمة على موظفي الدولة، لكن ذلك يختزل المشكلة في نتائجها ويتجاهل أسبابها. فالموظف لم يصمّم السياسة المالية، ولم يقرر التوسع في التوظيف الحكومي، كما أن راتبه ليس مجرد بند في الموازنة، بل مصدر دخل أساسي قد تعتمد عليه أسرة بأكملها.
المشكلة، إذاً، ليست في وجود الموظفين الحكوميين بحد ذاته، بل في اعتماد الاقتصاد المتزايد على الدولة لتوفير الوظائف والدخل، في وقت تعتمد فيه الدولة نفسها على النفط لتمويل هذا الدور.
هذه هي الحلقة الأساسية في الاقتصاد الريعي: ضعف القطاع الخاص يحدّ من فرص العمل خارج الحكومة، فتزداد الضغوط الاجتماعية والسياسية من أجل التوظيف الحكومي. ويؤدي توسع الجهاز الحكومي إلى ارتفاع فاتورة الأجور، فتزداد الحاجة إلى الإيرادات النفطية، ويظل القطاع الخاص عاجزاً عن استيعاب أعداد كافية من الباحثين عن العمل.
وهكذا يعود الاقتصاد إلى نقطة البداية.
ولا تقتصر خطورة هذه الحلقة على حجم الرواتب والنفقات الجارية، بل تمتد إلى قدرة الدولة على الاستثمار. فالإنفاق الجاري، وإن كان ضرورياً لتأمين الرواتب والخدمات والوفاء بالالتزامات العامة، قد يضيّق الحيز المالي المتاح للمشروعات الإنتاجية عندما يتضخم بوتيرة تفوق قدرة الإيرادات المستدامة على تغطيته.
عندئذٍ، تصبح الدولة منشغلة بتمويل التزامات الحاضر على حساب بناء مصادر دخل المستقبل. ويُستخدم النفط لإبقاء النموذج القائم مستمراً، بدلاً من توظيفه في تحويل العراق إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً.
كان من الممكن أن تموّل الإيرادات النفطية، على مدى العقدين الماضيين، تحولاً اقتصادياً واسعاً يشمل توفير كهرباء مستقرة، وتحديث شبكات النقل، ورفع كفاءة الزراعة، وتطوير الصناعات التحويلية، وتوسيع الموانئ والمناطق الصناعية، وبناء بنية تحتية رقمية، وتطوير التعليم والتدريب بما يربط مهارات الشباب باحتياجات سوق العمل.
لكن السؤال ليس فقط: كم أنفق العراق؟
بل: ماذا بقي له من هذا الإنفاق على هيئة أصول منتجة، وبنية تحتية فعالة، وفرص عمل مستدامة، ومصادر دخل بديلة؟
يُشار كثيراً إلى "لعنة النفط"، لكن النفط في حد ذاته ليس لعنة. تبدأ المشكلة عندما يصبح بديلاً عن الاقتصاد، بدلاً من أن يكون أحد مكوناته ومصدراً لتمويل تطوره.
فحين تستطيع الدولة تمويل نفسها من العائدات النفطية، يتراجع الحافز إلى إصلاح النظام الضريبي. وحين تستطيع الحكومة استحداث آلاف الوظائف، يصبح تأجيل إصلاح سوق العمل أقل كلفة سياسياً على المدى القصير. كما أن توافر النقد الأجنبي لتمويل الاستيراد قد يخفف الضغط من أجل بناء صناعة محلية قادرة على المنافسة.
بهذا المعنى، لا يقتصر أثر النفط على توفير الإيرادات، بل يمتد إلى تشكيل الحوافز السياسية والاقتصادية، وإتاحة تأجيل القرارات الصعبة ما دامت العائدات كافية لتمويل الإنفاق.
وهذا ما يجعل أزمة عام 2026 أبعد من مجرد تقلب في أسعار النفط. إنها تكشف هشاشة سلسلة الاعتماد بأكملها: اضطراب طرق التصدير يهدد الكميات المصدّرة، وتراجع الصادرات يضغط على الإيرادات، وانخفاض الإيرادات يضيّق قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وقد تمتد الضغوط إلى سعر الصرف إذا تزعزعت الثقة بالوضع المالي.
عندها تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة، من بينها الاقتراض، أو استخدام الاحتياطيات، أو تأجيل بعض المدفوعات، أو خفض الإنفاق، أو زيادة الإيرادات غير النفطية، أو اللجوء إلى تعديلات في سعر الصرف. ولكل خيار كلفته الاقتصادية والاجتماعية، وقد تتفاقم هذه الكلفة حين تُتخذ القرارات تحت ضغط الأزمة بدلاً من أن تكون جزءاً من خطة إصلاح تدريجية.
وهنا تتضح المفارقة: قد تبدأ الأزمة في أسواق النفط أو في مضيق هرمز، لكنها تنتهي في حياة المواطن؛ في راتبه، وفي أسعار السلع التي يشتريها، وفي مستوى معيشته.
لذلك، ليس من الواقعي اختزال الحل في خفض الرواتب، كما لا يمكن التعهد باستمرار الإنفاق بالمستويات نفسها مهما كانت الظروف. فالخيار الأول قد يحمّل المواطنين أعباء غير عادلة، والثاني يبقي الدولة أسيرة نموذج مالي لا يستطيع الصمود أمام الصدمات.
ما يحتاج إليه العراق هو إصلاح تدريجي يوازن بين الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية، ويعالج أسباب الاختلال بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.
تبدأ المعالجة بوقف التوسع غير المستدام في الجهاز الحكومي، وإصلاح نظامي الرواتب والتقاعد تدريجياً، بما يحدّ من نمو الالتزامات الدائمة ويربط الإنفاق بالقدرة الفعلية للاقتصاد على تحمّله، مع صون الحقوق المكتسبة وحماية أصحاب الدخول المنخفضة والفئات الأكثر هشاشة.
ويوازي ذلك العمل على زيادة الإيرادات غير النفطية، من خلال تحسين الإدارة الضريبية والجمركية، ومكافحة التهرب، وتوسيع الامتثال الضريبي، ومعالجة الاختلالات في الاقتصاد غير الرسمي. فالاستدامة المالية لا تتحقق بمجرد خفض النفقات، بل ببناء قاعدة إيرادات أكثر تنوعاً واستقراراً.
غير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، لن تكون كافية ما لم يصاحبها تحول حقيقي في دور القطاع الخاص.
فالعراق لا يحتاج فقط إلى تقليص اعتماده على الدولة بوصفها ربّ العمل الرئيسي، بل إلى اقتصاد قادر على توفير وظائف مستقرة وأجور مناسبة ومسارات مهنية واضحة خارج القطاع الحكومي. ولا يمكن مطالبة الشباب بالتخلي عن انتظار الوظيفة الحكومية ما دامت البدائل محدودة أو غير مستقرة.
كذلك، يصعب جذب الاستثمار طويل الأجل ما دامت البيئة القانونية والتنظيمية والتمويلية معقدة، أو ظلت الضمانات اللازمة للمستثمرين غير كافية. ولا يمكن بناء قطاع خاص تنافسي إذا استمرت الدولة في منافسته في مجالات متعددة مستفيدة من مواردها النفطية ونفوذها المالي، من دون قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص.
لهذا، لا يعني تنويع الاقتصاد مجرد زيادة إنتاج القمح، أو إنشاء مصنع، أو افتتاح شركة جديدة. إنه تحول في العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين الدولة والمواطن: من دولة توفّر الوظيفة إلى دولة تهيئ البيئة التي تسمح بخلق الوظائف؛ ومن دولة تعتمد على توزيع الدخل إلى دولة تساعد على توليده؛ ومن اقتصاد يعتمد على ما تستخرجه الأرض إلى اقتصاد يعتمد أيضاً على ما ينتجه الإنسان.
لا يحتاج العراق إلى التخلي عن النفط كي يتخلص من الاعتماد المفرط عليه، بل إلى استخدامه بصورة أفضل. فالعائدات النفطية ينبغي ألا تقتصر على تمويل الالتزامات القائمة، وإنما أن تتحول، عبر استثمارات مدروسة، إلى أصول منتجة تواصل توليد المنافع حتى عندما تنخفض أسعار النفط أو تتعطل الصادرات.
ويشمل ذلك محطات كهرباء تعمل بكفاءة، وشبكات نقل حديثة، وموانئ متطورة، وصناعات بتروكيميائية، وزراعة حديثة، وأنظمة فعالة للمياه والري، وتعليماً مهنياً يستجيب لاحتياجات السوق، وجامعات مرتبطة بالإنتاج والابتكار، وبنية رقمية متطورة، وقطاعاً مالياً قادراً على تمويل الشركات، ومؤسسات قانونية وتنظيمية تجعل الاستثمار الخاص أكثر أمناً وجدوى.
ولا يتحقق هذا التحول بالمشروعات وحدها، بل يتطلب أيضاً تغييراً في طريقة إدارة المال العام، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز المؤسسات القادرة على تنفيذ السياسات ومتابعتها، وضمان استمرار الإصلاح حتى عندما تتحسن أسعار النفط وتتراجع الضغوط المالية.
فالتحدي الحقيقي ليس مجرد امتلاك الموارد، بل تحويلها إلى قدرة إنتاجية ومصادر دخل مستدامة. وكلما تأخر هذا التحول، بقيت الدولة مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط كل أزمة جديدة، بدلاً من إدارة ماليتها العامة وفق رؤية طويلة الأجل.
يستطيع العراق أن يواصل بناء موازناته على افتراض أن النفط سيظل قادراً على دفع الفاتورة، أو أن يبدأ تدريجياً في بناء اقتصاد تكون فيه الإيرادات النفطية جزءاً من الحل، لا شرطاً أساسياً لاستمرار الدولة في دفع الرواتب والوفاء بالتزاماتها.
الخيار الثاني أصعب سياسياً واجتماعياً، لكنه أقل كلفة على المدى الطويل من استمرار الحلقة نفسها: ارتفاع أسعار النفط، ثم توسع الإنفاق، فتضخم الالتزامات، ثم عودة الأزمة عندما تتراجع الأسعار أو تتعطل الصادرات.
لهذا، قد تكون أزمة عام 2026 أكثر من أزمة مالية عابرة؛ إنها اختبار لقدرة النموذج الاقتصادي العراقي على الصمود أمام الصدمات، ولقدرة الدولة على تحويل الثروة الطبيعية إلى أساس لاقتصاد منتج.
فالدولة التي تمتلك النفط، لكنها تخشى يوم الراتب، ليست فقيرة بالمعنى التقليدي. إنها دولة غنية بالموارد، لكنها لم تنجح بعد في تنويع مصادر دخلها بما يضمن استدامة ماليتها العامة.
وهنا يكمن جوهر المفارقة، والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه العراق ليس كيف يجد المال لدفع رواتب الشهر المقبل، بل كيف يبني اقتصاداً يجعل دفع هذه الرواتب أقل ارتباطاً بسعر البرميل في الشهر المقبل.
العراق لا يحتاج إلى اقتصاد بلا نفط، بل إلى اقتصاد يستطيع الصمود عندما تتراجع إيرادات النفط.
وهنا يبدأ الخروج الحقيقي من لعنة النفط.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟