أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - حسين خليل عمر - سيكولوجية -جلد الذات- والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأساة الكردية















المزيد.....

سيكولوجية -جلد الذات- والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأساة الكردية


حسين خليل عمر

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 02:47
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


لطالما كان التاريخ شاهدًا على نضالات الشعوب في سبيل الحرية والانعتاق، حيث نقرأ بين طياته قصصًا ملهمة لأمم صعدت من رماد الفناء نحو شمس الاستقلال. وفي خضم استعراض هذه السرديات الإنسانية، تقف الحالة الكردية كظاهرة تستدعي التأمل العميق، مزجت بين التراجيديا الأليمة والمفارقة العميقة. ففي خضم المعاناة، نجد أن الضحية نفسها، بدلًا من فضح ظلامتها، تتحول إلى جلاد لذاتها، تلسع نفسها بسياط النقد واللوم، وتعاقب نفسها على وجودها المقيد. هذه الدراما الإنسانية، المتمثلة في "الكردي المظلوم"، توصلنا إلى تصور هش ترى فيه صرخات الحرية استثارة للسوط، وتجد في وجودها القومي تبريرًا لعداء الأنظمة وتكالب القوى الدولية، وكأن القدر نسج لها ثوب الضحية الذي لا يمكن خلعه إلا بالتخلي عن جوهرها.
تتجذر مأساة الوعي الكردي المشوه في تبني سردية الظالم. بدلًا من أن يوجه سهام النقد إلى الأنظمة الغاصبة التي شتت أرضهم ومزقت نسيجهم القومي، ينغلق الكردي على نفسه، مؤكدًا بمرارة: "نحن السبب". يتغلغل اعتقاد بأن العقلانية تقتضي الاستسلام، وأن أي محاولة للتأكيد على الهوية هي مغامرة لا طائل منها تجلب معها الويلات. في هذا المناخ، يتحول النقد الذاتي من أداة بناء وتصحيح إلى سياق قاسٍ للجلد والتعذيب النفسي. يرى الفرد الكردي المثقل بالهموم أن تقسيم كردستان لم يكن مؤامرة استعمارية باردة، أو نتاج صراعات القوى العظمى، بل يرجعه إلى نقص جوهري فيه. هذا الشعور بالذنب المصطنع يتحول إلى ثغرة تتيح للخصم الدخول، ليراقب بكل فخر كيف يكمل الكردي مهمة التدمير، مفككًا هويته القومية بيديه. إنه حالة من "التوحد مع المعتدي"، حيث يستبطن الضحية معايير وظروف جلاده، ويرى في مقاومته سببًا للعقاب، لا حقًا لا يمكن التنازل عنه. يبلغ هذا الاستبطان ذروته حين يتصور أن الانصياع والإذعان قد يجلب السلام، وأن الصراع المستمر لن يجلب إلا المزيد من الخسائر.
تبلغ هذه التراجيديا أقصى درجات الألم في مشهد "الأخ" الذي يغرس خنجره في جسد أخيه، لا بدافع الضغينة، بل تحت شعار "الحفاظ على ما تبقى". يوجه المعتدي الداخل هذا الاتهام لأخيه المكبل بالصراع: "أنت من دفعتنا لهذا المصير! لو قبلت بحاكم ظالم كأردوغان أو استسلمت للنظام الإيراني، لما علقت المشانق، ولما دُمرت مدننا كما في سلوپي و شرناخ و جزيرة ، ولما وقعت مجازر روبوسكي و الأنفال الشهيرة." هذا المنطق المتداعي يصور الظالم كقوة لا مفر منها، وكأن وجوده طبيعي ولا يمكن مقاومته، بل ويصور الضحية على أنه "المستفز" الذي يستحق ما جرى له. هذه حالة عميقة من الاستلاب الفكري، حيث ترى في استبداد حاكم أو قسوة نظام مجرد "ردود فعل" طبيعية على طموح مشروع. يصرخ قاتل بأخيه وفي يده الخنجر: "عاشت كردستان!"، في تناقض صارخ يكشف زيف الشعارات حين تخلو من معنى الكرامة والمقاومة، فتتحول إلى مجرد غطاء يزركش به فعل الخيانة. إنه تصوير قاسٍ لواقع يعيشه الكثيرون، حيث يقبلون بمسؤولية مضاعفة تفوق تلك المفروضة عليهم من قبل العدو الخارجي، مفضلين ألم الوحدة الوهمي على مخاطر الانفصال المستقل.
في ذروة الأزمة، يلتفت "الكردي المطيع"، بنظر الحكام، إلى "شريكه في الجريمة" (المحتل)، مدعيًا بأن التنازل المطلق هو الحل. بلسان المفاوض المنقاد، يقول: "لولا هؤلاء المتشددون، لربما وجدنا حلًا لقضيتنا." لكنه لا يدرك أن الأنظمة القمعية لا تقدم الحقوق عن كرم، بل تنتزع انتزاعًا. وهنا نصل إلى الانهيار القيمي الأكبر، حيث يصبح ابتغاء رضا العدو هدفًا ساميًا. يتحول النضال من أجل الاستقلال إلى مسعى لاستجداء التسامح، وتصبح نظرة الرضا من الظالم "إنجازًا قوميًا". هذا النوع من التفكير يخشى ثقل الحرية لأنه يتطلب مسؤولية، ويفضل العبودية الآمنة ظاهريًا على الانعتاق المتأرجح. يخاف هذا المنهج من مواجهة الحقيقة، حيث يفضل الهروب من دائرة المواجهة والتحدي، والاختباء خلف أعذار واهية، معتقدًا بأن الظالم سيكرمه جزاءً لإذعانه. يصبح الخوف من التبعات المستقبلية للقمع أقوى من الإيمان بالحق في الحرية، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من الخنوع الذي لا ينتهي.
في لحظة من الصدق المتجلي، يكشف "الشريك" (العدو) عن الحقيقة التي يخشى الكردي المستلب الاعتراف بها. وبينما يبعد القاتل جثة أخيه، يهمس: "هيا نبتعد قبل أن يعود للحياة، أمثاله لا يموتون. إنهم يناضلون من أجل الحرية." هذه الشهادة من الخصم هي بمثابة إدانة صارخة لمن اختاروا الخضوع. فالعدو يدرك تمامًا أن قوته تكمن في صمود المقاومين الذين يساوم عليهم "الكردي المتسامح"، ويعرف أن لولا هذه المقاومة الصلبة، لما فكر حتى في التفاوض أو تقديم تنازلات ضئيلة. يدرك العدو أن "الكردي المذعن" لا يشكل تهديدًا، لكنه أيضًا لا يستحق الاحترام، ولن ينفعه ذلك يومًا عندما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. إن اعتراف العدو بقيمة المقاومة هو في حد ذاته اتهام مبطن بمن يقف في الضفة الأخرى.
تختتم المأساة بصدام الأصوات: صوت بلسان المعتدي يصرخ: عاش النهج القومي، يشوه النهج كي يخدم أجندات إقليمية ويمزق الوحدة الوطنية. وفي المقابل، صوت المناضل الشهيد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بكرامة، يهمس: "عاشت الإنسانية... عاشت المقاومة." تبقى الصرخة الأخيرة لتنير الطريق. فالمقاومة ليست مجرد حمل للسلاح، بل هي رفض تام لتحميل الضحية مسؤولية جرائم جلادها. الكردي الذي يرفض جلد ذاته ويتخلى عن استجداء الشفقة هو وحده القادر على إعادة كتابة تاريخه. أما أولئك الذين يبررون - لـقتلة الشعب الكردي من حكام الأنظمة المغتصبة لأجزاء وطنه كردستان- جرائمهم بحجة "خطأ الأخوة"، فلن يجنوا سوى خيبة الأمل، وسيبقى خنجرهم موصومًا بالعار الذي لا تمحوه الشعارات.
الحرية تبدأ من الداخل، من تغيير جذري في المفاهيم. تبدأ حين يكف المظلوم عن الاعتذار لجلاده لمجرد وجوده، وحين يدرك أن كرامته ليست هبةً تنتظر الإذن، بل هي حق أصيل ينتزع بالوحدة والصمود، لا بطعن الأخ لتخفيف غضب الغريب. إن إدراك هذا التحول الجوهري في الوعي هو البداية الحقيقية للتحرر، وتحويل المعاناة إلى وقود نضال مستمر.



#حسين_خليل_عمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد فشل المفاوضات: من منطق التفاهم إلى إدارة الصراع الإقل ...
- من الأيديولوجيا إلى الخوارزمية: كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل ...
- الكرد بين فِخاخ الخطاب الطائفي ومشاريع التفتيت السياسي: تحدي ...
- وهم -دولة المواطنة- في المشرق: عباءة وهمية تخفي تمزيق الهويا ...
- الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي
- من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية
- السلام في تركيا: لماذا تُعدّ «الوساطة الدولية» شرطًا لا غنى ...
- من وحي مئوية الحرب الكونية الأولى
- ارتدادات زيارة البرزاني الى بلجيكا


المزيد.....




- -أنت تقتل الأطفال!-.. شاهد نائب ترامب يتعرض لمقاطعات متكررة ...
- بنت جبيل: المدينة التي تتصدر جبهات الحروب في جنوب لبنان
- إسرائيل توسّع غاراتها بعد مفاوضات واشنطن.. وحزب الله يهاجم ا ...
- غروسي يحذّر من تطور -خطير جدًا- في البرنامج النووي لكوريا ال ...
- 150 ألف قتيل وفجوة بالمليارات.. مؤتمر برلين لبحث تقديم مساعد ...
- -ترامب تخلى عنا-.. وقف إطلاق النار يخلف غضبا وخوفا وانقساما ...
- الكويت.. سحب الجنسية من مواطن بسبب جده السابع عشر
- باكستان: هل تغيّر المشاريع العمرانية وجه -المدينة الخضراء- إ ...
- هل انتهت الحرب مع إيران.. تصريح مفاجئ لترامب؟
- السفير الإسرائيلي في واشنطن: -ليس للفرنسيين أي تأثير إيجابي، ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - حسين خليل عمر - سيكولوجية -جلد الذات- والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأساة الكردية