أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - حسين خليل عمر - الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي














المزيد.....

الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي


حسين خليل عمر

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 16:52
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


كيف حوّل حزب العدالة والتنمية الدين والإعلام إلى أدوات هيمنة داخل تركيا وخارجها

ما يجري اليوم في تركيا، وما يُسوَّق منه إلى العالم الإسلامي، لا يمكن توصيفه بوصفه “نجاحًا سياسيًا” أو “نهضة إسلامية” كما تروّج له حكومة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، بل هو أحد أكثر نماذج التلاعب المنهجي بوعي الشعوب وقيمها. نحن أمام مشروع متكامل لتدجين العقول، يقوم على إعلام مؤدلج، ودين مُسيَّس، وشبكات دعائية عابرة للحدود تخدم سلطة سياسية بعينها لا مشروعًا تحرريًا.

السلطة في أنقرة لا تحكم فقط عبر مؤسسات الدولة، بل عبر منظومة دعائية متكاملة تضم وسائل مثل TRT، ووكالة الأناضول، وشبكة واسعة من القنوات الخاصة الموالية للحكومة، إضافة إلى جيوش إلكترونية منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويوازي ذلك إخضاع رئاسة الشؤون الدينية (ديانت) بالكامل لخطاب حزب العدالة والتنمية، وتحويل المنابر الدينية إلى أدوات تعبئة سياسية. هذا الإعلام لا ينقل الواقع، بل يعيد إنتاجه بما يخدم السلطة، ويصنع “أعداءً دائمين”، من الداخل والخارج، لإبقاء المجتمع في حالة استنفار نفسي مستمر.

لكن الأخطر من هذه المنظومة الإعلامية هو الواجهات البشرية التي جرى تصنيعها بعناية:
دعاة مرتبطون بالسلطة، إعلاميون نجوم على الشاشات التركية والعربية، وكتّاب ومحللون يتحدثون باسم الإسلام والأمة، بينما يقومون فعليًا بتبرير سياسات دولة قومية توسعية، تُدار وفق مصالح حزب حاكم، لا وفق أي رؤية أخلاقية أو إسلامية جامعة.

هؤلاء يروّجون يوميًا لأكذوبة مفادها أن أردوغان هو “حامي الإسلام والمسلمين”، وأن أي معارضة له—سواء كانت من صحفيين أتراك، أو معارضين أكراد، أو علمانيين، أو حتى إسلاميين سابقين—هي بالضرورة عمالة للغرب، أو عداء للدين، أو دعم للانقلابات. وبهذا، جرى تحويل السياسة إلى اختبار إيمان، وتحويل النقد إلى خيانة، وتحويل الوقائع إلى تفاصيل هامشية لا يجوز الاقتراب منها.

تحت هذا الغطاء، شُنّت تدخلات عسكرية في سوريا والعراق وليبيا، ودُعمت فصائل مسلحة محسوبة على أنقرة، بينما قُمعت في الداخل التركي أصوات صحفيين وأكاديميين، وزُجّ بالآلاف في السجون، وجرى تفكيك ما تبقى من استقلال القضاء والإعلام. كل ذلك بُرّر بخطاب الأمن القومي ومواجهة الإرهاب ونصرة الأمة، فيما كانت الدولة تُدار عمليًا بمنطق السلطة المطلقة لا بمنطق القانون أو القيم.

الخطاب الرسمي الذي تضخه حكومة العدالة والتنمية إلى الخارج يتناقض بشكل صارخ مع الواقع داخل تركيا: تضخم خانق، انهيار متواصل في قيمة الليرة، تراجع غير مسبوق في الحريات العامة، وسيطرة شبه كاملة على الإعلام والقضاء. ومع ذلك، لا يزال جمهور واسع—داخل تركيا وفي العالم العربي—يدافع عن هذه السياسات لا لأنها ناجحة، بل لأنها جرى تغليفها بخطاب ديني يمنحها حصانة أخلاقية زائفة.

وهنا تكمن أخطر نتائج هذا النموذج:
لم تكتفِ سلطة أردوغان بالسيطرة على الإعلام، بل نجحت في تحويل جزء من جمهورها إلى جهاز قمع ذاتي، يهاجم كل ناقد، ويخوّن كل معارض، ويبرر كل فشل. لم تعد الدولة بحاجة إلى إسكات الأصوات المعارضة بشكل مباشر؛ فالجماهير المؤدلجة تقوم بالمهمة طوعًا.

هذا النموذج لم يبقَ حبيس الداخل التركي، بل جرى تصديره إلى العالم العربي. في سوريا تحديدًا، برز ذلك بوضوح عبر دعم أنقرة لفصائل مثل الجيش الوطني السوري، وفرض وصاية سياسية وأمنية على مناطق شمال البلاد. هناك، جرى توظيف الخطاب الديني نفسه: تخوين المعارضين، قمع الأصوات المدنية، تهميش القوى الديمقراطية، وتحويل الثورة من مشروع تحرر وطني إلى صراع تديره فصائل مسلحة مرتبطة بإرادة خارجية.

خُطِف الخطاب الثوري السوري، وفُرضت وصاية دينية وأخلاقية على المجتمع باسم “الثوابت”، بينما كانت النتيجة الواقعية تفكيك المجتمع، تعميق الانقسامات، وإطالة أمد المأساة. وما حدث في سوريا ليس استثناءً، بل نسخة أخرى من النموذج ذاته الذي رأته قوى الإسلام السياسي في العالم العربي نموذجًا قابلاً للاستنساخ: زعيم قوي، إعلام مطيع، جماهير مؤدلجة، ودولة تُدار باسم الهوية لا باسم المواطنة.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يُفرض بالقوة وحدها، بل عبر الإقناع الزائف، وتحويل الضحية إلى مدافع عن جلاده، والمقهور إلى شريك في قهر نفسه. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع أردوغان أو حزب العدالة والتنمية، بل مع البنية الفكرية والإعلامية التي تشرعن الاستبداد وتعيد إنتاجه باسم الدين.

إن تسمية الأشياء بأسمائها لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية. ما تمارسه حكومة أردوغان هو تلاعب بالدين لا خدمة له، واستغلال للجماهير لا تمكين لها، وهيمنة على الوعي لا قيادة رشيدة. وأي مشروع سياسي يقوم على تعطيل العقل وتحريم النقد، مهما تزيّن بالشعارات والآيات، هو مشروع استبدادي في جوهره.

التحرر لا يبدأ بإسقاط الأنظمة فقط، بل بإسقاط الأكذوبة التي تحميها. وأول خطوة في هذا الطريق هي كسر قداسة الزعيم، وفضح إعلامه، واستعادة الحق في السؤال.



#حسين_خليل_عمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية
- السلام في تركيا: لماذا تُعدّ «الوساطة الدولية» شرطًا لا غنى ...
- من وحي مئوية الحرب الكونية الأولى
- ارتدادات زيارة البرزاني الى بلجيكا


المزيد.....




- ترامب: أسطول ضخم يتجه نحو إيران.. وعليها القبول باتفاق وإلا ...
- رئيس وزراء غرينلاند: لن نخضع للضغوط الخارجية
- انخفاض غير مسبوق لقيمة الدولار الأمريكي.. هل يواجه -أزمة ثقة ...
- لماذا أوكرانيا قلقة من استخدام الجيش الروسي خدمة ستارلينك لل ...
- هل تحوّلت أراض في الضفة الغربية إلى مكبّات للنفايات الإسرائي ...
- نتانياهو يتوعد -أعداء إسرائيل- بدفع ثمن باهظ في حال هاجموا ب ...
- مختبر مفتوح للفوضى المناخية.. القطب الشمالي يدخل عصر -التقلب ...
- غضب واسع بين مسلمي أستراليا عقب خطاب رئيس الوزراء السابق عن ...
- لقاء مرتقب بين ديبي وماكرون في باريس لتجاوز تصدعات العلاقات ...
- مع ترقب تشكيلة حكومة كفاءات.. 7 أسئلة عن المحاصّة السياسية ا ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - حسين خليل عمر - الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي