أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوزيف تحوت - البلاغة الجديدة والمعرفة بالله















المزيد.....

البلاغة الجديدة والمعرفة بالله


جوزيف تحوت

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 22:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تنطلق البلاغة الجديدة من الفصل بين إلاهين اثنين: أحدهما هو الله المطلق الواحد الأحد الفرد الذي ليس كمثله شيء، ولا تهدف البلاغة الجديدة ولا تزعم في نفسها القدرة على إدراك ذلك الإله أو إثباته أو نفيه أو اتخاذه موضوعا لها؛ أما الثاني: فهو الله المتصور في أذهان البشر، وهذا ما تهدف إليه البلاغة الجديدة باعتباره ظاهرة موزعة في سلوك البشر قابلة للرصد والاستقصاء والتحليل واستخلاص النتائج.
ولئن كان الله المطلق واحدا أحدا لا يتعدد ولا يتكرر ولا يتناقض فإن صورته تخضع في تكوينها وصيرورتها وتطورها للظروف المادية والتاريخية والنفسية الخاصة بكل متصور، إنها تنشأ ضمن ومن خلال كل ما عاناه من تجارب حسية ووجدانية تراكمت ضمنها في نفسه تصورات فردية لمعان الكمال والملك والعدل والرحمة، وللكيفيات التي ضمنها ومن خلالها تأتلف هذه المعاني دون أن يغض بعضها من كمال ومطلقية بعض، وللكيفيات التي ضمنها ومن خلالها تتحقق وتأتلف هذه المعاني في كل موقف فردي وآني؛ ومن بإمكانه أن يزعم أن صورة الله في نفس المؤمن المعتدل هي ذاتها صورته في نفس المؤمن القاتل باسم إيمانه؟ أو أن الله الذي حرم النبيذ في وعي الحجازي هو ذاته الله الذي أحله في وعي العراقي؟ وهل يحرم الله ويحل ذات الشيء في ذات الشريعة وذات الزمن؟ إن كان الله لا يتعدد ولا يتناقض فإن صورته في أذهان البشر تتعدد وتتناقض، بل إن صورته لتتعدد وتتناقض في وعي المؤمن الواحد عبر الزمن ضمن ومن خلال ما يخوضه من تجارب متصلة بوجود الله وماهيته وفعله، وهل إله الأشعري بعد أن خلع جلبابه هو ذاته قبل أن يخلع الجلباب؟ أم إن إله عمرو وقد اقتنع بكلام واصل هو ذاته إله عمرو ولما يقتنع بعد؟
وَهَب أن الله بر رحيم يغدق على الكافر والمنكر ولا يرضى فيهم من الأذى أكثر مما يرضى في عبده الطائع، وهب أنني تصورته مع ذلك ملكا جبارا متكبرا يحرم الحياة على غير المؤمنين، وأنه يأمرني أمرا مقدسا باستردادها منهم، أتراني أنطلق من حقيقة لا أتصورها؟ أم إنني استجيب لصورته الحاضرة في وعيي والملحة في وجداني؟ البشر لا يستجيبون للحقيقة وإنما يستجيبون دائما وأبدا لصورتها المخزونة في وعيهم، وإنهم ليجترئون على الأمور الكبار عندما تستبد بهم الأنانية وقوة الحضور فيساوون بين الحقيقة وصورتها العارضة في أذهانهم والتي تمخضت عنها سيرورتهم الفردية نحو الحقيقة ذاتها، إن صورة الحقيقة لا تعني إلا غياب الحقيقة، وإن تغير الحقيقة في أذهاننا دائما وباستمرار وعند كل سيرورة إليها لا يعني إلا الحضور الأبدي للصورة؛ وما دام الله غائبا في مطلقيته، حبيسا في عجز البشر عن إدراكه، تبقى صورة الله هي المهيمن على سلوك البشر، ومن هذا المنظور تصبح صورة الله هي مركز الثقل وهي الأجدر بالدراسة والاهتمام ما دمنا نريد فهم البشر.
قد يعترض البعض على موقف البلاغة الجديدة من الله المطلق، ويظن أنها تتخذ منه موقفا لا أدريا، ورغم أن اللاأدرية نتيجة حتمية وامتداد عضوي إلى أقصى الحدود لتلك المقولة التي أقر بها الكثير من المنظرين ضمن فرق إسلامية مختلفة، وهي: أن الله لامادي، وأنه موجود خارج حدود المكان والزمان معا، إن التطور الطبيعي لهذه المقولة أن يكون الله قضية غير قابلة للإثبات ولا للدحض، إذ ليس بمقدور الإنسان أن يخرج خارج حدود المكان والزمان ليثبت أو ينفي هنالك -إن صحت هنالك- شيئا؛ لذلك يسعني أن أزعم أن اللاأدرية مقولة كامنة ضمن مقولة الفقهاء وإحدى استعداداتها الدلالية التي لم تتفجر من قبل؛ ومع ذلك لا تعني البلاغة الجديدة بالدفاع عن اللاأدرية أو إثباتها أو الترويج لها، غاية ما في الأمر أن البلاغة الجديدة تنفي عن نفساه القدرة على إثبات الله المطلق أو نفيه وتقر بافتقادها للمنهجية والآليات اللازمة لذلك، دون أن تنفي هذه القدرة على العلوم الأخرى، ودونما أن تصادر حقها في ذلك.
ولئن كان الله المطلق محلا للخلاف في نصوص البشر، فإن الله المتصور حقيقة لا يسع عاقلا أي عاقل أن ينكرها، إلا أن يزعم زاعم أن لا وجود إلا لله المطلق، وأنه هو ذاته الذي يحل في وعي المؤمن، فلا وجود لصورة إله تنفصل في ذهن البشر عن حقيقته، فيتعين عليه إن عرف في الله مسألة لم يكن يعرفها من قبل أو صحح فيه مسألة تتعلق بماهيته أو صفته أو فعله، أن يجعل إلهه ذاته هو الذي تغير فكان كونا جديدا لم يكنه قبل هذه اللحظة، فإن قال: إن إلهه لا يتغير وإنما الذي يتغير هو ظنه فيه، وأن الإله ثابت والظن متغير ومع ذلك الظن بالله هو ذات الله فقد سقط عن الحد الذي يوجب علينا خطابه، وإن أقر بظن مستقل عن حقيقة الله الثابتة عرضة للتغيير والتبديل فليس الله المتصور إلا هذا الظن المتغير والفردي والمتناقض؛ وبذلك يقدم لنا الله المتصور أرضية مشتركة يلتقي فيها كل البشر فحتى المنكر ينطوي على صورة لله كما ينطوي على صورة للغول أو التنين أو العنقاء.
وليس بمقدور البلاغة الجديدة أن تزعم لنفسها الأسبقية في دراسة تصورات المؤمنين عن الله، ولكنها تدرسها من منظور بعينه وهو منظور العلاقة بين النص والعقل والواقع، باعتبار هذه الثلاثية هي صلب وماهية البلاغة الجديدة؛ ولعل أهم ما ينبغي أن تدرسه البلاغة الجديدة في هذا السياق هو النضال الدؤوب المتواصل الذي خاضته الأديان في إصرار مثير للإعجاب كيما تتجاوز الهوة الفاصلة بين الشعور والنص، بين المعرفة الحدسية والمعرفة المنظمة، بين الحدس بالله والتعبير عنه؛ وينبغي أن تتناول في خضم ذلك التناقض الحتمي بين حدس الألوهة وصياغتها، وما نجم عنه من توتر الحدس وإلحاحه على إسقاط كل النصوص الدينية وبناء غيرها من جديد، حتى كان الدين إثر الدين، والمذهب إثر المذهب، والتفسير إثر التفسير، ولا زال الله يتشكل ويعيد التشكل بعد موت الرسل وحتى يومنا هذا في تفسيرات المذاهب والفقهاء، وفي وكل سيرورة جديدة إليه؛ كما ينبغي أن تتناول الضرورات العقلية واللغوية التي لا تنتظم المعرفة إلا ضمنها ومن خلالها، وكيف تتحقق هذه الضرورات في معرفتا بالله وتحكم صورته في وعي المؤمن، والجهاد العقلي واللغوي المرير الذي خاضه المتكلمون في سبيل إنتاج صورة خالصة من كل ضرورات المعرفة البشرية واللغة حتى تطابق حقيقة الله المحضة، وكيف حاولوا في خضم ذلك أن يرتقوا بالإنسان في لغته ومعرفته إلى ذات أسمى من ذاته تكون مؤهلة لإدراك الذات الإلهية والتعبير عنها، فحاولت أن تنتج -من خلال التفسير- لغة خالصة من كل الضرورات التي لا تؤدي اللغة إلا ضمنها ومن خلالها، وأن تخلق معرفة قادرة على الانقطاع عن المادة بكل ما تحمله من مثل وقوانين حتى تعرف معرفة خالصة دون أن ترد إليها وتقيس على مثالها وتصوغ في قالبها؛ كما ينبغي أن تدرس تصوراتهم لطبائع المادة والوعي واللغة ولمعاني الكمال والملك والعدل والرحمة، وكيف تشكلت صورة الله في أذهانهم تحت وطئة هذه التصورات، حتى كان نزاعهم في طبيعة الله إنما هو نزاع في طبائع هذه المدركات، وكيف انتهى بهم المآل أن سجنوا جميعا في سجون العقل واللغة عاجزين عن مفارقتها حتى صار نزاعهم إنما هو نزاع على الطرائق التي تدرك بها عقولنا وتعبر بها ألسنتنا، إلا أنهم أسقطوه في طبيعة موضوع المعرفة واللغة وهو الله.
وبذلك يتقرر أن البلاغة الجديدة لا تهدف إلى دراسة الله في وجوده أو ماهيته أو صفاته أو أفعاله، وإنما تهدف إلى دراسة تصورات المؤمنين المتباينة والمتطورة والمتناقضة عن وجود الله وماهيته وصفاته وأفعاله، باعتبارها ظاهرة موزعة في نصوصهم وأفعالهم قابلة للرصد والاستقصاء والتحليل واستخلاص النتائج، وذلك من خلال منظور بعينه وهو العلاقة بين النص والعقل والواقع، فتدرس حدس الألوهة في علاقته بكل من الحس بالمادة والمعرفة المنظمة المتحققة في النص.
وأؤكد في الختام: ما دام الله يعيش في أذهان كل البشر، وما دامت صورته تحكم إلى حد كبير وبشك لا يقبل الشك أو النزاع ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ولا سيما في المجتمعات البائسة، فليس لأحد أن يدعي الحق في احتكاره، أو احتكار تمثيله، أو احتكار معرفته، أو احتكار مناقشته، أو احتكار تصوره، أو احتكار البحث والكتابة عنه؛ وإنما هو ملكية عامة مشاعة بين كل البشر كالماء والهواء، وكل من ادعى احتكاره فقد ادعى لنفسه الحق في احتكار الحياة، الحق في احتكار حاضر الإنسان وماضيه ومستقبله، سواء على مستوى المجتمع الواحد أم على مستوى البشرية كلها جمعاء.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
- البلاغة الجديدة
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- المغرب: إحباط -مخطط إرهابي- لخلية تابعة لتنظيم -الدولة الإسل ...
- سؤال عميق يؤرق اليهود الأمريكيين اليوم
- كلفة أن تكون شيعيا في الخليج بعد حرب إيرانبعد الحرب مع إيران ...
- من عمر بن الخطاب إلى الثورة السورية.. الجامع العمري على قوائ ...
- الجزائر: جبهة التحرير الوطني تتصدر نتائج الانتخابات التشريعي ...
- تشييع خامنئي من النجف العراقية.. كيف احتفظت المدينة الشيعية ...
- شقيقان من نابلس يحرسان إرث صناعة أهلة المساجد ومآذنها في فلس ...
- الناشط الإعلامي الأمريكي جكسون هينكل: خطة أمريكا للإطاحة با ...
- فنيش: لولا دعم الجمهورية الإسلامية ما كانت المقاومة لتحظى به ...
- الحوار أم الردع؟ موريتانيا تعيد تفعيل الحوار مع السجناء السل ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوزيف تحوت - البلاغة الجديدة والمعرفة بالله