أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - حسين خليل عمر - اتفاق واشنطن وطهران: حين تصبح العدالة المُدارة ضمانة للاستقرار














المزيد.....

اتفاق واشنطن وطهران: حين تصبح العدالة المُدارة ضمانة للاستقرار


حسين خليل عمر
كاتب وباحث سياسي كردي

(Hussein Omar)


الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 16:20
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


منذ سنوات طويلة والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تُدار وفق إيقاع متوتر لا يستقر. هي علاقة لا يمكن وصفها بالحرب، ولا يمكن أيضاً وصفها بالسلام. أقرب توصيف لها أنها حالة اشتباك مُدار، تقترب أحياناً من حافة الانفجار ثم تعود إلى مساحة التفاوض غير المعلن. واليوم، مع تصاعد الحديث عن اتفاق وشيك بين الطرفين، لا أرى أننا أمام حدث عابر، بل أمام محطة قد تعيد رسم توازنات المنطقة بأكملها.
من المهم قول ذلك بوضوح منذ البداية: من يعتقد أن أي اتفاق أمريكي–إيراني سيعني نهاية الصراع أو بداية صداقة بين الطرفين يقرأ المشهد بعين رومانسية لا بعين سياسية. العلاقات الدولية لا تقوم على الصداقات الدائمة، بل على المصالح الدائمة. وما يجري اليوم لن يكون تحالفاً جديداً بقدر ما هو تفاهم واقعي فرضته كلفة المواجهة العالية على الطرفين. الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران لم تعد خياراً قابلاً للحياة، لأن كلفتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية ستكون مدمرة للجميع، ولن يخرج منها أحد منتصراً بشكل حاسم. لهذا اختار الطرفان الإبقاء على خيط اتصال هش؛ خيط يشتد أحياناً ويرتخي أحياناً أخرى، لكنه لا ينقطع، لأن انقطاعه يعني الانزلاق إلى فوضى واسعة لا يمكن التحكم بمآلاتها.
حتى التصعيد الإعلامي أو الضربات المحدودة التي نشهدها بين الحين والآخر يجب قراءتها ضمن هذا السياق. هذه ليست مقدمات حرب بقدر ما هي رسائل تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض ورفع سقف المكاسب. إنها جزء من لعبة التوازن وليس مقدمة لكسر التوازن. وهذا الفهم ضروري حتى لا نقع في فخ قراءة المشهد بسطحية أو بعاطفة.
ولفهم الصورة بشكل أعمق، يجب التوقف عن النظر إلى إيران كدولة إقليمية معزولة. إيران اليوم جزء من صراع دولي أوسع بين الولايات المتحدة والصين، وهي تمثل بالنسبة لبكين شريكاً طاقوياً واستراتيجياً مهماً، وعقدة أساسية في شبكة النفوذ الاقتصادي الممتدة غرباً. هذا يعني أن استقرار إيران لم يعد مسألة إقليمية فحسب، بل أصبح مصلحة دولية غير معلنة. فالفوضى داخل إيران لن تضرب المنطقة وحدها، بل ستضرب أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الدولية. واشنطن تدرك هذه الحقيقة جيداً، وتعلم أن انهيار إيران أو دخولها في حالة فوضى داخلية لن يكون نصراً استراتيجياً، بل أزمة عالمية يصعب احتواؤها. ومن هنا بدأ التحول التدريجي في المقاربة الأمريكية: من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة إدارة التوازن، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك كارتيلات السلاح التي لها مصلحة كبيرة واستراتيجية في بقاء إيران النظام الذي يدفع دول الخليج العربية الى شراء الأسلحة بالمليارات سنويا، في واقعة لن تتكرر ان تغيير النظام في إيران حينها لم تعد تلك الدول بحاجة الى ذلك الكم الهائل من الأسلحة الهجومية.
في تقديري، جوهر التفاهم المحتمل يتجاوز الملف النووي بكثير. الملف النووي هو الواجهة الأكثر وضوحاً، لكنه ليس جوهر الصفقة. العمق الحقيقي يتمثل في محاولة أمريكية لفتح نافذة اقتصادية أمام إيران مقابل إبعادها خطوة – ولو صغيرة – عن الحضن الصيني. واشنطن تراهن على حاجة إيران الملحة للانفتاح الاقتصادي بعد سنوات طويلة من العقوبات التي أنهكت الداخل الإيراني وخلقت ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله. وفي المقابل تراهن طهران على قدرتها على المناورة بين القطبين العالميين دون التخلي عن استقلال قرارها السياسي. إنها لعبة توازن دقيقة: الولايات المتحدة تريد تقليص مساحة النفوذ الصيني في إيران، وإيران تريد كسر العزلة دون تقديم تنازلات جوهرية تمس ثوابتها. ولهذا يمكن وصف ما يجري بأنه شكل من أشكال “العدالة المُدارة”، حيث لا ينتصر أحد بالكامل ولا يخسر أحد بالكامل، بل يحصل كل طرف على الحد الأدنى الذي يسمح باستمرار الاستقرار.
ولا يمكن فهم أي تقارب أمريكي–إيراني دون النظر إلى الخليج، فهو قلب هذه المعادلة النابض. هذه المنطقة تمثل مركز الطاقة العالمي وسوق السلاح الأكبر ومسرح النفوذ الأكثر حساسية. واشنطن تعلم أن استمرار تدفق الاستثمارات وصفقات السلاح وضمان أمن الطاقة يتطلب بيئة مستقرة نسبياً. الاستقرار هنا ليس رفاهية سياسية، بل شرط أساسي لاستمرار النظام الاقتصادي العالمي. ومن منظور المصالح الأمريكية، فإن إيران المقيدة باتفاقيات وضوابط أقل خطراً بكثير من إيران منهارة أو منفلتة. الفوضى تحرق الاستثمارات، وترفع أسعار الطاقة بشكل غير قابل للسيطرة، وتهدد الملاحة والتجارة العالمية. أما التوازن القائم على الردع والتفاهم، فيخلق بيئة يمكن فيها إدارة المصالح الاقتصادية والأمنية في آن واحد.
إذا نجح هذا المسار، فنحن أمام بداية تشكل نظام إقليمي جديد، ليس نظام سلام شامل، بل نظام إدارة صراعات. وهذا بحد ذاته تحول كبير. المنطقة اعتادت لعقود على معادلة الحروب المفتوحة أو التوترات الحادة، أما اليوم فنشهد انتقالاً تدريجياً نحو معادلة مختلفة تقوم على تقليل المخاطر الكبرى وإدارة الخلافات بدلاً من تفجيرها. قد لا يرضي هذا المسار جميع القوى الإقليمية، وقد يظل الشك سيد الموقف لفترة طويلة، لكن منطق السياسة الواقعية يقول إن الحلول الكبرى تولد غالباً من رحم الأزمات المستعصية.
ما يجري اليوم ليس البحث عن مجرد اتفاق تقني أو تفاهم مرحلي، بل عملية إعادة ترتيب هادئة لمعادلات القوة في الشرق الأوسط. إنه انتقال من مرحلة الحافة الخطرة إلى مرحلة التوازن الحذر. وقد لا يكون هذا المسار مثالياً، لكنه في ميزان المصالح يبدو الخيار الأقل كلفة والأكثر عقلانية في منطقة أنهكتها الحروب، وفي عالم لا يرحم من يتأخر عن قراءة التحولات قبل وقوعها.



#حسين_خ_عمر (هاشتاغ)       Hussein_Omar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صراع العقول: لماذا يُعد الاختلاف بذرة التقدم البشري؟
- هل اسس دونالد ترامب لنظام رئاسي شبه مطلق في امريكا؟
- تصريحات توم باراك والجدل حول الديمقراطية في الشرق الأوسط
- السلطة المؤجلة والمحاسبة الحتمية
- سيكولوجية -جلد الذات- والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأسا ...
- ما بعد فشل المفاوضات: من منطق التفاهم إلى إدارة الصراع الإقل ...
- من الأيديولوجيا إلى الخوارزمية: كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل ...
- الكرد بين فِخاخ الخطاب الطائفي ومشاريع التفتيت السياسي: تحدي ...
- وهم -دولة المواطنة- في المشرق: عباءة وهمية تخفي تمزيق الهويا ...
- الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي
- من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية
- السلام في تركيا: لماذا تُعدّ «الوساطة الدولية» شرطًا لا غنى ...
- من وحي مئوية الحرب الكونية الأولى
- ارتدادات زيارة البرزاني الى بلجيكا


المزيد.....




- شي جين بينغ: -النهضة العظيمة- للصين وشعار -لنجعل أمريكا عظيم ...
- بعد عمليات بحث واسعة.. العثور على جثة الجندية الأمريكية المف ...
- ترامب وشي يتبادلان نخب التكريم في مأدبة بكين
- أطفال أفغانستان يدفعون ثمن حروب المنطقة: مسؤول أممي يحذر من ...
- تحذير عراقي وراء توقيف سوري بشبهة التخطيط لهجوم في هامبورغ
- الصين - الولايات المتحدة: بين التعاون الإجباري والتنافس المف ...
- رويترز: فرنسا تحقق بشبهات تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات ...
- لن نرضخ.. طهران تؤكد أنها لن تتفاوض تحت الضغط ومستعدة للرد ع ...
- مسؤول لبناني يؤكد أن بيروت ستضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النا ...
- عباس في مؤتمر فتح العام: نرفض أي سلاح خارج الشرعية الفلسطيني ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - حسين خليل عمر - اتفاق واشنطن وطهران: حين تصبح العدالة المُدارة ضمانة للاستقرار