حسين خليل عمر
الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 22:13
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
لا تزدهر المفاهيم السياسية والاجتماعية العميقة وتتشعب إلا في تربة خصبة، مهيأة للتفاعل والاستيعاب، وللنمو الطبيعي بدلًا من القصري. لطالما أثبت التاريخ، بشهادته الصادقة على مدى عقود وقرون، أن محاولات "زرع" المفاهيم فرضًا، أو فرضها غصبًا على المجتمعات، هي وصفة مؤكدة للفشل. فالنظريات، مهما امتلكت من بريق المثالية في مجلدات منظريها، غالبًا ما تتكسر عند اصطدامها بواقع يفتقر إلى البنية الثقافية الداعمة، أو عندما يكون الوعي الجمعي لم ينضج بما يكفي لاستيعاب تعقيداتها ومتطلباتها. إن أي محاولة لفرض نماذج خارجية أو مفاهيم مستوردة دون تأصيل ودون فهم دقيق لخصوصيات البيئة المحلية، هي أشبه بمحاولة بناء ناطحات سحاب على رمال متحركة.
لقد امتلأت المنطقة العربية والإسلامية بتجارب كبرى، سعى حاملوها إلى تطبيق رؤى أيديولوجية شمولية، انتهت إلى نهاية مأساوية. ولنتأمل التجربة الماركسية؛ ورغم أنها ظلت لأكثر من سبعين عامًا تدرّس، وتُروّج، بل وتُفرض كنموذج وحيد لإدارة الدولة في بلدان عدة، إلا أنها لم تستطع الصمود كمنهج عملي. لماذا؟ لأنها فشلت في خلق توافق حقيقي مع الفطرة الاجتماعية والثقافية السائدة، وأثبتت عجزها عن تلبية تطلعات الشعوب الحقيقية. بل إن النظريات المضادة، التي لم تكن بالضرورة أكثر نضجًا، نجحت في استقطاب حتى من كانوا يتقنون لغة الماركسية، لأنها قدمت فهمًا، أو وهمًا، بالارتباط مع هوية أعمق أو جذور أكثر أصالة.
وبالمثل، نشهد الانهيار التدريجي لنموذج "الأتاتوركية" أو "الكمالية" في تركيا، الذي فرض بقوة منذ أكثر من ثمانية عقود. هذا النموذج، الذي سعى إلى اقتلاع جذور تاريخية وثقافية عميقة لصالح الحداثة الغربية، يواجه اليوم هجمة مضادة من جهتين متناقضتين ظاهريًا، لكنهما تلتقيان في رفضه: أولهما، الفكر الأصولي الذي يرى فيه تهديدًا للهوية الدينية والتاريخية. وثانيهما، الفكر الديمقراطي التنويري الذي ينتقده بسبب طابعه الشمولي والمركزية التي قضت على الحريات السياسية والتعددية. السبب الجوهري في فشل كلتا التجربتين - الماركسية والكمالية - هو أنهما تم فرضا من "فوق" على الشعوب، بعيدًا عن مشاركتها الفعلية، ودون قدرة على الاندماج في نسيج وعيها وهويتها.
في خضم هذا السياق التاريخي المشحون بالفشل والإحباط، يظهر طرح "دولة المواطنة" بين بعض المثقفين والقوميين العرب في المشرق. ولكن، هل هو حقًا حل واقعي لمشاكل المنطقة المستعصية، أم مجرد محاولة "طوباوية" حديثة، تهدف في جوهرها إلى الالتفاف على الاستحقاقات التاريخية الكبرى، و"تهريب" النخب من مسؤولية إعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين؟
هذه النخبة، التي تروج لطرح "دولة المواطنة"، تدرك تمامًا - بل إنها تعلم يقينًا - أن البنية القوموية العربية المتصلبة، والأسس التراثية والثقافية المتجذرة في مفاصل الدول العربية، لا تسمح بتحقيق أي شكل من أشكال الحريات الفردية الحقيقية. ناهيك عن القدرة على ضمان حقوق قومية متساوية لمكونات شعوبها المتنوعة. إنهم يتحدثون عن "المواطنة" كمنظومة قيم مجردة، منفصلة عن واقعها الاجتماعي والتاريخي القاسي.
والسؤال هنا يلح: كيف يمكن التحدث بجدية عن بناء "دولة مواطنة" تقوم على مبادئ المساواة، والاعتراف المتبادل، والاحترام العميق للاختلاف، في بيئة لا يزال فيها العقل السياسي العربي السائد، وفي قلب مهد القومية، ينكر الحق الكردي الأصيل، بل وينكر وجود الأرض الكردية نفسها كمفهوم تاريخي وجغرافي؟ كيف يمكن بناء عقد اجتماعي جديد، عقد حقيقي وقوي، مع كيانات ترى في الشعوب الأخرى مجرد "موالي" وتابعين، وليس شركاء متساوين في وطن واحد؟ إن الشرط الأول والأهم لـ "دولة المواطنة" هو الاعتراف بالآخر، بمن هو مختلف، وبمن يمتلك تاريخًا وحقًا مغايرين. وهذا الاعتراف، يبدو أنه ما زال غائبًا بشكل مؤلم عن الثقافة الجمعية الراهنة.
ولتعميق هذه المفارقة، وحتى لا نبقى في دائرة التأصيل المجرد، لنتخيل جدلاً وجود هذه "الثقافة" الجديدة المستوعبة لروح المواطنة. فماذا عن الموقف تجاه الشعب الذي يعيش في قلب المنطقة، ويكتسب يوميًا تاريخًا مختلفًا ومنظورًا فريدًا؟ لماذا يرفض نفس هؤلاء المنظرين "الطوباويين" لدولة المواطنة، حتى مجرد فكرة مشاركة الإسرائيليين في هذه الدولة المزعومة؟ ولماذا يصر معظم المثقفين والسياسيين العرب على رفض وجود إسرائيل من أساسه، ناهيك عن مجرد فكرة الشراكة معها ضمن إطار دولة مواطنة واحدة؟ هذا التناقض لا يحتاج إلى تحليل عميق؛ إنه يكشف بشكل صارخ أن الطرح ليس مبدأً كونيًا يؤمنون به، ولا فلسفة حياة متجذرة، بل هو مجرد أداة تكتيكية، يتم استخدامها بحساب، وانتقائية، لخدمة أجندات محددة، وغالبًا ما تكون قائمة على الهوية القومية الأصلية.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية، التي يجب أن تنتبه إليها الحركة الكردية، وبشكل خاص، أولئك الذين تحالفوا، أو ما زالوا يتحركون، مع شخصيات تدعو إلى مثل هذه الطروحات "المواطنية" انتقائيًا. إن الانجرار وراء خطاب دعاة "دولة المواطنة"، تحت ذريعة التقدم والحداثة، يمثل خطرًا داهماً لا يقل عن خطر الانظمة القمعية السائدة، التي تدمر كل ما هو جميل. فبينما يرفع هؤلاء "الدعاة" شعار "دولة المواطنة" الخدّاع، فإن هدفهم الخفي، والمُعلن لهم بوضوح بين ذواتهم، هو التغطية على رفضهم الجذري لمفاهيم مثل الفيدرالية والدولة الاتحادية. هاتان المفاهيم، هي الضمان الوحيد والحقيقي لمستقبل حقوق الشعب الكردي، وهي الأساس لمشروعه الوطني.
وما يزيد الأمر خطورة، أن هؤلاء "الدعاة" لم يخفوا رؤيتهم هذه يومًا، بل صرحوا علنًا، وبكل جرأة، بأن "سوريا المستقبل ستكون مركزية في كل شيء، إلا في المجال الإداري (البلديات)". هذا التصريح، وما يحمله من معنى، لا يختلف جوهريًا عن دستور بشار الأسد نفسه، الذي أقر قبل سنوات، وهو الدستور الذي يطرح لامركزية شكلية، في ظل مركزية قاتلة للسلطة والدولة. إنها محاولة جديدة، وغطاء أنيق، للحفاظ على بنيان السلطة المركزية التقليدية.
وباختصار، فإن دعوة "دولة المواطنة"، في سياقها الحالي المضطرب، ما هي إلا ستار دخاني، تتخفى خلفه تيارات قومية، سواء كانت عربية، تركية، أو فارسية، تسعى بذكاء للتهرب من الاعتراف بالمظلومية التاريخية والجغرافية المتمادية للشعب الكردي. إنها آلية مبتكرة لإنكار الوجود القومي الكردي، دون الحاجة لتصريح هذا الإنكار بشكل مباشر أو علني. فطرح المشكلة برمتها على أنها قضية "مواطنة فردية" بسيطة داخل دولة مركزية، هو في جوهره، قفزة عن الحقيقة، وتجاهل متعمد للطبيعة الأصيلة والمعقدة للمشكلة القومية الجماعية التي يعاني منها الكرد، وما يطمحون إليه من حق تقرير مصير.
إذًا، ما هو الخلاص الحقيقي، وما هي الطريق الأمثل لإنهاء هذه المعضلة؟
لا يكمن هذا الخلاص بالتأكيد في "طروحات طوباوية" تبدو جذابة، ولكنها تهدف في جوهرها إلى إذابة الهويات الثقافية والقومية المتنوعة في بوتقة مركزية واحدة، ستكون مجرد نسخة حديثة من الأنظمة القديمة. الحل الأمثل، والطريق الوحيد للسلام والاستقرار الحقيقي، يكمن في الاعتراف الصريح والكامل بالواقع التعددي الذي تتسم به منطقتنا، وبناء أنظمة سياسية اتحادية وفيدرالية حقيقية، ليست شكلية، تضمن الحقوق التاريخية والجغرافية والمؤسسية لجميع شعوب المنطقة. وفي مقدمة هؤلاء، الشعب الكردي، الذي طالما عانى من نكران وجوده، ووُجّهت له وعود زائفة تحت شعارات براقة، فارغة تمامًا من أي مضمون واقعي أو إنساني. إن بناء مستقبل حقيقي، مستقبل عادل ودائم، لا يمكن أن يتم إلا على أساس الشراكة الحقيقية، لا على أساس الاستيعاب القسري أو الهروب من المسؤولية.
#حسين_خليل_عمر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟