|
|
البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
جوزيف تحوت
كاتب
(Jousseph Thouth)
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 06:34
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
لم تنشأ البلاغة القديمة أول ما نشأت علما مستقلا يعي ذاته وحدوده، وإنما نشأت موزعة ضمن غيرها من العلوم، فنشأت في تفسيرات الفقهاء، وحجاجات المتكلمين، وخصومات النقاد، وتعليلات النحويين، حتى ليمكنك ببعض من الاطلاع على الثقافة العربية أن تدرك الخلفيات العقدية والفقهية والنقدية والنحوية لكل مبحث من مباحث البلاغة العربية؛ وذلك أن الدرس البلاغي لم يكن هدفا لذاته وإنما كان دائما وأبدا وسيلة لإثبات نتيجة ضمن مجال معرفي آخر، فاتخذها المتكلمون وسيلة لإثبات طبيعة الإله أو لإثبات إعجاز القرآن، واتخذها الفقهاء وسيلة للتمييز بين الواجب والمستحب من كل أمر وبين المحرم والمكروه من كل نهي، واتخذها النقاد وسيلة للإعلاء من شأن الأديب أو الحط منه؛ وبذلك نشأت البلاغة العربية كمعرفة تطبيقية تتحيث النشاط المعرفي عند العرب في العديد من اتجاهاته وانتماءاته؛ مما يؤكد أهميتها عند مختلف الفرق الدينية والمذاهب الفقهية والاتجاهات النقدية، وسأناقش في هذه المقالة المحاور التالية:
- البلاغة القديمة والفاعل الواحد. - البلاغة القديمة والليس كمثله شيء. - البلاغة القديمة وإعجاز القرآن. - البلاغة القديمة والتشريع الديني. - البلاغة القديمة والنقد الأدبي. - ذكر المسند إليه كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - تعريف المسند إليه باسم الإشارة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - التمني كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - الإيجاز والإطناب كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - التشبيه والاستعارة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - المجاز اللغوي كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - الكناية كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - الطباق كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - التورية كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع. - حسن التعليل كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع.
البلاغة القديمة والفاعل الواحد
يتخذ التوحيد عند المسلم العادي معنى بسيطا يتمثل في أن الإله هو الله ولا إله غيره؛ إلا أنه يتخذ عند المتكلمين معانيَ أبعد عمقا وأشد تعقيدا، ومن هذه المعاني الفاعل الواحد، فالله هو الفاعل لكل الأفعال التي تقع في الكون ولا فاعل سواه يشاركه فيها؛ ومن ثم ظهر مبحث كمبحث المجاز الإسنادي ليؤول العديد من الجمل التي أُسنِدَ فيها الفعل لغير الله حتى يرد الفعل لله، ومن هذه الجمل "شفى الطبيب المريض" فالله هو فاعل الشفاء لا الطبيب، وإنما أُسنِدَ الشفاء إلى الطبيب لأنه سبب للفعل [1]؛ وبذلك يصرف المجاز الإسنادي الفعل عن فاعله المذكور في النص ليرده إلى فاعله الحقيقي الله، ولم يكتف المتكلمون بذلك بل راحوا ينسبون كل حدث من أحداث الطبيعة لله، ويؤولون كل نص ينسب أي شكل من أشكال الفاعلية لمظاهر الطبيعة، وأُورِدُ في الدلالة على ذلك ما نقله ابن رشيق القيرواني عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز: "لو كان المجاز كذباً لكان أكثرُ كلامنا باطلا؛ لأنَّا نقول: نَبَتَ البَقْلُ، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول: كان هذا الفعلُ منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يُكَوَّن" [2]، فالبقل لا ينبت وإنما الله ينبته، وكذا الشأن في كل حدث طبيعي من الأحداث المذكورة أو غير المذكورة في النص، وإنما أُسنِدَت الأفعال في اللغة إلى مظاهر الطبيعة بضرب من المجاز والتصوير، ولا يكتفي ابن قتيبة بإيراد أحداث الطبيعة كمثال على أفعال الله المسندة إلى غير فاعلها، حتى يورد أحداث الاجتماع البشري "رخص السعر"؛ ليكشف بذلك عن مذهب الأشعرية وغيرهم في إقرار الله فاعلا لكل فعل يفعله الإنسان وإن كان فعلا قبيحا وليس للإنسان فيه إلا أنه اكتسبه بمحض إرادته.
البلاغة القديمة والليس كمثله شيء
ومن المعاني التي اتخذها التوحيد عند العديد من الفرق الفرادة التامة والتنزه التام عن سائر المخلوقات، فكما لا يتأتى أن يشارك الله أحد في خلق الكون وتدبيره كذلك لا يتأتى أن يشاركه أحد في صفاته، مما يوجب له الفرادة التامة والتنزه عن كل صفة من صفات المخلوقات؛ ومن ثم برز مبحث كمبحث المجاز اللغوي ليؤول كل كلمة توحي بمشابهة الله للحوادث، أي: المخلوقات، فليس المراد من ذكر الاستواء والعرش في "الرحمن على العرش استوى" ما يراد في ملوك البشر من عروش وجلوس، وإنما يراد مجرد مقتضاه من اطراد ملكه وتصرفه فلا ينازعه فيهما منازع، وليس المراد من ذكر العين في "ولتصنع على عيني" ما يراد مثله في البشر من الحاسة المعروفة وإنما يراد الحرص والرعاية لا أكثر[3].
البلاغة القديمة وإعجاز القرآن
كانت قضية إعجاز القرآن من أكثر القضايا إثارة للجدل في التراث العربي، واتخذت هذه القضية منحنى خاصا مع إبراهيم بن سيار النظام، وهو واحد من أبرز أئمة المعتزلة، ذهب إلى أن القرآن كان معجزا بمعانيه دون نصه لما تضمنه من أخبار الغيب، وأن نصه كان ضمن المقدور البلاغي للعرب إلا أن الله صرفهم عنه [4]؛ فكتب أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني كتابه "إعجاز القرآن" ليثبت أن القرآن معجز بنظمه المطرد على حد واحد من البلاغة والبيان يعجز عنه كل أديب كما أنه معجز بما تضمنه من أخبار الغيب [5]، كما كتب الإمام عبد القاهر الجرجاني مرجعه الأهم في البلاغة العربية "دلائل الإعجاز" ردا على رأي النظام، وينفي عبد القاهر في كتابه أن يكون القرآن معجزا لصفة ترجع إلى مجرد لفظه أو صفة ترجع إلى مجرد معناه وإنما كان القرآن معجزا لخصوصيات تؤكد علو نظمه فوق كل نظم بشري، وكل من الباقلاني وعبد القاهر يذكر الصرفة ويردها بنصه الصريح [6]؛ كما كُتِبَت العديد من المؤلفات الأخرى التي تحاول إثبات الإعجاز البلاغي للقرآن، والتي أثرت مباحث البلاغة العربية بالعديد من المناقشات والآراء العميقة والثرية، ومن هذه المؤلفات: بيان إعجاز القرآن لأبي سليمان الخطابي، والنكت في إعجاز القرآن لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني.
البلاغة القديمة والتشريع الديني
تكررت صيغ الأمر والنهي كثيرا في القرآن الذي هو المصدر الأول للتشريع، مثل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وليست هذه الأوامر والنواهي سواء بل منها ما يكون إلزاما وإيجابا، ومنها ما يكون إباحة، ومنها ما يكون نصحا، ومنها ما يكون تسوية، ومنها ما يكون إكراما، ومنها ما يكون تهديدا، ومنها ما يكون تعجيزا، ومنها ما يكون إهانة؛ ومن ثم كانت حاجة المشرع المسلم إلى البلاغة العربية ليميز بها الدلالة الأصح لكل صيغة حتى يقترب بتشريعاته إلى مراد الله ما أمكنه.
البلاغة القديمة والنقد الأدبي
نشأت العديد من المباحث البلاغية في أحضان النقد الأدبي، ومن ذلك ما ذكره المرزباني في كتابه "الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء": "ومما يعاب على جرير قوله:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ∴ من العبيد وثلث من مواليها
ويروى: "كانوا ثلاثة أثلاثا فثلثهم"، فحدثني علي بن عبد الرحمن، قال: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى المنجم، عن أبيه أن جريرا لما قال هذا البيت قيل لرجل من بني حنيفة: من أيهم أنت؟ قال: أنا من الثلث الملغي" [7]؛ ومنه ما أورده ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده": "ودخل جرير على عبد الملك بن مروان فابتدأ ينشده: "أتصحو أم فؤادك غير صاح"، فقال له عبد الملك: "بل فؤادك يا ابن الفاعلة" كأنه استثقل هذه المواجهة وإلا فقد علم أن الشاعر إنما خاطب نفسه"؛ ومنه أيضا -ونختم به- ما أورده ابن رشيق في كتابه المذكور: "ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس:
كأنّي لَمْ أرْكبْ جَواداً للذَّةٍ ∴ ولَمْ أتَبطَّنْ كاعباً ذاتَ خَلْخَالِ ولَمْ أسْبَاِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ، ولمْ أقُل ∴ لِخيْلِيَ كرِّى كَرَّةً بعد إجفالِ
وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، لا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه بالحجة الواضحة، فأنشد يوماً هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو قال:
كأنّي لَمْ أرْكبْ جَواداً، ولمْ أقُل ∴ لِخيْلِيَ كرِّى كَرَّةً بعد إجفالِ ولَمْ أسْبأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ للذة ∴ ولَمْ أتَبطَّنْ كاعباً ذاتَ خَلْخَالِ
لكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في بيت، وذكر النساء والخمر في بيت، فالتبس الأمر بين يدَي سيف الدولة، وسلموا له ما قال، فقال رجل ممن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، الله أصدق منك حيث يقول: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى �﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾، فأتى بالجوع مع العري ولم يأتِ به مع الظمأ، فسرَّ سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة. قال صاحب الكتاب: قول امرئ القيس أصوب، ومعناه أغرّ وأغرب؛ لأن اللذة التي ذكرها إنما هي الصيد، هكذا قال العلماء، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء: فجمع في البيت معنيين، ولو نظمه على ما قال المعترض لنقص فائدة عظيمة، وفضيلة شريفة تدل على السلطان، وكذلك البيت الثاني: لو نظمه على ما قال لكان ذكر اللذة حشواً لا فائدة فيه؛ لأن الزق لا يُسبأ إلا للذة، فإن جعل الفتوة كما جعلناها فيما تقدم الصيد قلنا: في ذكر الزق الروي كفاية ولكن امرأ القيس وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهة" [8].
وعلى الرغم من النشأة المتفرقة التي نشأتها البلاغة العربية ضمن العديد من مجالات العقل العربي القديم، إلا أنها تحلقت في جميع أو معظم مباحثها حول محور واحد انطلقت منه في شتى مجالاتها، وهو محور العلاقة بين النص والعقل والواقع، وسأتناول في الفقرات التالية العديد من المباحث البلاغية تناولا تطبيقيا لأثبت من خلاله العلاقة العضوية بين الدرس البلاغي القديم وبين هذا المحور؛ وهذا المحور هو ما ينبغي أن ترتكز عليه البلاغة الجديدة بشكل واعٍ وأبلغ تنظيما، وبذلك تكون البلاغة الجديدة امتدادا وتطويرا للبلاغة القديمة؛ وسأستخدم أثناء هذه الدراسة التطبيقية "النص - العقل" كدلالة على العلاقة بين النص والعقل، وسأضع بعد كلمة "العقل" (التصور - الشعور) كتوضيح للمقصود بكلمة "العقل".
ذكر المسند إليه كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
ورد في كتاب "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" لابن رشيق القيرواني: ومن شعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وكان مجوّدًا- ما قاله يوم صفين يذكر هَمْدَان ونصرهم إياه:
وَلَمّا رَأيتُ الخَيلَ تَرجمُ بالقَنا ∴ نَواصِيهَا حُمرُ النُّحورِ دَوامِي وأعرضَ نقعٌ في السماءِ كأنهُ ∴ عجاجةُ دَجْنٍ مُلبَسٍ بِقَتامِ ونَادَى ابنُ هِنْدٍ فِي الكَلاعِ وحِميَر ∴ وكِندَةَ فِي لَخْمٍ وحَيِّ جُذامِ تَيمّمتُ هَمْدَان الذِينَ همُ همُ ∴ -إذَا نابَ دَهْرٌ- جُنَّتي وسِهَامي فجاوَبني مِن خَيلِ هَمْدَان عُصْبَةٌ ∴ فَوارسُ مِن هَمدان غَيرُ لِئَامِ فَخَاضُوا لَظَاهَا واستَطارُوا شِرَارَها ∴ وكانُوا لدَى الهَيْجا كشُربِ مُدَامِ فَلو كُنتُ بَواباً علَى بَابِ جَنةٍ ∴ لقلتُ لهمدان: ادخلُوا بسلامِ [9]
لعل أول ما تلاحظه في هذا النص هو تكرار "همدان" ست مرات، أربع مرات بالاسم الظاهر الصريح (همدان)، ومرتين بالضمير الظاهر الدالِّ عليهم (هم)؛ إن المعتاد في مثل هذا الموقف أن يعلل التكرار بتأكيد مكانة الذات المكررة في ذهن المتلقي، أو تأكيد نسبة المعاني إلى الذات المكررة في ذهن المتلقي، أو التلذذ بذكر اسم الذات المكررة لما يثيره في نفس المتكلم من شعور بالإشباع، أو التخفيف من آلام الحرمان التي يجدها المتكلم في نفسه، أو تخليد الذات المكررة في أذهان المتلقين؛ يمكن النظر إلى هذه الغايات جميعا في إطار مسارين اثنين متعاكسين، وهما: النص - العقل (التصور - الشعور) عند المتكلم، النص - العقل (التصور - الشعور) عند المخاطب؛ فكل هذه التفسيرات جميعا إنما تجمع على تفسير التكرار من خلال حاجة في نفس المتكلم (التلذذ - التخفيف من الآلام) أو علة في تصور في نفس المتلقي (تأكيد الذات - تأكيد نسبة المعاني إلى الذات - تخليد الذات المكررة)؛ ولقد كان يحلو لي عندما كنت جامعيا أن أنظم تصوري للعديد من مثل هذه النصوص في صورة دورة لا نهائية يغذي بعضها بعضا، وذلك كالتالي: الوجود القوي لهمدان في الحرب أنتج الشعور القوي بهمدان في نفس علي، والشعور القوي بهمدان في نفس علي أنتج التعبير القوي عن همدان على لسان علي، والتعبير القوي عن همدان على لسان علي من شأنه أن ينتج الشعور القوي بهمدان في نفس المتلقي، والشعور القوي بهمدان في نفس المتلقي من شأنه أن يعزز من وجود همدان في الواقع على الأرض بفعل الهيبة والاحترام والشعور بالمكانة في النفوس، والوجود القوي لهمدان في الواقع على الأرض من شأنه أن يعزز من مكانة همدان في نفوس المباشرين لهم، والشعور القوي بمكانة همدان في نفوس المباشرين لهم كعلي من شأنه أن ينتج تعبيرا قويا عنهم كتعبير علي، وهكذا في دورة لانهائية يعزز ويغذي بعضها بعضا، وتقبل عني كلمة "لانهائية" ببعض من التسامح وتناسي الدقة؛ وكنت أسمي ذلك بمراتب الوجود، ومراتب الوجود تلك هي التي استغرقت فيما بعد كل أو معظم أفكاري حول اللغة لتنتج ما تطور فيما بعد تحت اسم "دراسة العلاقة بين النص والعقل والواقع"، لم يكن نص عليٍّ هو أول من شرع في عقلي هذه الأفكار، لكنها تبلورت عنده إلى مستوى أعلى من الوضوح والانتظام لم تبلغه من قبل، إذ كانت من قبل حدسا شبه منظم، مما يجعلني مدينا لهذا النص؛ ويتضح لنا من خلال ذلك إمكانية دراسة مباحث: ذكر المسند إليه، ذكر المسند، التكرار، التأكيد انطلاقا من محور العلاقة بين النص والعقل والواقع، ولا يُعتَرض علَيَّ بأن التكرار قد يقع لغاية موسيقية محضة؛ فحتى الغاية الموسيقية عند الأديب البارع ينبغي أن تلتقي مع شعور عام للنص يتأجج في وجدان الأديب أو يراد إثارته في نفس المتلقي.
تعريف المسند إليه باسم الإشارة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
عندما يتناول الدرس البلاغي القديم عبارة من مثل "هذه الخيانة لا تغتفر"، فإن أول ما يلاحظه هو تعريف المسند إليه باستخدام اسم الإشارة، وعادة ما يقال في تعليل هذا التعريف: "أشار إلى الخيانة، والخيانة أمر معنوي، ليصورها في صورة الأمر الحسي الذي يرى بالبصر ويشار إليه بالجارحة"، ومنهم من يتعمق في التعليل فيقول: "اشتد شعور المتكلم بالخيانة حتى تجسمت في ناظريه في صورة جسم مادي"، أو يقول: "استخدم اسم الإشارة ليجسم الخيانة في ناظري المتلقي فيضخم شعوره بها"، ومنهم من يطنب في الجانب التقني، فيقول: "شبه الخيانة بالجسم المادي الذي يشار إليه، ثم حذف المشبه به (الجسم المادي)، وأتى بلازم من لوازمه (هذه)، وأسنده إلى المشبه (الخيانة) على سبيل الاستعارة المكنية"، ومنهم من لا يكتفي بذلك حتى يلتفت إلى اختيار (هذه) دونا عن (تلك)، فيقول: "اختار اسم الإشارة الموضوع للقريب (هذه) ليعبر عن شعوره بقرب ووضوح هذه الخيانة"، أو يقول: "ليصور للمتلقي قرب ووضوح هذه الخيانة"، والمتأمل في هذه التفسيرات جميعا يرى أنها ترتد لذات المسارين السابقين: النص - العقل (التصور - الشعور) عند المتكلم، النص - العقل (التصور - الشعور) عند المخاطب؛ فكل هذه التفسيرات جميعا تفسر التعريف باسم الإشارة من خلال شعور حادث بالفعل في نفس المتكلم (الشعور الشديد بالخيانة - الشعور بوضوح ودنو الخيانة)، أو شعور يراد إثارته في نفس المتلقي (الشعور الشديد بالخيانة - الشعور بوضوح ودنو الخيانة)، أو من خلال تصور حادث بالفعل في وعي المتكلم (تجسم الخيانة في الناظرين - دنو الخيانة ووضوحها)، أو من خلال تصور يراد حدوثه في وعي المتلقي (تجسم الخيانة في الناظرين - دنو الخيانة ووضوحها)؛ ويتضح لنا من خلال ذلك أن مباحث التعريف والقرب والبعد ليست بعيدة عن محور العلاقة بين النص والعقل والواقع، وقد يعترض على ذلك؛ لأن ضلع الواقع غير بارز في المثالين السابقين، وفي الواقع لن يكون بارزا حتى في الأمثلة القادمة، ويرجع ذلك إلى أن الواقع لا يمكن أن يوجد إلا من خلال تصورنا له وشعورنا به، إذ ما من نقطة يمكن أن ننفصل فيها عن تصورنا وشعورنا لندرك الواقع المحض المجرد عن الوعي البشري، ومع ذلك لا يمكن إخراجه من المحور، إذ يظل ضلعا صُلبا مؤثرا ومحركا.
التمني كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
ورد في القرآن ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا �﴾ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، وورد ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وورد ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ �﴾ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ �﴾ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وورد أيضا ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ �﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾؛ عندما يتناول الدرس البلاغي القديم صيغ التمني في مثل هذه النصوص، فإن أول ما ينص عليه هو الأداة التي استعملت في التمني (ليت، هل، لعل، لو، ألا، هلا)، ومن ثم يختصون (ليت) كأداة أصلية للدلالة على التمني؛ لأنها تدل على طلب المحال أو البعيد، أما (هل) فهي تعرض المتمنى المحال حدوثه في صورة المستفهم عنه الجائز حدوثه، أما (لعل) فتعرض المتمنى المحال الحدوث في صورة المرجو القريب الحدوث، أما (لو) فهي تعزز من استحالة حدوث الشيء إذ هي تدل على استحالة حدوث الجواب لاستحالة حدوث شرطه، فهي تنطوي على استحالتين اثنتين لا استحالة واحدة؛ أما (ألا - هلا) فهما يعرضان المتمنى في صورة المفترض حدوثه المحضوض عليه، وكثيرا ما تتجاوز تفسيرات البلاغيين هذا التنظير السطحي حتى تدرك التعليلات النفسية لمثل هذه الأساليب، فيرددون عبارات من مثل قول الدكتور بسيوني عبد الفتاح فيود في التمني بـ (هل): "لشدة دهشتهم وفرط حيرتهم طارت عقولهم فظنوا أن غير الممكن صار ممكنًا، فاستفهموا عنه... وهذا ينبئ بكمال العناية به وشدة الرغبة في وقوعه [10]"، ومن مثل قوله في التمني بـ (لو): "فقد وقع هذا التمني بعد رؤيتهم العذاب وتيقنهم وقوعه، وهذا مما يزيد شعورهم باليأس واستحالة الرجوع إلى الدنيا...[11]"، ومن مثل قوله في التمني بـ (لعل): "...ولكنه عدل عنها إلى (لعل) التي تفيد الترجي لغرض بلاغي وهو إبراز المتمنى المحال في صورة الممكن القريب الحصول وذلك لكمال العناية به وشدة الرغبة في وقوعه [12]"، ولعلك تلاحظ في هذه التعليلات أنها ترتكز على الحالة الوجدانية للمتكلم دون المخاطب، وذلك بخلاف الأساليب السابقة؛ وذلك لأنهم يعتبرون التمني حالة وجدانية مُلِحَّة تضغط على المتكلم بحيث تشغله عن حال المخاطب، وهذا ما يتجلى في كلمات، من مثل: شدة دهشتهم، فرط حيرتهم، طارت عقولهم، شعورهم باليأس، شدة الرغبة، وقد تتعمق تعليلاتهم في الجانب التقني، فيرددون عبارات من مثل: شبه المتمنى غير الممكن بالمستفهم عنه الممكن، ثم حذف المشبه به وأتى بلازم من لوازمه وهو أداة الاستفهام (هل)، وأسنده إلى المشبه على سبيل الاستعارة المكنية، أو تجدهم يقولون: شبه التمني المعبر عنه بـ (ليت) بالاستفهام المعبر عنه بـ (هل) في أن كلا منهما متعلقه جائز الحدوث، وبالتبعية انتقل التشبيه من الثنائي (التمني - الاستفهام) إلى الحرفين الدالين (ليت - هل)، على سبيل الاستعارة التبعية التصريحية، وبعد التأمل في مثل هذه التعليلات نجد أنها تسير جميعا ضمن مسار واحد: النص - العقل (التصور - الشعور) عند المتكلم؛ فهي تفسر أسلوب التمني في مختلف وجوهه واحتمالاته من خلال الشعور الحادث في نفس المتكلم (شدة دهشتهم - فرط حيرتهم - طارت عقولهم - كمال العناية - شدة الرغبة - شعورهم باليأس - كمال العناية)، أو من خلال التصور الحادث في وعي المتكلم (ظنوا أن غير الممكن صار ممكنًا - إبراز المتمنى المحال في صورة الممكن القريب الحصول)؛ مما يؤكد إمكانية دراسة مبحث التمني، بل كل مباحث العدول انطلاقا من محور العلاقة بين النص والعقل والواقع.
الإيجاز والإطناب كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
أورد أحمد شوقي في "الشوقيات": عُصفورَتانِ في الحِجا ∴ زِ حَلَّتا على فَنَنْ في خامِلٍ مِنَ الرُّيا ∴ ضِ لا نَدٍ وَلا حَسَنْ بَينا هُما تَنتَجيا ∴ نِ سَحَرًا على الغُصُنْ مَرَّ على أَيكِهِما ∴ ريحٌ سَرى مِن اليَمَنْ حَيّا وَقالَ دُرَّتا ∴ نِ في وِعاءٍ مُمتَهَنْ لقد رَأَيتُ حَوْلَ صَنـ ∴ ـعاءَ وفي ظِلِّ عَدَنْ خَمائِلًا كَأَنَّها ∴ بَقِيَّةٌ مِن ذي يَزَنْ الحَبُّ فيها سُكَّرٌ ∴ والماءُ شُهْدٌ وَلَبَنْ لم يَرَها الطيرُ ولم ∴ يَسمَعْ بها إلا افتَتَنْ هَيّا اركباني نأْتِها ∴ في ساعةٍ مِنَ الزَمَنْ قالت له إِحداهما ∴ والطيرُ منهنَّ الفَطِنْ يا ريحُ أَنتَ ابنُ السَّبيـ ∴ ـلِ ما عَرَفتَ ما السَّكَنْ هَبْ جَنَّةَ الخُلدِ اليمن ∴ لا شيءَ يَعدِلُ الوَطَنْ [13]
مما ينبغي أن تلاحظه في هذه الأبيات هذه المفارقة البارزة بين دعوى الريح وجواب العصفورتين، فبينما تكونت دعوى الريح من خمسة أبيات كاملة "لقد رأيت حول صنعاء.. هيا اركباني نأتها في ساعة من الزمن"، استغرق رد العصفورتين بيتين اثنين لا ثالث لهما "يا ريح أنت ابن السبيل.. لا شيء يعدل الوطن"، وبينما استغرق الريح في وصف جنته ثلاثة أبيات كاملة "خمائلا كأنها... يسمع بها إلا افتتن"، ردت العصفورتان هذه المحاسن على وجهها خائبة حاسرة في بيت واحد "هب جنة الخلد اليمن لا شيء يعدل الوطن"، فما سر هذا التناقض؟ وهل يمكن أن يقال إن العصفورتين أبلغ من الريح لأنهما انتصرتا على أبياته الثلاثة ببيت واحد؟ كلا، إن مقام الريح يختلف تماما عن مقام العصفورتين ولكل مقام منهما ما يناسبه مما لا يناسب المقام الآخر، فمقام الريح مقام إغواء واستمالة، وهو مقام يقتضي الإطناب في محاسن المغرى به، وإزالة كافة العقبات التي تحول دون تحقيقه، والتدرج في الدعوى حتى لا يشعر المخاطب بالخديعة، وهو ما تحقق في دعوى الريح إذ يعدد محاسن جنته في بيتين اثنين، لينتقل بعد ذلك إلى إزالة العقبة الأولى التي قد تمنع العصفورتين من مغادرة الوطن، وهي عقبة الحياء والشعور بالخجل، فيشير إلى افتتان عامة الطير بهذه الجنة غير عابئين بالتخلي عن الوطن، وذلك أن العاقل قد يريد الشيء ويمنعه الخجل فإذا ما رأى من يشاركونه في ظروفه من بني جنسه يقدمون عليه انكسر في نفسه الخجل؛ لينتقل بعد ذلك إلى معالجة العقبة الأخيرة، فيدعوهما إلى امتطاء ظهره كي يبلغ بهما الجنة الموعودة دون الشعور بمشقة السفر، كل ذلك في تدرج محكم لا تفاوت فيه فلا ينتبه المخاطب إلى الخديعة؛ أما العصفورتان فيختلف مقامهما تماما، فمقامهما مقام حسم للداء، وبتر للدعوة، فكل تأخر ضعف، وكل زيادة إغراء؛ ومن ثم لا بد من رد موجز ومحكم وحاسم، يحسم ما قد يكون من ريب في نفسيهما قبل أن يحسمه في نفس الريح، وهو ما تحقق في رد العصفورتين، إذ قالتا: "هب جنة الخلد اليمن"، أي: هب أن جنتك المزعومة ليست فقط ما قلت بل هبها جنة الخلد التي تشمل كل ما قلت وكل ما لم تقله من صنوف الرخاء والنعمة، بل التي تشمل الخلد الذي يفوق كل ما تتصوره من نعمة، فقالتا بذلك في شطر واحد ما لم يقله الريح في ثلاثة أبيات، بل ما لا يستطيع قوله في كتاب كامل، ثم تابعتا "لا شيء يعدل الوطن"، أي: حتى لو كانت جنتك هي جنة الخلد فلا هي ولا أي شيء يساوي الوطن، واستخدمتا لا النافية للجنس ليشمل النفي كل ما من شأنه أن يدرك في مقابلة الوطن، فعالجتا كل وسواس في نفس الريح بالقنوط واليأس؛ إن كلا من العصفورتين والريح قد استجابوا لداعي المقام، فليس أحدهما بليغا والآخر حبيسا، بل كلاهما يحسن دوره؛ وبالتأمل في هذه التعليلات جميعا نجدها تسير ضمن ذات المسارين السابقين: النص - العقل (التصور - الشعور) عند المتكلم، النص - العقل (التصور - الشعور) عند المخاطب؛ فهي تفسر إطناب الريح في دعواه من خلال مشاعر الافتتان واستسهال مغادرة الوطن التي يريد إثارتها في نفس العصفورتين، أو من خلال الصور التفصيلية العديدة التي أراد الريح إثارتها في مخيلة العصفورتين حول جنته المزعومة؛ كما تفسر إيجاز العصفورتين من خلال مشاعر الحزم والحسم التي ثارت في نفسيهما في مواجهة محاولة الريح، أو من خلال مشاعر اليأس والقنوط التي يريدان إثارتها في نفس الريح، أو من خلال الصورة اللامتناهية المحاسن لجنة عدن التي أطلقتها العصفورتان في مخيلة الريح كي تقطعان عليه كل سبيل لاستقصاء مزيد من محاسن جنته، أو من خلال صورة النكرة المنفي جنسها، وهي صورة لغوية تستقصي كل ما يتأتى إدراكه ضمن تجربة الوجود، وتنفي عنه مضاهاة الوطن؛ وبذلك يتضح أن مباحث الإيجاز والإطناب ليست بعيدة عن محور العلاقة بين النص والعقل والواقع.
التشبيه والاستعارة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
زيد كالأسد، ويحاكي الأسد، وحاكى الأسد، ومُحَاكٍ للأسد، وزيد أسد، وإنه لأسد، وكأن زيدا في الهيجاء أسد، وهو أسد على الضعفاء نعامة في كل مشهد، ولا تدري لعله الأسد، ونهض الأسد ينطق بالحق، وها هو زيد يزأر في وجه كل مبطل، وقد فرت اللصوص بين يديه وتفرقوا في كل مذهب وهل تصمد الحُمرُ في مواجهة الأسد، وكأن صورته موت يتهدد الفاسدين، وهو الأسد شجاعة والبحر جودا والجبل عقلا ورزانة والقمر بهاء؛ لم يتناول الدرس البلاغي القديم أمثال هذه العبارات من جهة واحدة أو منطلق واحد، وإنما نظر إليها من عدة زوايا وتناولها من عدة منطلقات: فتارة ينظرون إلى حضور كل من المشبه والمشبه به في النص، فتجدهم في مثل العبارة "زيد أسد" يقولون: إن كلا من المشبه والمشبه به حاضر ومستقل بلفظه عن الآخر؛ مما يمنع انصهار الحقيقتين (زيد - أسد) في حقيقة واحدة وجنس واحد، فلا زال زيد يدرك كوجود مفرد مستقل مغاير لوجود الأسد؛ ولذلك لا يزال الكلام تشبيها، ولما ينتقل بعد إلى دائرة الاستعارة، وتجدهم في مثل العبارتين: "ونهض الأسد ينطق بالحق" - "وها هو زيد يزأر في وجه كل مبطل"، يقولون: بنى كلامه على تشبيه زيد بالأسد، ثم تناسى التشبيه وادعى أن زيدا من جنس الأسد حقيقة، ثم حذف المشبه به وأتى بلازم من لوازمه وهو الزئير وأسنده إلى زيد، أو حذف المشبه وأتى بلازم من لوازمه وهو النطق بالحق فأسنده إلى الأسد، على سبيل الاستعارة، وأفضل أنا بلغتي أن أقول: انصهر وجود زيد ووجود الأسد في حقيقة واحدة، حتى صارا مدركا واحدا يعبر عنه بلفظ واحد، وهو زيد أو الأسد، ولعل من بينهم مدققا يقول: إن كان الوجود الغالب على الحقيقة الناجمة عن الاستعارة هو الوجود البشري سميت هذه الحقيقة بالاسم الموضوع للدلالة على الإنسان (زيد)، فنسلك مسلك الاستعارة المكنية، وإن كان الوجود الغالب على الحقيقة الناجمة هو الوجود الحيواني سميت هذه الحقيقة بالاسم الموضوع للدلالة على الحيوان، فنسلك مسلك الاستعارة التصريحية، وتجدهم في مثل العبارة "لا أدري لعله الأسد" يقولون: لا يزال المشبه منفصلا عن المشبه به، يدرك كوجود مستقل يعبر عنه بلفظ مختلف، ولكن الحدود بينهما آخذة في الذوبان، حتى صار وجود زيد وجودا متميعا لا يدرى أهو بشري؟ أم هو الأسد المعهود؛ وتارة ينظرون إلى مقدار التداخل بين المشبه والمشبه به، فتجدهم يقولون: أجرى التشبيه باستخدام الكاف مما يدل على ضعف الشبه بين زيد والأسد، وأجرى التشبيه باستخدام كأن مما يدل على قوة الشبه بين زيد والأسد، وأجرى التشبيه بغير أداة مما يدل على أن العلاقة بين زيد والأسد قد تجاوزت الشبه وشرعت تدخل في حد التداخل والانصهار، وأجرى التشبيه بغير أداة مع التوكيد بـ (إن) ليدل على أن التداخل والانصهار قد بلغ بين زيد والأسد مرتبة أعلى وأشد قوة وإن لم ينصهرا بعد في حقيقة واحدة يعبر عنها بلفظ واحد؛ وتارة ينظرون إلى الصورة اللغوية التي تصاغ ضمنها ومن خلالها الصورة البيانية، فيناقشون مدركات تنتمي إلى المعاني أكثر ما تنتمي إلى البيان وإن تعذر الفصل بينهما، فكل صورة بيانية لا تملك أن تصاغ إلا ضمن صورة لغوية، فتجدهم يقولون: أجرى التشبيه بالفعل (يحاكي) في صيغة المضارع، مما يدل على أن المضارعة بين زيد والأسد شيء متجدد يحدث ثم ينقطع فهو تارة يحاكيه وتارة لا يحاكيه، أو يدل على أن المضارعة بين زيد والأسد آخذة في التنامي والتقدم المستمر، ولما تبلغ حدها بعد، والسياق هو المعين أو المرجح بين الدلالات المختلفة التي يحتملها النص، وأجرى التشبيه بالفعل الماضي ليدل على أن المضارعة بين زيد والأسد قد بلغت أقصاها وتحققت كمال التحقيق حتى لا مجال لمزيد تحقق بعد، ولا يتأتى أن يقال إن المضارعة بين زيد والأسد وقعت ثم انتهت ولم يبق منها شيء بعد، وإن كان مثله مما تحتمله صيغة الماضي، إلا أن سياق المدح يأباه، وأجرى التشبيه باستخدام الاسم مُحَاكٍ ليدل على ثبات المضارعة، فزيد مضارع للأسد دائما وأبدا، فلا يتعلق به حس أو تخيل إلا هو ملازم للأسد أيا كان ظرفه وأيا كان ما يفعله، وأجرى التشبيه بغير عبارة صريحة في الدلالة عليه ليكون تشبيها ضمنيا يفهم من الكلام؛ وتارة ينظرون إلى الإفراد والتركيب في المشبه والمشبه به، فتجدهم في مثل العبارتين "كأن زيدا في الهيجاء أسد" - "هو أسد على الضعفاء نعامة في كل مشهد" يقولون: لا ينعقد تشبيه زيد بالأسد إلا في الهيجاء، ولا ينعقد إلا على الضعفاء، ولا ينعقد تشبيهه بالنعامة إلا في كل مشهد، فإذا ما انقضى المشهد عاد كسالف عهده أسدا، ويقولون في العبارة من مثل "وقد فرت اللصوص بين يديه وتفرقوا في كل مذهب وهل تصمد الحُمرُ في مواجهة الأسد"، ما شبه مفردا بمفرد فلم يشبه زيدا بالأسد، وإنما شبه هيئة بهيئة، فشبه هيئة اللصوص وهم يفرون بين يدي زيد خوفا من بطشه بهيئة الحُمرِ وهي تفرُّ في وجه الأسد خوفا من بطشه، وفي العبارة من مثل "وهو أسد على الضعفاء نعامة في كل مشهد" يقولون: شبه زيدا بالأسد في التعامل مع الضعفاء وبالنعامة عندما يوضع مع المشاهد، شبهه بشيئين اثنين ليبرز المفارقة والتناقض في صورة زيد، فهو يقسو حيث ينبغي أن يلين، ويلين حيث ينبغي أن يقسو؛ وتارة ينظرون إلى الحسية والعقلية في المشبه والمشبه به، فتجدهم في مثل العبارة "وكأن صورته موت يتهدد الفاسدين" يقولون: شبه الحسي بالمعنوي، وكأن زيدا لم يعد وجودا ماديا جامدا له حدود، بل صار وجودا روحانيا يسري في الموجودات من حوله ويحركها ويؤثر فيها كما يفعل الموت، حتى إن الفاسدين يرتدعون عن فسادهم بمجرد صورته وقبل أن يفعل شيئا؛ وتارة ينظرون إلى حضور وجه الشبه في المشبه والمشبه به، فتجدهم في مثل العبارة "هو الأسد شجاعة والبحر جودا والجبل عقلا ورزانة والقمر بهاء" يقولون: إن حضور الجود في المشبه حقيقة لكنه في البحر متصور، وكذا العقل والرزانة حضورهما في المشبه حقيقة لكنه في الجبل متصور، وذلك بخلاف البهاء الحاضر في كلا من المشبه والمشبه به حقيقة لا خيالا؛ وتارة ينظرون إلى المشاعر التي أثارت هذه العبارات في لسان المتكلم، فتجدهم يقولون: اشتد شعور المتكلم بشجاعة زيد حتى تصور في ناظريه في صورة أسد يفترس ويبطش، واشتد شعوره بالمشابهة حتى عدل عن التشبيه بالكاف إلى التشبيه بكأن، وإلى حذف الأداة، وإلى التوكيد بإن، وحتى تشتت عقله فعجز عن التمييز بين زيد والأسد، واشتد شعوره بالمفارقة والتناقض في حال زيد بين قسوته على الضعفاء ولينه مع المعتدين حتى تصور في ناظريه في صورة متناقضة متنافرة تجمع الأسد والنعامة في وجود واحد، واشتد شعوره بالوحدة والتداخل بين زيد والأسد حتى تهاوت في ناظريه الحدود الفاصلة بينهما وامتزجا معا في وجود واحد، وطغى شعوره بهيبة زيد حتى صار يشعر بها في المحسوسات من حوله، وتارة يفسرون المشابهة بوحدة الوقع الحسي بين المتشابهين فتراهم يعقدون المقارنات بين الوجه والقمر في الاستدارة والإشراق، وتارة لا يملكون إلا أن يفسروا المشابهة بوحدة الوقع النفسي فتراهم يقولون: لا يسعك أن تعقد المشابهة بين الصورة والموت في ملمح مادي يدرك بالحواس، وإنما تقع الوحدة بينهما في النفس والشعور، فصورته تثير في نفوس الفاسدين ذات الشعور الذي يثيره الموت، وتارة يفطنون إلى أن كل شبه إنما يستند إلى وحدة الوقع النفسي خاصة دون وحدة الوقع الحسي، فتراهم يقولون: إن مجرد المشابهة العارضة في أفق البصر بين المصلوب ومن يبسط ذراعيه مستقبلا أهله لا تكفي لعقد المشابهة بينهما؛ لما تثيره هذه المشابهة في النفس من شعور حاد بالتنافر، وكل تشبيه إنما يرجع لوحدة الوقع النفسي خاصة دون الوقع الحسي، فالوجه الجميل لا يمكن أن يكون قمرا في أفق البصر ولا أن يستوي به، وإنما ترجع المشابهة بينهما إلى وحدة الوقع النفسي، إلى وحدة ما يثيرانه من شعور، وكذا الشجاع لا يمكن أن يكون أسدا ولا أن يستوي به، وإنما وحدة الوقع النفسي هي الأساس في كل تشبيه؛ ومما يقولونه أيضا في الربط بين شعور المتكلم والتشبيه: كل هذه المشاعر إنما ثارت في نفس المتكلم، فحركت لسانه بالتشبيه، ولا تُنتَظُر استجابة بعينها من المخاطب "شعر بشدة فعبر بشدة"؛ وتارة ينظرون إلى المشاعر المراد إثارتها في نفس المتلقي، فتجدهم يقولون: شبه زيدا بالأسد باستخدام الفعل يحاكي في صيغة المضارع الدالة على التجدد ليصور في ذهن المتلقي مضارعة تتنامى وتتغول باستمرار، فيشعر المتلقي بالنمو والزيادة المطردة في شجاعة زيد، وشبه زيدا بالأسد بغير أداة مع ذكر (إن)؛ ليشعر المخاطب بشدة المشابهة بين زيد والأسد، وشبه زيدا تشبيهين متناقضين في عبارة واحدة فجعله أسدا ونعامة ليشعر المتلقي بشدة المفارقة والتناقض في حال زيد، وشبه فرار اللصوص في وجه زيد بفرار الحُمرِ في وجه الأسد ليشعر المتلقي بعموم شجاعة زيد وتفوقها المطلق غير القابل للمنازعة. ولسنا في حاجة إلى طويل تأمل في هذه التفسيرات لندرك أنها تندرج ضمن ذات المسارين السابقين: النص - العقل (التصور - الشعور) عند المتكلم، النص - العقل (التصور - الشعور) عند المتلقي؛ فهي تنطلق من حضور مدركين واستقلالهما في اللفظ إلى حضورهما واستقلالهما في التصور والشعور، ومن انصهار المدركين ووحدتهما في اللفظ إلى انصهارهما ووحدتهما في التصور والشعور، ومن غلبة اللفظ الموضوع للدلالة على الإنسان في اللفظ إلى غلبة الطبيعة البشرية في التصور والشعور، ومن غلبة اللفظ الموضوع للدلالة على الحيوان في اللفظ إلى غلبة الطبيعة الحيوانية في التصور والشعور، ومن التردد والتشكيك في اللفظ إلى تردد صورة زيد بين الإنسية والحيوانية في التصور والشعور، ومن الصورة اللغوية التي تتحقق ضمنها الصورة البيانية في اللفظ إلى مقدار التداخل بين المشبه والمشبه به في التصور والشعور، أو إلى مدى ثبات التداخل أو تحققه وانقطاعه أو تجدده وتناهيه بين المشبه والمشبه به في التصور والشعور، ومن انفراد المشبه في اللفظ إلى شمول التشبيه له في كل أحواله في التصور والشعور، ومن تقيده في اللفظ إلى شمول التشبيه له في حالة محددة في التصور والشعور، ومن انفراد المشبه به في اللفظ إلى انعقاد التشبيه به في كل أحواله في التصور والشعور، ومن تقيده في اللفظ إلى انعقاد التشبيه به في حالة واحدة في التصور والشعور، ومن تعدد التشبيه لمشبه واحد في اللفظ إلى تعدد صور وأحوال المشبه في التصور والشعور، ومن تركيب المشبه أو المشبه به في اللفظ إلى تركيبه وتعقيده في التصور والشعور، كما تجدهم يناقشون طبيعة المشبه والمشبه به ووجه الشبه من حيث هي مدركات مادية محسوسة أو مدركات معنوية متصورة ولا شبهة في اتصال هذه المسائل بالحس والتصور البشريين، كما تجدهم يناقشون طبيعةَ وحجمَ المشاعر التي أثارت هذه الصورَ في نفس المتكلم، أو التي ثيرها هذه الصورُ في نفس المتلقي؛ ثم إن انطلقت تفسيراتهم من النص إلى العقل (التصور - الشعور) الذي أنتج النصَّ كانت تفسيراتهم ضمن المسار الأول الذي ينطلقُ من النص إلى المتكلم، وإن انطلقت تفسيراتهم من النص إلى العقل (التصور - الشعور) الذي ينتجه النصُّ كانت تفسيراتهم ضمن المسار الثاني الذي ينطلق من النص إلى المتلقي؛ وبذلك يتأكد أن دراسة مباحث التشبيه والاستعارة شديدة الصلة بمحور العلاقة بين النص والعقل والواقع.
المجاز اللغوي كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
قال الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم ∴ رعيناه ولو كانوا غضابا [14]
فقال البلاغيون: إن السماء لا تنزل بالأرض ولا تُرعَى، وإنما يُرعَى العشب، والعشب ينبت في الأرض بفعل المطر، والمطر ينزل من السماء، فلما اتصلت السماء بالعشب بعلاقة معقولة، جاز لأجلها أن تنزل السماء منزلة العشب في اللفظ مع إرادة العشب في التصور والشعور، وقال الله "واسأل القرية"، فقال البلاغيون: القرية مكان وصخر ونبات وحيوان وبشر، ولا يتأتى في المكان أن يسأل، وإنما يسأل البشر الحالُّون في القرية، ولكن العلم بالمسئول عنه قد شاع وعَمَّ حتى تجاوز العاقلين إلى غيرهم مما لا يتأتى فيه عقل ولا حياة، حتى يتأتى في المكان وكل ما اشتمل عليه أن يجيب إذا سئل، ولسنا في حاجة إلى القول بأن هذا من قبيل المبالغة، ولعل مدققا منهم يقول: وإنما أسقط الرعاية على السماء وكان في مقدوره أن يسقطها على العشب أو النبات ليصور لك أن قومه من العزة والرفعة والحول بحيث يرعون السماء ذاتها، وهكذا الشأن في كل مجاز، فكل لفظ معدول إليه عن اللفظ الذي يقتضيه السياق لا يغادر معناه الأصلي مغادرة تامة ولا يتخلص للدلالة على مجرد المعنى الذي يقتضيه السياق، وإلا خرجنا عن حدود الكلام البليغ إلى الجنون والهذيان، إذ نكون إزاء استبدال عبثي للألفاظ لا يرد به خلق تصور أو إبراز شعور، وهذا ما قاله الإمام عبد القاهر في حديثه عن الاستعارة [15]، ولعله يتعمق في تعليله أكثر فيقول: وهذا التصور إنما يعبر عن الشعور القوي في نفس الشاعر بعزة قومه ومنعتهم وسلطانهم، ذلك الشعور الذي استبد بنفسه وملأ عليه أقطارها فأنطق لسانه بمثل هذا النص، وإنما صوَّر العلم بالمسئول عنه في صورة القضية العامة التي تشمل كل موجود وإن لم يكن عاقلا بل وإن لم يكن حيا، ليعبر بما ادعاه من إطلاق وعموم عن شعوره القوي بوضوح القضية في المسئول عنه واستقرارها، حتى ليكاد لشدة وضوحها أن ينطق بها الحجر، ولربما ادعى ما ادعاه في المرعيِّ والمسئول عنه ليثير في نفس المتلقي هذه المشاعر التي ثارت في نفسه؛ تأمل الآن وأعد النظر، فهل تبصر في تفسيراتهم شيئا لا يتصل بمحور العلاقة بين النص والعقل والواقع؟ ألم يعللوا تفسيرهم للسماء بالعشب بما يكون في المادة والواقع من أن السماء لا ترعى، ومن أن العشب متصل بالمطر، والمطر ينزل من السماء؟ ألم يعللوا تفسيرهم بما يتصور وبما لا يتصور في الموجودات؟ وانظر إلى تفسيرهم للقرية بسكان القرية، أما عللوه بما من شأنه أن يكون في المادة والواقع من أن المكان لا يعقل ولا يحيا؟ وأما فسروا استبدال القرية بالبشر بالعلاقات المتصورة في الواقع من أن البشر مظروفون في القرية؟ وأعد النظر، أما ربطوا في تفسيراتهم بين النصوص وبين التصورات التي تعبر عنها هذه النصوص؟ فتعبير الشاعر بالسماء عن العشب مرتبط بما كان في وعيه من تصور لعزة ورفعة قومه، وتعبير النص القرآني عن سكان القرية بالقرية مرتبط بما يكون من تصور لعموم العلم بالمسئول عنه حتى صار العلم به قضية عامة لا يختص بها موجود دون موجود؟ ثم أعد النظر، أما ربطوا في تفسيراتهم بين النصوص وبين المشاعر التي أثارتها في ألسنة القائلين بها؟ أو بين النصوص وبين المشاعر المراد إثارتها في نفوس المتلقين لها؟ أما ربطوا بين نص الشاعر وبين مشاعر العزة والرفعة والحول التي أنتجت هذا النص، أو التي من شأنها أن ينتجها النص في نفوس المتلقين لها؟ وأما ربطوا بين النص القرآني وبين مشاعر البديهة وقوة الوضوح التي أنتجت هذا النص، أو التي من شأنها أن ينتجها هذا النص في نفس المتلقين لها؟ فهل يمكن بعد ذلك أن تفصل بين هذه التفسيرات وبين محور العلاقة بين النص والعقل والواقع، فإن تأتى لك ذلك الفصل، فأنت الصادق في دعواك، وأنا الواهم فيما ادعيت.
الكناية كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
قال المتنبي: فمساهم وبسطهم حرير ∴ وصبحهم وبسطهم تراب ومن في كفه منهم قناة ∴ كمن في كفه منهم خضاب [16]
فقال البلاغيون: "بسطهم حرير" كناية عن صفات الثراء والعزة والرفعة والرفاهية إذ لا يكون للإنسان بسط من حرير ما لم تتحقق له هذه الصفات، إذ يقترن بعضها ببعض في الوجود والعدم عادة، و"بسطهم تراب" كناية عن صفات للذل والانكسار والهوان، إذ لا يكون التراب للإنسان بساطا ما لم تتحقق له هذه الصفات التي يقترن بعضها ببعض في الوجود والعدم عادة، "من في كفه منهم قناة" كناية عن الرجل، فالرجل هو من يحمل القناة ليدافع عن حرماته في مجرى العادة، "من في كفه منهم خضاب" كناية عن النساء لأن الخضاب لهن أكثر مما يكون للرجال عادة، وتتأكد دلالة العبارة على النساء بوضعها في مقابلة الرجال الذين يحملون القناة، فتدل عليهن حينئذ بمجرى العادة في الخضاب وبالمقابلة معا؛ ثم لا مانع من إرادة المعنى الأصلي، فلا مانع من أن يكون الجيش قد لاقى في الحقيقة والواقع قوما بسطهم من حرير، ورجالهم يحملون القناة، ونساؤهم يتحلين بالخضاب، وغادرهم وقد صارت بسطهم من تراب، وقد استوى في القدرة والبأس رجالهم بنسائهم، ولكن المعنى الأصلي في مثل هذه السياقات يراد إرادة ثانوية، فالشاعر إنما يريد أن يدل على تحولهم عن العزة والمنعة إلى الذل والقهر بفعل قوة وبأس جيش الممدوح، ولا تستمد "بسطهم حرير" قيمتها السياقية إلا من حيث هي مشهد من مشاهدة العزة والمنعة دال عليهما، وكل مشهد من مشاهد العزة والمنعة صالح لأن يقوم مقامه، فالعزة والمنعة هي المعنى الأصلي الذي يقصد إليه الشاعر، و"بسطهم حرير" هي صورة هذا المعنى الدال عليه، ولم يردها الشاعر إلا من حيث دلالتها على معاني العزة والمنعة، وكذا القول في "بسطهم تراب" لا تستمد قيمتها السياقية إلا من حيث هي مظهر للمعنى الأصلي الذي يريده الشاعر، ولو كانت "بسطهم تراب" تدل على عادة أو تفضيل عند هؤلاء القوم لا تنفي عنهم العزة والمنعة وتوجب لهم الذلة والانكسار لفقدت كل قيمة لها في سياقها ولصارت عبئا عليه ومفسدة له، وكذا القول في "القناة" إذ لو كانت مشاعا بين الرجال والنساء لفقدت أهميتها كصورة دالة على المعنى الأصلي المراد للشاعر، وهو معنى الرجال، وقل مثله أيضا في "الخضاب"، إذ لو لم يكن الخضاب مما يرتبط في الذهن بالنساء أكثر من ارتباطه بالرجال لكانت الكناية به عن النساء في حد من يقول: "ومن في كفه منهم قناة كمن يتناول الطعام ويشرب الماء"، وهذا مما لا يخفى فساده، فلا يجوز الكناية بتناول الطعام وشرب الماء عن النساء خاصة دون الرجال؛ لأنه مما لا يختص به جنس، وتفهم من هذا أن لا بد أن ترتبط الكناية بالمكنى عنه بعلاقة خاصة تخصصه في الذهن دون غيره من المدركات الملابسة له، وهذه العلاقة الخاصة قد تكون مستمدة من الواقع العام لكل من المكنى به والمكنى عنه، وقد تكون مستمدة من ملابسات خاصة بالموقف والسياق، وهذا مما لا أطنب فيه الآن؛ ثم لا بد أن تجد بينهم من يقول: لو قال: "كان هؤلاء القوم في عزة ومنعة، ثم صاروا في ذلة وهوان وانكسار" لكان الكلام مجردا لا يؤثر في الشعور ولا يقيم صورة في التصور قائمة مقام الدليل الأدبي؛ أما عندما قال "بسطهم حرير" فقد خلق في وعي المتلقي صورة حسية، وهي صورة قوم يتكئون على بسط من حرير، وهذه الصورة الحسية تعمل في ذهن المتلقي من خلال الروابط المعهودة بين هذه الصورة وبين معاني الثراء والعزة والرفعة والرفاهية، فتحول المتلقي بذلك من متلق سلبي للمعنى إلى منتج له، وتتركه يهتدي إلى ما اُدُعِيَ لهؤلاء القوم من صفات بنفسه، فتكون هذه الصورة بمنزلة الهادي والدليل، كما أن الصورة أقدر على إثارة المشاعر في نفس المتلقي من المعنى المجرد. ارجع إلى ما لديك من كتب في البلاغة واقرأ تفسيراتهم ستجد العديد منها لا يخرج على هذه السياقات؛ ثم أعد النظر هل يمكنك أن تفصل بين مثل هذه التفسيرات وبين محور العلاقة بين النص والعقل والواقع؟ وهل تقوم الكناية في جوهرها إلى على الارتباط المعتاد في الواقع والمتصور في الوعي بين المكنى به والمكنى عنه؟ وهل تقوم عملية الدلالة في شواهد الكناية، وهي العملية التي ضمنها ومن خلالها ينتقل الوعي عند المتكلم والسامع من المكنى به إلى المكنى عنه إلا على عدم أولوية المعاني المباشرة للسياق الذي وظفها كقيم دالة؟ وهل حكمنا بعدم الأولوية للمعاني المباشرة "الاتكاء على بسط من حرير"، "الاتكاء على بسط من تراب" للسياق الذي وظفها "إلحاق الضرر بالمتشفع لهم" لنص صريح في النص الأدبي على عدم الأولوية؟ أم حكمنا به لاعتبارات ترجع إلى العلاقة بين المعاني الأصلية التي يقتضيها السياق العام للكلام والمعاني المباشرة، تقضي بأن المعاني المباشرة لا تكون ملائمة للسياق ما لم تدل على عزيز سُلِبُوه أو ضُرٍّ نزل بهم؟ ثم ارجع إلى العلاقة بين المعاني المباشرة والمعاني المقصودة، هل ترجع إلى علاقة منصوص عليها في النص الأدبي؟ أم ترجع إلى علاقات سابقة على النص مستمدة من المشاهدة؟ ثم ارجع إلى الاعتبارات القاضية بوجود مشاهد أخرى غير الاتكاء على بسط من حرير تصلح في الدلالة على معاني العزة والرفاهية، ومشاهد أخرى غير الاتكاء على بسط من تراب تصلح في الدلالة على معاني الذل والهوان، هل ترجع هذه الاعتبارات إلى شيء ذكر في النص؟ أم ترجع إلى مشاهداتك السابقة على النص في الغني والفقير، والعزيز والذليل، والمرفه والمنكسر؟ ثم ارجع إلى حكمك الذي حكمت به من أنه لا مانع من إرادة المعنى الأصلي، فلا مانع من أن يكون جيش لاقى في الحقيقة والواقع قوما بسطهم من حرير، ورجالهم يحملون القناة، ونساؤهم يتحلين بالخضاب، وغادرهم وقد صارت بسطهم من تراب، وقد استوى في القدرة والبأس رجالهم بنسائهم، هل حكمت بعدم تضاد هذا المشهد الحسي مع سياق الإضرار بالمتشفع لهم لدلالة صريحة على ذلك في ذات النص؟ أم لمنطق سابق على النص مستمد من المشاهدة يقضي بعدم استحالة أو استبعاد مثله في المادة والواقع؟ ثم ارجع إلى تفسيراتهم في استحسان الكناية على الدلالة المجردة، من أنها تُصَوِّرُ في العقل، وتُحَرِّكُ نحو إنتاج المعنى، وتَقُومُ مقام الدليل، وتُثِيرُ في الشعور، أليس في ذلك الدليل الصريح على ارتباط المعالجات البلاغية القديمة بمحور العلاقة بين النص والواقع ارتباطا لصيقا لا يقبل التجاوز أو الإنكار؟
الطباق كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
قال الشاعر: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ∴ وليس إلى داعي الندى بسريع حريص على الدنيا مضيع لدينه ∴ وليس لما في بيتها بمضيع [17]
فقال البلاغيون: تحقق الطباق في هذا البيت من خلال الجمع بين كلمة سريع مثبتة ومنفية، وهذا ما نسميه بطباق السلب، كما تحقق من خلال الجمع بين حريص ومضيع، وهو ما نسميه بطباق الإيجاب، كما تحقق من خلال الجمع بين مضيع مثبتة ومنفية، وهو طباق السلب كما علمت، كما تحقق من خلال الجمع بين "يلطم وجهه" و"داعي الندى"، وهو ما نسميه بالطباق المعنوي باعتبار أن "يلطم وجهه" تشير إلى مواطن البغي والأذى و"داعي الندى" تشير إلى مواطن الكرم والعطاء؛ وهذا الطباق صورة لغوية تؤكد المفارقة والتناقض في حال ابن العم، فهو يسرع حيث ينبغي التمهل، ويتمهل حيث ينبغي الإسراع، ويحرص حيث ينبغي التوسط، ويضيع حيث ينبغي الحرص؛ مما يؤكد التناقض كأصل راسخ في تكوين شخصيته؛ فما المقصود بتوكيد المفارقة؟ هل يمكن أن يكون المقصود بها شيئا غير توكيد صورتها في الوعي؟ أو توكيد مفهومها في التصور؟ أو توكيد الشعور بها في الوجدان؟
وقال الشاعر: لنا الدنيا ومن أمسى عليها ∴ وماء البحر ونملؤه سفينا [18]
فقال البلاغيون: تحقق الطباق في البيت السابق من خلال الجمع بين البر المعبر عنه في نص الشاعر بالدنيا وبين البحر، وهو طباق يؤكد شمول ملكية الشاعر وقومه ونفوذهم على كل أقطار الأرض وجهاتها، ولعل من فضول القول أن نُذَكِّر أن النصَّ الأدبيَّ دائما وأبدا ما يعبر عن شعور قوي استبدَّ بنفسِ الشاعر وملأ عليها أقطارها، وهو ما أسميه بلحظة الامتلاء، إنه ما من ملكية شاملة ولا شبه شاملة كانت لهذا الشاعر أو قومه، وإنما الشعور الذي اعتمل في نفسه هو ذاته الذي كان مطلقا وشاملا وغير نهائي، فألقى بظلاله على النص؛ ومن ثم لا يجوز محاكمة أمثال هذه النصوص في ضوء حقيقة مادية أو تاريخية؛ وارجع الآن إلى معنى توكيد الشمول الذي قررناه، وقلبه في ناظريك، هل يتأتى فيه شيء غير أن يكون المقصود به توكيد صورة العموم والشمول أو توكيد مفهومهما المجرد في وعي المتلقي؟ أو توكيد الشعور بهما في وجدانه؟ ولعل قائلا نبيها يقول: ما المانع من أن يكون النص محض تعبير عن شعور قوي في نفس الشاعر دون أن تتعلق به إرادة خلق شيء عند المتلقي في وعيه أو وجدانه؟ والحق أن لا مانع يمنعه، بل لا مانع من التقائهما معا، انظر الآن إلى هذه المناقشات جميعا هل ترى فيها ما يمكن فصله عن محور العلاقة بين النص والعقل والواقع؟ وهل تجد فيها إلا ما يفسر صورة الطباق من خلال شعور أنتج النصَّ في لسان المتكلم، أو ينتجه النصُّ في نفس المتلقي؟ أو يفسره من خلال تصور عبر عنه النص في عقل المتكلم أو تصور ينتجه النص في عقل المتلقي؟ ثم انظر إلى تفسيرنا للعلاقة بين النص والواقع المتمثل في الحقيقتين المادية والتاريخية، ألا تعد مثل هذه المناقشة تجسيدا للعلاقة بين النص والواقع؟
التورية كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
قال القاضي عياض يصف صيفا باردا: كأن كانون أهدى من ملابسه ∴ شهر تموز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى خرفت ∴ فما تفرق بين الجدي والحمل
فقال البلاغيون: استعمال الكلمات "الغزالة"، "الجدي"، "الحمل"، من قبيل التورية، فكل كلمة منها لها معنيان: قريب ظاهر غير مراد، وهو الحيوانات المعروفة في الكلمات "الغزالة"، "الجدي"، و"الحمل"، وبعيد خفي هو المراد، وهو الشمس في "الغزالة"، وبرج الجدي في "الجدي"، وهو برج من أبراج الشتاء، وبرج الحمل في "الحمل"، وهو برج من أبراج الدفء [19]، وتجدهم يعللون ذلك بأن المعاني القريبة الظاهرة لا تتلاءم في مدلولاتها مع السياق المبني على البيت الأول الذي يصور إهداء الشتاء للصيف بعضا من مظاهره الخاصة، ولا يجوز أن نبني على هذا السياق القول بأن الغزالة وهي الحيوان المعروف قد خرفت في عقلها فلا تميز بين الجدي والحمل المعروفين من الحيوانات، وإلا كنا كمن يقول إن سبب ظهور ملامح الشتاء في الصيف هو إهداء شهر كانون وهو شهر من شهور الشتاء لشهر تموز وهو شهر من شهور الصيف بعضا من مظاهره أو بسبب أن حيوان الغزالة صار لا يفرق بين حيوان الجدي وحيوان الحمل لخرف في عقله، ومثله لا يصلح في التعليل لظهور ملامح الشتاء في الصيف ولا حتى كتعليل أدبي، إلا أن نذهب بالكلام مذهبا بعيدا لا تؤيده قرائن السياق ولا قرائن النص حتى، فالكلام مُسَاقٌ مَسَاقَ التعليل لظهور ملامح الشتاء في الصيف ولا يصح في مثل هذا التعليل إلا أن نقول: كأن الغزالة التي هي الشمس أصابها الخرف لطول المدى، فصارت لا تميز بين الجدي الذي هو برج من بروج الشتاء وبين الحمل الذي هو برج من بروج الدفء؛ وبذلك يفرض السياق على هذه الكلمات الثلاث أن يكون المراد بها غير معناها الظاهر القريب مما يصح أن تدل عليه من معنى بعيد يتناسب مع السياق؛ انظر الآن إلى ما ادعوه من صلات تربط كل لفظ بمعنييه: القريب والبعيد؟ هل توجد هذه الصلات في اللفظ نفسه؟ أم توجد في العقل؟ ثم انظر إلى ما قالوه من أن المعنى القريب الظاهر لا يتناسب مع سياق التعليل لظهور ملامح الشتاء في الصيف، أين يكمن هذا التناقض؟ هل يكمن في النص نفسه؟ إن المعتاد في النص أن يدعو إلى ظاهره، وإن كان مثل هذا الكلام في حاجة إلى نظر، المعتاد في الغزال أن تدعو إلى الحيوان المعروف، وكذا الشأن في الجدي والحمل، أم يرجع هذا التناقض إلى تصور في العقل سابق على النص نفسه، يقضي بأن حركة الفصول لا تتحدد بما من شأنه أن يكون من سلوك الحيوان؟ ثم ارجع إلى هذا التصور، هل تعلمته من النص نفسه؟ أم هو تصور قديم في عقلك سابق على النص مستمد من عموم تجربتك في الوجود؟ ثم انظر إليهم وإلى تفسيراتهم، هل كان بمقدورهم أن يحكموا على هذا النص أنه من قبيل التورية وأن المعنى الظاهر لا يتناسب مع السياق لو لم يكن في أذهانهم تصور سابق للسياق ولطبيعة الظاهرة التي يتناولها السياق؟ من أين لهم أن السياق إنما يجسد حقيقة واحدة علمية أو أدبية ولا يكون لفقا من حقائق شتى لولا تصور للسياق سابق على النص؟ أم ترى في ذات النص ما يخبر بذلك؟
حسن التعليل كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
قال أبو الحسن الأنباري يرثي أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب: عُلُوٌّ فِي الحَيَاةِ وَفِي المَمَاتِ ∴ لَحَقٌّ أَنْتَ إِحْدَى المُعْجِزَاتِ كَأَنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حِينَ قَامُوا ∴ وُفُودُ نِدَاكَ أَيَّامَ الصِّلَاتِ كَأَنَّكَ قَائِمٌ فِيهِمْ خَطِيباً ∴ وَكُلُّهُمُ قِيَامٌ لِلصَّلَاةِ مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ احْتِفَاءً ∴ كَمَدِّهِمَا إِلَيْهِمْ بِالهِبَاتِ وَلَمَّا ضَاقَ بَطْنُ الأَرْضِ عَنْ أَنْ ∴ يَضُمَّ عُلَاكَ مِنْ بَعْدِ الوَفَاةِ أَصَارُوا الجَوَّ قَبْرَكَ وَاسْتَعَاضُوا ∴ عَنِ الأَكْفَانِ ثَوْبَ السَّافِيَاتِ لِعِظْمِكَ فِي النُّفُوسِ تَبِيتُ تُرْعَى ∴ بِحُرَّاسٍ وَحُفَّاظٍ ثِقَاتِ وَتُوقَدُ حَوْلَكَ النِّيرَانُ لَيْلاً ∴ كَذَلِكَ كُنْتَ أَيَّامَ الحَيَاةِ [20]
عد البلاغيون هذه الأبيات من حسن التعليل، وهو مذهب يصرف النتائج عن عللها الظاهرة إلى علل أدبية، والعلل الأدبية عبارة عن مقدمات تقدم للنتائج المنصوص عليها تقديما يقبل التخيُّل؛ مما يكسب الموضوع الذي قامت به هذه النتائج ما توجبه له تلك المقدمات من صفات، وستجدهم يقولون: صرف ما أبصره في الممدوح من ارتفاع فوق الأرض، وإشراف على الناس، وبسط لذراعيه، وإحاطة بالحرس والنار عن مقدماتها الأصلية التي تتمثل في الصلب ضمن الهيئة المعروفة مع الإحاطة بالناس والحرس والنار، وأسند هذه النتائج إلى مقدمات أخرى توجب في الممدوح صفات لا توجبها فيه المقدمات الأصلية، فعلل الارتفاع بعلو المكانة في الحياة والموت، وعلل تَحَلُّق الناس حوله مع إشرافه عليهم، بقيامه فيهم سيدا ومعطاءً وخطيبا وإماما، وعلل امتداد وبسط ذراعيه بالاستعداد والتهيؤ للعطاء، وعلل الحرمان من الدفن بعد الموت بالعلو الذي تضيق عنه الأرض، وعلل تَحَلُّق الحراس حوله بعظمته مما يوجب على الجند حمايته، وعلل إيقاد النار حوله بكرمه واستعداده للنحر والإطعام، وبذلك صرف النتائج إلى علل توجب لموضوع الكلام من الصفات ما لا توجب له علله الطبيعية، من صفات العلو، والإمامة، والجود، والعظمة؛ هذا ما يقولونه عادة في حسن التعليل، وارجع الآن إلى نفسك ثم أعد النظر، هل تعرف عند تلقي هذه الأبيات أن النتائج قد صرفت عن عللها الطبيعية إلى علل متخيلة لدلالة صريحة قامت في النص على هذا الصرف؟ أم تعرف ذلك لتصورات قديمة في عقلك سابقة على النص، تحدد طبيعة المصلوب، والإمام، والجواد، والعظيم، وما يقوم في كل مدرك منها من نتائج وما يؤدي إليه من مقدمات؟ هل علمت أن المصلوب لا يكون مرتفعا فوق الأرض لعلو منزلته وإنما يكون مرتفعا لما يرفعه ويعلو به من جسم الصليب بين الناس، هل علمت ذلك من دلالة صريحة تذكره في النص؟ أم علمته من تصورك لما يكون في المصلوب السابق على النص؟ ثم ارجع إلى نفسك وأعد النظر في كل صفة من الصفات التي ذكرت، تجد أنها لا تنصرف عند التأويل عن مقدماتها المنصوص عليها إلى مقدماتها الطبيعية لدلالة صريحة ذكرت في النص، بل لتصورات سابقة على النص تجبر الوعي على حركة بعينها ضمن حدود النص؛ ثم انظر إلى نفسك إذ حكمت بأن هذا الصرف إنما تم لإكساب الموضوع صفات لا يكتسبها من خلال علله الأصلية، هل حكمت بذلك إلا من خلال مقارنة بين العلل الأصلية والعلل المدعاة؟ وهل ذكرت هذه المقارنة في النص؟ أم حدثت في وعيك وتصورك أنت؟ ثم ارجع إلى نفسك وأعد النظر، هل يمكن أن ندرك أن النتائج المذكورة في النص قد صرفت عن عللها الطبيعية إلى علل أدبية متخيلة، وأن هذا الصرف يكسب الموضوع من الصفات ما لا يكتسبه من خلال علله الأصلية، هل يمكن أن نحكم بذلك إلا من خلال التفاعل بين النص وبين تصوراتنا السابقة على النص والمستمدة من التجربة الواقعية؟ وألا يتأكد بذلك أن إدراكنا لحسن التعليل لا يتأتى له أن يخرج عن العلاقة بين النص والتصور؟ ليتأكد بذلك ما قلناه أن البلاغة العربية القديمة في معظم مباحثها لم تكن إلا انطلاقا من هذا المحور، وأن معظم هذه المباحث لا يمكن فصلها عن محور العلاقة بين النص والعقل والواقع، وأنه متى تعسفنا في مثل هذا الفصل فلن يبقى من كافة أو معظم مباحث البلاغة العربية شيءٌ مذكورٌ.
لم أتناول في هذا المقال كل مباحث البلاغة العربية القديمة لما سيترتب عليه من جهد لا تفي به الظروف، وإنما أردت فقط أن أظهر الرؤية وأوضحها، هذا وقد تبدو بعض المباحث التي لم أتناولها عسيرة الربط بمحور العلاقة بين النص والعقل والواقع، إلا أنها بشيء من النظر ترتد إليه، ومن ذلك السجع بمعناه العام، فهو يبدو كمبحث صوتي خالص، ولكن السجع بمعناه الخاص عندما يدرس في عمل فني بعينه لا يبدو كموسيقى خالصة بل كنغم موسيقي معبر عن المعنى ومنسجم معه، وهو ما يردنا مرة أخرى إلى المحور الذي ادعيناه، فهذا الانسجام لا يمكن أن يقوم إلا في التصور والشعور، وكذا باب مثل باب حسن التخلص لا يمكن أن تنفصل تنظيراتنا فيه لما من شأنه أن يكون في الواحد في تصورنا وشعورنا؛ وقد يكون السؤال الأهم في ذهنك الآن: ما الذي استفادته البلاغة من كل هذه التنظيرات؟ وما الذي أضافه إلى الدرس البلاغي أن نعرف أن دراسات القدماء في البلاغة لم تكن منفصلة عن محورك المزعوم؟ أنت لم تقدم تحليلا جديدا لأي بيت في هذا المقال؟ في الواقع أنت نصف محق فيما تقول أيها القارئ، تذكر أولا أن الغرض من هذا المقال ليس أكثر من إثبات الصلة بين البلاغة العربية القديمة ومحور العلاقة بين النص والعقل والواقع، ولتعلم ثانيا: أن ليس الغرض من البلاغة الجديدة أن تعيد مناقشة ذات المباحث التي ناقشتها البلاغة القديمة، ولا أن تتهمها بالخطأ والقصور لتدلي برؤية أدق وأعمق، وإنما الغرض من البلاغة الجديدة أن تطور المقولات البلاغية والنقدية العربية القديمة لتجعلها أشد قدرة على مناقشة العديد من القضايا التي لم يتح للعقل العربي من قبل أن يناقشها مناقشة أصيلة مستقلة انطلاقا من تصوره الفعلي للعالم، فالبلاغة الجديدة ليست في منهجها تمردا على البلاغة القديمة وإنما هي امتداد وتطوير لها، لتبلغ بها إلى أقاص لم تبلغها من قبل، وهذا لا ينفي عن البلاغة الجديدة الحق في التحرر من الغايات التي تمسكت بها البلاغة القديمة، لتحقق لنفسها غاياتها الخاصة.
المصادر والمراجع:
[1] انظر علم المعاني: دراسة بلاغة ونقدية لعلم المعاني، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص 66. [2] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، ج1، دار الجيل - بيروت، الطبعة الخامسة - 1981م، ص 266. [3] انظر شرح الأصول الخمسة، عبد الجبار بن أحمد، تحقيق: عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة - القاهرة، الطبعة الثالثة - 1996م، ص 226 - 227. [4] انظر الفرق بين الفرق وبيان الفرقة منهم: عقائد الفرق الإسلامية وآراء كبار أعلامها، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، تحقيق: محمد عثمان الخشت، مكتبة ابن سينا - القاهرة، ص 129. وانظر كتاب الملل والنحل، الشهرستاني، تخريج: محمد بن فتح الله بدران، ق1، ج1، مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة، الطبعة الثانية، ص 58. [5] انظر إعجاز القرآن، أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، سلسلة ذخائر العرب، العدد 12، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعارف - القاهرة، ص 48 - 52. [6] انظر إعجاز القرآن، أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، سلسلة ذخائر العرب، العدد 12، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعارف - القاهرة، ص 41 - 44. انظر دلائل الإعجاز، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: أبو فهر محمود محمد شاكر، ص 390 - 391. [7] الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى - 1995م، ص 157 - 158. [8] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، ج1، دار الجيل - بيروت، الطبعة الخامسة - 1981م، ص 258 - 259. [9] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، ج1، دار الجيل - بيروت، الطبعة الخامسة - 1981م، ص 34. [10] علم المعاني: دراسة بلاغة ونقدية لعلم المعاني، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص 422. [11] علم المعاني: دراسة بلاغة ونقدية لعلم المعاني، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص 422. [12] علم المعاني: دراسة بلاغة ونقدية لعلم المعاني، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص 423. [13] الشوقيات، أحمد شوقي، مؤسسة هنداوي - وندسور، 2012م، ص 846. [14] تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، ابن أبي الأصبع المصري، تحقيق: حفني محمد شرف، إشراف: محمد توفيق عويضة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية: لجنة إحياء التراث الإسلامي - الجمهورية العربية المتحدة، الكتاب الثاني، ص458. [15] انظر دلائل الإعجاز، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: أبو فهر محمود محمد شاكر، ص 432 - 436. [16] شرح ديون المتنبي، عبد الرحمن البرقوقي، مؤسسة هنداوي - وندسور، 2014م، ص 167. [17] دلائل الإعجاز، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: أبو فهر محمود محمد شاكر، ص 150. [18] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، دار الفكر - بيروت، الطبعة 30، ص 357. [19] انظر علم البديع: دراسة تاريخية وفنية لأصول البلاغة مسائل البديع، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص [20] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، دار الفكر - بيروت، الطبعة 30، ص 624.
#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)
Jousseph_Thouth#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
-
قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
-
البلاغة الجديدة
-
ستة متجولين في روما
المزيد.....
-
كيف نحافظ على -أثر البدايات- دون أن نفقد الشغف في منتصف الطر
...
-
شركات السلاح الغربية تطوّر وسائل قتال روسيا في أوكرانيا
-
نقطة اللاعودة: الولايات المتحدة ستصطدم مع أوروبا بشأن أوكران
...
-
تجربة فضائية لتشخيص الجلطات قد تحسن الرعاية الصحية على الأرض
...
-
أول زفاف لروبوتين في روسيا.. الذكاء الاصطناعي يلتقي بتقاليد
...
-
نظرية جديدة تكشف طريقة نقل أحجار ستونهنج العملاقة قبل آلاف ا
...
-
Nothing تطلق هاتفها الأحدث قريبا
-
دراسة كندية: منتجات الألبان كاملة الدسم آمنة في حال تناولها
...
-
ترامب: سأطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في قضية الجنسية ب
...
-
الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قواعد أمريكية في الكويت و
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|