أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين خليل عمر - عن خناقات السوشيال ميديا: هل الشتيمة حرية رأي؟














المزيد.....

عن خناقات السوشيال ميديا: هل الشتيمة حرية رأي؟


حسين خليل عمر
كاتب وباحث سياسي كردي

(Hussein Omar)


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 09:52
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


أحيانًا يكفي أن تكتب جملة واحدة على مواقع التواصل الاجتماعي حتى تكتشف أن القضية التي كنت تتحدث عنها ليست هي القضية الحقيقية. أنت تتحدث عن سياسة أو اقتصاد أو حرب أو قرار حكومي، بينما يقرر أحدهم فجأة أن شكل أنفك أو اسم عائلتك أو عمرك أو حياتك الشخصية أهم من كل ما كتبت.
ثم تأتي الجملة السحرية التي أصبحت أشبه بجواز مرور إلى عالم الشتائم: «هذه حرية رأي، ومن حقي أن أقول ما أريد».
وهكذا، وبكل بساطة، تتحول حرية التعبير من حق في مناقشة الأفكار إلى رخصة مفتوحة لإهانة البشر.
المشهد يتكرر يوميًا. يبدأ شخص بطرح رأي، فيرد عليه آخر برأي مخالف. ثم يأتي ثالث ليشرح أن الاثنين لا يفهمان شيئًا. وبعد دقائق، لا يعود أحد يتحدث عن الموضوع الأصلي، بل تبدأ حفلة من الشتائم والسخرية والتخوين. وفي نهاية المطاف، يخرج الجميع منتصرين... لأن الجميع شتم الجميع.
هذه هي إحدى أكثر مفارقات عصر السوشيال ميديا إثارة للسخرية: كلما ارتفع عدد الكلمات، انخفض أحيانًا مقدار الفكرة.
لكن هل الشتيمة فعلًا رأي؟ وهل إهانة شخص تختلف معي في موقف سياسي أو فكري تدخل ضمن حرية التعبير؟
الإجابة ببساطة: لا.
الرأي هو أن تقول ماذا تعتقد ولماذا تعتقد ذلك. أن تقدم حجة، أو معلومة، أو تحليلًا، أو حتى انطباعًا شخصيًا يمكن للآخر أن يوافقك عليه أو يختلف معك فيه.
أما أن تقول لشخص «أنت غبي» أو «أنت تافه» أو أن تذهب إلى عائلته وشكله وعرضه ودينه وكل ما تستطيع الوصول إليه من أجل جرحه، فأنت لم تقدم رأيًا. أنت فقط شتمت شخصًا.
وقد تكون الشتيمة أحيانًا صاخبة جدًا، لكنها تظل فارغة من المضمون.
المشكلة أن البعض يتعامل مع الحجة وكأنها نوع من الضعف، بينما يعتبر الشتيمة دليلًا على القوة. فإذا لم يستطع تفنيد كلامك، حاول تحقيرك. وإذا لم يجد جوابًا على حجتك، سخر منك. وإذا ضاقت به مساحة النقاش، وسّع مساحة الإهانة.
وكأن المنطق عنده يبدأ بكلمة «لماذا؟» وينتهي بكلمة نابية.
وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي يريد أن يناقشك والإنسان الذي يريد أن ينتصر عليك فقط. الأول يهتم بما تقول، والثاني يهتم بأن يسكتك. الأول يبحث عن ثغرة في فكرتك، والثاني يبحث عن ثغرة في شخصك.
ولذلك ليس صحيحًا أن كل نقد إساءة، كما أنه ليس صحيحًا أن كل إساءة نقد.
يمكنك أن تقول عن سياسة ما إنها فاشلة، وعن قرار ما إنه كارثي، وعن خطاب سياسي إنه مليء بالتناقضات، وأن تذهب إلى أبعد الحدود في نقدك، ما دمت تناقش الفكرة أو القرار أو الموقف.
بل إن النقد القاسي قد يكون أكثر فائدة من المجاملة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا عامة ومصالح ملايين الناس.
لكن أن تنتقل من «فكرتك خاطئة» إلى «أنت غبي»، فأنت لم تطور حجتك، وإنما تخلّيت عنها.
وهذا تحديدًا ما يجعل الشتيمة في النقاش علامة على ضعف الحجة أكثر مما هي علامة على قوتها.
هناك أيضًا مشكلة أخرى لا نتحدث عنها كثيرًا: أن الإنسان على مواقع التواصل الاجتماعي لا يرى غالبًا الشخص الذي يهاجمه، بل يرى شاشة وصورة واسم حساب. وهذا يجعل من السهل جدًا أن ينسى أن الطرف الآخر إنسان حقيقي، له مشاعر وكرامة وحياة، وليس مجرد شخصية افتراضية صُممت خصيصًا لتلقي غضبه.
ربما لو جلس بعض الناس وجهًا لوجه مع من يشتمونه على الشاشة، لقالوا نصف ما يكتبونه، أو ربما أقل بكثير.
الشاشة تمنح البعض شجاعة إضافية، لكنها لا تمنحهم بالضرورة أخلاقًا إضافية.
والأخطر من الشتيمة نفسها هو أن تتحول إلى عادة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى معيار للحوار. عندها يصبح صاحب اللغة الهادئة «ضعيفًا»، وصاحب الصوت الأعلى «أقوى»، ومن يملك أكبر قاموس من الكلمات النابية «أكثر جرأة».
وهنا نكون قد قلبنا المعايير بالكامل.
القوة ليست أن تعرف كيف تهين خصمك، وإنما أن تعرف كيف تهزم حجته إن استطعت. والذكاء ليس أن تجد أسرع شتيمة، وإنما أن تجد أقصر طريق إلى كشف الخطأ في كلامه.
هناك فرق كبير بين أن تُسقط فكرة وأن تحاول إسقاط صاحبها.
الأولى نقاش، والثانية خناقة.
وقد يكون من حقك أن تكون غاضبًا. ومن حقك أن ترفض رأيًا بشدة. ومن حقك حتى أن ترى أن ما يقوله الطرف الآخر سخيف أو خطير أو غير مسؤول. لكن الغضب لا يحول الشتيمة إلى حجة، كما أن الانفعال لا يمنح الإساءة صفة «الرأي».
والأغرب أن بعض الذين يطالبون بأقصى درجات الحرية لأنفسهم يصبحون أول من يطالب بإسكات الآخرين عندما يسمعون رأيًا لا يعجبهم. يريد حرية بلا مسؤولية، وتعبيرًا بلا حدود، وحقًا في الهجوم مع حصانة كاملة من الرد.
وهذا ليس دفاعًا عن الحرية، بل استخدام انتقائي لها.
فالحرية ليست أن تقول كل ما تريد ثم تمنع الآخرين من الرد. وليست أن تعتبر كرامتك خطًا أحمر وكرامة الآخرين مساحة مباحة. وليست أن تطلب احترام رأيك بينما تبدأ حديثك بإهانة من يختلف معك.
إذا أردنا فعلًا أن نحافظ على حرية التعبير، فعلينا أن نحميها من الذين يفرغونها من معناها. لأن تحويلها إلى غطاء للشتيمة والإهانة لا يقويها، بل يسيء إليها.
نحن لا نحتاج إلى عالم يتفق فيه الجميع. هذا مستحيل، وربما لا يكون صحيًا أصلًا. نحتاج إلى عالم يستطيع فيه المختلفون أن يتجادلوا من دون أن يتحول كل اختلاف إلى عداوة.
يمكنني أن أختلف معك في السياسة، وأن أرفض فكرتك، وأن أهاجم موقفك، وأن أعتبر تحليلك خاطئًا بالكامل، من دون أن أحتاج إلى شتمك أو إهانة عائلتك أو السخرية من شكلك أو البحث في حياتك الخاصة.
وهذا ليس ضعفًا في الموقف، بل احترام للنفس قبل أن يكون احترامًا للآخر.
في النهاية، هناك سؤال بسيط يمكن أن يساعدنا في كل نقاش على مواقع التواصل: هل ما أكتبه يرد على الفكرة، أم يؤذي الشخص؟
إذا كان يرد على الفكرة، فليكن النقاش حادًا كما تريد.
أما إذا كان كل ما تملكه هو إهانة صاحبها، فربما من الأفضل أن تعترف لنفسك بالحقيقة: أنت لم تنتصر في النقاش، لأن النقاش انتهى أصلًا.
وما بقي ليس «حرية رأي»
بل مجرد خناقة على الإنترنت.



#حسين_خ_عمر (هاشتاغ)       Hussein_Omar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اتفاق واشنطن وطهران: حين تصبح العدالة المُدارة ضمانة للاستقر ...
- صراع العقول: لماذا يُعد الاختلاف بذرة التقدم البشري؟
- هل اسس دونالد ترامب لنظام رئاسي شبه مطلق في امريكا؟
- تصريحات توم باراك والجدل حول الديمقراطية في الشرق الأوسط
- السلطة المؤجلة والمحاسبة الحتمية
- سيكولوجية -جلد الذات- والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأسا ...
- ما بعد فشل المفاوضات: من منطق التفاهم إلى إدارة الصراع الإقل ...
- من الأيديولوجيا إلى الخوارزمية: كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل ...
- الكرد بين فِخاخ الخطاب الطائفي ومشاريع التفتيت السياسي: تحدي ...
- وهم -دولة المواطنة- في المشرق: عباءة وهمية تخفي تمزيق الهويا ...
- الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي
- من الأسد إلى الجولاني: قصة شعب يبحث عن الحرية
- السلام في تركيا: لماذا تُعدّ «الوساطة الدولية» شرطًا لا غنى ...
- من وحي مئوية الحرب الكونية الأولى
- ارتدادات زيارة البرزاني الى بلجيكا


المزيد.....




- عراقجي يبحث مع نظيريه السعودي والتركي الاستقرار الإقليمي وأم ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مهاجمة زورق أمريكي مسير
- الدفاع الروسية: تزايد استخدام جنود أوكرانيين رموز QR للتواصل ...
- -لا تملك أي سيطرة على حدودها-.. ترامب يصف وضع إسبانيا بالمحز ...
- إندونيسيا: رماد بركان أناك كراكاتاو يوقف 209 رحلات في مطار ج ...
- الجيش الإسرائيلي يصدر إنذارا عاجلا لسكان عربصاليم جنوب لبنان ...
- الجيش الإسرائيلي يجري مناورة مفاجئة للتعامل مع سيناريو متعدد ...
- هانتر بايدن لا يستبعد الترشح للرئاسة الأمريكية ويحدد الشريحة ...
- بعد 4 أيام من الترقب.. انتشال جثة الطفل أيوب من بئر في الجزا ...
- عاجل | مراسل الجزيرة: غارتان إسرائيليتان على بلدة النبطية ال ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين خليل عمر - عن خناقات السوشيال ميديا: هل الشتيمة حرية رأي؟