أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوزيف تحوت - البلاغة الجديدة















المزيد.....

البلاغة الجديدة


جوزيف تحوت

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 15:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لماذا البلاغة الجديدة؟ ... لم توضع البلاغة الجديدة لتثبت دينا أو تبرز إعجازا أو ترجح مذهبا أو تؤكد تفسيرا أو تعلي أديبا؛ وإنما وضعت البلاغة الجديدة لتؤسس لشرعية الإنسان في كل ظروفه وأحواله إلا أن يكون قاتلا أو مجرما أو مستبدا أو طاغية، لقد وضعت البلاغة الجديدة لتؤسس لشرعية الآخر كل آخر، ولتدافع عن حقه في الوجود والآخرية والاختلاف؛ لقد وضعت البلاغة الجديدة لتوقف بحار الدم في تلك البقعة التعيسة من العالم، ولتردع آتون الخراب قبل أن يدور دورته الجديدة في البلد القادم، إن الآتون قائم ومتربص وإنه ليوشك أن يفترس كل من تتعثر خطاه، وليس قيامه أو دورانه بفعل عدو متربص بنا وإنما هو بفعلنا نحن وقود هذا الآتون وضحاياه، وكأن الآتون طهر يتطهر به الوجود من جهلنا وتطرفنا وتخلفنا، ومن ثم كانت البلاغة الجديدة كطهر بديل يغتسل به المتطرفون من تطرفهم والمتخلفون من تخلفهم قبل أن يغتسل الوجود من وجودهم؛ لقد وضعت البلاغة الجديدة لتحفز الجهود المكبلة في النصوص، والمغيبة في قعر التاريخ عن وجه العالم نحو المشاركة بدورها الحضاري والإنساني المنتظر؛ لقد وضعت البلاغة الجديدة لتعالج شرقا يغلي من هوس الحقيقة وحمى اليقين حتى ليوشك أن ينفجر ليدمر نفسه ويحرق العالم، تعالجه بالكثير والكثير من الشك، فالشك وحده هو القادر على تحويلنا عن الجهاد الأصغر الذي دمر منطقتنا إلى الجهاد الأكبر، الشك هو وحده الكفيل بتحويلنا عن فرض حقائقنا غير القابلة للإثبات على بعضنا والآخر إلى مساءلة ذواتنا والعالم ومساءلة وعينا وشعورنا بذواتنا والعالم.
وتتخذ البلاغة الجديدة من العلاقة بين النص والعقل والواقع محورا وموضوعا لها، فتدرس تطور المعرفة بدءا من الواقع، أي: المادة وحركة المادة، ومرورا بالعقل، أي: التصور والشعور معا، وانتهاء بالنص، أي: المعرفة المنظمة التي تعي ذاتها وتقبل التداول؛ وليست البلاغة الجديدة في ذلك إلا امتدادا مباشرا للبلاغة العربية القديمة التي لم تكن في كل مجالاتها إلا مناقشة للعلاقة بين النص والعقل والواقع، إلا أنها تناولت هذه العلاقة مجزأة ومبعثرة ضمن ما لا يحصى من المسائل المتفرقة التي من شأنها أن تشتت العقل وتحجبه عن رؤية كلية الموضوع؛ أما البلاغة الجديدة فعليها أن تنظم الجزئيات القديمة وتضيف إليها في كل واحد منظم يعي كلية موضوعه ويحسن تطبيقها في مجالات النقد والتفسير والتداول والإلاهيات.
وتستلهم البلاغة الجديدة من ذات المناهل التي استلهمت منها البلاغة القديمة، فتستلهم من التفسير الذي يدرس النصوص من خلال علائقها ببيئاتها الدينية والثقافية، ومن فقه النحو الذي يدرس العلاقة بين صورة الجملة وما يراد بها من خصائص معنوية، ومن علل النحو بكل ما اشتمل عليه من تصورات حول نشأة اللغة وعلاقتها بالعالم وقد أثرت في التنظير العربي وإن لم تكن في ذاتها حقيقة، كما تستلهم من الإلاهيات بكل ما اشتملت عليه من عقائد أثرت بشكل واضح وفعال في فهم العديد من الظواهر البلاغية كالمجاز اللغوي والمجاز الإسنادي والتشبيه، كما تستلهم من النقد بكل ما يشتمل عليه من مقارنات نصية دقيقة ومن تفسيرات تفسر النصوص من خلال علائقها بالظروف الباطنية والخارجية لمنشئها؛ والارتقاء بالبلاغة العربية فوق المناقشات الجزئية والانفتاح بها نحو مناقشة العلاقة بين النص والعقل والواقع يفتح البلاغة نحو دائر أوسع من المعارف، إذ يؤهلها للدخول في حوار إيجابي وبناء مع نظريات الحس والمعرفة البشرية، ومع نظريات الخيال، والنظريات النفسية والجمالية واللغوية، كل ذلك دون أن يفقد الباحث محورا واضحا يصب ويوحد وينظم فيه جهوده بعيدا عن الاستطراد والتشتت؛ كما أنه يرتقي بالبلاغة العربية لتناقش وتبدي الرأي في العديد من القضايا الحديثة والتي لم يتح لها أن تناقشها مناقشة أصيلة وصريحة من قبل، ومن هذه الموضوعات: المفارقة بين الحس بالواقع واللغة، نشأة وتطور اللغة البشرية، الضرورات المعرفية التي لا يمكن الوعي إلا ضمنها ومن خلالها، الضرورات اللغوية التي لا يمكن التعبير إلا ضمنها ومن خلالها، الكيفيات التي يتحقق ضمنها ومن خلالها الفهم والتفسير، العلل التي تؤدي إلى اختلاف الفهم وعلاقة هذه العلل بالخصائص النفسية والظروف الخارجية والتراكمات التاريخية العاملة في وعي الفرد والجماعة، الكيفيات التي ضمنها ومن خلالها نستكمل حقائقنا وتصوراتنا الخاصة، علاقة تصوراتنا وتفسيراتنا التي ندافع عنها بتوتراتنا وآمالنا وآلامنا ومخاوفنا الجماعية والخاصة، العلاقة بين اللغة والتفكير وأثر اللغة في تكوين رؤيتنا للعالم، مكانة النصوص وسلطانها في وعي كل ثقافة على حدة، العلاقة بين الحدس والإبداع الأدبي والمعرفي؛ كما تعمل البلاغة الجديدة على ترسيخ معالجة اللغة كتفكير يتمظهر في الصوت، أي: تنظيم للمشاهدات الحسية والباطنية يعي ذاته ويبصرها ضمن ومن خلال النص الذي يسجل حركة الوعي ضمن صورة تقابل هذه المشاهدات وتعبر عنها؛ مما يؤهل البلاغة الجديدة لدراسة السحر والأسطورة والدين كنظم من التفكير، أي: كتنظيمات تقع في المشاهدات المستمدة من تجربتنا في العالم تعي ذاتها في النص، كما تساعدنا البلاغة الجديدة على معرفة الكيفيات والوجوه التي يمكن من خلالها أن ندخل مع النص في حوار إيجابي بناء يتجاوز بنا التلقي السلبي والمحايد للنصوص نحو المشاركة في كتابة نصوصنا الخاصة التي تقوم على الحس وإعادة التقييم؛ وبذلك تلعب البلاغة الجديدة في الثقافة العربية دورا قريبا من الدور الذي لعبته فلسفة التأويل في الثقافة الغربية، فتعالج الحقيقة والاختلاف والحس والوعي والشعور والصورة.
هذا وقد جرت العادة في التراث العربي بقسمة مصادر المعرفة إلى العقل والنقل، وساءت قسمتهم؛ فالنقل نفسه عمل من أعمال العقل، إنه لولا العقل لا يوجد نص ولا فهم ولا معنى ولا تفسير ولا ناقل ولا نقل ولا منقول؛ إن نصا ما خارج عمل العقل لا يعني شيئا بل لا وجود له ولا تسمية ولا صفة، إنه ما من نص أو تفسير أو فهم هو عقل وآخر هو لا عقل، بل هما نمطان مختلفان من عمل العقل، كلاهما عمل العقل في مختلف همومه وتوتراته ومنطلقاته وقرائنه؛ إن الفكرة التقليدية عن نص يقول وعقل يطبع لا بد من تغييرها، لا بد من تسليط الضوء على العمليات المعقدة التي يتجشمها العقل عند إنتاج تفسير ما وأنها لا تقل في كثافتها وتعقيدها عن العمليات التي يتجشمها عند إنتاج تفسير آخر، وإنما تختلف في همومها وتوتراتها وفي منطلقاتها وقرائنها؛ إن العقل ليس خيارا أو فضيلة يمكن الكف عنها، لا يمكننا أن نعطله أو نعزله أو نتخلى عنه أو ننفصل عنه أو أن نوجد أو أن يوجد العالم خارجه، إنه ضرورة لا نوجد ولا يوجد العالم إلا ضمنها ومن خلالها، إن العقل أشبه ما يكون بسلعة حيوية لمجتمع ما فإذا ما تكلفت سلطة جائرة كفها وتحريمها تجد طريقها حتما إلى السوق السوداء، إن الدعوة إلى تعطيل العقل لن تعطله ولكنها ستدفعه إلى العمل في الخفاء، سيظل يعمل ولكن بشكل غير واع وغير مراقب وغير مفهوم أو متوقع في سيرورته وتطوره ونتائجه، فينتج لنا بعد ذلك ما نحياه من الكوارث والأهوال، إن هذا ينطبق على عقل المُعَطِّل رغما عنه بقدر ما ينطبق على عقل الداعي إلى التعطيل؛ ومن ثم كانت الحاجة إلى البلاغة الجديدة لتدفع العمليات المعقدة التي يضطلع بها العقل عند إنتاج أو تفسير نص ما من الخفاء إلى النور؛ كي لا ينتج لنا العقل نصا أو تفسيرا مُدمِّرًا في غفلة من الزمان.
هذا وقد جرت العادة في الأدبيات الحديثة بحصر العقل في العلم وحده ووضعهما معا في مواجهة الدين والأسطورة السحر، والحق أن النزوع الفطري في العقل نحو تصحيح واستكمال وعيه للعالم هو الذي أنتج جنبا إلى جنب السحر والأسطورة والدين والعلم، إذ كلها تجليات العقل النازع نحو الفهم والبصر والقبض والتسخير، هذا النزوع الفطري هو الذي يحفز لاطراد وعينا للعالم ضمن نظام واحد لا يخرج عليه وإلا انهار فهمنا للعالم، وما السحر والأسطورة والدين والعلم إلا محاولات شتى لإيجاد هذا النظام؛ لقد تنصل الدين من العقل وأنكر بنوته منه وادعى علوه عليه، وهو في ذلك أشد جحودا من الابن العاق لأبيه، وشاركه في شيء من ذلك الأسطورة والسحر إذ ادعى كل واحد منهما لنفسه الصلة بقوى غيبية لا تخضع للعقل، فما كان من العلم إلا أن أكَّد ذات الخطيئة التي ارتكبها أخوته فأنكر أخوَّتهم وأنكر بنوَّتهم لأبيه، فتكلم العلم باعتباره هو وحده الممثل للعقل في مواجهة اللاعقل، فتمزقت كلية العقل ووحدته بين أبناء لا يعترفون به وبين ابن يحتكر لنفسه الحق في تمثيله دون سائر إخوته، متناسيا أن أباه لا يمكن أن يتحقق في كليته واتصاله ووحدته إلا ضمن ومن خلال العلم والدين والحقيقة والزيف والأسطورة والبرهان والخرافة والكلمة والرمز والصدق والكذب، في كل ذلك جميعا هو العقل وحده لا شريك له؛ إن العقل يمثل في الدين المستعلي فوق العقل والمتصل بالسماء والمحموم نحو المطلق مثوله في العلم الممجد للعقل والملتزق في الوحل والمحموم نحو الجزئي والمتغير، لا يمكن أن يقال إن مثوله هنا أعلى أو أشد أو أكثر من مثوله هناك، إن الدين إذ يستعلي على العقل، إذ ينكره ويجحد فضله، إذ يزدريه ويحتقره، إذ يشتمه ويشبهه بالحمار، لا يكون ولا يمكن أن يكون مهما شاء أن يكون شيئا غير العقل ذاته، إنه في كل ذلك العقل يزدري نفسه ويحتقرها ويوهم نفسه ببنيان هو غير موجود فيه، إنه لا يمكن أن يوجد الدين لو لم يوجد العقل، ولا يمكن أن يستمر الدين لولا عقل يتخذه موضوعا لعملياته الفكرية باستمرار، الدين في كل ذلك هو العقل المنهك بعد أن جاهد ذاته ليستعلي فوقها إلى ذات تفوق ذاته، تفوق كل ما هو مألوف من حوله، فما كان منه بعد أن عجز عن استيعابها وتصورها وتفسيرها إلا أن ارتد على ذاته متهما إياها بالنقص والقصور ومدعيا لنفسه التسامي فوقها ليستعيض بالمسافة الكاذبة التي يدعيها عن المسافة التي عجز عن تحقيقها؛ إن العلم إذ يمجد العقل، والدين إذ يسلبه، فإنه العقل ممجدا وهاجيا لنفسه، شاعرا بعلوها فوق الكون تارة، وشاعرا بانسحاقه تحته تارة أخرى، إن العلم والدين هما معا حديثا العقل وخطابه، وإنه لا وجود للعقل في مواجهة اللاعقل إذ لا وجود إلا للعقل؛ ومن ثم كان دور البلاغة الجديدة لتعيد موضعة العلم والدين الأسطورة والخرافة والسحر والفن كتمثلات مختلفة للعلاقة بين النص والعقل والواقع، وكتنظيمات مختلفة للمشاهدات الحسية والباطنية تعي ذاتها وتبصرها ضمن ومن خلال النص الذي يسجل حركة الوعي ضمن صورة تقابل هذه المشاهدات وتعبر عنها، فتعيد بذلك للعقل ما فقده من وحدة وكلية واتصال.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- جيروزاليم بوست: هل يتفكك المثلث الذهبي بين إسرائيل وأمريكا و ...
- مجلس تنسيق الدعاية الاسلامية: ستبدأ مراسم تشييع الجثمان الطا ...
- المرشد الأعلى الإيراني يغيب عن جنازة والده بحضور كبار المسؤو ...
- نتنياهو: بلدات مسيحية في جنوب لبنان -طلبت ضمّها- إلى إسرائيل ...
- نتنياهو يزعم طلب قرى مسيحية في لبنان الانضمام إلى إسرائيل
- محمد فنيش: نعتقد أن الحرب في لبنان تم إيقافها عبر تدخل الجم ...
- محمد فنيش: إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران هو انتصار لكل ...
- قاليباف في لقائه القيادي البارز في حزب الله محمد فنيش: هناك ...
- رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود باراك: أدعو الى عصيان م ...
- قاليباف: العدو أدرك أن تحقيق السلام في المنطقة ولبنان والشر ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوزيف تحوت - البلاغة الجديدة