أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين خليل عمر - حرب أوكرانيا هل أوروبا ضحية الموقف أم شريك في صناعة الأزمة؟















المزيد.....

حرب أوكرانيا هل أوروبا ضحية الموقف أم شريك في صناعة الأزمة؟


حسين خليل عمر
كاتب وباحث سياسي كردي

(Hussein Omar)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 02:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حسين عمر

تسمع في وسائل الإعلام الأوروبية كل يوم تقريباً تحذيرات مرعبة عن -الخطر القادم من روسيا-، وكأن موسكو وحش يتربص ليبتلع عواصم القارة من وارسو إلى برلين وباريس. هذا الكلام لم يعد محصوراً بغرف الجيش والأمن، بل أصبح حديث الشارع والسياسيين الذين يطالبون برفع ميزانيات التسليح والتحضير لحرب طويلة الأمد.
لكن، إذا هدأنا قليلاً وفكرنا فيما يدور وراء الكواليس، سنكتشف أننا لست أمام تحذير أمني عابر، بل أمام محاولة لتغيير طريقة تفكير الأوروبيين واختياراتهم الكبرى. فحين يتكرر الحديث عن حرب وشيكة كل يوم، لا تتغير خطط الحكومات وحدها، بل يتغير أيضاً قبول المواطنين لقرارات اقتصادية ومعيشية قاسية ما كانوا ليقبلوها في الظروف العادية.
عسكرياً، تدرك دوائر القرار في أوروبا جيداً أن الجيش الروسي متورط ومستنزف في أوكرانيا، ومن الصعب جداً أن يشن هجمات واسعة لاكتساح أوروبا الغربية بالسهولة التي يصورها الإعلام. فالحرب التي ظنت موسكو أنها ستنتهي في أيام قليلة، تحولت إلى مستنقع طويل أهدر مواردها البشرية والاقتصادية، وأكد أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة كسب السياسة. هذا لا يعني أن روسيا بلا مخالب؛ فهي ما زالت تشكل خطراً، لكنه خطر من نوع آخر كالهجمات الإلكترونية، وزعزعة الاستقرار الداخلي، والتلاعب بالانتخابات، واستغلال الانقسامات الاجتماعية، بعيداً عن حرب الدبابات التقليدية المباشرة. وهنا يبرز السؤال المهم: طالما أن خطر الاجتياح العسكري مبالغ فيه، فلماذا يصرّ القادة الأوروبيون على هذا التجييش المستمر وتقديم الحرب كخيار لا بديل عنه؟
القصة تعود لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث كانت الفرصة سانحة لبناء أمن أوروبي مستقر ومشترك مع روسيا. لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ توسع الناتو شرقاً واقترب من الحدود الروسية، مما اعتبرته موسكو خنقاً لمجالها الحيوي وأمنها القومي. وعندما تحولت أوكرانيا إلى نقطة الصدام الكبرى بين الطرفين، رأت روسيا في تمدد الغرب خطراً وجودياً فاندفعت لحرب وقائية، بينما اعتبر الغرب أن ما فعلته روسيا هدم لقواعد النظام الدولي، فقرر مواجهتها بالعقوبات والدعم العسكري المفتوح لكييف.
هنا تكمن المفارقة: أمريكا تدير الحرب بمنظور القوة والمنافسة العالمية الواسعة، بينما تجد أوروبا نفسها في وجه المدفع، لأنها ترتبط بروسيا جغرافياً، وتجارياً، وبعلاقات طاقة وتاريخ مشترك. لذلك، فإن تكلفة الاستمرار في هذه المواجهة ليست متساوية بين الحلفاء. فالولايات المتحدة تملك مواردها وطاقتها الضخمة واقتصاده القوي، بينما تعتمد الصناعة الأوروبية على التجارة الخارجية وأسعار الطاقة الرخيصة التي كانت تمنح منتجاتها ميزة تنافسية عالمية.
كان السر في نجاح الاقتصاد الألماني والأوروبي لسنوات طويلة بسيطاً: طاقة روسية رخيصة مقابل صناعة متطورة وتصدير للعالم. ولكن مع انقطاع الطاقة الروسية والاتجاه لشراء الغاز المسال بأسعار السوق العالمية الباهظة، ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل جنوني، خصوصاً في الصناعات الثقيلة كالكيميائيات والمعادن. ونتيجة لذلك، بدأت كبرى الشركات تفكر بنقل مصانعها واستثماراتها إلى أمريكا أو الصين حيث الطاقة أرخص، مما يهدد مستقبل الصناعة والوظائف في أوروبا بأكملها.

بلجيكا، بوصفها قلب الاتحاد الأوروبي والناتو، ليست بعيدة عن هذه الهزات. فقد دفعت مساعدات بما يعادل أكثر من 4 مليارات يورو حتى الآن مع تخصيص أكثر من مليار آخر للسنة الجارية والتزمت بإرسال طائرات «إف-16» لكييف، ولهذا يشعر المواطن البلجيكي البسيط بالثقل الحقيقي لهذه السياسات في فواتير الطاقة والأسعار اليومية. وصحيح أن نظام «ربط الأجور بالمؤشر» في بلجيكا يشكل شبكة أمان محمية للعمال والموظفين، لكنه في الوقت نفسه يزيد الأعباء الكبيرة على أجور الشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة التي تعاني أساساً من ارتفاع تكاليف التشغيل والمنافسة الشرسة. أضف إلى ذلك معضلة الأموال والأصول الروسية المجمدة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل؛ فالضغط السياسي يتزايد لاستخدام أرباح هذه الأموال لدعم أوكرانيا وإعمارها، لكن أي خطوة متسرعة بمصادرة الأصول تهدد الثقة الدولية بالنظام المالي الأوروبي ككل وتضرب مكانة بروكسل المالية العالمية. هذا بالنسبة لبلجيكا اما الدول الاوربية الأخرى فهي تعاني أكثر وتضعف القوة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.

المشكلة اليوم أن لغة التهويل الروسي لم تعد مجرد قراءة عسكرية، بل أصبحت أداة سياسية لتمرير قرارات اقتصادية واجتماعية قاسية تحت يافعة -الضرورة الأمنية-. لكن المواطن الأوروبي يبدأ بالتساؤل: إلى متى؟ وإلى أي حد يمكن الاستمرار في خصم الموارد من الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية لصالح زيادة ميزانيات التسليح؟ أوروبا تخوض حرب استنزاف متعددة الجبهات؛ فهي تعتقد بانها تحمي أمنها، لكنها في نفس الوقت تُضعف اقتصادها ونموذجها الاجتماعي الذي بُني على الرفاه والاستقرار والاستقلال السياسي.
لم تعد القضية مجرد من ينتصر في أوكرانيا، بل كيف ستخرج أوروبا من المعركة؟ هل ستخرج قوية ومستقلة، أم باقتصاد منهك واعتماد تام على الحليف الأمريكي؟ إذا لم تعد أوروبا قراءة حساباتها وتوازن بين قوتها العسكرية ورفاهها الاقتصادي، فقد تجد نفسها تدفع ثمناً باهظاً لحرب لم تكن صاحبة القرار فيها، لكنها تحصد الجزء الأكبر من أعبائها ونتائجها.
والتساؤل المشروع هنا : هل أوروبا ضحية حرب لم تستطع منعها، أم أنها شريك في صناعة المأزق الذي تعيشه اليوم نتيجة حسابات استراتيجية لم تراعِ بما يكفي خصوصية مصالحها وأمنها الاقتصادي؟ ربما تكمن الإجابة في الجمع بين الأمرين، لكن ذلك لا يعفي القيادات الأوروبية من مسؤولية مراجعة سياساتها، ولا يمنحها الحق في مطالبة شعوبها بتحمل كلفة مفتوحة من دون نقاش جدي حول أهداف الحرب ونهايتها. فأوروبا لا تخاطر اليوم بأموالها ومواردها الاقتصادية فحسب، بل تخاطر أيضاً بأحد أهم أسباب استقرارها التاريخي: قدرتها على الجمع بين القوة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي والاستقلال في القرار الاستراتيجي. وإذا لم تتمكن من إعادة التوازن بين هذه العناصر، فقد تجد نفسها أمام واقع تكون فيه قد دفعت ثمناً باهظاً في حرب لم تكن صاحبة القرار في مسارها، ولم تكن صاحبة المصلحة الأكبر في جميع حساباتها، لكنها تتحمل قسطاً متزايداً من كلفتها ونتائجها.



#حسين_خ_عمر (هاشتاغ)       Hussein_Omar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أكبر شعب بلا دولة: قراءة في آليات التهميش والإنكار السياسي ل ...
- عن خناقات السوشيال ميديا: هل الشتيمة حرية رأي؟
- اتفاق واشنطن وطهران: حين تصبح العدالة المُدارة ضمانة للاستقر ...
- صراع العقول: لماذا يُعد الاختلاف بذرة التقدم البشري؟
- هل اسس دونالد ترامب لنظام رئاسي شبه مطلق في امريكا؟
- تصريحات توم باراك والجدل حول الديمقراطية في الشرق الأوسط
- السلطة المؤجلة والمحاسبة الحتمية
- سيكولوجية -جلد الذات- والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأسا ...
- ما بعد فشل المفاوضات: من منطق التفاهم إلى إدارة الصراع الإقل ...
- من الأيديولوجيا إلى الخوارزمية: كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل ...
- الكرد بين فِخاخ الخطاب الطائفي ومشاريع التفتيت السياسي: تحدي ...
- وهم -دولة المواطنة- في المشرق: عباءة وهمية تخفي تمزيق الهويا ...
- الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي
- من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية
- السلام في تركيا: لماذا تُعدّ «الوساطة الدولية» شرطًا لا غنى ...
- من وحي مئوية الحرب الكونية الأولى
- ارتدادات زيارة البرزاني الى بلجيكا


المزيد.....




- ترامب: حرب إيران -من أعظم الإنجازات التي حققناها- لهذا السبب ...
- -اي بي سي-: واشنطن تسحب قواتها من قواعد عسكرية في الأردن وقط ...
- السعودية تعلن حصيلة الضحايا والمصابين بعد هجوم حوثي استهدف م ...
- استعداد روسي لتفاوض ثلاثي بشأن أوكرانيا
- الخارجية الروسية: موسكو مستعدة للقيام بدور الوسيط في الشرق ا ...
- قطر وفرنسا تدينان الهجمات الإيرانية وتطالبان بحرية الملاحة ف ...
- رئيس السلفادور يعلن إطلاق عملية لتحرير الرهائن في هايتي
- ما هو -مكعب روبيك- الذي استخدمه مبعوث ترامب لوصف مستقبل سوري ...
- واشنطن تأمر بعض دبلوماسييها بمغادرة السعودية
- Axios: مقاتلات إسرائيلية عبرت أجواء سوريا والعراق ونفذت -است ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين خليل عمر - حرب أوكرانيا هل أوروبا ضحية الموقف أم شريك في صناعة الأزمة؟