أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نزار جاف - الخريف الذي يبدأ من شجرة… وينتهي في الإنسان قراءة نقدية في قصيدة تتجاوز الحب إلى الوجود















المزيد.....

الخريف الذي يبدأ من شجرة… وينتهي في الإنسان قراءة نقدية في قصيدة تتجاوز الحب إلى الوجود


نزار جاف

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


قصيدة "خەزان – الخريف" لـ گۆران مەریوانی تبدو للوهلة الأولى قصيدة حب بسيطة: شاعر يحب شجرة، يتبادل معها الحنان، ثم تقتلع الشجرة، فيصاب بالفقد. لكن هذه القراءة السطحية سرعان ما تتهاوى أمام البناء الداخلي للنص. فالشجرة التي يبدأ معها الشاعر علاقة حميمة ليست شجرة بالمعنى النباتي وحده، كما أن اقتلاعها ليس مجرد حادثة طبيعية؛ إننا أمام قصيدة عن الحب حين يتحول إلى وجود، وعن الفقد حين يتحول إلى اقتلاع، وعن الإنسان حين يفقد الشيء الذي كان يمنحه معنى بقائه.
واللافت أن الشاعر لا يبدأ بالحديث عن الخريف، بل يبدأ من الربيع والحياة:
"كنت عاشق شجرة،
كنا ننام معا في الليل"
هذه البداية تقلب العلاقة التقليدية بين الإنسان والطبيعة. فالشاعر لا يقف أمام الشجرة متأملا جمالها، وإنما يدخل معها في علاقة حميمية كاملة: ينام معها، يقطف أوراقها، يرقص معها، يقبلها، وهي تقبله، وتحميه من البرد.
الشجرة هنا تكاد تصبح إنسانا، لكن المفارقة الأجمل أن الإنسان نفسه يبدو وكأنه يستعيد إنسانيته من خلالها.
الشجرة بوصفها "آخرا" يشبه الذات
يقول:
"كنت عاشق شجرة،
مجنونة مثلي"
في الأصل الكردي:
"وەك خۆم شێت"
أي: "مجنونة مثلي" أو "مختلة/مجنونة كما أنا"، وهي عبارة شديدة الأهمية؛ لأن الشاعر لا يحب الشجرة لأنها جميلة فحسب، وإنما يحب فيها شيئا يشبهه.
وهنا تبدأ الشجرة في تجاوز رمز الطبيعة لتصبح مرآة للذات.
أغصانها التي "تتراقص بمئة اتجاه"، والطيور الملونة حولها، وعيناها اللتان تومضان، كلها تمنحها شخصية مستقلة، لكنها في الوقت نفسه تعكس اضطراب الشاعر وحريته وشغفه. إنها ليست شجرة ساكنة؛ إنها كائن حي، متمرد، عاشق، مجنون، ومفعم بالحياة.
وهذا يجعل العلاقة بين الاثنين أقرب إلى علاقة روح بروح منها إلى علاقة إنسان بالطبيعة.
"كنت أقطف أوراقها، فتخضر هي"
هذه من أكثر الصور إثارة في القصيدة:
"كنت أقطف أوراقها،
فتخضر هي"
ظاهريا" هناك مفارقة؛ فكيف يمكن لاقتلاع الأوراق أن يجعل الشجرة أكثر اخضرارا؟
لكن الشعر لا يعمل هنا بمنطق الطبيعة، وإنما بمنطق الحب.
الشاعر يأخذ منها شيئا، وهي لا تنقص، بل تزداد حياة. كأن العطاء لا يستنزفها، وإنما يجددها.
والأمر نفسه يتكرر في صورة القبلة:
"كنت إذا قبلتها قبلة واحدة،
كانت تمطر على صدري وعنقي
مئة قبلة"
في الأصل الكردي:
"من گەر ماچێکم دەکرد
ئەو سەد ماچی لە سینگ و بەرۆکم بەردەدا"
الفعل الكردي "بەردەدا" يحمل إحساسا بالفعل المتدفق والمنهمر، وليس مجرد "تعطيني". ولذلك فإن صورة "تمطر" في الترجمة موفقة جدا؛ لأنها تحافظ على طبيعة الصورة الأصلية: قبلة واحدة تتحول إلى فيض من القبلات.
الحب هنا ليس تبادلا متساويا، وإنما فيض يتجاوز قدرة الإنسان على استيعابه.
من الشجرة إلى الحبيبة
تزداد أنسنة الشجرة تدريجيا حتى تصبح لها عينان ويدان وجسد وحضور عاطفي:
"لكنها في الليل
كانت لا تمسك إلا بيدي،
وترفعني إليها،
إلى السماء،
إلى الفراش،
إلى أقرب نجمة"
وهنا تظهر إحدى أجمل مفارقات القصيدة.
في النهار، هناك مئة طائر، ومئة اتجاه، وحركة، ورقص، وألوان.
أما الليل، فيختزل كل شيء إلى يد واحدة.
وهذا مهم جدا: الشجرة لا تحتاج إلى كثرة الأشياء لكي تحب الشاعر؛ يكفي أن تمسك بيده.
بل إن العلاقة الليلية تصبح أكثر حميمية من العلاقة النهارية. فهي ترفعه:
"إلى السماء،
إلى الفراش،
إلى أقرب نجمة"
ثمة انتقال مكاني وشعوري في آن واحد: من الأرض إلى السماء، ومن الواقع إلى الحلم، ومن الشجرة إلى النجمة.
الشجرة إذن ليست مأوى فحسب؛ إنها وسيلة صعود.
الحب باعتباره حماية متبادلة
ثم يصل النص إلى واحدة من أكثر صوره دفئا:
"كانت تغطيني بأوراقها
كي لا يصيبني البرد"
هذه ليست شجرة تمنح الظل؛ إنها تحتضن.
والأجمل أن الشاعر يرد لها الحماية:
"وكنت أفرش لها
كل ما لدي من أغصان وأوراق،
كي لا أسقط في الليل
من شجرة الحب
إلى الأسفل..."
هنا يحدث التحول الحاسم.
فالشجرة لم تعد مجرد الحبيبة؛ أصبحت "شجرة الحب" نفسها.
والشاعر يخشى السقوط منها.
إنها صورة يمكن قراءتها على أكثر من مستوى: السقوط من الحب، السقوط من الأمان، السقوط من الحياة، وربما السقوط من حالة التوازن النفسي التي يمنحها الحب.
لكن ثمة تفصيل بالغ الأهمية في الأصل الكردي:
"نەبا شەو لە تیرمەی عەشقدا
بکەومە خوارێ"
وفيه إحساس بالسقوط ليلا في فضاء/غابة الحب أو شجرته إلى الأسفل. لذلك فإن "الأسفل" هنا ليس مكانا جغرافيا، وإنما نقيض الارتفاع الذي صنعته الشجرة طوال القصيدة.
فالحب يرفع الشاعر، والفقد يسقطه.
"فيا ليت لي جناحا"
بعد كل هذا الحنان تأتي فجأة صيحة:
"فيا ليت لي جناحا يحلق بي!"
إنها أول إشارة واضحة إلى الخوف من الفقد.
الجناح هنا ليس مجرد وسيلة للطيران؛ إنه رغبة في النجاة من السقوط.
والقصيدة بعد هذه النقطة لا تعود كما كانت.
فقد بنى الشاعر عالما كاملا من الحب والطبيعة والحميمية، ثم يأتي الحدث الأكثر قسوة في القصيدة:
"كنت عاشق شجرة،
فانتزعوها مني،
اقتلعوها أمام عيني
وأخذوها بعيدا"
لاحظ الفرق بين "ذهبت" و"انتزعوها".
الشجرة لم تمت.
لم تسقط وحدها.
لم يتركها الشاعر.
"اقتلعوها".
وهنا يصبح الفقد فعلا بشريا متعمدا، ويصبح الشاعر ضحية اقتلاع.
وهذه النقطة، في اعتقادي، هي المفتاح الأهم لقراءة القصيدة.
من الحب الشخصي إلى الفقد الجماعي
استخدام الشاعر للضمير "هم" في "انتزعوها مني" بالغ الأهمية.
من هم؟
القصيدة لا تجيب.
وهذه المساحة المفتوحة هي التي تمنحها قوتها.
يمكن أن يكونوا أشخاصا اقتلعوا شجرة حقيقية، ويمكن أن يكونوا رمزا للسلطة أو الحرب أو الزمن أو الموت أو الظروف التي تقتلع الإنسان من المكان الذي يحبه.
وفي السياق الأوسع للتجربة الكردية، يصعب ألا تستدعي صورة اقتلاع الشجرة من أمام عيني الشاعر دلالات المكان والوطن والتهجير والاقتلاع من الجذور.
لكن جمال القصيدة أنها لا تقول ذلك مباشرة.
فهي لا تتحول إلى خطاب سياسي، وإنما تترك للرمز أن يقوم بالعمل.
الشجرة هي المكان الذي كان يعيش فيه الشاعر، وحين تقتلع، لا يفقد مكانا فحسب؛ بل يفقد جزءا من ذاته.
لماذا فرهاد ومجنون وهاملت ووالتر بنيامين؟
هنا يرتفع النص من تجربة شخصية إلى فضاء ثقافي وإنساني واسع:
"والآن، مثل فرهاد،
مثل مجنون،
مثل هاملت،
ومثل والتر بنيامين،
مهما فعلت،
أنا...
لا أستطيع أن أعيش بلا شجرة!"
هذه الأسماء الأربعة ليست اعتباطية.
فرهاد هو عاشق الحكاية الشرقية الذي ارتبط حبه بالتضحية والمستحيل.
مجنون هو العاشق الذي تجاوز الحب عنده حدود العقل، حتى صار الحب هويته.
هاملت يحمل ثقل الفقد والشك والمأساة والوجود الممزق.
أما والتر بنيامين، فهو الاختيار الأكثر إثارة؛ لأنه يخرج بالقارئ من عالم العشاق التقليديين إلى عالم المفكر والمثقف الأوروبي الذي ارتبط اسمه بالنفي والاقتلاع والهروب والموت في ظروف مأساوية.
وهنا تحديدا يصبح حضور بنيامين ذا دلالة شديدة العمق.
فإذا كان فرهاد ومجنون يمثلان المحب الذي لا يستطيع الحياة دون محبوبه، وهاملت يمثل الإنسان الذي يحاصره الفقد والشك، فإن والتر بنيامين يضيف معنى الإنسان المقتلع من مكانه، الهارب، الذي فقد العالم الذي كان ينتمي إليه.
وكأن الشاعر يقول:
أنا لست مجرد عاشق فقد شجرته؛ أنا إنسان فقد الجذر الذي كان يجعله قادرا على أن يكون نفسه.
"أنا... لا أستطيع أن أعيش بلا شجرة"
هذه الجملة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة خلاصة القصيدة كلها.
الشاعر لا يقول:
"أنا حزين لأن شجرتي اقتلعت".
ولا يقول:
"أشتاق إليها".
بل يقول:
"لا أستطيع أن أعيش بلا شجرة!"
وهنا تنتقل القصيدة من الحنين إلى الضرورة الوجودية.
الشجرة لم تعد شيئا يحبه؛ أصبحت شيئا يحتاج إليه لكي يعيش.
وهذا يعيدنا إلى بداية القصيدة: "كنت عاشق شجرة".
في البداية كان الحب علاقة.
في النهاية يصبح الحب شرطا للوجود.
ولماذا "الخريف الأبدي"؟
ثم تأتي الجملة الأخيرة، القصيرة والقاطعة:
"أنا الآن خريف أبدي"
وهذه من أجمل النهايات التي يمكن أن تبنى عليها القصيدة كلها.
لأن الشاعر لم يقل:
"أنا الآن في الخريف".
بل:
"أنا خريف.
لم يعد الخريف فصلا يمر به؛ أصبح هوية.
ولم يقل "خريفا طويلا"، وإنما:
"خريف أبدي".
وهنا تكتمل الدائرة.
في بداية القصيدة كان هناك:
الربيع،
الاخضرار،
المطر،
الرقص،
الطيور،
القبل،
السماء،
النجمة.
وفي النهاية:
اقتلاع،
فقد،
سقوط،
عجز،
خريف،
أبدية.
أي أن القصيدة تبدأ بالحياة بوصفها علاقة وتنتهي بالموت الداخلي بوصفه فقدا للعلاقة.
والخريف هنا ليس نهاية السنة فقط؛ إنه الزمن الذي يلي اقتلاع الجذر.
الشجرة بوصفها الوطن
أعتقد أن أعمق قراءة ممكنة للنص هي أن نقرأ "الشجرة" على ثلاثة مستويات متداخلة:
الحبيبة — المكان — الوطن.
وهي مستويات لا تلغي بعضها.
فالشاعر يحب الشجرة كما يحب الحبيبة، ويعيش معها كما يعيش الإنسان في وطنه، وتحميه كما يحميه المكان الذي ينتمي إليه.
وعندما تقتلع:
يفقد الحبيبة، ويفقد المكان، ويفقد جزءا من ذاته.
وهذا ما يجعل العبارة الأخيرة "أنا الآن خريف أبدي" أكثر من مجرد صورة حزينة؛ إنها إعلان عن إنسان فقد جذوره.
والأهم أن الشاعر لم يقل إن الشجرة ماتت.
لقد قال:
"اقتلعوها... وأخذوها بعيدا."
وهذا فارق جوهري.
فالمأساة ليست في موت الشيء المحبوب، وإنما في انتزاعه من مكانه.
وهنا يمكن أن نقرأ القصيدة باعتبارها قصيدة عن الاقتلاع أكثر مما هي قصيدة عن الموت.
بين الأصل الكردي والترجمة
الترجمة العربية جميلة وقريبة جدا من روح النص، لكنها في بعض المواضع تمنح الصورة العربية شكلا أكثر وضوحا، بينما الأصل الكردي يحتفظ بشيء من الغموض الشعري.
مثلا:
"من گەڵام دەگرت
ئەو شین دەبوو"
حرفيا تدور الصورة حول أخذ/قطف الأوراق وأن الشجرة تصير خضراء.
وهذه المفارقة في الكردية شديدة البساطة والقوة: أنا آخذ منها، وهي تزداد حياة.
وكذلك:
"ئەویشیان لە من کرد
ئەویشیان بە بەرچاومەوە هەڵقەند و برد"
تكرار "ئەویشیان" في الأصل يعطي فعل الاقتلاع وقعا أقوى، وكأن الشاعر يستعيد الحدث أمام عينيه مرة أخرى: أخذوها مني، واقتلعوها أمام عيني وأخذوها.
وهذا التكرار لا يظهر بالقوة نفسها في العربية.
كذلك فإن عبارة:
"بەڵایەکمی بەسەر بێ!"
تحمل في سياقها الكردي إحساسا أقرب إلى التمني والتحسر على امتلاك جناح يحميه من السقوط، وهي لحظة تنبئ، قبل وقوع الاقتلاع، بأن الشاعر يشعر أصلا بأن عالمه الجميل مهدد بالسقوط.
ما الذي يجعل القصيدة مميزة؟
ما يميز "الخريف" ليس فكرتها وحدها، فقصائد الحب والفقد كثيرة، وإنما الطريقة التي يخفي بها الشاعر مأساة كبيرة داخل حكاية تبدو طفولية وبسيطة.
شاعر يحب شجرة.
ينام معها.
يقبلها.
ترقص معه.
تحميه.
ثم يأتي "هم" ويقتلعونها.
لكن خلف هذه الحكاية البسيطة تتراكم أسئلة كبيرة:
ماذا يحدث للإنسان حين ينتزع منه المكان الذي يمنحه الأمان؟
هل يستطيع الإنسان أن يستمر بعد فقد جذره؟
هل يمكن أن يبقى الوطن وطنا إذا اقتلع الإنسان منه؟
وهل يصبح الفقد حدثا ينتهي، أم يتحول إلى هوية؟
والشاعر يجيب عن السؤال الأخير بجملة واحدة:
"أنا الآن خريف أبدي."
وهنا تبلغ القصيدة ذروتها: الخريف لم يعد فصلا بعد الربيع؛ إنه الإنسان نفسه بعد اقتلاع شجرته.
لفتة من المفيد ذكرها: وجه آخر للخريف
لفتتني هذه القصيدة كثيرا، ولا سيما أن الخريف يحضر بقوة في تجربة الشاعر الراحل محمد عمر عثمان، الذي عرف بلقب "جنرال الخريف". وتبدو المقارنة بين قصيدة گۆران مەریوانی وقصيدته مفيدة للكشف عن تعدد الدلالات التي يمكن أن يحملها فصل واحد في التجربة الشعرية الكردية.
ولعل أكثر النماذج دلالة في هذا السياق قصيدة "جنرال الخريف" لمحمد عمر عثمان. فمنذ العنوان، لا يعود الخريف مجرد فصل من فصول السنة، وإنما يتحول إلى شخصية فاعلة: جنرال يقود جيشا من الأشجار العارية ومليارات الأوراق الساقطة.
يقول الشاعر:
"أنا جنرال الخريف...
أنا الجنرال... جنرال آلاف الأشجار العارية،
ومليارات الأوراق الساقطة."
وهنا تحدث مفارقة لافتة. فالأدوات التي تنتمي عادة إلى عالم الحرب، مثل الجنرال والخوذة والسيف والحرب، تنقل إلى عالم الطبيعة. خوذته سحابة، ونجوم كتفيه أوراق، ومعطفه ريح، وسيفه غصن شجرة عتيقة.
وكأن الشاعر يعيد بناء الخريف بوصفه قوة عسكرية، ولكنها قوة لا تخوض حربا من أجل الموت، بقدر ما تخوض حربا ضد النسيان.
وهذه النقطة تحديدا تجعل "جنرال الخريف" قابلة للحوار مع "الخريف" عند گۆران مەریوانی.
ففي قصيدة گۆران تبدأ الحكاية بشجرة تمنح الشاعر الحب والأمان والحياة، ثم تقتلع من أمام عينيه، فيتحول الفقد إلى اقتلاع للذات نفسها، حتى يصل إلى الجملة الحاسمة:
"أنا الآن خريف أبدي."
أما محمد عمر عثمان فينطلق من الخريف نفسه ليمنحه شخصية ووعيا وإرادة. إنه ليس خريفا ساكنا يراقب سقوط الأوراق، وإنما خريف يقاتل من أجلها:
"كنت أنا من خاض الحرب
مع تيار النسيان...
وانتزعت أوراقا كثيرة من براثنه."
وهنا تصبح الأوراق الساقطة أكثر من مجرد أوراق. إنها أشياء مهددة بالمحو، والشاعر، في صورة "جنرال الخريف"، يقف بينها وبين النسيان.
لذلك فإن سقوطها لا يعني بالضرورة نهايتها؛ فالقصيدة نفسها ترفض أن تنظر إليها باعتبارها جثامين ميتة، حين يقول:
"ولا أسميها صلاة الموتى."
ثم تأتي واحدة من أجمل التحولات الدلالية في القصيدة:
"ومن أجل الأرواح الحية للأوراق...
أقيم صلاة الشهيد."
فالأوراق، رغم سقوطها، تمتلك "أرواحا حية". والسقوط هنا لا يساوي الموت النهائي، بل يبدو مرحلة من مراحل التحول، ولذلك تنتهي القصيدة لا بالموت، وإنما بالمطر:
"إنها صلاة من أجل المطر."
وهذا الختام يفتح الخريف على الربيع من جديد. فإذا كان الخريف عند گۆران ينتهي إلى "خريف أبدي"، أي إلى حالة وجودية مستمرة بعد فقد الجذر، فإن الخريف عند محمد عمر عثمان يحمل في داخله وعدا مستترا بالتجدد.
ومن هنا يمكن ملاحظة فارق أساسي بين الشاعرين.
عند گۆران مەریوانی، الخريف يأتي بعد الاقتلاع. الشاعر كان في حالة ربيع: شجرة، خضرة، طيور، قبلات، حماية، وسماء. ثم يأتي فعل "الاقتلاع" فيقطع هذه الدورة، فيتحول الخريف إلى مصير داخلي.
أما عند محمد عمر عثمان، فالخريف نفسه يصبح شخصية تقاوم الفناء. فهو الذي يحرس الأوراق من "تيار النسيان"، ويخفيها "تحت جناح البرق وهدير الرعد"، ثم يقيم من أجل أرواحها صلاة لا يسميها صلاة الموتى.
وإذا كان الشاعر عند گۆران يتحول إلى خريف بسبب ما فقده، فإن الشاعر عند محمد عمر عثمان يتحول إلى حارس للخريف وما يحمله من ذاكرة وحياة مؤجلة.
ومن هذه الزاوية، يبدو لقب محمد عمر عثمان، "جنرال الخريف"، أكثر من مجرد لقب أدبي طريف أو إشارة إلى ولعه بهذا الفصل. فالقصيدة نفسها تبرر اللقب وتمنحه معناه: إنه الجنرال الذي يخوض معركة الخريف ضد النسيان، ويحمل سيفه من غصن شجرة، ويقود جيشا من الأوراق، ثم ينتهي إلى صلاة من أجل المطر.
وهكذا يصبح أمامنا نموذجان شعريان مختلفان للخريف:
عند محمد عمر عثمان، الخريف قوة تحرس الذاكرة وتقاوم النسيان.
وعند گۆران مەریوانی، الخريف يتحول إلى مصير وجودي للذات بعد اقتلاع شجرتها.
ولعل أجمل ما في هذه المقارنة أن "الخريف" لا يؤدي عند الشاعرين الوظيفة نفسها؛ فهو عند أحدهما قوة للمقاومة والذاكرة، وعند الآخر هوية نهائية للإنسان المقتلع.
ومن هنا تتأكد فرادة قصيدة گۆران: فهو لا يكتفي بأن يرى الخريف أو يجسده، بل يصل في النهاية إلى أن يقول إن الخريف أصبح هو نفسه.
وهنا تحديدا تكمن فرادة عبارته الختامية:
"أنا الآن خريف أبدي."
خاتمة: حين يصبح الخريف إنسانا
يمكن القول إن گۆران مەریوانی يبني في "الخريف" استعارة ممتدة تبدأ بالشجرة وتنتهي بالإنسان. الشجرة في أول النص كائن للحب والحياة، وفي منتصفه تصبح مأوى وحماية، ثم تتحول عند اقتلاعها إلى جذر مفقود.
وبقدر ما تبدو القصيدة شخصية وحميمية، فإنها تفتح في خلفيتها على تجربة أوسع: تجربة الإنسان الذي ينتزع من المكان الذي يحبه، فيتحول الحنين عنده إلى إقامة دائمة في الفقد.
ولذلك فإن استدعاء فرهاد ومجنون وهاملت ووالتر بنيامين ليس زينة ثقافية، بل هو توسيع متعمد لدائرة المأساة: من عاشق شرقي إلى عاشق مجنون، ومن أمير ممزق إلى مثقف مقتلع؛ أربعة وجوه مختلفة للإنسان الذي لا يستطيع أن يتصالح مع فقد ما كان يمنح حياته معناها.
وفي النهاية، لا يبقى أمام الشاعر سوى أن يعرف نفسه من خلال غياب شجرته:
لم يعد إنسانا يعيش الخريف؛
لقد أصبح هو الخريف.
وهذا، في تقديري، هو المفتاح الأعمق للقصيدة كلها.

الترجمة الشعرية: محمد رحيم



#نزار_جاف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الغياب سؤالا: تأملات في روح الشعر الفارسي الحديث
- صديقان لي: ترك الاثر العاطفي وليس تقديم فکرة سياسية أو موقف ...
- الحرب
- سوف أنتقل من هنا
- ذاهب أنا
- مماتي
- الشئ بالشئ يذکر..
- أن تغدو عاشقا
- رهين الملفين!
- نظام مبني على الکذب و الدجل و التحريف
- توضحت الصورة تماما
- الحل يکمن في دعم المقاومة الايرانية فقط
- ملف أشرف قاد الى الخارجية الامريکية
- رجوي تأخذ بزمام المبادرة من جديد
- إعلام الحرية و إعلام القيود
- قطر تختار أم الشعوب؟
- أحد المتواجدين في ليبرتي: الحکومة العراقية و کوبلر کذبا علين ...
- هل ينقلون سجناء أم لاجئين سياسيين؟!
- للنظام الايراني جنود من کذب
- الهدف الاستراتيجي الجديد للنظام الايراني


المزيد.....




- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...
- رحيل يايوي كوساما عن عمر 97 عامًا.. فنانة حوّلت الهلوسات إلى ...
- بعد 20 عاما في المنفى.. الموسيقار الإيراني محسن نامجو يعود إ ...
- التعليم العالي: طالبة من جامعة عين شمس تحصد المركز الأول عال ...
- مقاطعة كراسنودار تنضم إلى مشروع -العمر الثقافي المديد-
- بوتين يؤكد أهمية الإعلام في تعزيز الوحدة الوطنية ونشر القيم ...
- التعليم العالي: جامعة الملك سلمان الدولية تنظم ورشة «اكتشف ا ...
- -سباسات أغسطس-.. ثلاثة أعياد بطعم العسل والتفاح والجوز في رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نزار جاف - الخريف الذي يبدأ من شجرة… وينتهي في الإنسان قراءة نقدية في قصيدة تتجاوز الحب إلى الوجود