أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - حلقة ( 1 ) رواية الشوفة















المزيد.....

حلقة ( 1 ) رواية الشوفة


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


الحلقة ( 1 )
المدينة تخفي اسرارها في تنفساتها
الصامتة ليلا ، حين تعبر ازقة
لا يجرأ حتى الظلال العبور فيها دون خوف
الوقت ليلا عند الحادية عشر ، الشوارع فارغة ومصابيح الإضاءة بين محترقة من زمن بعيد وما تبقى منها فاقدة للتوهج ، أقصاها ترسل ضوء شبه خافت رمادي تجعل الرؤية اقرب الى الشبحية منها الى الحقيقة - كانت المدينة قديمة تبدو كما لو انها تخلت عن سكانها ، وكانت الريح تمر في الأزقة الضيقة ثم تنقطع فجأة – في ذات الوقت المتأخر من اليوم كانت هناك امرأة في نهايات الخمسينات او اكثر قليلا في العمر تجوب الشوارع بعصاتها وما زال عود جسدها الفارع المستقيم منتصبا . . بما يناقض طبيعة عمرها – كانت المدينة تتنفس في صمت الليل، كأنها تخفي أسرارها عن كل من تسول له نفسه الاقتراب بين أزقة ضيقة لا يجرؤ سوى الظلال على المرور، تقدمت الشوفة بخطوات حذرة، قلبها يخفق بسرعة غير معتادة، لكنها لم تعرف بعد سبب هذا الخوف العميق.
صوت خطواتها ارتد صداه بين الجدران القديمة، كأنه يجيبها بنبرات آخرى ، صوت اشبه ما يكون همسا من بعيد :
....... لا تعودي ، واصلي سيرك .
توقفت فجأة أمام باب خشبي مهترئ لم تره من قبل ، رغم أنها مرت بنفس الزقاق اكثر من مرة ، كان الباب مغلقا ، لكن هناك هاجسا يدعوها لفتحه ، شيئا يجذبها وراءه ، دفعت الباب ببطء ودلفت الى داخل الغرفة، كان كل شيء مظلما، ومع ذلك، شعرت بوخز غريب في رأسها، كأن المكان يعرفها قبل أن تعرفه. لمحت حركة خافتة عند الزاوية ، شيء يختبئ في الظلال ، لا يتحرك . كان الهمس هذه المرة أقوى ، أكثر وضوحا :
.......... أخيرا أتيت .
ارتجف جسدها، لكنها لم تبتعد. شعرت بأن شيئا ما يسحبها نحو ذلك الشيء داخل الظلال الغامض ، كانت احاسيسا تشي بصمت كما لو أن المدينة نفسها ترغب في أن تكشف لها عن نفسها . . كما كانت عليها من القديم – فجأة . . لمعت عيناها في الظلام ، وهجا يغشي الفراغ - أنها لم تكن وحدها ، ل . . لكن سرا ما يبدو . . كان ينتظرها في المكان .
* * *
كان الهواء في الغرفة قد أصبح ثقيلا ، يزداد ضغطه على صدرها ، كل نفس كانت تشعر به كالزمن يمشي بطيئا . كان متشكل الظل يتحرك ببطء ، يحوم حولها ، مزاحما ، كما لو انه يختبر صبرها .
.......... من . . ما أنت؟ همست بصوت مرتجف ، لكن صوتها بدا خافتا
جدا ، كما لو الجدران المتهالكة تبتلعه .
احست قشعريرة تسري في عمودها الفقري ، لم تتراجع ، شيئا في هذا الصوت جعله مألوفا ، كما لو انه جزءا من ذاكرة قديمة اختفت عن دماغها من وقت بعيد ، حاول دفنها كما . . لو كانت يرتبط بهذا المكون الغريب في الظلال - اقترب خطوة واحدة منها اكثر، ارتعشت الأرض تحت قدميها ، فجأة . . لم تعد الغرفة مجرد فراغ مظلم ، تحولت إلى بقعة فسيفسائية فسيحة تغطي فضاء الغرفة على هيئة قطع متوهجة صغيرة لمرايا متكسرة تناثرت في المكان - كان وهج كل قطعة يحمل صورة عابرة من ذاكرتها ، وجه طفلة ضائعة ، ضحكة مراهقة مغطاة بالدموع ، شباب لم توفى فيه الوعود .
.... هل حقيقي ما أراه ؟ قالت وهي تحاول استيعاب ما تراه.
انكشف عن الظل ابتسامة . . لكنها لم تكن ودودة ، كانت مريبة . . تحمل انذار وعد بخطر لا يحكى عنه – كان إيحاء صوت يقول :
...... الحقيقة ليست كما تتصوريها
، والوقت لم يحن بعد لتفهميه … لكنك اخترت طريقك .
كبس عليها شعور بالدوار يطوقها ، كأن الأرض تسيح من تحتها وهمسات تتسلل من كل زاوية في الغرفة ، تومئ الى المدينة كلها، تحذرها و الظل معًا – فجأة ، بدأ الظل يتحرك أسرع مما كان عليه ، يلتف حولها على هيئة حلقات متشابكة من دخان معتم ، والضوء يضمحل حيث تتلاشى فيه تدريجيا متكسرات الضوء الفسيفسائية .
استجمعت نفسها المتصدعة ، مدت يدها تجاه الظلال صارخة :
- أنا ل . . لا أخافك .
اهتزت الغرفة لحظتها ، وإذا ببوابة صغيرة مضيئة تنفتح امامها وضوء من خارجه يجذب بصرها للعبور من خلاله .
توقفت قليلا ، قلبها كان يخفق متسارعا و . . عيناها تلمعان بمزيج من والفضول والخوف . كانت تعلم أن كل خطوة إلى الأمام تعني دخول عالم لا رجعة منه – قالت بصوت محدثة نفسها :
- يبدو أن المصير مرتبط بهذا العالم المخفي . . يجب اكتشافه .
خطت الشوفه خطوتها الاولى عبر البوابة المضيئة ، احست بالهواء حولها كما لو انه أصبح سائلًا خفيفا يضغط على جسدها فيجعل حركتها بطيئة ، لكنها لم تتراجع - كانت بوابة الضوء تنغلق تدريجيا كلما اوغلت في عبورها الى العمق ، تاركة وراءها صمتا حالك الظلام يبتلع كل شيء في المدينة القديمة - كانت الأرض رخوة هلامية كما احست بها تحت قدميها ، لكنها اخذت بالتوهج بألوان غريبة ، تموج كمياه لا تعرف لها نهاية – حتى أن السماء فوقها خارج البوابة لم تعد سماء ، بل اصبحت لوحة تتغير ألوانها كل لحظة ، كالشعور المضطرب الذي يختلج قلبها.
من بعيد، ظهر كيان غامض يومض على هيئة خيوط اشعاعية متشابكة - لم يكن له وجه محدد ، كان يتفرس ملامح وجهها وخلجاتها . . مستقرأ كل ما كان يجول في ذهنها .
ابتسم الكائن موحي لها أن تهدأ وليس عليها أن تخاف - ثم أشار نحو البعيد ، حيث كانت مبانٍ تتوهج بسطوع غريب ، أساطير تتحرك بين أرجائها .
.......... كل شيء هنا انعكاس ما هو مخفيا فيك
، كل غموض يمكن لك كشفه
. . إن استطعت مواجهته
مجددا إذا بالأرض ترتج تحتها ، وإذا بها تفتح سلالم لممرات متشابكة ، كل ممر خلفه لغز وراءه ظل يهمس مناديا اسمها ببطيء متناه - شعرت أنها ليست وحدها، فالهمسات تحيط بها وتنده باسمها وأخرى تحذرها . . من مختلف الزوايا الحالكة العتمة
اختارت الشوفة طريقا ضيقا يقودها إلى وسط شبه مائي من تجمع الضوء - كان يعكس وجوها غريبة ، منها المألوف وبعض منها مخيف يثير الرعب - عند الحافة توقفت ، كانت هناك صورة لنفسها ، بل لم تكن هي تماما ، كانت صورة معدلة عنها ، تختلف في عينيها . . الممتلئة بدلالات عميقة ومبهمة من الحكمة والأسرار المدفونة ورائها . . . . . .
قالت بصوت خافت لكنه واضح :
......... ها قد وصلتِ ، لك أن تطرحي اسئلتك
، لكن على كل إجابة تحصلين عليها عليك أن تدفعي ثمنه
أنت مستعدة لذلك ؟ !
أحست كأن الهواء يزداد ثقلا حولها ، وأن كل خطوة تخطوها قد تغير حياتها ، لم تتردد وأومأت برأسها موافقة .
انكشفت ابتسامة خفيفة على الصورة و بدأت تغرق في الوسط المائي من الضوء وتتلاشى هيئتها تدريجيا حتى اختفت كليا ، مخلفة صمتا مطبقا مليء بالانتظار .
خطت الشوفة بحذر من على حافة الوسط المائي المضيء – كانت كل خطوة تصدر صدى صوت غريب – اول ما انكشف لها أن سائل الضوء الذي عبرت الى داخله و تحت قدميها لم يكن ماء او حتى سيل من الزمن ، إنه كان اشبه ما يكون نافذة مشرعة على أشياء لم تعرفها ، صورا . . مشاهدا تختلط فيها ذكرياتها بمجهول المدينة الغامضة – لمحت من بعيد أشكالا تتحرك بين الظلال ، كائنات طويلة بلا ملامح تتراقص بين بقع الضوء والظلام .
تقدمت بحذر - سمعت من تلك الكائنات همسا خافتا واشارات نحو موضع فضاء مفتوح تقول :
........ تحركي واثقة صوب نحو قلب المكان – ظهر انه العالم البشري –
، ستجدين هناك ما تبحثين عنه .
لكن قلبها شعر بالريبة، ودارت أفكار برأسها متسائلة
......... هل هم يساعدونني أم يخدعونني؟
شعرت بالارتياب - تراهم يساعدونني أم يوجهونني لألقى الأذى - فجأة ظهر أمامها مخلوق غريب نصف إنسان وجزؤه الاخر نور باهت اقرب الى الرمادي المتفحم ، رفع يده مشيرا إليها أن تتبعه .
ترددت للحظة - لكنها شعرت في داخلها بطمأنينة، تبعته – كان السير المتأني عبر ممرات ضيقة تتلون بألوان تلك الشبيهة رؤيتها في اضغاث الاحلام الكابوسية. خلال السير لاحظت أن الممرات تتغير ألوانها كلما تقدمت بالسير وصدى اصوات خافتة تدعوها بأسماء مألوفة – كما لو أن المدينة كلها كانت تعرفها .



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أي رماد أنت
- حين تمطر السماء دما
- قبل أن تسكن الاسئلة
- حديث سري في العمر
- حديث سري في العمر - نثر شعري
- من - نصوص لا متناهية في طلب الغفوة 4و5و6 - نثر شعري
- من - نصوص لا متناهية في طلب الغفوة - - نثر شعري
- طريق الخلود اعتراف بالفناء قصيدة نثر
- الحلقة ( 7 ) رواية أرض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر
- لم أزل اكتبك قصيدة نثر
- التقاطعات بين صرامة التحليل السياسي وجنوح الخيال الأدبي - ال ...
- ولوج في عتمة الظلام قصيدة نثر
- من حوار محور المكاشفة : الفكر ، الأكاديمية ومعارك التنوير وا ...
- ارض موحلة بالأكاذيب - روايتي غير المنشورة / الحلقة ( 6 )
- حوار ادبي - ثقافي مكتوب في خمسة محاور - اجراه الكاتب الاديب ...
- إلى متى - في الخفاء – يهرب العطاء قصيدة نثر شعرية
- رواية ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي غير المنشورة - حلقة ( 5 ...
- وهم كان وطن - هناك - بين يديك
- لا زغب يشرع في الظهور
- ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر بعد الحلقة ( 4 )


المزيد.....




- من لحظة وصوله إلى البروفات.. تفاعل لافت مع عودة فضل شاكر
- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...
- لماذا عارض قدامى محاربي عام 1812 رواية تولستوي -الحرب والسلا ...
- سبوتيفاي تستبعد 50 مليون مقطع من التوصيات بسبب المحتوى المزع ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- دانييل فيليستوفيتش.. طفل روسي يقلد مايكل جاكسون ويحصد 15 ملي ...
- كازاخستان.. العثور على نقوش صخرية وُصفت في يوميات الرحالة ال ...
- حفل -النسر الذهبي- السينمائي في 29 يناير وقائمة أولية تضم 35 ...
- فتحة جريئة وتطريزات لامعة.. دوا ليبا تستحضر أجواء الأوبرا عل ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - حلقة ( 1 ) رواية الشوفة