أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جوزيف تحوت - الدليل والتفسير في المعارف الإنسانية















المزيد.....

الدليل والتفسير في المعارف الإنسانية


جوزيف تحوت
كاتب

(Jousseph Thouth)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 17:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا زلت أذكر تلك الفترة القصيرة من عمري، التي قررت فيها أن أكون معتزليا، وكمعتزلي مخلص هممت بإثبات ادعاءاتهم بأدلة قطعية لا يتأتى فيها الشك أو النزاع، حينها شعرت بتلك الهوة التي تكلم عنها المعري وقال:

رأيـت جــماعـات مـن الـناس أولعـت ∴ بـإثـبـــات أشــــيـاء استحــال ثبــوتهـا
فـقـد أخـبــرت عـن غـيـهــا سـنـواتها ∴ كــمـا أخـبــرت آحـادها وثـبـــوتــهــا
ومـا هــي إلا الـــنـار تـوقـــــــد مــرة ∴ فـتــذكــو وتــارات يـحـيــن خـبـوتـها

ما من شيء يمكن إثباته، وما من شيء يمكن دحضه، ما من دليل إلا ويوجد له رد، وما من رد إلا ويوجد عليه رد، ولا تتوقف القدرة على إنتاج الدليل أو الرد على قابلية الادعاء ذاته للثبوت أو الدحض بقدر ما تتوقف على كفاءة المجادل ذاته وقدرته الفردية على إنتاج الدليل أو الرد، كل شيء يمكن أن يقال في سبيل إثبات مذهب أو دحضه، وكل شيء يمكن أن يتخذ دليلا على صحته أو بطلانه، وكلما كثرت النصوص قل المعنى، فالنصوص قوة تحديد في المقام الأول، والنصوص التي تقول كل شيء لا تقول شيئا، وكأن كل قول عبث، وكأن كل دليل لا يعمل ولا يدل إلا ضمن ومن خلال المنظومة الفكرية التي أنتجته.

وهذا ذاته ما قد تشعر به إن نظرت بتجرد وحياد، إن نظرت من أعلى إلى الصراعات بين المتكلمين والمنظرين في مختلف المذاهب الدينية والبشرية، وكأن كل يقين محصور في سياقاته المعرفية التي أنتجته، ولا يمكن أن يحيا خارجها؛ وهو ما دعاني إلى التساؤل عن إمكانية الدليل بمعناه الجازم والفاصل في المعارف الإنسانية، إن الدليل بمعناه القاطع ممكن في العلوم الطبيعية التي تعتمد في تطورها على القرينة الحسية، التي تقوم بدورها على أنماط التلازم الثابتة بين المدركات في أفق الحس والشعور في الحدوث والتتابع، والتي تتدفق ضمن ومن خلال حقائق مادية لها وجودها المستقل عن الحس والوعي البشريين.

وذلك بخلاف المعارف الإنسانية التي تتمحور في موضوعاتها حول القدرات الفردية على التصور والشعور، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال تداولها، أو الإشارة الجازمة في إطار المعارف الإنسانية إلى أنماط تدفقها، أي: حدوثها وتتابعها، فهي أحداث فردية بامتياز، ولا تتمظهر هذه الأحداث في مظهر مادي خارج الإنسان إلا في اللغة، ومن ثم لا تمتلك أي وجود مادي صلب مستقل عن الحس والوعي البشريين يمكن الرجوع والاحتكام إليه والفصل من خلاله؛ ومهما يكن قدر المشترك البشري في التصور والشعور فإنه لا يصل أبدا حد التطابق، نتيجة لاختلاف عناصر التجربة البشرية من جهة، ونتيجة لاختلاف البنية البيولوجية المؤثرة في أنماط تأثرنا بهذه العناصر من جهة أخرى، ووجود هذا القدر من المشترك البشري والذي يتعزز لا ريب كلما ازداد التجانس في عناصر الخبرة البشرية التي تتعرض لها مجموعة من البشر – هو ما يسمح بوجود قدر مقبول من التشابه والتفاهم بين البشر، كما أن وجود المختلف البشري هو ما يحفظ للإنسان فرديته وخصوصيته، وتردد القدرات الفردية على التصور والشعور بين المشترك والمختلف البشريين هو ما يحدد طبيعة الموضوع في المعارف الإنسانية، كحالة من النصف نظام أو النزوع إلى نظام، ومن ثم لا تخضع المعارف الإنسانية للمنطق الحدي الصارم الذي تخضع له المادة التي هي موضوع العلوم الطبيعية، وإنما تخضع للمنطق الرمادي أو الضبابي، منطق الاحتمالات والترجيحات والمحفزات.

أما اللغة فهي وإن كانت تملك بنية مادية ثابتة يمكن إدراكها خارج الإنسان تتمثل في الصوت المسموع والرمز المكتوب، إلا أن هذه البنية لا تعمل ولا تدل إلا ضمن الوعي الفردي بكل ما يحمله من مشترك ومختلف بشريين، وهي لا تحيل إذ تحيل في كل مرة إلى حقيقة يمكن إدراكها ثابتة ومستقلة خارج الوعي البشري، كيف ذلك واللغة في أصل نشأتها وضعت لتكون بديلا عن هذه الحقيقة الغائبة؟ وإنما تحيل اللغة دائما وباستمرار إلى ما تنطوي عليه خبرات المتلقي من صور ومشاعر لا تطابق خبرات الملقي ولا خبرات غيره من المتلقين مهما جانستها، ومن ثم لا تمنح اللغة الحقائق البشرية وجودا صلبا مستقلا عن قدرات الوعي البشري على التصور والشعور يمكن الرجوع والاحتكام إليه والفصل من خلاله، كما أن اللغة لا تخضع في تكوينها وعملها للمنطق الحدي الصارم، فما من قضية خارج اللغة توجب في ”قلم“ أن تدل على ”قلم“، ولا في العدد المفرد أن يؤنث مع المذكر، أو يذكر مع المؤنث، أو توجب في الفاعل أن يكون مرفوعا، أو في المفعول به أن يكون منصوبا، وإنما تخضع اللغة ليس فقط في استقرار دلالتها، بل وفي استقرار تراكيبها للاصطلاح والاصطفاء البشريين؛ ومن ثم تخضع اللغة في تكوينها ومضامينها التي تنتمي إلى المعارف الإنسانية للمنطق الرمادي؛ ومن ثم لا مجال في المعارف اللغوية والإنسانية للحديث عن الدليل بمعناه القطعي والصارم، والذي لا يتأتى فيه شك ولا نزاع، والذي يقوم على العلائق الحتمية المستقلة في الحدوث والتتابع عن القدرات البشرية على التصور والشعور، لأن ما قد نسميه دليلا قاطعا في المعارف اللغوية والإنسانية إنما يقوم على علائق تخضع في النهاية للقدرة الفردية على التصور والشعور والتي لا مجال لتداولها أو تعميمها أو الفصل فيها، والتي تخضع للمختلف البشري بقدر خضوعها للمشترك البشري.

ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال الخضوع التام للاعتباطية وما قد تجره علينا من الفوضى وانهيار كل إمكانية للتنظير أو التفسير أو التنبؤ، فالمعارف اللغوية والإنسانية -كما قلت- هي حالة من النصف نظام، أي: يوجد حدود، لكنها مرنة وليست صلبة أو حاسمة، ولا يوجد خطوط فاصلة، ولكن يوجد مناطق عازلة تقع فيها التحولات والتداخلات والترجيحات، لا توجد نهايات حتمية صلبة مستقرة، ولكن يوجد نزوع ومسعى أبدي إليها لا يبلغ غايته ولا يتحقق أبدا، ولا يسير إليها في مسار واحد مطرد، لا يوجد موجبات، ولكن يوجد دائما محفزات ومرجحات ضمن شبكة معقدة من العلائق تتأسس على منازع وتصورات، نعيها فنسميها غاية وهدفا، أو لا نعيها فنسميها غريزة وفطرة ونزوع؛ وإن كانت مواضيع المعارف اللغوية والإنسانية في كل لحظة من لحظاتها حالة من النصف نظام، فإنها أيضا حالة من النزوع إلى نظام، وذلك بحكم النزوع الفطري في الإنسان إلى النظام، فالإنسان منذ وجوده وهو يسعى إلى تنظيم فهمه لهذا العالم، وإلى تنظيم وجوده فيه بما يحقق له الحد الأقصى من غاياته، إلا أن النزوع إلى النظام لا يتحقق ولا يبلغ غايته أبدا، ليس فقط لأن البشر مختلفون في تصورهم لما قد يكون نظاما ومنطقا، بل لأن الظواهر الإنسانية في كليتها لا تنتج عن نزوع واحد مفرد في الإنسان، وإنما هي نتاج أنماط التكافؤ والتوازن بين المنازع المتعددة والمتنوعة في الإنسان.

وإن كنت أعدل عن الدليل بمعناه القطعي والصارم في المعارف اللغوية والإنسانية، فإني أقترح بدلا منه ”الكفاءة في التفسير“ كمعيار من معيارين في التأسيس والتقويم للنظرية فيهما، وتتمثل الكفاءة في التفسير في عدة وجوه يأتي في مقدمتها القدرة على تفسير كل أو أكبر قدر من الظواهر التي تنتمي إلى المجال النظري للنظرية ضمن المنظور الذي اختارته النظرية لنفسها دون التواءات أو وسائط ترد هذا الملتوي إلى التفسير الذي تضع له هذه النظرية، كما تتمثل الكفاءة في التفسير في قدرة النظرية على تفسير النظريات الأخرى المناوئة لها، بأن تحدد المقدمات الموهمة بها، أو تحدد وجوه إصابتها وخطئها، أو تحدد نطاق عملها بما يجعلها متسقة معها لا مناوئة لها، إلى غير ذلك من وجوه التفسير، كما تتمثل الكفاءة في التفسير في قدرة النظرية على تطوير ذاتها دون أن تفقد الاطراد الأصلي لجوهرها.

أما المعيار الثاني في التأسيس والتقويم للنظرية في المعارف اللغوية والإنسانية فهو ”الكفاءة في الاستهلاك“، وتتمثل الكفاءة في الاستهلاك في قدرة النظرية على التقليل من مقدماتها النظرية التي تنطلق منها في تفسير الظاهرة موضوع الدراسة، كما تتمثل في وضوح هذه المقدمات ومدى استغنائها -على الأقل ضمن المجال المعرفي للنظرية- عن الشرح التوضيح، كما تتمثل في بديهية هذه المقدمات ومدى واقعيتها وقابليتها للحدوث.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)       Jousseph_Thouth#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعري والإمام المنتظر
- الحقيقة بين الحضور والانزياح
- الكلمة والحقيقة
- السياق والكلمة
- تطور المعرفة من الحدس إلى النص
- ستة متجولين في روما نسخة معدلة
- البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
- البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
- قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
- البلاغة الجديدة
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- حاكم فلوريدا عن نتائج انتخابات التجديد النصفي: -تهديد للوجود ...
- متحدث خارجية إيران يعلق ويبيّن معنى نتائج الانتخابات النصفية ...
- ترامب ينتقد مجلس الشيوخ لتأخيره إقرار إلغاء تغيير التوقيت
- الشماتة الإيرانية قد تدفع ترامب لاستئناف الحرب
- إعصار يضرب البرازيل ويتسبب بدمار هائل في مطار شابيكو
- ترامب تحت الضغط لإطالة حصار إيران بحريا
- موسكو تحذر أوروبا من إطلاق عمل عسكري في البحر الأسود
- تقرير اتحاد شركات الطيران العربية يتوقع خسارة صافية بـ3.82 م ...
- السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
- لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جوزيف تحوت - الدليل والتفسير في المعارف الإنسانية