أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جوزيف تحوت - الكلمة والحقيقة















المزيد.....



الكلمة والحقيقة


جوزيف تحوت
كاتب

(Jousseph Thouth)


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 08:22
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لو عمدت إلى البرتقالة التي أمام ناظريك الآن، قبضت عليها بيدك وحركتها بين أصابعك، فهل يتأتى في كلمة "برتقالة" أن تدل على شيء إلا عليها؟ وهل يتأتى في ذهنك أن يتمثل في حضورها الحسي صورة لها مستقلة عنها حتى تبذل الجهد في كف ذهنك عن الانشغال بحضورها لتتمثل صورة برتقالة أخرى مغايرة لها؟ فتتطلبه تتطلبا وتتكلفه متعمدا؟ تذكر البرتقالة التي أكلتها بالأمس هل كانت تطابق البرتقالة التي بين يديك الآن؟ هل كانت الاستدارة هي ذاتها؟ أم كان اللون هو ذاته؟ أم كانت الرائحة هي ذاتها وذات نفوذها؟ وهل تجد في هذه من المذاق ما تجده في تلك؟ وما دامت البرتقالة التي أكلتها بالأمس لا تطابق البرتقالة التي بين يديك الآن فأي واحدة منهما هي البرتقالة؟ أهي البرتقالة التي باشرتها بالأمس؟ أم هي البرتقالة التي تباشرها الآن؟ أم هي الصورة الرمزية في ذهنك التي ترمز إلى البرتقالتين وتمثلهما معا؟ أم هي علم على حقل دلالي يشتمل على كل صور البرتقال التي باشرتها من قبل والتي ستباشرها في المستقبل؟ أم هي علم على محض شعورك بالوحدة بين البرتقالتين؟ ولمَ نعقد الأمور؟ لمَ لا نقول ببساطة البرتقالة هي ما باشرته بالأمس، وهي ما أباشره الآن، وهي كل ما باشرته في الماضي مما نسميه برتقال، وكل ما سنباشره منه في المستقبل؟ وهل تمنع المفارقة بين أفراد البرتقال أن تسمى جميعا باسم واحد ما لم تبلغ الحد الذي يخرج المدرك عن كونه برتقالا ليلحقه بأي فاكهة أو مدرك أخر؟ إن كلمة "برتقالة" تدل على كل برتقالة باشرتها في الماضي أو ستباشرها في المستقبل لا شك في ذلك، وقديما ما أشار اللغويون إلى أن النكرة تستوعب في دلالتها الجنس كله، فكلمة "رجل" لا تشير إلى فرد دون فرد من جنس الرجال، وكلمة "قلم" لا تشير إلى فرد دون فرد من جنس الأقلام، وكذلك الحال في كلمة "برتقالة" لا تشير إلى فرد دون فرد من جنس البرتقال، ولكن ما دامت كل برتقالة لا تطابق في صفاتها أي برتقالة أخرى فما المبرر لاعتبارها جمعيا جنسا واحدا يشار إليه بكلمة واحدة؟ وهل يمكن أن نعرف البرتقالة التي بين يدينا الآن أو نعبر عنها خارج شعورنا بالوحدة بينها وبين البرتقالة التي باشرناها بالأمس وكل برتقالة باشرناها في الماضي أو سنباشرها في المستقبل؟ ثم ما الذي نبصره في كلمة "برتقالة"؟ أنبصر فيها برتقالة معزولة عن خلفيتها الطبيعية؟ أم نبصر فيها عالما كاملا تتمركز في بؤرته البرتقالة؟ وكيف تتحدد مضامين هذا العالم؟ هل تتحدد من خلال مباشرة البرتقالة في المادة والواقع؟ أم من خلال مباشرتها في النصوص؟ أم من خلال مباشرتها في الواقع والنصوص معا؟ سأحاول في السطور التالية الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال المحاور التالية:

الشعور بالوحدة كأساس للتداول.
الشعور بالوحدة كأساس لإمكانية المعرفة.
الكلمة والحقل الدلالي.
الكلمة والشعور بالوحدة.
الكلمة والصورة الذهنية.
الكلمة بين التحيز والاستعمال الحي.
الكلمة بين الاستدعاء والبصيرة.
الكلمة بين الحقل الدلالي والحقيقة.

الشعور بالوحدة كأساس للتداول

إن تقدير الوحدة بين البرتقالة التي تحدق فيها الآن والبرتقالة التي باشرتها بالأمس وكل برتقالة باشرتها في الماضي أو ستباشرها في المستقبل بل كل برتقالة باشرها غيرك من الأحياء في الماضي أو سيباشرها في المستقبل، ذلك التقدير ضرورة تداولية لا يتم التواصل في اللغة إلا ضمنها ومن خلالها، فعندما أقول لك "أكلت هذا الصباح برتقالة لذيذة"، فإن كلمة "برتقالة" في هذا النص تشير إلى صورة تلك البرتقالة العالقة في مخيلتي مع ما يلازمها من مشاعر اللذة والنشوة المتعلقة بها، ولا يمكن بحال من الأحوال أن أتداول صورة البرتقالة أو شعوري بها، فالصورة والشعور من العناصر الفردية التي لا تقبل التداول، وإنما يعتمد التداول على صورة في خبرة المتلقي مجانسة للصورة التي أريد الإبانة عنها، ولا تكون الصورة من جنس الصورة حتى تقدر عناصر ثابتة تتكرر في كل صورة منهما، أي: حتى تقدر بينهما قدرا من الوحدة كاف لعقد المجانسة بينهما، فالشعور بالوحدة بين صورة البرتقالة التي أريد الإبانة عنها وصورة البرتقالة التي يفسر بها المتلقي هو الضامن لإشارة الكلمة في نفس المتلقي لما يصلح لتمثيل ما أريد الإبانة عنه، أي: هو الضامن لحدوث التداول، ولولا ذلك الشعور بالوحدة بين الصورة التي باشرتها والصورة المخزونة في خبرة المتلقي لما وجدت ما أشير إليه بالكلمة، فذلك الشعور بالوحدة هو الذي يضمن لي أن المتلقي سيفسر كلمة "برتقالة" بصورة مخزونة في خبرته مستمدة من تجاربه في مباشرة البرتقال تصلح لتمثيل الصورة التي أريد الإبانة عنها، وهو الذي يضمن للمتلقي في نفس الوقت أني أريد بكلمة البرتقالة صورة مجانسة للصورة التي يفسر بها تقوم مقامها في الشعور والتفكير والدلالة -وتقبل عني كلمة "الشعور" الآن بشيء من التسامح وتناسي الدقة الأدبية والفنية- ولو كان العقل البشري عاجزا عن الشعور بالوحدة وعقد المجانسة بين الأفراد، ولو كان كل فرد من أفراد ما نسميه الآن جنسا واحدا يتمثل في وعينا فردا لا يقدر فيه الوحدة ولا المجانسة، لاستحال علينا أن نعبر عن الأشياء إلا بالإشارة إلى ذواتها المادية المتقاطعة في أفق الحاسة بل لاستحال علينا أن نصطلح على وسيلة لهذه الإشارة أو على دلالة لما قد يكون بالغريزة إشارة، مما يعني انقطاع الخبرة بالتحرك في الزمان أو المكان واستحالة تداول أو تراكم المعرفة البشرية.

وقَدِّر أنك رأيت كائنا سميته "الطرنطم" وأنت تعلم أن مخاطبك لم يره ولا باشره بأي حاسة من قبل، أتقول له "رأيت الطرنطم" وتظن مع ذلك أن كلمة "الطرنطم" ستشير في وعيه إلى ما يصلح لتمثيل ما رأيته أنت؟ ألا تجد نفسك إزاء خبرة واقعية انقضت بالتحرك في الزمان أو التحرك في المكان والزمان فلا سبيل للإشارة إليها، وصورة عالقة في مخيلتك مع ما يلازمها من شعورك بها وكلاهما حبيس في فردك فلا سبيل لتداوله، وكلمة لا تجد بها ما تشير إليه في خبرة المتلقي؟ فمن أين هذا العجز عن التداول إن لم يكن من افتقادك لصورة في خبرة المتلقي تشعر بالوحدة بينها وبين الكائن الذي رأيت؟ وقَدِّر أن انبثق فجأة في وعيك أن "الطرنطم" يشبه الأسد فتقول لمخاطبك "رأيت كائنا كالأسد وسميته الطرنطم" ألا تكون بذلك قد حققت التداول من خلال شعور بالوحدة بين الكائن الذي رأيت وبين صورة الأسد المخزونة في وعي المخاطب؟ وقَدِّر أنك تعلم أن مخاطبك لا يعرف الأسد ولا رآه من قبل أتقول له "رأيت كائنا كالأسد سمتيه الطرنطم" وأنت تنتظر بعبارتك أكثر مما تنتظره بقولك "رأيت الطرنطم" أو "رأيت الأسد"؟ فمن أين هذا العجز عن التداول إن لم يكن من افتقادك لصورة في خبرة المتلقي تشعر بالوحدة بينها وبين الكائن الذي رأيت؟ وقَدِّر أنك أخذت في سرد صفات الطرنطم فقلت لمخاطبك "رأيت كائنا سميته الطرنطم، له جلد سميك أخضر، وعينان زرقاوان، وأسنان كثيرة، وأربعة أصابع طويلة"، حتى أتيت على صفاته صفة صفة، تأمل في كل كلمة استعملتها في وصف الطرنطم ألم تعتمد في قابليتها للتداول على شعور بالوحدة بين صور الصفات التي باشرتها أنت في الطرنطم وبين الصور المخزونة في خبرة المتلقي والمجانسة لها من صور الجلد والسُمْك والخضرة والعين والزرقة والأسنان والكثرة والأصابع والطول؟ أليس ذلك الشعور هو ما يضمن لك أن المتلقي سيفسر الكلمات التي نظمتها في وصف الطرنطم بما يصلح لتمثيلها والقيام مقامها في الدلالة والشعور والتفكير حتى إذا انتهيت من سرد صفاته وتحديد العلائق القائمة بينها في النص تمثل في وعي المتلقي صورة مجانسة أو مقاربة لصورة الطرنطم الذي رأيت؟ وأليس الشعور بالوحدة هو ما يضمن للمتلقي أنه يقابل كلامك بما يصلح لتمثيله والقيام مقامه حتى يحقق حدا أدنى من الفهم والمشاركة المعرفية والوجدانية؟
وما دام التداول لا يقع داخل عقل بشري واحد وإنما يقع في أدنى تقدير داخل عقلين بشريين مختلفين، فأين يقع هذا الشعور بالوحدة الضامن للتداول؟ وإن كان يقع في عقلين مختلفين فما الضامن لصحته أو وحدته ووحدة مقتضياته؟ وبلغة أبسط ما المانع من أن أشعر أنا كمتكلم ضمن كلمة "برتقالة" بالوحدة بين صورة البرتقالة التي أتكلم عنها وبين صورة البرتقالة التي أتوهم أن المتلقي يفسر بها، ويشعر المتلقي في نفس الآن ضمن كلمة "برتقالة" بالوحدة بين صورة ما أسميه أنا "قلما" ويسميه هو "برتقالة" المخزونة في وعيه وصورة "القلم" التي يتوهم أني أتكلم عنها؟ فما الذي يضمن وحدة شعورين أو وحدة مقتضيات شعورين بالوحدة ضمن عقلين مختلفين؟ دعنا نقر أولا أن الخطأ وسوء الفهم والتفسير ليسا بالشيء المستبعد أو الذي يمكن تحاشيه، ولكن التمادي فيهما سيحيلنا إلى فوضى الدلالة وفوضى التداول حتى تستوي القضية في الكلام والصمت ويصبح كل إنسان حبيس عالمه الفرد غير القابل للتداول أو المشاركة، وما يعصمنا من ذلك هو اللغة التي هي مظهر من مظاهر العقل الموروث، فاللغة هي التي تقضي بدلالة كلمة "برتقال" على الفاكهة المعروفة عند كل من المتكلم والمخاطب، وتوجد اللغة في وعي كل متكلم ومتلق بها، وتنتقل اللغة إلى وعي الحامل الجديد من خلال الاستعمال الحي في الواقع، فما دام كل من المتكلم والمتلقي قد نشأ ضمن بيئة لغوية واحدة تصطلح اصطلاحا ضمنيا أو مقننا على استعمال كلمة "برتقالة" في الدلالة على مدلول واحد وهو الفاكهة المعروفة، فمن شأن هذا الاستعمال أن يولد في وعي كل من المتكلم والمتلقي شعورا بالوحدة والتجانس بين ما يعنيه كل واحد منهما بكلمة "برتقالة"، كما تولد ثقة واطمئنانا إلى هذا الشعور، فاللغة المتوارثة ضمن البيئة اللغوية الواحدة هي الضامن لصحة الشعور بالوحدة بين خبرة كل من المتكلم والمتلقي وهي الأساس الذي يقوم عليه التداول.

الشعور بالوحدة كأساس لإمكانية المعرفة

إن تقدير الوحدة بين البرتقالة التي تحدق فيها الآن والبرتقالة التي باشرتها بالأمس وكل برتقالة وقعت مباشرتها أو تتأتى مباشرتها في المستقبل ليس مجرد ضرورة تداولية بل هو ضرورة معرفية في المقام الأول، ولو كنت عاجزا عن تقدير الوحدة والتجانس بين البرتقالة التي تحدق فيها الآن وكل برتقالة وقعت مباشرتها أو تتأتى مباشرتها في المستقبل لكانت كل معرفة تتكشف لك في البرتقالة التي بين يديك الآن لا تنطبق على أي برتقالة أخرى، ولانقضت كل أهمية لهذه المعرفة مع انقضاء البرتقالة ذاتها، ولصرنا نكتشف البرتقالة لأول مرة في كل مرة نباشرها فيها، مما يعني استحالة تراكم أو تطور المعرفة البشرية، ولعلنا نمضي إلى بعد من ذلك فنتساءل عن إمكانية المعرفة البشرية أصلا خارج قدرتنا على الشعور بالوحدة وتقدير التجانس، فأبسط معرفة بالبرتقالة أن تقول "البرتقالة مستديرة" أو تقول "البرتقالة صفراء" أو تقول "البرتقالة تنبت في فصل الشتاء"، فارجع إلى نفسك ودقق النظر، لا يمكنك أن تصف البرتقالة بالاستدارة حتى تعرف الاستدارة ذاتها ضمن اسم واحد هو "الاستدارة"، ولا تعرف الاستدارة ذاتها ضمن اسم واحد حتى تجردها عن المستديرات التي لا توجد الاستدارة إلا ضمنها ومن خلالها، ولا تكون قادرا على تجريد الاستدارة عن المستديرات حتى تشعر بالوحدة بين المستديرات في صفة واحدة مميزة يمكن إدراكها مستقلة وهي الاستدارة، وحتى تكون قادرا على مقابلة هذا الشعور بصورة دائرية تمثله وتجسده وباسم يعبر عن معرفته ووحدته واستقلاله، وينعقد بالاشتراك في الشعور بالوحدة والصورة التي تمثَّله والاسم الذي يعبر عنه جنس واحد هو جنس المستديرات، ومن ثم لا تكون قادرا على وصف البرتقالة بالاستدارة ما لم تكن قادرا على الشعور بالوحدة وتقدير التجانس والصورة المشتركة التي تمثل كل فرد من أفراد الجنس، وكذا الشأن في كل جملة من الجمل التالية، فلا يمكنك أن تسمي هذه الحوادث المختلفة واللامتناهية التي تقع مع كل فرد من أفراد البرتقال وفي كل فصل شتاء باسم واحد وهو "ينبت" وتسنده إلى البرتقال حتى تقدر في هذه الحوادث الوحدة والتجانس، وتمثل هذه الوحدة في صورة مشتركة ترمز إلى كل حدث نبت فردي يقع في الواقع؛ مما يعني استحالة أي إمكانية لحدوث المعرفة فضلا عن تطورها وتراكمها أو تداولها ما لم نكن قادرين على الشعور بالوحدة وتقدير التجانس وتمثل صورة رمزية ترمز لكل فرد من أفراد الجنس وتقوم مقامه في الشعور والتفكير والتداول، فالشعور بالوحدة وتقدير التجانس وتمثل الصورة الرمزية ضرورة معرفية وتداولية لمعرفة العالم وتداول معرفتنا به.

الكلمة والحقل الدلالي

لا تنطوي الكلمة حتى في وعي المستخدم (المنشئ - المفسر) الواحد على صورة واحدة بعينها كمدلول دائم لها، وإنما تنطوي الكلمة على حقل دلالي كامل يشمل كل ما باشره أو يتصوره المستخدم في جنس المدلول من أفراد أو في عينه وحقيقته من صور، فكلمة "برتقالة" لا ترتبط في وعيك بصورة بعينها من الصور الممكنة في جنس البرتقال، وإنما ترتبط بكل ما باشرته في جنس البرتقال من صور، وكلمة "خالد" الدالة على صديقك "خالد" لا ترتبط في ذهنك بصورة واحدة من الصور التي باشرتها فيه، وإنما ترتبط في وعيك بكل ما باشرته أو تتصوره فيه من صور؛ ومن ثم ترتبط الكلمة في الوعي بحقل دلالي كامل يشمل كل الصور التي باشرتها أو تتصورها في مضمون هذه الكلمة.

ويختلف الحقل الدلالي للكلمة من وعي إلى وعي باختلاف تجاربنا اللغوية التي نباشر الكلمة ضمنها ومن خلالها، فكلمة "خمر" لا تزال هي كلمة "خمر" منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، ولكن صور الخمر التي تستدعيها هذه الكلمة في وعي السِّكِّير المعاصر تختلف عن صور الخمر التي كانت تستدعيها ذات الكلمة في وعي السِّكِّير الجاهلي أو العباسي، كما أن صور الخمر التي تستدعيها ذات الكلمة في وعي السِّكِّير المُجَرِّب لضروب منها تختلف عن صور الخمر التي تستدعيها ذات الكلمة في وعي السِّكِّير المُجَرِّب لضروب أخرى، كما أن صور الخمر التي تستدعيها ذات الكلمة في وعي السِّكِّير المخضرم المجرب لضروب وضروب منها مختلفة المصادر والمشارب أثْرَى بكثير من صور الخمر التي تستدعيها ذات الكلمة في وعي السِّكِّير المحدود الذي لم يجرب إلا يسيرا منها؛ ومن ثم لا تستدعي كلمة "خمر" ذات الصور التي تستدعيها في كل مرة، بل هي تستدعي في كل وعي الصور التي اختبرها ذلك الوعي، وإن كانت جميعا على اختلافها تندرج في حقل دلالي واحد، وهو الحقل الدلالي لكلمة "الخمر".

ويتحدد الحقل الدلالي للكلمة من خلال الاستعمال فكل سكِّير إنما تدل كلمة "خمر" في وعيه على الصور التي خبرها ضمن الاستعمال الحي للغة، وقد تستعمل الكلمة في معنيين متغايرين أو متضادين، ومن ذلك كلمة "الجون" تدل على الأبيض والأسود، وكلمة "عادل" تدل على مقيم الحق والحائد عنه، وكلمة "مولى" تدل على السيد المالك والعبد المملوك، وكلمة "شهم" تدل على الرجل الذكي الفؤاد المتوقد، وعلى الفرس النشيط القوي؛ فالاستعمال هو الذي يحدد حدود الكلمة وهو الذي يمنع أن تنفتح حدود الكلمة بشكل فوضوي حتى يتأتى في كلمة "خمر" أن تدل على "لبن"، ووحدة الاستعمال ضمن البيئة اللغوية هي التي تضمن كما أسلفنا لكل من المتكلم والمخاطب الوحدة والتجانس بين الصورة الذهنية التي يقابل بها كل واحد منهما ذات الكلمة.

الكلمة والشعور بالوحدة

ولا تتحدد حدود الحقل الدلالي للكلمة بالاستعمال وحده، فأنت تستعمل كلمة "برتقالة" في الدلالة على البرتقالة التي بين يديك الآن، رغم أنك لم تر أحدا من قبل يسمي هذه البرتقالة خاصة "برتقالة"، ومن ثم لا يصح في الاستعمال أن يكون مرجعك في هذه التسمية، وإنما تسميها "برتقالة" لشعورك بالوحدة بين البرتقالة التي بين يديك الآن وبين ما عهدت البيئة اللغوية التي تنشأت فيها تستعمل في الدلالة عليه كلمة "برتقالة"؛ فالشعور بالوحدة بين الصور المندرجة ضمن حقل دلالي واحد هو ما يوحد هذه الصور على ما بينها من فروق فردية ضمن مدلول واحد، وهو ما يضمن لكل صورة جديدة تتحد معها في الشعور أن تدخل معها ضمن حقلها الدلالي، ويمنع في المقابل الصور التي لا تتحد معها في الشعور أن تتسلل إلى حقلها الدلالي، مما يضمن للحقل الدلالي اطراد النمو والاتساع دون أن تفقد مضامينه ما بينها من الوحدة والتجانس، فلا تختلط صور اللبن مع صور الخمر ضمن حقل دلالي واحد؛ أي: إن الشعور بالوحدة هو الذي يضمن للفظ التجدد في دلالته وقدرته على استيعاب كل ما يستجد في مدلوله من الصور دون أن يفقد حقله الدلالي الوحدة والتجانس والتماسك، ولولا الشعور بالوحدة بين الصور المعهودة في الحقل الدلالي وما يستجد في المدلول من صور لماتت الكلمة ولفقدت قدرتها على الدلالة على ما يستجد في مدلولها من صور؛ فلولا شعورك بالوحدة بين البرتقالة التي بين يديك الآن وبين ما عهدت البيئة اللغوية من قبل تستعمل في الدلالة عليه كلمة "برتقالة" لعجزت عن تسمية ما تقبض عليه الآن "برتقالة"، ولوجدت نفسك إزاء مسمى ولا اسم له، وكلمة ميتة "برتقالة" لا تصلح في الدلالة على شيء بعد أن انقضت أفراد البرتقال التي كانت تستعمل في الدلالة عليها.

وكما أن الحقل الدلالي للكلمة لا يشمل كل الصور التي من شأنها أن تكون في المدلول، وإنما يشمل فقط كل الصور التي باشرتها فيه ضمن اطراد تجربتك في الوجود والاطلاع، كذلك الشعور بالوحدة لا ينعقد بين كل الصور التي من شأنها أن تكون في المدلول، وإنما ينعقد فقط بين كل الصور الحاضرة ضمن خبرتك به والمستمدة من اطراد تجربتك في الوجود والاطلاع.

ومجرد الشعور بالوحدة خارج الاستعمال لا يضمن الحياة للكلمة، فمجرد شعورنا بالوحدة بين الرمح وبين مدرك من مدركاتنا الحديثة اليوم لا يضمن الحياة لكلمة "رمح"، حتى تستعمل كلمة "رمح" استعمالا حقيقيا في المدرك الحديث الذي نشعر بالوحدة وبينه وبين المدلول القديم لكلمة "رمح"، كما حدث مع كلمة "قِطَار" و"قَاطِرَة".

وقد ينفتح الشعور بالوحدة بالحقل الدلالي للكلمة حتى تدل "أسد" على الرجل الشجاع، وتدل كلمة "بحر" على الرجل الجواد، وتدل كلمة "جبل" على الرجل الراسخ الرزين، ولكن ذلك يحدث في المستوى الفني من الاستعمال، وقد تنطوي الكلمة الواحدة على شعورين متضادين بالوحدة، إن كانت من تلك الكلمات التي تدل على معنيين متضادين، ككلمة "الجون" تنطوي في حقلها الدلالي على شعور بالوحدة يوحد كل ما يستجد في صور الأبيض ضمن مدلول واحد، وشعور آخر مضاد يوحد كل ما يستجد في صور الأسود ضمن مدلول واحد؛ وكذا الشأن في كل "مولى" تنطوي في حقلها الدلالي على شعور بالوحدة يوحد كل ما يستجد في صور السيد المالك ضمن مدلول واحد، وتوحد كل ما يستجد في صور العبد المملوك ضمن مدلول واحد.

الكلمة والصورة الذهنية

ولا تُطلِقُ أو تتلقَّى كلمة "برتقالة" عادة إلا وتتمثل في ذهنك صورة برتقالة تشير إليها الكلمة، قد تحاكي هذه الصورة برتقالة بعينها من أفراد البرتقال التي باشرتها في المادة والواقع، وقد تنحو بها منحى رمزيا يجردها من وقائعها الحسية الفريدة فتنتهي إلى شبح برتقالة لا يحاكي أي برتقالة باشرتها أو ستباشرها في المستقبل، وأيا يكن المنحى الذي ستنحو إليه بهذه الصورة فإنها تمثل البرتقالة الواقعية التي تتكلم عنها أو تفسر بها وتقوم مقامها في الدلالة والتفكير والشعور سواء حاكتها أم لم تحاكها؛ إذ ليست الوظيفة المنوطة بهذه الصورة أن تطابق أو تحاكي بدقة أي برتقالة واقعية، وإنما الوظيفة المنوطة بها أن تمثل غطاء دلاليا للكلمة آن التفكير والتداول؛ أي: في كل مرة تردد أو تتلقى فيها كلمة "برتقالة" يقابلها وعيك بصورة بعينها في أفراد جنس البرتقال، هذه الصورة تصبح مدلول كلمة "برتقالة" وتمثل في نفس الوقت البرتقالة موضوع التفكير والتداول والواقعة ضمن زمان ومكان.

وبذلك يتحصل لدينا أن الكلمة مكونة من أربعة أركان، يتمثل الركن الأول منها في الحقل الدلالي الذي ينطوي على كل الصور التي باشرها المستخدم في المدلول ضمن اطراد تجربته في الوجود والاطلاع، ويتمثل الركن الثاني منها في الشعور بالوحدة الذي يؤلف كل الصور المندرجة في الحقل الدلالي على ما بينها من فروق فردية ضمن مدلول واحد والذي يحفظ ويوسع حدود الحقل الدلالي التي تحددت ضمن الاستعمال الذي تلقاه المستخدم ضمن بيئته اللغوية، ويتمثل الركن الثالث منها في الصورة الذهنية التي تطفو على السطح، لتجسم الشعور بوحدة المدلول من جهة، وتمثل كل صورة انطوى عليها الحقل الدلالي وتقوم مقامها في التفكير والتداول من جهة أخرى، وتوفر للصورة الصوتية غطاء دلاليا متصورا من جهة ثالثة، ويتمثل الركن الرابع منها في الصورة الصوتية التي تمثل الوجود الحسي القابل للرصد والتنظيم للكلمة.

ولكن ما الذي يعطي صورة ذهنية بعينها دون غيرها من صور البرتقال الحق في الارتباط بالصورة الصوتية "برتقالة" والحق في تمثيل بقية الصور التي باشرها المستخدم في جنس البرتقال والتي لم ترتبط آن الاستخدام (الإنشاء - التفسير) بالصورة الصوتية؟ إنها قوة الحضور، فما دامت هذه الصورة دون غيرها من الصور هي التي حضرت في الصورة الصوتية للكلمة آن ترديدها كغطاء صوري لها يمثل كل فرد من أفراد جنس البرتقال فهي الأولى بما حازته من ارتباط وتمثيل، ومتى حضرت صورة أخرى ضمن ترديد أو تلقٍ آخر كانت هي الأولى بما حازته من ارتباط وتمثيل.

الكلمة بين التحيز والاستعمال الحي

ولا تنطوي الكلمة على حقل دلالي يشتمل على كل الصور التي باشرها المستخدم في المدلول ضمن اطراد تجربته في الوجود والاطلاع إلا ضمن فعل بعينه من أفعال الوعي ينزع الكلمة من استعمالها الحي ليضعها إزاء كل ما يتأتى فيها أن تدل عليه في وعي المستخدم الواحد، أما الكلمة في الاستعمال الحي المرتبط بالزمان والمكان معا، فلا يتأتى فيها أن تدل على أكثر من صورة ذهنية واحدة وهي الصورة التي حضرت واستبدت بوعي المتكلم آن التلقي أو التفسير، ومن ثم لا وجود للحقل الدلالي أو وحدة الشعور، ويتبقى فقط الصورتان اللتان أشار إليهما فردينان دي سوسير (الصورة الصوتية - الصورة الذهنية)؛ وتبقى دراسة اللغة كنظام متحيز خارج الاستعمال اللغوي المرتبط بحدود الزمان والمكان معا أمرا بالغ الأهمية لأنها تساعدنا على فهم الماهية الثابتة للغة والمتحيزة عن استعمالاتنا الفردية العارضة لها، كما تساعدنا على فهم الآليات التي ضمنها ومن خلالها تكون اللغة قادرة كوجود وماهية واحدة على التعبير عن مختلف الخبرات البشرية مع كل ما يقع ضمنها من فروق واختلافات، كما تساعدنا على فهم البنى اللغوية التي تتسم بالمرونة والصرامة معا، فتسمح لها بتطوير مضامينها وأداءاتها بما يستوعب مستجدات الخبرة البشرية من جهة، ويمنع الخلط والتداخل مهما تنوعت أو تداخلت تلك الخبرة البشرية من جهة أخرى، كما تساعدنا على فهم الاستعدادات الدلالية للكلمة التي لا يتحول إلا قدر يسير منها إلى دلالة بالفعل آن الاستعمال الحي؛ ودراسة اللغة المتحيزة خارج الاستعمال الحي ليست بالشيء الجديد في الدرس اللغوي، ومن ذلك قولهم إن كلمة "الجون" تدل على معنيين متناقضين وهما الأبيض والأسود، فكلمة "الجون" لا تستعمل في الاستعمال الحي -عادة- إلا ضمن معنى واحد لها، ومن ذلك قولهم في "زأر خالد" شبه خالد بالأسد، ثم حذف المشبه به، وأتى بلازم من لوازمه، وأسنده إلى المشبه على سبيل الاستعارة المكنية، فالمستعير في الاستعمال الحي ما بنى كلامه على التشبيه ثم نقله إلى الاستعارة، وإنما بناه ابتداء على الاستعارة؛ وإنما القائل بمثل ذلك الكلام ينظر إلى اللغة على أنها بنيان محايد لها خارج الاستعمال الفردي الناقص وجود كامل يجمع بين الاستعارة الحادثة في الاستعمال الآني والتشبيه الذي ربما لم يحدث كاستعمال فردي أصلا وإنما يقدر كأساس لا يمكن أن نصل للاستعارة إلا بالبناء عليه.

الكلمة بين الصورة الخاملة والبصيرة

عندما أقول "أسدا" فإن كلمة "أسد" لا تستدعي في ذهنك مجرد صورة خاملة للأسد تقابل صورتها الصوتية، بل هي تستدعي في تصورك وشعورك حقيقة كاملة بكل عوالقها المعرفية والشعورية، فلا تستدعي الأسد في مركز ومقدمة الصورة حتى تستدعي في خلفيتها الغابة كظلال وامتدادات لحقيقة الأسد ذاتها، وحتى تستدعي في وجدانك كل ما تثيره هذه الحقيقة من مشاعر الهيبة والجلال؛ وكذا كلمة "فرعون" لا تستدعي في نفسك صورة الملك المتوج في المظهر المصري القديم في مركز ومقدمة الصورة حتى تستدعي في خلفيتها مظاهر الملك والعظمة المعهودة والمتصورة في الحضارة المصرية القديمة، وحتى تستدعي في وجدانك كل ما تثيره هذه الحقيقة من مشاعر العظمة والهيبة والجلال، وانظر إلى نفسك إذ يقال لك "فرعون" ماذا تتوقع في الخبر إلا أن يكون معنى من المعاني التي عهدتها وتلقيتها في فرعون من الحقيقة التاريخية أو من النص الديني؟ فتتوقع في الخبر المسند إليه أن يكون معنى من معاني العظمة أو معنى من معاني السيادة والملك أو معنى من معاني -كما صوره النص الديني بغض النظر عن الحقيقة التاريخية- البطش والظلم والعتو والتكبر؟ فهل تجد لذلك التوقع دلالة إلا أن اسم "فرعون" لم يستدع في وعيك محض صورة خاملة يسند إليها المتكلم ما شاء من الأخبار بلا حسيب ولا رقيب، وإنما استدعى في وعيك كلمة كاملة مشحونة بالمظاهر والمشاعر فلا ينتظر فيما يقام على كلمة فرعون إلا أن يكون خبرا أو وصفا لما انطوى عليه اسمه من المظاهر والمشاعر أو لما يتجانس معها ويؤيد وجودها فيه؛ ويرجع ذلك إلى الواقع واللغة معا، فأنت لا تتلقى الحقائق في الواقع واللغة مجزأة مبعضة، وإنما تتلقاها كلا واحدا متصلا متدفقا ضمن أفقك الحسي، فلا تتلقى أسدا في الواقع معزولا عن الغابة أمام خلفية بيضاء وإنما تتلقاه في كل مرة ضمن بيئته الطبيعية التي لا يوجد إلا ضمنها ومن خلالها (الغابة - حديقة الحيوان)، كما لا تتلقى "أسدا" في اللغة في كلمة مفردة مجردة، وإنما تتلقاها دائما ضمن نصوص وجمل كاملة تنطوي على جزئيات وعلائق، مثل: "رأى خالد الأسد في الغابة"، "رأى إبراهيم الأسد في الحديقة"، "سعيد كالأسد بأسا وشجاعة"، ومن ثم يكون الادعاء بأن كلمة "أسد" تقابل صورة ذهنية ثابتة وخاملة ادعاء متناقضا مع المباشرة الحسية في الواقع التي تتعلق بالأسد في كلية المشهد الذي يجمع الزمان والمكان والأسد وكل ما انطوى عليه المكان من عناصر محيطة بالأسد والمشاعر البشرية التي تثور إزاء المشهد كله، كما يكون متناقضا مع الاستعمال الحي للغة الذي لا يتعلق بالأسد إلا وهو ضمن مشهد كلي يتمثل في الجملة.

وبذلك لا يكون اللفظ محض استدعاء لصورة ذهنية خاملة، وإنما يكون بصيرة نبصر ضمنها ومن خلالها عالما كاملا تتمركز في بؤرته صورة المدلول الذي وضعت الكلمة للدلالة عليه في اللغة، وتحيط به ظلال الصور والانفعالات التي لا ندركه في الواقع واللغة معا إلا ضمنها ومن خلالها، فعندما أقول لك "ينتصر الفارس بالسيف على الأعداء" لا تبصر في الكلام مجرد فارس ظافر وعددا من المهزومين وحركة بطش تهوي من الطرف الأول على الطرف الثاني، وإنما تبصر مشهدا كاملا يستحوذ على مركزه الفارس ضمن كل ما تتوقعه فيه وفي محيطه من مظاهر، وهو يفعل ما من شأنه أن يكون انتصارا ضمن كل ما لا يتحقق الانتصار إلا ضمنه ومن خلاله من صور في الأعداء وعدتهم وعتادهم، إلا أن المشهد لا ينغلق على ذلك حتى يشتمل في الخلفية على سائر العناصر التي لا تقع المعركة إلا ضمنها ومن خلالها من كثرة وتدافع وهرج وصياح والتي تحضر كظلال وامتدادات لفعل الانتصار المتمركز في وسط الصورة، وحتى يشتمل على ما يتصل بهذا المشهد من مشاعر الظفر والقهر والهيبة في الفارس، ومن مشاعر الهزيمة والذل والصغار في أعدائه، ومن مشاعر الهيبة والخطر في المعركة بكليتها.

الكلمة بين الحقل الدلالي والحقيقة

لو سألتك: ما الذي تعرفه عن كلمة "أسد"؟ لقلت لي إنها تدل على الحيوان المعروف؟ ولو سألتك ماذا تعرف عن هذا الحيوان المدلول عليه بكلمة "أسد"؟ ستقول لي إنه حيوان لاحم من أقوى المفترسات، ويتربع على قمة الهرم الغذائي في محيطه، ويمشي على أربع، وله زئير وشعر كثيف حول عنقه...؛ تأمل في هذه المعارف التي سردتها عن الأسد، ثم اسأل نفسك من أين عرفت أن كلمة "أسد" تدل على الحيوان المعروف؟ هل عرفت ذلك من مجرد رؤية الأسد في الغابة أو الحديقة أو التلفاز أو كتاب مصور؟ وهل رؤية الأسد خارج الاستعمال اللغوي تولد في وعيك اسمه بشكل تلقائي؟ أم لا بد من تلقي تجربة أو عدة تجارب لغوية تستعمل كلمة "أسد" في الدلالة على هذا الحيوان حتى تعرف أن كلمة "أسد" إنما وضعت للدلالة عليه دون غيره من سائر الموجودات؟ ثم ارجع إلى الأسد نفسه لا ككلمة وإنما كحقيقة واقعية يدل عليها بالكلمة واسأل نفسك من أين عرفت صفاته؟ فعرفت عنه أنه حيوان، وأنه لاحم، وأنه من أقوى المفترسات، وأنه يتربع على قمة الهرم الغذائي، إلى آخر الصفات التي عرفتها عنه؟ هل عرفتها عنه من خلال الدلالة عليه بكلمة أسد؟ وقَدِّر أنا وضعنا بين يديك حيوانا لا تعرف عنه شيئا، ثم قلنا لك هذا الحيوان اسمه "الدب المائي"، هل ترى هذا كافيا في معرفة صفاته؟ وهل تتولد في ذهنك صفاته بمجرد تلقيك لاسمه الدال عليه؟ أم لا بد أن تباشره مباشرة حسية أو مباشرة حسية - لغوية حتى تحصل عنه قدرا كافيا من المعرفة؟ نتعلم من ذلك أنا نباشر الحقيقة مرتين: مرة في التجربة الحسية لنحصل عنها المعارف اللازمة، ومرة أخرى في التجربة اللغوية لنربط الحقيقة بالاسم الدال عليها، ولا ينبغي مع ذلك أن تغتر بهذه القسمة النظرية أو تركن إليها، لأن التجربة الواقعية لا تنفصل عن التجربة اللغوية، إذ يكفي أنك لا تستطيع تنظيم معرفتك بالتجربة الواقعية أو التعبير عنها وتداولها خارج اللغة، كما أن التجربة اللغوية السليمة لا تنفصل عن التجربة الواقعية، فأنت لا تسمي بالكلمة كلمة أخرى، ولا تشير بالصفات إلى صفات أخرى، وإنما تسمي بالكلمة وتشير بالصفات إلى ما هو متقاطع في أفق الحاسة، فالتجربة الكاملة هي التجربة التي تنصهر فيها اللغة والحس معا، هذا من جهة ومن جهة أخرى لا يستقل الواقع بالتعريف بماهية وسمات الحقيقة، وانظر إلى حقيقة الأسد هل يتأتى لك إذ يتعلق فكرك بها وأنت الباحث المعني بدراسة اللغة أن تكبح وعيك عن المعرفة باستخدامها كصورة في الرجل الشجاع؟ ألم يدخل في تحديد حقيقة البحر في وعيك استخدامها كصورة في الرجل الجواد؟ فمن أين جاءت هذه التحديدات الزائدة على التجربة المادية في الحقيقة إن لم تكن قد أتت من مباشرة الأسد في كل النصوص الدالة به على الرجل الشجاع، ومباشرة البحر في كل النصوص الدالة به على الرجل الجواد؟ ثم انظر إلى الأوثان، هل ترى في مجرد وجودها ما يدل على كونها آلهة أو صورة آلهة أو وسائط آلهة؟ بل انظر إلى العديد من المقدسات في مختلف الأديان اليوم، هل يتأتى فيها أن تبلغ ما بلغته من المكانة والقدسية بمجرد وجودها لولا كل ما قيل فيها من نصوص؟ ألم تدخل تلك النصوص في تحديد ماهيتها كبنيان مقدس وكواسطة بين السماء والأرض؟ بل انظر إلى نفسك إذ تذهب إلى الطبيب هل تعرف فيما يوصيك به من أدوية ما يدل على كونها شفاء لك؟ ألا يتحدد الدواء في ذهنك كشفاء لك من النصوص التي قالها فيه الطبيب؟ حتى إذا فقدت ثقتك في الطبيب ونصوصه فقدت بالتبعية ثقتك في الدواء ذاته؟ نتعلم من ذلك أن الحقيقة لا تتحدد ماهيتها وخصائصها في وعينا بمجرد مباشرتها في الواقع وحده بل من خلال مباشرتها في الواقع والنصوص معا؛ إذن التجربة الكاملة هي التجربة التي نباشر فيها الحقيقة في الواقع والنصوص معا، ومن خلال هذه التجربة نعرف دلالة الكلمة على الحقيقة، كما نعرف ماهية وخصائص الحقيقة.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)       Jousseph_Thouth#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياق والكلمة
- تطور المعرفة من الحدس إلى النص
- ستة متجولين في روما نسخة معدلة
- البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
- البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
- قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
- البلاغة الجديدة
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- ترامب يقرر تعليق الهجوم على إيران وقبول اتفاق مبدئي لفتح مضي ...
- 13 قتيلا بتحطم طائرة تقل سياحا جنوبي بيرو
- قتلى وجرحى في إطلاق نار بمطعم في ولاية أيداهو
- -الحد من تناول السكر قبل سن الثانية قد يرتبط بصحة أفضل للدما ...
- أبعد من تسلا.. ما سر حرص ماسك على البقاء بأسواق الصين؟
- انطلاق فعاليات الدورة التدريبية المشتركة بين نقابتي المحامين ...
- محافظ القليوبية يوجه بحملة مكبرة لرفع الإشغالات وتحسين مستوى ...
- القليوبية: حملات رقابية مكثفة استعدادًا لموسم حلوى المولد ال ...
- التعليم العالي: جامعة دمنهور تُواصل دورها المجتمعي بإطلاق قا ...
- التعليم العالي: جامعة العاصمة تعلن استمرار برنامج المنح الدر ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جوزيف تحوت - الكلمة والحقيقة