حسين خليل عمر
كاتب وباحث سياسي كردي
(Hussein Omar)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 21:34
المحور:
القضية الكردية
في خضم التحولات المتسارعة التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي، وما تفرضه هذه التحولات من أزمات إنسانية وصراعات متلاحقة تستحوذ على اهتمام الإعلام والمنظمات الدولية، تبقى قضايا أخرى أكثر عمقًا وتجذرًا خارج دائرة الاهتمام، رغم استمرار أسبابها ونتائجها لعقود طويلة. ولعل القضية الكردية واحدة من أبرز هذه القضايا، ليس فقط بسبب قدمها، وإنما بسبب استمرارها دون حل سياسي عادل حتى اليوم.
يُعد الكرد أكبر شعب في العالم لا يمتلك دولة قومية مستقلة، إذ يتجاوز عددهم خمسين مليون نسمة وفق تقديرات مختلفة، ويتوزعون بصورة رئيسية على أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا. ويعود جانب أساسي من هذا الواقع إلى التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، حين أعيد رسم خريطة المنطقة وفق التوازنات والمصالح الدولية والإقليمية آنذاك، وأُخضعت أجزاء واسعة من كردستان التاريخية لحدود سياسية جديدة لم تراعِ وجود الشعب الكردي وتطلعاته القومية والسياسية.
ومن هنا نشأ واقع كردستان المقسمة بين أربع دول. فبعد انهيار الدولة العثمانية وإعادة ترتيب المنطقة، جرى تقسيم كردستان التاريخية إلى أربعة أجزاء رئيسية، بقي الجزء الأكبر منها ملحقا بتركيا، بينما أصبح جزء آخر ضمن حدود إيران، وأُلحق الجزء الجنوبي بالدولة العراقية، في حين أصبح الجزء الغربي ضمن حدود سوريا. وبذلك لم تعد كردستان، بوصفها جغرافيا تاريخية يسكنها الكرد، وحدة جغرافية وسياسية واحدة، وإنما أصبحت موزعة بين أربع دول ذات سيادات وحدود مختلفة، لكل منها سياساتها وأجهزتها ومقاربتها الخاصة للمسألة الكردية.
ولهذا لا يمكن فهم القضية الكردية المعاصرة بمعزل عن هذا التقسيم الجائر. فالمسألة لم تكن مجرد انتقال خط حدودي من مكان إلى آخر، بل ترتب عليها فصل مجتمعات مترابطة تاريخيًا وثقافيًا، وتقسيم مدن ومناطق وقبائل وعائلات كانت تتحرك ضمن فضاء جغرافي واحد قبل أن تتحول الحدود الجديدة إلى واقع سياسي وقانوني. ومع مرور الزمن، أصبح هذا التقسيم جزءًا ثابتًا من النظام السياسي للمنطقة، بينما بقيت مسألة الهوية الكردية وتطلعاتها السياسية مصدر توتر مستمر بين الكرد والدول التي أصبحت أجزاء كردستان ضمن حدودها.
ولهذا فإن اختزال القضية الكردية في كونها مجرد قضايا أقليات داخل أربع دول تعاكس الحقيقة التاريخية والجغرافية. فهناك شعب له ارض ولغة وثقافة وتاريخ وذاكرة جماعية مشتركة، فرض عليه ان يعيش في أربع بيئات سياسية مختلفة وجها لوجه امام الإبادة القومية التي مارست وتمارسها أنظمة الدول التي الحقت بها أجزاء كردستان.
وتتخذ سياسات الدولة تجاه الكرد أشكالًا مختلفة من جزء إلى آخر. ففي تركيا، التي تضم الجزء الأكبر من كردستان التاريخية، ارتبطت القضية الكردية لعقود طويلة بسياسات أمنية وعسكرية شديدة الصرامة، تم فيها انكار وجود الشعب الكردي ومورس عليه سياسات التتريك الجبرية وتم تهجير العديد من القبائل الكردية من كردستان الى الاناضول وجيء بقبائل أخرى مختلفة الانتماءات العرقية الى كردستان في محاولة صهر الكرد ومحو هويته القومية من خلال القضاء على لغته وثقافته التي تم تتركيها وخاصة الأغاني. وعلى الرغم من التحولات التي شهدتها السياسة التركية خلال العقود الماضية تحت ضغط الثورة التي قادتها حزب العمال الكردستاني التي أجبرت السلطات المتعاقبة على النظام في تركيا على إعادة النظر في بعض من سياساتها الانكارية ، فإن الصراع السياسي والأمني حول القضية الكردية لم ينته، وما زالت الحركة والشخصيات السياسية الكردية تواجه بالعنف المفرط والاعتقالات التي وصلت بعض الاحكام فيها الى مئات السنين، في محاولة لإنهاء القضية الكردية، وما زالت المحاولات مستمرة بالرغم من وجود مفاوضات علنية بين زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل والحكومة التركية والتي لم تخطو حتى الآن خطوات تبرهن على انها جادة في الاعتراف بالقضية الكردية وحلها ضمن الأطر القانونية والدستورية بما يضمن للشعب الكردي حقوقه الثقافية والاجتماعية والسياسية.
أما في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، فقد عانى الكرد تاريخيًا من سياسات تمييز وإنكار طالت جوانب مختلفة من هويتهم وحقوقهم، بما في ذلك اللغة والثقافة والحقوق المدنية. ومع اندلاع الحرب السورية تغيرت المعادلة بصورة كبيرة، وتمكن الكرد في شمال وشمال شرق سوريا من تأسيس مؤسسات سياسية وإدارية وعسكرية خاصة بهم، وأصبحوا طرفًا رئيسيًا في المشهد السوري والإقليمي. إلا أن هذه التجربة بقيت محاطة بصراعات متعددة، خصوصًا في ظل الرفض التركي لأي صيغة تثبت الحقوق القومية للشعب الكردي على حدودها، إضافة إلى غياب تسوية نهائية لمسألة شكل الدولة السورية ومستقبل مناطق الإدارة الكردية على الرغم من الاتفاق المبهم بين ممثلي قسد والإدارة الذاتية والحكومة السورية الجديد، وتتابع الحكومة الجديدة خطوات اسلافها في تغييب الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي السياسية والثقافية بالرغم من اتفاق الاندماج والذي تحاول الحكومة السورية فرض فهمها له من جانب واحد مما يعني بان القضية ما زالت عالقة وان التوصل الى حل دستوري يعيد للشعب الكردي حقوقه المغتصبة. يبدو بعيدة المنال في ظل الظروف الدولية والإقليمية الحالية.
وفي الجزء الملحق بإيران، تتداخل القضية القومية مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية. فقد واجهت المناطق الكردية الإيرانية تاريخيًا مستويات مرتفعة من التهميش التنموي والسياسي، كما تعرض النشطاء والأحزاب والشخصيات السياسية الكردية لضغوط أمنية وقضائية. وتزداد حساسية الوضع في ظل تعامل السلطات الإيرانية مع المطالب السياسية والقومية الكردية باعتبارها تهديدًا للأمن القومي ووحدة الدولة، وهو ما أدى في مراحل مختلفة إلى مواجهات وقمع واسع للحركات الكردية، مع استمرارية الرفض الكردي والثورة التحريرية من اجل دمقرطة ايران واستراد الحقوق المغتصبة.
أما الجزء الجنوبي من كردستان، الواقع ضمن حدود العراق، فيقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا. فقد تمكن الكرد، بعد عقود من الصراع والمواجهات مع الحكومات العراقية المتعاقبة، من بناء مؤسسات سياسية وإدارية خاصة بهم، وصولًا إلى الاعتراف الدستوري بإقليم كردستان كإقليم اتحادي ضمن الدولة العراقية بعد عام 2003.
ويمثل إقليم كردستان العراق، بهذا المعنى، تجربة مختلفة عن بقية أجزاء كردستان، لأنه استطاع أن يحصل على اعتراف دستوري بقدر واسع من الحكم الذاتي والمؤسسات السياسية والإدارية الخاصة به. إلا أن هذه التجربة لا تزال تواجه مشكلات عميقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، خصوصًا في ملفات عديدة والصلاحيات الدستورية، إضافة إلى قضية المناطق المتنازع عليها التي تقع في مقدمتها كركوك.
وتبقى كركوك تحديدًا واحدة من أكثر القضايا حساسية، لأنها لا تتعلق فقط بإدارة مدينة أو محافظة، وإنما ترتبط بتاريخ طويل من التغيرات السكانية والسياسات القومية والصراع على الهوية. ولذلك فإن مستقبل كركوك والمناطق المتنازع عليها سيظل جزءًا أساسيًا من أي نقاش جاد حول مستقبل العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد.
وعند النظر إلى الأجزاء الأربعة من كردستان مجتمعة، نجد أن اختلاف التجارب لا يلغي وجود قواسم مشتركة بينها. ففي كل جزء هناك قضية تتعلق بالهوية واللغة والثقافة والتمثيل السياسي، وإن اختلفت درجة الاعتراف بهذه الحقوق من دولة إلى أخرى. كما أن الحدود السياسية التي قسمت كردستان إلى أربعة أجزاء جعلت القضية الكردية موزعة على ملفات وطنية مختلفة، بدل أن ينظر إليها المجتمع الدولي باعتبارها قضية شعب واحد يعيش ضمن أربع دول.
وهنا تظهر واحدة من أهم المشكلات التي واجهت القضية الكردية على المستوى الدولي. فالقوى الدولية غالبًا ما تتعامل مع كل جزء من القضية وفق مصالحها السياسية والأمنية. ففي العراق، دعمت قوى دولية معينة تجربة إقليم كردستان في مراحل مختلفة، وفي سوريا أصبح الكرد حليفًا رئيسيًا في الحرب على تنظيم داعش ولكن ذلك لم يترجم سياسيا الى دعم مطاليب الكرد المشروعة في نيل حقوقه، بينما ظلت القضية الكردية في تركيا وإيران مرتبطة بدرجة أكبر بالملفات الأمنية والسيادية لكل دولة.
وهذا يكشف مفارقة واضحة في السياسة الدولية. فالكرد يمكن أن يتحولوا في لحظة معينة إلى حليف مهم للقوى الكبرى عندما تتطلب الظروف ذلك، لكن هذا الدعم لا يتحول بالضرورة إلى التزام سياسي طويل الأمد بحقوقهم. وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن التحالفات الدولية مع الكرد غالبًا ما تكون مرتبطة بظرف أو هدف محدد، وما إن تتغير الأولويات حتى تتراجع القضية الكردية إلى الهامش.
ولا يمكن تجاهل أن تقسيم كردستان بين أربع دول أدى بدوره إلى إضعاف القدرة على طرح القضية بصورة موحدة على المستوى الدولي. فكل دولة تنظر إلى الجزء الكردي الموجود ضمن حدودها باعتباره شأنًا داخليًا، بينما تتعامل القوى الدولية مع الملفات الأربعة باعتبارها قضايا منفصلة: قضية كردية تركية، وقضية كردية إيرانية، وقضية كردية عراقية، وقضية كردية سورية. وبهذه الطريقة يتم التعامل مع النتائج السياسية للتقسيم أكثر مما يتم التعامل مع جذور القضية وتاريخها.
لكن الاعتراف بوجود قضية كردية مشتركة لا يعني بالضرورة أن الحل السياسي يجب أن يكون واحدًا في الأجزاء الأربعة. فلكل دولة ظروفها السياسية والدستورية، ولكل جزء من كردستان تجربته الخاصة، كما أن مطالب القوى الكردية نفسها ليست متطابقة. فهناك من يطالب بالاستقلال، وهناك من يطرح الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو اللامركزية الديمقراطية، وهناك من يركز بصورة أساسية على الحقوق الثقافية واللغوية والمشاركة السياسية. ولذلك فإن أي حل واقعي يجب أن يأخذ هذه الاختلافات بعين الاعتبار بدل وضع جميع التجارب في قالب واحد.
المشكلة الأساسية، في النهاية، هي أن قضية بهذا الحجم لم تجد حتى الآن إطارًا سياسيًا مستقرًا وعادلًا يضمن للكرد حقوقهم بوصفهم شعبًا يمتلك هوية ولغة وثقافة وتاريخًا خاصًا. وقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الحلول الأمنية لم تستطع إنهاء القضية، كما أن محاولة تجاوزها أو إنكارها لم تؤدِ إلى بناء استقرار دائم في المنطقة.
إن الشرق الأوسط لا يستطيع أن يستمر إلى ما لا نهاية في تأجيل القضايا التاريخية التي بقيت مفتوحة لعقود. والقضية الكردية واحدة من أبرز هذه القضايا. فاستمرار تجاهلها لا يعني اختفاءها، كما أن استخدام الكرد كورقة في الصراعات الإقليمية والدولية لن يؤدي إلى حلها.
إن الوصول إلى سلام مستدام يتطلب الاعتراف بالواقع بدل محاولة إنكاره، والانتقال من المقاربة الأمنية إلى مقاربة سياسية تعترف بحقوق جميع شعوب ومكونات المنطقة. وبالنسبة إلى الكرد، يبدأ ذلك من الاعتراف بهويتهم ولغتهم وثقافتهم وحقهم في المشاركة السياسية وتقرير مستقبلهم ضمن الأطر التي يختارونها، وبما ينسجم مع الحلول السياسية والقانونية الممكنة في كل دولة.
لقد أثبت التاريخ أن الحدود تستطيع تقسيم الجغرافيا، لكنها لا تستطيع إلغاء الهوية. ولذلك فإن تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء وإلحاق كل جزء بدولة مختلفة خلق واقعًا سياسيًا جديدًا، لكنه لم ينهِ وجود القضية الكردية. وبعد أكثر من قرن على إعادة رسم حدود المنطقة، لا تزال هذه القضية قائمة، ولا يزال مستقبل العلاقة بين الكرد والدول الأربع التي اقتُطعت منها أجزاء كردستان يمثل واحدًا من الملفات الكبرى المفتوحة في الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستختفي القضية الكردية؟ لإنها لن تختفي بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن الوصول إلى صيغة سياسية عادلة تتعامل مع هذا الواقع بدل الاستمرار في تجاهله؟ فالتاريخ أثبت أن الإنكار والتهميش والقمع قد يؤجلون المشكلة، لكنهم لا يقدمون حلًا لها.
واثبت التاريخ بان الدولة القومية الأحادية التي تتنكر للقوميات، اثبتت فشلها في خلق حالة من العدالة الاجتماعية والمساواة والاستقرار لكل مواطنها. وتحولت دائما الى دول ذات أنظمة استبدادية.
#حسين_خ_عمر (هاشتاغ)
Hussein_Omar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟