أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوزيف تحوت - الفيض الأدبي والفيض الإلهي















المزيد.....

الفيض الأدبي والفيض الإلهي


جوزيف تحوت
كاتب

(Jousseph Thouth)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 09:39
المحور: الادب والفن
    


لطالما أدهشني ذلك التشابه الدقيق بين الآليات المنتجة للحقيقة في الفكر الديني والأسطوري، والآليات المنتجة للمجاز في اللغة، تلك الدهشة التي بدأت مع قراءتي لكتاب ”الغصن الذهبي“ لمؤلفه ”جيمس فريزر“، وكان أول ما أثار انتباهي في ذلك الكتاب هو رد جيمس فريزر المبادئ المعرفية التي ضمنها ومن خلالها يعمل عقل الساحر إلى مبدأين اثنين: التشابه – الانتشار والاتصال [1]، وهما يقابلان بوضوح العلائق التي ضمنها ومن خلالها يتحقق المجاز اللغوي وفقا للبلاغة العربية، إذ يمكن رد هذه العلائق جميعا إلى مبدئين اثنين، وهما: التشابه المؤسس للاستعارة بنوعيها، والمجاز المرسل الذي يشمل كل شكل من أشكال التعلق بين المعنيين: الحقيقي، والمجازي عدا المشابهة؛ وهو ما حرك في وعيي العديد من التساؤلات حول طبيعة المعرفة البشرية، وعزز فيه النظرة التراكمية إلى طبيعة الوعي البشري، فالعقل لا يتنقل، وإنما يتراكم ضمن طبقات معرفية يعلو بعضها بعضا كما تتراكم الطبقات في جيولوجيا الأرض، والمعارف القديمة التي ثبت زيفها لا تخرج من العقل إلى العدم، وإنما تنزاح من المركز باعتبارها حقيقة وصوابا إلى الهامش باعتبارها خيالا ووهما وخطأ، بعد أن تدفن تحت طبقة معرفية أصلب وأشد جدارة، تتأسس عليها الممارسات الواعية للإنسان؛ فهل أصاب الآليات المعرفية المنظمة لوعي الإنسان بالعالم في الزمن الأسطوري والسحري هذا الانزياح بعد أن دفنت تحت طبقة معرفية أصلب، فتحولت عن إنتاج الحقيقة المادية إلى إنتاج المجاز في اللغة والأدب، وعن التأسيس للمعرفة بالحقيقة إلى التأسيس للتخييل والإيهام؟؟

ظل السؤال عالقا في عقلي يلوح فيه من آن إلى آن، حتى قرأت عن الفيض الإلهي المفضي إلى إنتاج هذا العالم كما مثلته الأديان والأساطير القديمة، وقد تزامنت قراءتي مع تحليل لنص أدبي اتخذ من التشخيص بمعناه البلاغي والأدبي أساسا له، وهنا تجددت المفارقة مرة أخرى، ما سر هذا التشابه الدقيق بين الفيض بمعناه الأدبي والفيض الإلهي كما تمثل في الأديان والأساطير القديمة؟؟

لم يكن مصطلح ”الفيض الأدبي“ وليد مبالغة طارئة تنحو به إلى مقاربة الفيض الإلهي بمعناه الديني والأسطوري، بل كان بالنسبة إلي يرجع إلى مرحلة تسبق هذه الملاحظة بسنين، ولعل أول مرة استخدمت فيها هذا المصطلح كنت في المرحلة الجامعية، وكنت أستخدمه في الدلالة على تلك الحالة التي يصف فيها الشاعر ما اتصل بالممدوح بصفات الممدوح، كأن يصف رمح الفارس بالشجاعة وسيفه بالهيبة، وهو ما اعتادت البلاغة العربية أن تسميه بالمجاز الإسنادي لعلاقة المجاورة أو الظرفية وما شابهها من العلاقات، وكنت أقول في تفسير مثله: وكأن معنى الشجاعة قد طغى في الممدوح حتى جاوز حدوده المادية وفاض على ما اتصل به من سلاح ونحوه، وكنت أستخدم مصطلح ”الفيض الأدبي“ في الدلالة على هذه الحالة استخداما صريحا.

وبالعودة إلى ما ادعيته من قبل من التشابه الدقيق بين الفيض الإلهي والفيض الأدبي، نجد أن واجب الوجود قد فاض نوره، أو فاضت كلمته، لا بإرادة ولا بفعل مستأنف منه، وإنما بمحض وجوده، وكلازم من لوازم هذا الوجود، فاض نوره، أو فاضت كلمته على العماء، فمنح هذا العماء مستوى أعلى من مستويات الوجود، إذ منحه الصورة، وبالصورة تحدد جنس كل موجود وماهيته وخصائصه، وقد حمل النور الصورة إلى العماء كما يحمل الضوء صور الأجسام التي انعكس عنها إلى الأبصار، وقد شكلت الكلمة الصورة في العماء كما تتشكل البنية الصوتية المخصوصة في الصوت اللامتمايز المتصور وجوده قبل التقطيع الصوتي والمقابل في تصوره والشعور به للعماء، وقد انتهى هذا الفيض إلى إنتاج الكائن الأسمى باعتباره التمثيل الأصدق لصورة الإله المنعكسة في نوره أو كلمته الفائضة في العماء، وهو الإنسان.

ولعل من الطريف أن هذا التصور الديني والأسطوري القديم للفيض الإلهي يتقاطع في العديد من مواضعه مع الفيض بمعناه الأدبي، فالفيض الأدبي نتاج حالة يلتقي فيها الأديب بالعالم ضمن شعور طاغ ومهيمن في نفسه، وفي هذه اللحظة من الزمن المقدر قبل تحقق الفيض تمثل الموجودات التي تقع خارج الأديب حالة من العماء السابق على فعل الخلق والتصوير، لما كانت لا تحمل في وجودها صورة ولا معنى ولا صفة ولا تبريرا من قبل هذا الشعور الطاغي في نفس الأديب، والذي استبد بأحاسيسه وهيمن على تصوره للموجودات حتى قطع في ناظريه صلتها بأصولها المادية والروحية كما تقررت في العلوم والأديان، وصار يؤسس لها في وجودها ومعرفتها تأسيسا جديدا انطلاقا مما يقتضيه فيها الشعور الطاغي في نفس الأديب، فيحدد قسماتها، وألوانها، وحركاتها، وسكناتها بما يجعلها تجسيدا لذلك الشعور الذي يبدعها ويخلقها خلقا جديدا، وكما أن الفيض الإلهي كما تمثل في الأديان والأساطير القديمة لم يكن بإرادة وفعل مستأنف من الإله وإنما كان عن محض وجوده كلازم من لوازم هذا الوجود وضرورة من ضروراته، كذا الفيض الأدبي لا يخضع لإرادة الشاعر وفعله المستقل إلا خضوعا نسبيا، فلا يكون متى وكيف شاء الشاعر بمعزل عما يعتمل في نفسه من شعور وإلا كان غثا متكلفا أدنى من أن يقال فيه أدب، ولا يملك الشاعر الأمر في كفه وكبحه من كل وجه وفي كل وقت، إذ هو يعمل في نفسه كما تعمل الحاجة البيولوجية في البدن، كلازم من لوازم وجوده، وضرورة من ضرورات حسه بالعالم؛ وكما أن الإنسان هو الغاية النهائية من الفيض الإلهي والتجلي الأسمى من تجلياته، كذا كانت الأنسنة هي الغاية النهائية من الفيض الأدبي والتجلي الأسمى من تجلياته.

ولا يتحقق الفيض الأدبي في الأدب ضمن مستوى واحد أو درجة واحدة، وإنما يتحقق ضمن مستويات متباينة يتجاوز بعضها بعضا، دون أن يقال إن هذا أبلغ أو أكثر أدبية من ذاك، وأول هذه المستويات، أن يبرز الفيض الأدبي في الموجودات معانيها الكامنة فيها، والسابقة في وجودها على الفيض، وغاية ما يفعله الفيض الأدبي في هذه المرحلة أنه يعيد تشكيل وعينا بالموجودات، فيضخم ويدفع فيها نحو المقدمة ما يتفق معه، ويقمع ويدفع فيها نحو القاع ما لا يتفق معه، دون أن يستجد فيها ما لم يكن حاصلا قبل الفيض، ويمكن أن نستشهد على ذلك المستوى من الفيض بعينية أبي ذؤيب الهذلي «أمن المنون وريبها تتوجع».

وثاني هذه المستويات، أن يعلل الفيض الأدبي السمات الحسية المدركة في الموجودات والسابقة في وجودها على الفيض، ضمن ومن خلال الشعور الطاغي في نفس الأديب، فالقسمات والألوان والحركات والسكنات ليست نتاج تطور طبيعي أو تطور وظيفي وغائي في المدركات، وإنما هي الإشارات التي ضمنها ومن خلالها تتجسد العاطفة وتمارس عملها في محيطها، وما دأبت البلاغة العربية على تسميته بحسن التعليل، ويمكن أن نستشهد على ذلك المستوى من الفيض بتائية أبي الحسن الأنباري «علو في الحياة وفي الممات».

وثالث هذه المستويات، أن يعيد الفيض الأدبي خلق الموجودات المحيطة بالشاعر بما يجعلها تعبيرا أبلغ وأشد صدقا عن الشعور الطاغي في نفس الأديب، فيخلق فيها من القسمات والألوان والحركات والسكنات ما ليس حاصلا في وجودها السابق على الفيض، وهو يشمل كل تشبيه أو استعارة تجسم المعنوي أو تخرج بالمادي عن حدوده المألوفة لتفجر فيه من الأبعاد والمدركات ما لا يعهد في مثله.

ورابع هذه المستويات وآخرها، هو الأنسنة أو التشخيص، وتحدث الأنسنة عندما يفيض الأديب بوجوده كإنسان حي يمتلك القدرة على الحس والشعور والتصور والتعبير على الوجود من حوله، فإذا بالموجودات من حوله كائنات حية وعاقلة تمتلك وتعبر عن موقف وجداني من العالم، ويمكن أن نستشهد على هذا المستوى بنص ”مناظرة السيف والقلم“ لابن الوردي.

وضمن هذه المستويات الأربعة الواضحة توجد مستويات ضمنية يصعب ردها بشكل واضح إلى أي مستوى من المستويات المذكورة، كأن يمنح السيف من صفات حامله ما لا يوجب الماهية الإنسانية وإن كان يشير إليها، مما يحول دون تحقيق الأنسنة بمعناها الواضح، ودون أن يستدل على هذا المعنى بالسمات الحسية المدركة في السيف مما يحول دون تحقيق حسن التعليل بمعناه الواضح.

إن كل ما قررناه ينتهي بنا إلى التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الفيض الإلهي والفيض الأدبي، وعن طبيعة التشابه بينهما، هل يمكن أن يكون تشابها عارضا؟ فإن لم يكن عارضا، فأيهما صورة الآخر؟ هل الفيض الأدبي في الإنسان استجابة لبصمة الألوهة الراسخة فيه التي هي بقايا الفيض الإلهي الذي أنتجه، فتكون الأدبية بذلك قبسا إلهيًّا باقيا عن الفيض الإلهي في الإنسان؟ أم إن الفيض الإلهي صورة من صور الفيض الأدبي الذي عرفه الإنسان منذ القدم إذ فاض بوجوده كما شعر به وتصوره على الطبيعة من حوله، فجعلها صورة منه، ترضى كما يرضى، فتغدق عليه بالنعم، وتغضب كما يغضب، فتقصفه بالبراكين والزلازل والرعود والفيضانات، ويمكن بالسحر استدراجها والتأثير فيها فتغير خططها نحوه، كما يمكن استدراجه والتأثير فيه هو كإنسان، ويمكن استرضاؤها والتوسل إليها كي تنعم عليه وترفع غضبها عنه، كما يمكن استرضاؤه والتوسل إليه هو كإنسان؟ أيهما صورة للآخر؟ هل الفيض الأدبي صورة للفيض الإلهي؟ أم الفيض الإلهي صورة من صور الفيض الأدبي؟

المصادر والمراجع:

[1]: انظر الفصل الثالث من كتاب ”الغصن الذهبي“، لجيمس فريزر.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)       Jousseph_Thouth#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدليل والتفسير في المعارف الإنسانية
- المعري والإمام المنتظر
- الحقيقة بين الحضور والانزياح
- الكلمة والحقيقة
- السياق والكلمة
- تطور المعرفة من الحدس إلى النص
- ستة متجولين في روما نسخة معدلة
- البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
- البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
- قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
- البلاغة الجديدة
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- الفنان الأمريكي ماكلمور يفتتح جولة «فلسطين حرة» من دبلن ويتع ...
- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوزيف تحوت - الفيض الأدبي والفيض الإلهي