أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين خليل عمر - من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية















المزيد.....

من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية


حسين خليل عمر

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حسين عمر
إن المشهد السوري اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان على انطلاق شرارة التغيير، يقف أمام مفارقة تاريخية شديدة القسوة، فالسوريون الذين خرجوا في آذار 2011 حالمين بفجر جديد من الحرية والكرامة، يجدون أنفسهم الآن بين فكي كماشة، فبعد أن دفعوا أثماناً لا يمكن تصورها من دمائهم وأبنائهم ومدنهم التي تحولت إلى ركام، وبعد أن ظنوا أن كابوس الاستبداد الذي جثم على صدورهم لنصف قرن قد انزاح بانهيار نظام الأسد، تبرز اليوم حقيقة مرة تتجسد في صعود أحمد الشرع، المعروف بأبي محمد الجولاني، ليكون الوجه الجديد لسلطة لا تبدو في جوهرها مختلفة عما سبقها، فالثورة التي كان يُفترض أن تكون جسراً نحو العدالة والمواطنة، تحولت في بعض وجوهها إلى ساحة يقطف ثمارها شخص وحاشيته، نجح في القفز فوق تضحيات الملايين وفرض نفسه حاكماً مطلقاً لدمشق وأجزاء واسعة من البلاد، وهذا التحول من زعيم فصيل مسلح إلى "طاغية جديد" يمثل طعنة في خاصرة التطلعات الشعبية، حيث أن الجولاني لم يأتِ إلى سدة الحكم عبر تفويض شعبي أو عملية سياسية شفافة تعكس إرادة الناس، بل جاء متسلحاً بالقوة العسكرية ومستفيداً من حالة الانهيار الشامل التي عاشتها الدولة السورية ومن تشرذم القوى المعارضة التي عجزت عن تقديم مشروع بديل متماسك، ولهذا فإن دخوله إلى دمشق لم يكن دخول "المحرر" الذي يفتح أبواب السجون ويطلق الحريات، بل بدا وكأنه دخول "فاتح" يسعى لتحويل العاصمة إلى إقطاعية خاصة تديرها عقلية أمنية مغلفة بخطاب ديني متشدد، وهو ما يضع السوريين أمام نموذج مشوه للاستبداد، حيث يتم استبدال الشعارات الوطنية والعلمانية التي كان يتشدق بها النظام السابق بشعارات "التحرير" و"تطبيق الشريعة"، لكن النتيجة في المحصلة النهائية تظل واحدة، وهي شعب مكبل وصوت مخنوق ومعارضة يتم تصفيتها أو تدجينها لتلائم مقاس الحاكم الجديد.
إن السيطرة التي يفرضها الجولاني اليوم على دمشق وإدلب وأجزاء واسعة من حلب وحماة وريف حمص، ليست مجرد سيطرة عسكرية عابرة، بل هي محاولة لتثبيت دعائم نظام سياسي جديد يقوم على فكرة "الزعيم الأوحد"، ورغم أن هذه السيطرة لا تزال تصطدم بواقع جغرافي وسياسي متمرد في الساحل والجنوب والشمال الشرقي إلا أن النهج المتبع في مناطق نفوذه يكشف عن رغبة عارمة في التمدد وإقصاء الآخرين، فالمشهد في هذه المناطق يتلخص في سيادة الخوف، حيث تحولت "حكومة الإنقاذ" من أداة خدمية مفترضة إلى غطاء لسلطة أمنية حديدية تلاحق كل من يجرؤ على الانتقاد أو المطالبة بحقوقه المدنية، ومن المثير للسخرية أن المؤسسات التي كان يؤمل أن تكون نواة لدولة المؤسسات قد خضعت بالكامل لأوامر الدائرة الضيقة المحيطة بالجولاني، حتى الاقتصاد لم يسلم من هذه الهيمنة، حيث يتم توجيه الموارد لخدمة بقاء السلطة وتمويل أجهزتها، بينما يغرق المواطن العادي في دوامة الفقر والبحث عن الأمان، كما أن المنظمات المدنية والإنسانية التي كانت يوماً ما شريان الحياة للسوريين، باتت اليوم تحت مجهر المراقبة والترويض، مما يعيد للأذهان العقلية الأمنية التي حكمت سوريا لعقود، وهذا الواقع يفرض تهديداً وجودياً على مستقبل سوريا، لأن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في غياب الديمقراطية، بل في "اغتيال الثورة من الداخل" وتحويلها إلى مجرد أداة لإنتاج نظام قمعي جديد بلباس مختلف، فبينما كان الناس يهتفون "حرية" في الساحات، يجدون أنفسهم اليوم أمام إعدام حقيقي للسياسة وتصفية جسدية ومعنوية لكل من يرفض الولاء المطلق، وهذا يعني إعادة إنتاج الدولة الأمنية بكل مساوئها، مما سيجعل سوريا تعيش في عزلة دولية مستمرة ويحول أحلام إعادة الإعمار والتنمية إلى سراب بعيد المنال.
إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل سوري في دمشق وإدلب وحلب وحماة وكل بقعة من أرض الوطن، هي أن الثورة لم تقم لكي ننتقل من سوط جلاد إلى سوط جلاد آخر، فالتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب لم تكن من أجل إقامة "إمارة عائلية" أو نظام يحكمه الفرد تحت أي مسمى كان، والجولاني بممارساته الحالية لا يمثل الخلاص بل يمثل عبئاً جديداً وكارثة قد تكون أشد وطأة لأنها تدعي النطق باسم الثورة والدين، والخيار اليوم بات واضحاً ولا يحتمل المواربة، فإما أن يستعيد السوريون زمام المبادرة ويكسروا هذا القيد الجديد الذي يُراد فرضه عليهم، أو أنهم سيساقون إلى استبداد طويل الأمد لن يختلف عن استبداد الأسد إلا في الاسم والراية، فالحرية لا تُجزأ والكرامة لا تُمنح من حاكم بل تُنتزع انتزاعاً، وما نشهده اليوم من محاولات لفرض الهيمنة المطلقة هو اختبار حقيقي لإرادة الشعب الذي أثبت في الماضي أنه قادر على قول "لا" في وجه الطغيان، ومن هنا فإن اليقظة الشعبية والتمسك بالحقوق المدنية والسياسية هي السبيل الوحيد لمنع تحول سوريا إلى ساحة للمغامرات السياسية والعسكرية التي لا تنتهي، إن مستقبل سوريا يجب أن يصنعه جميع أبنائها دون إقصاء أو تهميش، بعيداً عن عقلية الفاتحين التي لا ترى في الوطن إلا غنيمة وفي الشعب إلا رعايا، فالدولة السورية المنشودة هي دولة القانون والمواطنة، وليست دولة الفرد الذي يظن أنه ملك الحقيقة والقرار، ولهذا فإن كشف زيف الوعود التي يقدمها "الطاغية الجديد" هو الخطوة الأولى في مسيرة استعادة الثورة لبوصلتها الحقيقية نحو الحرية والعدالة التي استحقها السوريون بعد كل هذا العناء والدم.
إن استمرار هذا النهج الإقصائي للجولاني لا يهدد النسيج الاجتماعي السوري فحسب، بل يضع البلاد في مواجهة صراعات داخلية لا تنتهي، فالسيطرة بقوة السلاح قد تمنح استقراراً وهمياً ومؤقتاً، لكنها لا تبني وطناً ولا تؤسس لاستقرار مستدام، فالمناطق التي لا تزال خارج قبضته كدرعا والسويداء والساحل السوري تمثل نماذج للمقاومة الشعبية التي ترفض الخضوع لإملاءات القوة، وهذه التعددية في مراكز القوة والرفض الشعبي هي الضمانة الوحيدة ضد تحول الجولاني إلى نسخة كربونية من الأسد، كما أن المجتمع الدولي الذي يراقب المشهد السوري بحذر لن يمنح الشرعية لنظام يقوم على القمع وتصفية الخصوم، مما يعني بقاء السوريين رهائن لعقوبات دولية وعزلة اقتصادية ستزيد من معاناتهم اليومية، إن ما يحتاجه السوريون اليوم هو مشروع وطني جامع يتجاوز الشخصنة والتحزب الضيق، مشروعاً يضمن حقوق الجميع ويفتح الباب أمام انتقال سياسي حقيقي يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، وليس لنظام شمولي جديد يتخفى وراء شعارات مقدسة ليبرر انتهاكاته اليومية، فالحرية التي ضحى السوريون من أجلها لا يمكن أن تُختصر في شخص أو فصيل، بل هي حق طبيعي لكل مواطن في التعبير عن رأيه والمشاركة في صنع مستقبل بلاده دون خوف من اعتقال أو تصفية، وإن معركة الوعي اليوم هي الأهم، فالسوريون الذين كسروا حاجز الخوف مرة، قادرون على فعل ذلك مجدداً أمام كل من يحاول مصادرة إرادتهم وتجيير تضحياتهم لصالح طموحات شخصية ضيقة تهدف لبناء مجد زائف على أنقاض أحلام شعب أراد الحياة الكريمة.



#حسين_خليل_عمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلام في تركيا: لماذا تُعدّ «الوساطة الدولية» شرطًا لا غنى ...
- من وحي مئوية الحرب الكونية الأولى
- ارتدادات زيارة البرزاني الى بلجيكا


المزيد.....




- شريكة في حانة سويسرية تعتذر باكية بعد حريق رأس السنة أدى لمق ...
- الجيش السوري يعلن استكمال تمشيط حي الشيخ مقصود بحلب، ويطالب ...
- سوريا: القوات الحكومية تعلن استكمال عملية أمنية داخل حيّ كرد ...
- قادة الأحزاب السياسية في غرينلاند: -لا نريد أن نكون أمريكيين ...
- نتنياهو: أرغب في الاستغناء عن المساعدات الأميركية في غضون 10 ...
- ترامب يدعو شركات نفط كبرى للاستثمار في فنزويلا وكاراكاس تسعى ...
- نتنياهو: جوهر إستراتيجيتنا في غزة نزع السلاح من حماس والقطاع ...
- فصيل كولومبي متمرد يدعو لتشكيل جبهة لمواجهة التهديد الأميركي ...
- ترامب وحلم غرينلاند.. الناتو في مأزق -لعبة الصفقات-
- لاريجاني: إيران في قلب حرب.. ويلوح بالخطر الداخلي


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين خليل عمر - من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية