أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نزار جاف - من -أم القنابل- الى -أبو الصواريخ-.. حين تتولى البلاغة مهمة الردع














المزيد.....

من -أم القنابل- الى -أبو الصواريخ-.. حين تتولى البلاغة مهمة الردع


نزار جاف

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 14:01
المحور: كتابات ساخرة
    


في قاموس المواجهة الأمريكية الإيرانية، يبدو أن الأسلحة لم تعد تكتفي بقدراتها التدميرية، بل باتت تحتاج أيضا الى ألقاب تمنحها مزيدا من الهيبة في سوق التهديدات الدولية. فبعدما لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام ما يعرف بـ"أم القنابل" ضد إيران، خرج علاء الدين بروجردي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، ليعلن أن لدى بلاده ما يكفي للرد، وأن "أبا الصواريخ" قد يكون في انتظاره.
وهكذا، أضيفت إلى المواجهة مفردة جديدة، لا يعرف إن كانت ستغير شيئا في الحسابات العسكرية، لكنها بالتأكيد تمنح التصريحات السياسية فرصة إضافية للتداول. فحين تصبح الأسماء جزءا من معركة الردع، يبدو أن الترسانة العسكرية لا تحتاج الى خبراء لتقييم فعاليتها بقدر ما تحتاج إلى متخصصين في اختيار الألقاب. ولعل الخطوة التالية أن تدخل الأسلحة سجالا لغويا موازيا، يتولى فيه كل طرف إثبات أن قاموسه أكثر إثارة للقلق من قاموس خصمه.
غير أن ما يستحق الانتباه في تصريح بروجردي ليس الاسم الذي اختاره للصواريخ الإيرانية، بل الثقة التي أحاط بها تهديده. فالرجل يتحدث عن أسلحة ستجعل الولايات المتحدة تدرك الثمن الذي ستدفعه، ويذهب الى حد التلويح بالضغط على عنق ترامب، بالتزامن مع تأكيد أن إيران ستتمسك بموقفها من مضيق هرمز. إنها لغة تعرف جيدا كيف تصنع الانطباع، لكن الانطباع، مهما كان قويا، لا يصلح بديلا عن الإجابة عن السؤال الأصعب: ما الذي تستطيع إيران فعله فعلا، وما الذي قد يترتب على فعله؟
في السياسة، لا تخلو التهديدات من وظيفة نفسية، وقد يكون تضخيم اللغة جزءا من محاولة منع الخصم من المضي في خياراته. لكن ثمة فارقا بين أن تستخدم الدولة الغموض لتعقيد حسابات خصمها، وأن تجعل الغموض نفسه بديلا عن الحسابات. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن بعض التصريحات تحاول تعويض ضيق الخيارات برحابة المفردات، وكأن رفع مستوى الوعيد يمكن أن يوسع تلقائيا مساحة المناورة.
أما واشنطن، فليست بعيدة عن هذا المنطق. فترامب الذي يلوح بأشد الأسلحة تدميرا لا يقدم بالضرورة دليلا على أن استخدامها هو الخيار الأكثر حكمة، مثلما أن طهران لا تثبت قدرتها على الرد بمجرد الإعلان عن امتلاكها أسلحة تحمل أسماء ثقيلة. وبين الطرفين، تتحول السياسة أحيانا الى امتحان في القدرة على إقناع الجمهور بأن الطرف الآخر هو من ينبغي أن يشعر بالقلق أولا.
لكن القلق، في مثل هذه المواجهات، ليس موردا يمكن احتكاره. فالتصعيد حول مضيق هرمز، مثلا، قد يضع الولايات المتحدة أمام تحديات استراتيجية واقتصادية، لكنه قد يفرض على إيران نفسها أثمانا لا تقل تعقيدا. فالمضيق ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن تحويلها الى أداة ضغط من دون حساب التداعيات، بل شريان حيوي تتشابك عنده مصالح دولية وإقليمية. ومن يلوح بإغلاق أبواب الآخرين ينبغي أن يتأكد أولا من أنه لا يقف خلف الباب نفسه.
ولعل المعضلة الحقيقية تكمن في أن الخطاب المتشدد يخلق لنفسه جمهورا يصعب تجاهله. فكلما ارتفعت نبرة التهديد، ازدادت كلفة التراجع عنه، حتى عندما تتغير الظروف أو تتضح مخاطر المواجهة. عندها لا يعود المسؤول معنيا فقط بحسابات الدولة، بل يصبح أسيرا للصورة التي صنعها لنفسه أمام جمهوره. وهكذا، قد تتحول العبارة التي أطلقت لإظهار القوة إلى قيد يحد من حرية الحركة، ويجعل التسوية تبدو وكأنها هزيمة، حتى لو كانت أقل الخيارات كلفة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المنافسة بين "أم القنابل" و"أبو الصواريخ" مجرد طرفة لغوية. إنها تكشف عن ميل أوسع الى تقديم القوة في صورتها الاستعراضية، حيث تحتل أسماء الأسلحة مساحة واسعة من المشهد، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بأهداف استخدامها وحدود التصعيد ومخارج الأزمة في الخلفية. فليس المهم أن يقتنع الجمهور بأن لدى كل طرف ما يخيف الآخر، بل أن يعرف ما إذا كان لدى الطرفين ما يمنعهما من تحويل التهديد إلى واقع.
وقد يكون من السهل على المسؤولين أن يعلنوا امتلاك أوراق حاسمة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يتعين استخدام هذه الأوراق، أو حين يصبح التراجع عنها ضرورة. عندها فقط تظهر المسافة بين امتلاك السلاح والقدرة على توظيفه، وبين التهديد الذي يرفع المعنويات والقرار الذي يحمي المصالح. وهي مسافة لا تختصرها التصريحات، مهما بدت واثقة، ولا تسدها الألقاب مهما كانت رنانة.
في النهاية، لا تحتاج "أم القنابل" الى أب كي تظل خطرة، ولا يحتاج "أبو الصواريخ" إلى اسم إضافي كي يكون مصدر قلق. ما تحتاج إليه المنطقة هو أن يتذكر أصحاب هذه الترسانة أن القوة لا تقاس فقط بما يمكن تدميره، بل أيضا بما يمكن تجنب تدميره. أما إذا استمر الطرفان في رفع سقف التهديدات، فقد يكتشفان أن المنافسة على إظهار الاستعداد للحرب أكثر سهولة بكثير من السيطرة على نتائجها.
وفي السياسة، قد تمنحك الكلمات صورة المنتصر قبل المعركة، لكنها لا تضمن لك شيئا بعد أن تبدأ؛ وأحيانا تكون المشكلة أن ينجح التهديد في إقناع صاحبه بقدرته على تنفيذه، قبل أن يقنع خصمه بالخوف منه.



#نزار_جاف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا لو ترك ملالي إيران وشأنهم منذ البداية؟
- أبرز مظاهر التحدي الإيراني في العراق: من النفوذ السياسي الى ...
- تحالف الصين وروسيا مع النظام الإيراني: الى أي مدى يمكن أن تذ ...
- هل سيصلح العراقيون ما أفسدته واشنطن وطهران؟
- ملالي إيران يغيرون ترتيب العالم بميكروفون
- نجمة أخرى... حين يصبح الأدب امتحانا للأفكار
- كيف يحاول النظام الإيراني تحويل ورطته الى قضية أميركية؟
- حربان لم تسقطا النظام الإيراني... لكنهما ربما أسقطتا قدرته ع ...
- شبح يحكم إيران
- امرأة لا تقف خلف رجل
- واشنطن والملالي: هل نحن أمام خطة أكبر من الحرب؟
- إيران تقصف كردستان... والعراق يدفع ثمن غياب السيادة
- الخريف الذي يبدأ من شجرة… وينتهي في الإنسان قراءة نقدية في ق ...
- حين يصبح الغياب سؤالا: تأملات في روح الشعر الفارسي الحديث
- صديقان لي: ترك الاثر العاطفي وليس تقديم فکرة سياسية أو موقف ...
- الحرب
- سوف أنتقل من هنا
- ذاهب أنا
- مماتي
- الشئ بالشئ يذکر..


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نزار جاف - من -أم القنابل- الى -أبو الصواريخ-.. حين تتولى البلاغة مهمة الردع