أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جوزيف تحوت - قطعة الجبن لا تكون هي أبدا















المزيد.....

قطعة الجبن لا تكون هي أبدا


جوزيف تحوت

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 17:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لو قمت إلى ثلاجتك الآن، وعمدت إلى قطعة من الجبن: حدقت فيها بعينيك، وتذوقتها بفمك، ولامستها بأصابعك، ألا تحصل أو تؤكد من خلال مباشرتك إياها بحواسك معارفا بعينها؟ وهب أن معارفك بطبائع المادة تطورت، وأنك امتلكت من آلات الكشف والرصد والفحص والتحليل ما لم تمتلكه من قبل؛ ثم عمدت إلى ذات القطعة من الجبن التي باشرتها بحواسك المجردة من قبل كما هي ودونما أي تحول أو تغيير، لتسلط عليها أحدث ما اقتنيته من هذه الآلات ولتدرسها ضمن ومن خلال معارفك الجديدة بالمادة؛ فهل يتصور مع ذلك أن تحصِّل ذات المعلومات التي حصَّلتها عنها من قبل؟ ثم هب أن معارفك وآلاتك قد تطورت أكثر وأكثر وبفارق ملحوظ، وأنك عمدت إلى قطعة الجبن ذاتها لتدرسها مرة أخرى؛ فهل يتصور أن تُحصِّل عنها ذات المعلومات التي حصلتها في المباشرتين السابقتين؟ إن مجموع معارفك عن قطعة الجبن والمتركزة في وعيك ووجدانك ضمن هوية واحدة تؤلف في كليتها صورة الجبن أو صورة هذه القطعة خاصة من الجبن، وصورة الجبن المحصلة ضمن المباشرة الأولى لا يمكن أن تكون هي ذاتها ضمن المباشرة الثانية أو الثالثة، وكذا الأمر في كل مباشرة لاحقة؛ ولا يمكن أن تكون أي صورة من هذه الصور هي حقيقة الجبن، لأن تثبيت أي منها باعتباره الحقيقة النهائية في الجبن إنما يعني استبعاد بقية الصور باعتبارها زيفا، والحق أن حقيقة الجبن تمثلت وبُوشِرَت فيهما كما تمثلت في الصورة المثبتة؛ وإذا انفتحنا بهذه التجربة نحو التساؤل عما إذا كان هناك حد معلوم يمكن للمعرفة البشرية ولإمكانياتها من الرصد والتحليل أن تقف عنده، أدركنا قدرة قطعة واحدة من الجبن ثابتة دونما أي تغيير على أن تراكم في وعينا ما لا يتناهى من الصور غير المتطابقة.
نحن حتى الآن نتعامل مع قطعة جبن خارج الزمان معزولة عما تقتضيه الصيرورة الحتمية في المادة من تبدل وتغيير، إننا ندرسها ضمن نقطة ثابتة لا تتحرك على متصل الزمان؛ فلنتجاوز إذن ذلك التجميد ولندرس قطعة الجبن ضمن متصل وجودها: بدءا من اللحظة التي أُدرِكت فيها كقطعة جبن، وانتهاء باللحظة التي كفت فيها في وعينا عن كونها جبنا بفعل ما تراكم فيها من تحويلات وتغييرات؛ فهل تعطيك قطعة الجبن في نقطة ما من نقاط هذا المتصل ذات المعلومات التي تعطيك إياها في نقطة أخرى؟ أليست المادة في صيرورة أبدية؟ وألا يتسع إدراكنا لهذه التحولات عقب كل تطور في المعرفة وفي آلات الرصد؟ وهل تبقى صورة بعد كل تحول أو تغيير بالضبط كما كانت قبل التحول أو التغيير؟ إن مجموع ما يمكن تحصيله من الصور في قطعة واحدة من الجبن هو لا نهائية ما يمكن أن يدرك من الصور في لحظة واحدة من لحظات وجودها مضروبا في لا نهائية ما يمكن أن يدرك فيها من لحظات التحول والتغيير؛ ليكون الحاصل هو لا نهائية الصور الممكن إدراكها في قطعة واحدة من الجبن.
إن هذا يعني الكثير والكثير جدا، فهو يعني -أولا- أن المعرفة مؤقتة، وأن ما نقره اليوم من معرفة في الجُبْنِ سنغيره غدا مع تغير عموم معارفنا وتطور آلاتنا المحققة لها، وهو يعني -ثانيا- الغياب الأبدي للحقيقة النهائية في الجُبْنِ وراء ما لا يتناهى فيها من ممكنات الصور، ففي كل مرة نباشر الجُبْنِ إنما ندرك صُورَة ممكنة فيه، وهو يعني -ثالثا- أن الصُورَة التي ندركها اليوم كحقيقة في الجُبْنِ ليست حقيقة لمزية ترجع إلى ذاتها تميزها عن أي صُورَة أخرى ممكنة في الجُبْنِ، وإنما هي حقيقة فقط لحضورها الآن وامتلاء حسنا ووعينا ووجداننا بها ضِمْنَ ما تقرر من عموم معارفنا وما انتهينا إليه من تطور في آليات المعرفة.
ولكن هل يمكن أن تكون هذه هي كل الحقيقة؟ الحقيقة مركبة ومعقدة، وهي أعمق وأدق من أن تتجلى في وجه واحد، والحق الذي لا يمكن لأحد أن ينكره أنني حينما أعمد إلى قطعة من الجُبْنِ فإنما أضع وأمضغ في فمي قطعة جبن لا صُورَة جبن، وأن ما يدخل في بنيتي وتمثيل جسدي هو قطعة جبن لا صُورَة جبن؛ والحق أنني عندما أبحث قطعة جبن تحت المجهر فإنما أبصر عناصر مادية لها تمثلها وتحققها في الواقع، وأنني عندما أسلط الأشعة عليها فإنما أسلطها فوق قطعة جبن لا صُورَة جبن، أين الحقيقة إذن؟ وهل ثمة وجود لثنائية الحقيقة والصُورَة أم توجد فقط قطعة الجُبْنِ؟
إن الحقيقة هي روما التي لا تتجلى إلا ضِمْنَ سعينا إليها وفي الصُورَة المتممة لهذا السعي، وهل روما التي يدركها القادم من جهة الجنوب هي ذاتها روما التي يدركها القادم من جهة الشمال؟ إن الانفصال بين الصُورَة والحقيقة لا يعدو أن يكون وليد نمط بعينه من التفكير، يتحقق عندما نتجاوز المشهد الحالي في قطعة الجُبْنِ لنستوعبها ضِمْنَ مشاهدها الأخرى المتذكرة والمحتملة، حينئذ تتحيز حقيقة الجُبْنِ كوجود أو حضور في كل صورها المتحققة دون أن تنحصر في أيِّ صُورَة منها، فهي هذه الصور كلها جميعا وهي ليست أي واحدة منها بعينها، حينئذ تنفصل الحقيقة عن الصُورَة باعتبارها كيان مستعلٍ ثابتٍ وعام ومنتشر في مقابل الصُورَة الخاصة الآنية والمتحيزة في مكان بعينه: فالحقيقة تساوي كل صُورَة ولكن الصُورَة لا تساوي الحقيقة ولا تساوي أيَّ صُورَة أخرى منها؛ فالانفصال هو وليد مسعى بعينه نحو الحقيقة ولا يحق له أن يكون موجودا خارج هذا المسعى كما لا يحق لغيره أن يكون موجودا ضِمْنَ مسعاه.
ولا تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحقيقة والصُورَة إلا بفعل قوة الحضور، أي: حضور هذه الصُورَة خاصة دون غيرها من الصور وتقاطعها في الحس والوجدان في لحظة بعينها من الزمن، بما لهذا الحضور من جذب يشغل الذهن عن أي تجليات أخرى للحقيقة، وبقدر ما ينغلق الذهن ضِمْنَ هذا الحاضر وينسى التجليات الأخرى للحقيقة بقدر ما تذوب الحدود الفاصلة بين الحقيقة والصُورَة، حتى تتحد الحقيقة في الصُورَة فلا حقيقة ولا صُورَة وإنما يوجد قطعة الجُبْنِ ولا شيء غيرها.
قطعة الجُبْنِ وقوة الحضور: إن الصُورَة التي ندركها اليوم كحقيقة في الجُبْنِ ليست حقيقة لمزية ترجع إلى ذاتها تميزها عن أي صُورَة أخرى ممكنة في الجُبْنِ، وإنما هي حقيقة فقط لحضورها الآن وامتلاء حسنا ووعينا ووجداننا بها ضِمْنَ ما تقرر من عموم معارفنا وما انتهينا إليه من تطور في آليات المعرفة، وهذا ما أسميه بقوة الحضور، وقوة الحضور هي الحضور ذاته لا شيء بعده ولا شيء قبله، لا شيء ناجم عنه ولا شيء مؤد إليه، فكل صُورَة من صور قطعة الجُبْنِ كانت في آنها فقط حقيقة بحكم قوة الحضور، أي: بحكم حضورها وتقاطعها لحظة ما في أفقنا الحسي والشعوري، ومتى زال عنها هذا الحضور، وحضرت صُورَة أخرى بحكم تطور آلات الرصد ومسلمات المعرفة فهذه الصُورَة الحاضرة الأخرى هي الحقيقة.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البلاغة الجديدة
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- روسيا تشن هجوما صاروخيا باليستيا على كييف عشية قمة الناتو
- إعلام أوكراني: دوي انفجارات قوية تهز كييف
- كاتب إسرائيلي: المؤشرات الآتية من تركيا لا تبشر بالخير بالنس ...
- الخارجية الروسية: لن يكون هناك حوار مع أوروبا ما لم تأخذ مصا ...
- -ذا سبيكتيتور-: حظر RT في بريطانيا شعور بعدم الأمان وحظر -ما ...
- أزمة -سلطة البث- ليست -سوى البداية-.. معركة دستورية مقبلة في ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط 7 مسيرات كانت متجهة إلى موسكو
- هل اقترب -الزلزال الكبير-؟ دراسة تدق ناقوس الخطر في ولاية كا ...
- مندوب روسيا: لا توجد آلية لاستبعاد روسيا من منظمة الأمن والت ...
- الناتو في عهد ترمب.. من تحالف دفاعي إلى -صفقة تجارية-


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جوزيف تحوت - قطعة الجبن لا تكون هي أبدا