|
|
ستة متجولين في روما
جوزيف تحوت
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 15:57
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
كل الطرق تؤدي إلى روما، ولكن أي روما؟؟ إن روما التي نبصرها من جهة الشرق ليست هي روما التي نبصرها من جهة الغرب، وإن روما التي نبصرها من جهة الجنوب ليست هي روما التي نبصرها من جهة الشمال، وإن روما التي يبصرها كل متجول فيها لا يمكن أن تتم صورتها إلا ضمن ومن خلال مقدماته المعرفية السابقة على التجوال نفسه بكل ما اشتملت عليه هذه المقدمات من نماذج ومثل ومعايير وتصورات ومشاعر، ولو أن ستة متجولين من جهات معرفية متباينة تجولوا في روما لنسخ كل واحد منهم عنها صورة معرفية خاصة تتم بها روايته السابقة على التجوال، فأي صورة منهم هي روما؟ أم أن روما هي شيء محايد مستعل فوق هذه الصور جمعيا ينتجها دون أن ينحسر في أي صورة منها؟ أما المتجول الأول فقد أنكر أن تكون روما شيئا غير ما سمعه ورآه، فهي الحقيقة التي قبض عليها بيديه، وكل شيء غيرها هو زيف وخداع، وهي الحقيقة المطلقة التي لا ينازعها في اسم روما حقيقة أخرى، والخالصة التي لا يشوبها مقتضى أي تجوال آخر؛ لقد امتلأ بصورة روما الحاضرة في أفقه الحسي والوجداني، فأنكر بفضل قوة هذا الحضور أي احتمالات أخرى، وتوهم أن هذه الصورة هي ذات روما وماهيتها؛ لقد مزج بين روما والنظر، ثم اعتبر المضمون الناتج عن نظره الفردي والآني حقيقة وأي ضد له هو ضد حقيق؛ لقد ارتقى بمضمون نظره الآني والفردي إلى المطلق الشامل واتخذ منه مقياسا للحقيقة. إن أو ل ضحية لهذا الارتقاء الكاذب هو الحقيقة ذاتها، إذ اختزلت روما الواسعة العريضة، المتنوعة الثرية، القادرة على إنتاج ما لا يتناهى من الصور والأحكام والتقييمات والمشاعر، اختزلت في تتابع حسي وشعوري واحد ممكن فيها؛ أما الضحية الثانية فهم بقية المتجولين الخمسة إذ أُنكِرَ تجوالهم، بل أُنكِرَ حقهم في التجوال والنظر، فلا ينتظر منهم إلا أن يكونوا أفواها لعقل الأول المستبد، وبمعنى آخر لقد أُنكِرَ حقهم وواقعهم في الوجود؛ أما الضحية الثالثة لهذا الارتقاء الكاذب فهو المتجول المستبد نفسه، لقد تقوقع في تجوال فردي وآني له في روما، لم يحاول أن يرتقي بعقله ووجدانه فوق ما عاشه ليفهم ما عاشه غيره، ولم يحاول أن يرتقي بعقله ووجدانه فوق ما جربه في آن ليعيش تجربة أخرى ضمن استعدادات معرفية أخرى، فلم يبصر الحقيقة إلا في صورة واحدة من بين ما لا يتناهى فيها من الصور الممكنة، لقد حجب عينيه بستار الآن عن رؤية الحقيقة في احتمالاتها الأخرى، في تعددها وتنوعها وتبدلها وتناقضها وتناميها. أما المتجول الثاني فقد كان عنده من الفطنة ما يكفي ليدرك أن روما التي أبصرها أثناء تجواله فيها الآن ليست هي روما التي أبصرها أثناء تجواله فيها بالأمس، وتوقع أنها لن تكون روما التي سيبصرها أثناء تجواله فيها غدا، وأن روما التي يبصرها في كل تجوال ليست هي روما التي يبصرها في أي تجوال آخر، وأدرك أن روما التي أبصرتها بالأمس كانت حقيقة ولم تكن زيفا، وأن روما التي يبصرها الآن هي حقيقة وليست زيفا، وأن روما التي سيبصرها غدا لا بد أنها ستكون هي أيضا حقيقة ولن تكون زيفا، وأن روما التي يبصرها الآن غيره من المتجولين هي في حسهم ووعيهم حقيقة وليست زيفا، وأن كل روما يبصرها أو يبصرها غيره في وقت من الأوقات لا بد وأن تكون آن إبصارها حقيقة لا زيفا، بل لا بد أن تكون آن إبصارها هي الحقيقة الكاملة الفردة التي لا ينازعها في تمثيلها لماهية روما أي حقيقة أخرى، إلا أنها لا تكون كذلك إلا آن امتلاء الحس والوعي بها، أي: هي حقيقة المطلق الآني، أو سمها حقيقة الآن المطلقة، إن روما التي تملأ عليَّ حسي ووعيي وشعوري الآن هي حقيقة مطلقة لا ينازعها شيء ولكن متى انصرف عنها حسي فقد صارت هامشا وذكرى وصار المنتقل إليه هي المطلق الآني، أي: ما نشعر به في آن من الآنات مطلقا وأبديا لا يتأتى النزاع فيه، إلا أن شعورنا بهذا الإطلاق وبتلك الأبدية هو في حد ذاته مرتبط بآن بعينه يزول بزواله. وما دامت روما في كل تجوال ليست هي روما في أي تجوال آخر، وما دامت كل روما تحمل في تكوينها وملامحها سمات وتباينات التجوال الذي أنتجها، فما الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن ثمة روما واحدة تقع فيها كل هذه التجوالات المتباينة والمتناقضة؟ كل روما هي نتيجة حصرية للتجوال الذي أنتجها دون أن يكون ثمة أي وحدة حقيقة تربط بين هذه الرومات المتغايرة والمتناقضة، لقد انتهى المتجول الثاني إلى إنكار روما، ومنح ما كان لوجودها من صلاحيات وسلطات إلى التجوال ذاته، فكل تجوال يصطنع رومته الخاصة به، والتي لا نجدها في أي تجوال آخر، دون أن يكون ثمة أي وحدة حقيقة أو صلبة سابقة على التجوال تساههم في تحديد ملامح المدينة الناجمة عن التجوال، فروما هي ابنة التجوال، بل هي التجوال نفسه، ولا وجود لها سابق أو خارج التجوال، وبذلك ينتهي هذا النمط من التفكير إلى التشظي التام وإلى كسر أي وحدة قد تربط بين المتجولين في روما. أما المتجول الثالث فقد كان عنده من الفطنة ما يكفي ليدرك ما أدركه المتجول الثاني من أن روما التي يبصرها في كل تجوال ليست هي روما التي يبصرها في أي تجوال آخر، وأن روما التي يبصرها في كل تجوال أو يبصرها غيره من المتجولين لا بد وأن تكون آن إبصارها حقيقة لا زيفا، بل لا بد أن تكون آن إبصارها هي الحقيقة الكاملة الفردة التي لا ينازعها في تمثيلها لماهية روما أي حقيقة أخرى؛ إلا أنه اختلف عنه فيما ترتب على هذا النظر: فما دامت جميع أفعال التجول تجمع على وجود مدينة واحدة يقع ضمنها التجوال هي روما، وما دامت جميع أفعال التجوال تنتج في روما صورا متقاربة إلا أنها ليست متطابقة، وما دامت جميع أفعال التجوال عاجزة عن إنتاج صورة نهائية ومطابقة لها، فلا بد من وجود مدينة واحدة يقع ضمنها التجوال وهي روما، ولكن هذه المدينة لم تتحقق ضمن أي تجوال فيها، وإنما ظلت شيئا بعيدا أجنبيا وغريبا وصلبا ومتماسكا ومطلقا وواحدا غير متباين ولا مجزأ ولا متغير خارج التجوال، وجميع التجوالات تقارب هذا الأجنبي الصلب إلا أنها تقصر عنه ولا تحققه، لقد انتهى هذا النمط من التفكير إلى الإقرار بوجود روما الصلبة الواحدة والأبدية خارج التجوال، مع اتهام التجوال نفسه بالعجز عن معرفة روما أو إنتاج صورة حقيقية لها، وبذلك اعترف بوجود الحقيقة الواحدة الصلبة والأبدية مع إنكار السبيل إلى معرفتها. لقد اتفق المتجول الثالث مع المتجول الثاني على كثرة وتنوع الصور التي ينتجها التجوال في روما؛ إلا أن الثاني منهما تغلَّب فيه الشعور بالتباين والتمايز بين معطيات أفعال التجوال المتعددة على الشعور بما بينها من وحدة وتجانس، ومن ثم حكم بالاختلاف التام ونفى ما قد يكون أصلا واحدا متجانسا ترجع إليه هذه الاختلافات جميعا، أما المتجول الثاني فقد تغلب فيه الشعور بالوحدة والتشابه بين معطيات أفعال التجوال المتعددة على الشعور بما بينها من اختلاف وافتراق فحكم بوجود أصل واحد متجانس ترجع إليه هذه الاختلافات، ولكنه مع ذلك لم يستطع تجاوز ما بين أفعال التجوال من اختلاف وتباين داخل في أصل بنية الصور التي أنتجتها أفعال التجوال، فحكم على أفعال التجوال بالتحريف وبالعجز عن تحصيل صورة تامة ونهائية للأصل الواحد المتجانس الذي تقع فيه. أما المتجول الرابع فقد كان عنده من التفوق ما يكفي ليدرك أن لا وجود لروما خارج التصور، ولا يمكن حصر التصور في كيفية أو قدرة واحدة من الكيفيات والقدرات المتنوعة التي يمكن للعقل أن يتصور روما ضمنها ومن خلالها، أما روما السابقة على التصور أو التجول، فتلك حقيقة محضة لا يمكن للعقل البشري أن يدركها، إذ ما من نقطة يمكن أن ينفصل فيها العقل عن التصور كي يدرك الحقيقة الصلبة في ذاتها، ولا يتحقق التصور إلا ضمن ومن خلال قدرات الحواس وكيفيات النظر والتفكير المتنوعة والمتباينة، ولا تتحدد هذه الكيفيات بمعزل عن التراكم المعرفي والثقافي الحاصل في كل ناظر والناجم عن اختلاف تجاربنا، ومن ثم لا وجود لروما التي نعرفها خارج قدرات العقل المتنوعة على إدراكها، ولا وجود إلا لروما التي تتحدد ضمن ومن خلال التراكم المعرفي الفردي والآني لكل واحد منا وضمن ومن خلال المتاح لنا من آليات الرصد والنظر، وهذا التراكم المعرفي والفردي بدوره يتحدد ضمن ومن خلال سياق وجودنا بكل ما فيه تجارب واختبارات. لم يكتف المتجول الرابع بالنظر إلى روما الموزعة ضمن كل تجوال فيها، بل تجاوز ذلك لينظر إلى أنماط التفكير التي أنتجت تفسيراتها المتباينة في أذهان المتجولين، فمعرفة روما ليست حاصلا مباشرا لمجرد التجوال فيها، وإنما هي حاصل التجوال ضمن ما يلازمه من الحسابات والكيفيات الرامية إلى استكمال الحقيقة، والتي توظف في كل مرة معطيات التجوال وإن كانت متجانسة ضمن سياقات وعلائق مختلفة حتى تستكمل في النهاية حقيقة فردة غير قابلة للتكرار ضمن أي مسار فكري آخر. لقد أدرك المتجول الرابع أن روما في ذاتها ليست بساطة أو تركيب، ولا هي وحدة أو تعدد، ولا هي ثبات أو اختلاف، ولا هي آنية أو مطلقة، لا وجود لروما خارج سعينا إليها وبحثنا عنها، ولا تتجلى روما إلا في الوجه المتمم لسعينا إليها وبحثنا عنها، ومن ثم لا تكون إلا كما اقتضاها سياق سعينا إليها. لقد أدرك المتجول الرابع أن البساطة والتركيب، والوحدة والتعدد، والثبات والاختلاف، والآنية والإطلاق ليست صفات لروما بل هي صفات لسعينا إليها وبحثنا عنها، هي صفات لتحديقنا فيها ونظرنا إليها، فالنظر إلى روما الشاخصة ضمن تجوال واحد فيها، النظر ذاته هو البسيط والواحد والثابت والمطلق، والنظر إلى روما ضمن العديد من التجوالات الممكنة فيها، النظر ذاته هو المركب والمتعدد والمختلف والآني، وليست الحقيقة إلا حاصل النظر ولا تكون إلا كما تنتجها مقدماته، وإن روما الموزعة ضمن كل تجوال فيها، وروما الماثلة في تجوال واحد مخصوص فيها ليس أحدهما حقيقة أو فقدا للحقيقة، بل كل منهما تجل للحقيقة في الصورة المتممة لمسعى العقل إليها، وكذا تتعدد الحقيقة تعدد المساعي الممكنة فيها. لقد أدرك المتجول الرابع أن المشكلة لا تكمن في النظر إلى روما ضمن كل تجوال كائن أو ممكن فيها ولا هي في النظر إلى روما الماثلة ضمن تجوال واحد مخصوص فيها، وإنما تكمن المشكلة في المزج بين النظر وناتج النظر، وهذا المزج يفضي من جهة إلى اعتبار أحد النظرين وما نجم عنه من النتائج هو الحقيقة المطلقة التي لا ضد لها إلا الباطل، ويفضي من جهة أخرى إلى إضفاء ما هو في الأصل من صفات النظر إلى ناتج النظر. وإن الآنية، أي: التقوقع في الحقيقة كما تبدت في مرأى بعينه آنا بعينه، والاستعلاء، أي: الاستعلاء فوق مرأى مفرد في الحقيقة لنبصرها في كل مرائيها ليسا حقيقة أو فقد حقيقة، ولا هما صواب أو خطأ، بل هما مسعيان من مساعي العقل الممكنة نحو الحقيقة، ولا توجد الحقيقة خارج قدرات العقل المتعددة والمتنوعة على إدراكها ولا خارج مساعي العقل إليها، وكل حقيقة محصورة في سياق إنتاجها. أما المتجول الخامس فقد تكافأت عنده الأدلة: فاستوى في وعيه الشعور بالتمايز والتباين بين معطيات أفعال التجوال المتعددة مع الشعور بالوحدة والتجانس بين هذه المعطيات، فتسمر في موقفه عاجزا عن الحكم أو اتخاذ الموقف؛ أما المتجول السادس فهو الذي عبر أما روما فما التفت إليها ولا أعارها اهتماما. إن روما هي الحقيقة، وهي الله، وهي النص؛ هي الحقيقة نتجول فيها ولا نقبض عليها ولا نحيط بها، وهي الله نأتيه من جهة مقدمات الحنفي وتصوراته لمعاني العقل والسكر وما يكون من أثر النبيذ فإذا بالله يحل النبيذ، ونأتيه من جهة مقدمات الشافعي وتصوراته لمعاني العقل والسكر وما يكون من أثر النبيذ فإذا بالله يحرم النبيذ، ألا يتبدل موقف الإله وحكمه مع تبدل مساعينا إليه؟ هو الله نأتيه من جهة المعتزلي وتصوراته لمعاني الكمال والعدل والحسن والقبيح فإذا به لا يخلق أفعال العباد، أو نأتيه من جهة الأشعري وتصوراته لمعاني الوحدة والسيادة والعدل فإذا به يخلق أفعال العباد، أليست روما التي ندركها من جهة الشرق تختلف عن روما التي ندركها من جهة الغرب؟ أم هل يمكن لله أن يدرك خارج طبائع العقل البشري التي لا يدرك إلا ضمنها ومن خلالها؟ إن روما هي الله نبصره في إقبالنا عليه وشعورنا به يقينا صلبا صامدا لا يتغير فكل إله غيره عدم وكل تجوال آخر في روما هو زيف وخداع، هي الله نبصره في كل أدياننا المتباينة والمختلفة فإذا هو حقيقة صلبة لا خلاف في وجودها وإن قصرت عن إدراكها الأديان، هي الله نبصره في الكم اللامتناهي من الاختلافات والتناقضات التي لا يوجد إلا ضمنها ومن خلالها حتى استحال علينا أن نقدر أصلا ثابتا يمكن رد هذه الاختلافات إليه فما كان منا إلا أن جهلناه، هي الله نبصره ضمن كل تجوال وضمن كل حسابات أدت إليه فإذا هو الحقيقة الفردة التي لا تكون إلا متممة ضمن مسعانا الفرد إليه، إن روما هي النص، هي المعنى الكامن في أطلال وبنايات روما، نتجول في النص فنبصر معنى صلبا واضحا فيه فإذا هو الحقيقة كل الحقيقة، وإذا بالنص رسالة تؤدي ما أراد المؤلف في بساطة وانسجام، وكل معنى نظفر به في تجوال هو المعنى الصحيح ولا يتصور بعده إلا زيف وكل ما كان قبله وهم وسوء فهم وإن كان من ذات المفسر، هي النص نتجول فيه التجوال بعد التجوال ويتجول فيه غيرنا فنظفر فيه في كل مرة بمعنى يختلف، حتى لا يتصور أن تنطوي روما على معنى ثابت يمكن إدراكه بالتجوال، فما بقي إلا أن يكون المعنى صنيعة التجوال، وهي النص نتجول في التجوال بعد التجوال ويتجول فيه غيرنا فنظفر فيه في كل مرة بمعنى يختلف، فما يكون منا إلا أن ننكر قدرة التجوال على كشف المعنى فروما رسالة مغلقة على سرها لا يتأتى اقتحامها، هي النص نبصر معناه ضمن كل تجوال وضمن كل حساب أدى إليه فإذا به -أي: النص- آلة تعمل في نفس كل متلق على إنتاج المعنى المتمم لخبراته المتراكمة، إن روما هي الحقيقة، وهي الله، وهي النص، ولا اكتمال لروما إلا ضمن كل ما كان وما يكون وما سيكون فيها من تجوال، وإن السحر والدين والعلم والفن ليست إلا أشكالا مختلفة من التجوال في روما. متى تستعلي عقولنا فوق تجوالنا في روما لتبصر روما ضمن كل تحققاتها واحتمالاتها الأخرى، فنرى الحقيقة في تعددها وفرديتها، وفي شمولها وآنيتها، وفي ثباتها وتقلبها؟ متى نعتزل المعبد لنبصر الله ونبصر معه العقل والإنسان موزعين ضمن كل المعابد؟ إن الله حقيقة موزعة ضمن كل البشر، وإنه لا يكتمل إلا ضمنهم وفيهم، تناقضه تناقضهم، وانسجامه انسجامهم، واطراده اطرادهم، ولعلي أستلهم الأشعري واتسع بعبارته فأقول: إن الأديان كلها جمعاء تشير إلى ذات المشار إليه، إنها تشير إلى حدس الألوهة في الإنسان ولكن اختلفت العبارات. متى ندرك أن البشر في تعددهم وتنوعهم وتناقضهم ليسوا حقيقة وضد حقيقة، بل هم جميعا شظايا حقيقة مبعثرة فيهم، وأنه لا وجود للحقيقة خارج قدرات العقل المتعددة والمتنوعة على إدراكها؟ متى ندرك أن روما لم تكتمل في قائد أو في مصلح أو في نبي أو في رسول أو في جيل أو في جيلين أو في أمة، وإنما هي موزعة ضمن كل البشر، ضمن كل من ماتوا ولا يمكن حصرهم، وكل من سيأتون ولا يمكن التنبؤ بهم، وأنها تتجدد مع كل جيل جديد يسعى إليها؟ متى ندرك أن روما التالية للنظر ليست هي روما الأولى السابقة على النظر؟ وأنه إن تكن الأولى واحدة فالتالية متعددة تعدد قدرات العقل على استكمال حقيقتها، وأنه إن تكن الأولى أبدية فالتالية مؤقتة آنية محصورة في سياق إنتاجها، وأنه إن تكن الأولى صلبة ومكتملة فالتالية متجددة ضمن كل مسعى جديد إليها، فلا نملك في كل بحث إلا جزءا من ماهيتها وتجليا من تجلياتها؟ وأن لا بقاء لروما الأولى إلا ما دامت مجردة عن الوعي البشري، ومتى اعتراها الوعي فقد اعتراها النقص والزيف والبهتان؟ أما روما الثانية فإنها مشيدة من آلامنا وآمالنا ومخاوفنا ورغائبنا، من ظنوننا ووهمنا ومقدساتنا ومدنساتنا، من الفردي غير القابل للتكرار فينا، وإنها تثرى وتنضب، وتأتلف وتختلف، وتتهادن وتتصارع، ثراءنا ونضوبنا، وائتلافنا واختلافنا، وتهادننا وتصارعنا نحن؛ إنها الحقيقة البشرية التي لا تكتمل إلا باكتمالنا، ولا تتناهي إلا بتناهي حسنا وشعورنا، ولا تفنى إلا بفنائنا، أنكون متطرفين لو قلنا: إن الحقيقة هي البشر؟ هي شعورهم وحسهم ولغتهم؟ هي ائتلافهم واختلافهم واستقرارهم واضطرابهم؟ هي وحدتهم وتعددهم واصطلاحهم ونزاعهم؟ إن مثل المتجول الأول مثل من استعلى بعقله فوق من حوله ليفرض عليهم نفسه متجليا من السماء، وما السماء إلا صور وأخيلة عقله، بكل ما انطوى عليه عقله من ظنون وتوترات؛ وإن مثل المتجول الرابع مثل من انصهر بعقله ضمن من حوله في كل واحد، هو الإنسان المنبثق من الأرض والنازع نحو السماء، إنه ليس الحقيقة ضمن أضدادها بل هو الضد المنصهر مع أضداده ضمن كل واحد هو الحقيقة؛ إنك إن هدمت معبدك صرت أقدر على رؤية الحقيقة الموزعة ضمن كل المعابد، وليس هدم المعبد إلا أن تكف عن رؤيته ذات حقيقة لتنظر إليه باعتباره تجليا من تجلياتها؛ إننا أثناء السيرورة ومع كل حركة نحو روما تعيد روما التخلق من جديد لتتمم المقدمات المعرفية التي تضمنتها هذه الحركة، وإن مثل المعرفة مثل مدينة تلوح ملامحها في الأفق، فهي تبدو من بعيد آلا أو سرابا يرتفع ارتفاعا يسيرا فوق الأرض، إنها ظلال وأشباح تتموج في بصرنا تحت ضوء الشمس، كل مدغم مبهم ومتميع لا تتمايز فيه أشكال ولا ألوان، ومع الاقتراب من المدينة يتدفق فيها الحس الحيواني الدفق بعد الدفق، فإذا هي في كل دفق ليست هي في الدفق السابق، فيفترق ما كان متصلا، ويتصل ما كان مفترقا، ويتقدم ما كان متأخرا، ويتأخر ما كان متقدما، ويتلون ما كان مصمتا، ومع الاقتراب تزداد المدينة شخوصا واتساعا؛ إنها السيرورة نحو روما، والسيرورة نحو الله والكون والإنسان، إن كل الأديان والمذاهب والنحل ليست إلا تنظيمات متباينة لتدفقات الحس الحيواني في بصمة الألوهة الموزعة في العالم، وليس عمل البلاغة الجديدة أن تثبت أو تنفي هذه البصمة، وإنما عملها أن تستوعب القراءات المتباينة لها باعتبارها فعلا بشريا واقعا لا شك فيه، إن الحس الحيواني الذي يتدفق في بصمة الألوهة في العالم هو الذي في كل دفق بنى وهدم كل المعابد، وهو الذي قدس كل الآلهة، وهو الذي أسقطها أوثانا، تدفق في البشر فكانوا رسلا وأنبياء وقديسين وأئمة وأولياء بل كانوا آلهة، ثم تدفق من بعدهم فكانوا شياطين وعصاة ودجالين ومشعوذين، إنك إذ تخط قدما في السيرورة نحو روما تبني معبدا، وتكتب نصا، وتقدس إلها، حتى إذا نقلت قدمك هدمت معبدك، ومزقت كتابك، ورجمت شيطانك الذي كنت تقدس، وإن إلها نعبده اليوم لن نعبده غدا وإن عبدنا ذات اسمه في إله جديد، وإن شيطانا نرجمه اليوم لن نرجمه غدا وإن رجمنا ذات اسمه في شيطان جديد، ولا تزال روما في أفق بصرنا تتسع وتتسع حتى تصير أكبر من أن يحيط بها بصرنا، حتى إذا دخلنا روما، لننتقل بذلك من السير نحو روما إلى السير ضمن روما...
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بالفيديو.. لاعب المنتخب الأسترالي يعتنق الإسلام قبل مواجهة م
...
-
بزشكيان: إن استشهاد قائد إيران العظيم ألقى حزنًا عميقًا في ق
...
-
بين -الدولة الإسلامية- و-فلول الأسد-.. تباين القراءات حول ان
...
-
وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية: استشهاد قائد
...
-
وزارة الدفاع الإيرانية: ستكون هذه المشاركة تجديدًا للعهد وال
...
-
القدس المحتلة.. تصاعد خطير باستهداف المسيحيين ومقدساتهم
-
انشقاق يهدد الكنيسة الكاثوليكية بعد تحدي جماعة تقليدية لسلطة
...
-
تقرير إسرائيلي: البيانات الرسمية تكشف عن تغير تدريجي -زاحف-
...
-
الضفة.. إسرائيل تباشر عمليات هدم في سلفيت وبيت لحم والأغوار
...
-
-أخجل من هذا العار-.. البرادعي ينتقد الدول العربية والإسلامي
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|