أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أحمد الصغير على عيد - الفساد الممنهج والبلطجة البنيوية: من الاستعمار الداخلي إلى شبكات المصالح العابرة للحدود















المزيد.....


الفساد الممنهج والبلطجة البنيوية: من الاستعمار الداخلي إلى شبكات المصالح العابرة للحدود


محمد أحمد الصغير على عيد

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 22:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


دراسة تحليلية في آليات الإفقار والعقاب بالوكالة في مصر والخليج

إعداد: محمد أحمد الصغير على عيد عويس قنديل — باحث مصري مستقل

أكتوبر ٢٠٢٦
تنويه ضروري: هذه الدراسة إطار تحليلي تأصيلي وليست دراسة تجريبية مكتملة. وهي تسعى إلى ربط ظواهر موثقة — الفساد الممنهج، وسياسات الإفقار، والعقاب بالوكالة، وشبكات المصالح العابرة للحدود — بإطار نظري يجمع بين أدبيات الاستعمار الداخلي، واقتصاد التحويل الطبقي، ودراسات حوكمة الجنس. ولا تدّعي إثبات علاقات سببية قاطعة، بل تطرح فرضيات عمل قابلة للبحث والتطوير. وكل ادعاء سببي فيها ينبغي أن يُقرأ بوصفه فرضية قابلة للدحض لا نتيجة نهائية.


المقدمة: من الفساد "المتفشي" إلى الفساد "المُنتَج"

تُطرح في الخطاب العام مقولات عن "الفساد المتفشي" في مصر، وكأنه ظاهرة طبيعية تنتشر من تلقاء نفسها، أو "خلل إداري" عابر يمكن علاجه بحملات ومبادرات. لكن هذا التصوير، رغم احتوائه على جزء من الحقيقة، يُخفي البنية التي تُنتج الفساد وتُعيد إنتاجه. فالفساد ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل هو مخرَج متوقع لبنية مؤسسية تُنتج حوافز منظومية للانحراف، وتُضعف آليات المساءلة، وتُكافئ من يحمي الشبكات بدلاً من من يكشفها.

وتسعى هذه الدراسة إلى تجاوز الوصف السطحي للفساد، نحو تحليل بنيوي يربط بين ثلاثة مستويات: المستوى الاقتصادي (سياسات الإفقار واستنزاف الموارد)، والمستوى المؤسسي (منظومة الشكاوى وحماية المبلّغين)، والمستوى العابر للحدود (شبكات المصالح التي تربط الداخل بالخارج). والفرضية المركزية التي تنطلق منها الدراسة هي: أن الفساد الممنهج في مصر ليس نتاج "ضعف إرادة" سياسية، بل هو نتاج بنية استعمار داخلي تُعيد إنتاج التبعية عبر آليات اقتصادية ومعرفية وحميمية متداخلة، وتستعين بشبكات مصالح عابرة للحدود تُوفر الحماية والغطاء، وتستخدم سياسات الإفقار والعقاب بالوكالة كأدوات لضبط المجتمع وإسكات الأصوات المعارضة. وهذه البنية، في جوهرها، ليست "انحرافاً" عن منطق الحكم، بل هي منطق حكم بحد ذاته: منطق البلطجة البنيوية.

الفصل الأول: الإطار النظري — الاستعمار الداخلي كبنية متداخلة

١.١ من كاسانوفا إلى التداخل الطبقي

صاغ المفكر المكسيكي بابلو غونزاليس كاسانوفا مفهوم «الاستعمار الداخلي» في ستينيات القرن العشرين، لوصف بنية علاقات اجتماعية قائمة على الهيمنة والاستغلال بين جماعات متباينة ثقافيًا داخل الدولة الواحدة. وقد عرّفه بأنه «بنية علاقات اجتماعية تقوم على الهيمنة والاستغلال بين مجموعات متجانسة ثقافيًا ومتميزة». واستخدم كاسانوفا مثال الشعوب الأصلية في المكسيك، التي تعرضت للتمييز الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. وقد طوّر باحثون لاحقون هذا المفهوم، مثل رودولفو ستافنهاغن ومايكل هيكتر، اللذين طبقاه على غواتيمالا وأقاليم السلتيّة في بريطانيا على التوالي.

غير أن الأدبيات السائدة في الاستعمار الداخلي، رغم ثرائها، توقفت عند حدود الاقتصاد والمعرفة. وهي لم تنزل إلى الطبقة التي تُنتج الخضوع في أعمق مستوياته: الجسد والرغبة والعار. وهذا الفراغ هو ما تسعى هذه الدراسة إلى ملئه، من خلال مفهوم «التداخل الطبقي» (Nested Colonialism): أي أن الاستعمار الداخلي يعمل عبر ثلاث طبقات متداخلة — الاقتصاد، والمعرفة، والحميمية — كل طبقة تحتضن التي تحتها وتُعيد إنتاجها. والطبقة الحميمية، أي حوكمة الجسد والرغبة والعار، هي التي تُنتج الخضوع في أعمق مستوياته، والتي تجعل الطبقتين الأخريين ممكنتين. فبدون التحكم في الخميمية — في الخوف من العار، وفي الرغبة المُسيَّرة، وفي الجسد المُبتزَّز — لا يمكن ضمان استمرار التبعية الاقتصادية والمعرفية.

١.٢ شبكات المصالح العابرة للحدود: الامتداد الخارجي للمستعمرة الداخلية

لكن الاستعمار الداخلي لا يعمل داخل حدود الدولة فقط. فهو يمتد عبر شبكات مصالح عابرة للحدود تربط النخب المحلية بنظرائها في الخارج، وتُوفر لها الحماية والغطاء والتمويل. وقد وثقت تقارير حديثة أمثلة على هذه الشبكات في سياق مصر والخليج. ففي سبتمبر ٢٠٢٥، أحالت نيابة الأموال العامة العليا في مصر ثلاثة من رجال الأعمال — اثنان من الجنسية الكويتية والثالث مصري — إلى المحاكمة، بتهمة الاستيلاء على نحو أربعة مليارات جنيه مصري (حوالي ٨٥ مليون دولار) من حسابات بنكية تعود لرجل أعمال قطري بارز. وفي أغسطس ٢٠٢٥، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن كشف "شبكة إجرامية" تضم مواطنًا وستة مقيمين مصريين وسوري، تورطت في تزوير معاملات طلب تصاريح عمل مقابل رشاوى. وهذه ليست حوادث معزولة، بل هي عينة من بنية أوسع تربط بين الاقتصاد غير الرسمي، والفساد الإداري، والتمويل العابر للحدود.

والأمثلة لا تقتصر على الفساد المالي. فقد كشفت تقارير عن شبكات نفوذ تمتد إلى كبار المسؤولين في المنطقة، مثل محاولات جيفري إبستين بناء علاقات سرية مع شخصيات سياسية ورجال أعمال في الخليج ومصر، بما في ذلك تقديم "مشورة استراتيجية" خلال أزمات سياسية واقتصادية كبرى. وفي سياق آخر، وثقت تقارير انتقال رجل الأعمال إبراهيم العرجاني — الذي وصفته بأنه "تاجر غزة" الذي تحول من معتقل سياسي إلى رجل أعمال مفضل لدى النظام — من غزة إلى ليبيا، وتوسع شبكة مشروعات الجيش المصري عبر الحدود، بما في ذلك ترتيبات أمنية على الحدود الليبية المصرية. وهذه الأمثلة، مجتمعة، تُظهر أن الفساد ليس ظاهرة داخلية فقط، بل هو جزء من نظام إقليمي عابر للحدود، تُدار فيه المصالح المشتركة بين نخب محلية وقوى خارجية، ويُستخدم فيه العنف والابتزاز والتهجير كأدوات لتثبيت هذه المصالح.

الفصل الثاني: آليات الإفقار — الدين كأداة استنزاف

إذا كان الفساد هو "المرض"، فإن سياسات الإفقار هي "البيئة" التي تجعله ممكناً. فالمجتمع المُفقَر هو مجتمع أقل قدرة على المقاومة والمساءلة، وأكثر استعداداً لقبول "الاستثناءات" و"الرشاوى" كوسيلة للبقاء.

وأخطر آليات الإفقار في مصر اليوم هي استنزاف الموارد العامة عبر فوائد الدين. فقد كشفت بيانات الموازنة المصرية أن فوائد الدين استحوذت على نحو ٧١.١٪ من إجمالي إيرادات الدولة خلال الأشهر الـ١١ الأولى من العام المالي ٢٠٢٥/٢٠٢٦، إذ بلغ إجمالي فوائد الدين ٢.١١ تريليون جنيه من أصل إيرادات بلغت ٢.٩٧ تريليون جنيه. وهذا يعني أن كل ١٠٠ جنيه تجبيها الدولة من دافعي الضرائب، يذهب ٧١ جنيهاً منها لسداد فوائد الديون فقط، دون أن تلمس المواطن أي خدمة أو تنمية. وقد أكدت تحليلات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن فوائد الديون المحلية والأجنبية تستحوذ على حوالي ٨٧٪ من حصيلة الضرائب المتوقعة في العام المالي الجديد.

وهذا ليس "خطأً في الحسابات"، بل هو آلية ممنهجة لإعادة إنتاج التبعية. فالدولة التي تُخصص معظم إيراداتها لسداد الديون لا تستطيع الاستثمار في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مما يُعمّق الفقر، ويُضعف القدرة على المساءلة، ويُجبر المواطنين على اللجوء إلى "الاقتصاد غير الرسمي" والفساد الصغير كوسيلة للبقاء. وقد وصف أحد التحليلات هذه السياسات بأنها "ليست سوى انعكاس مباشر لعلاقات التبعية التي تحكم البنية الكلية للاقتصاد المصري"، وأنها "تحولت إلى أداة لتثبيت هيكل الاستدانة، عبر استنزاف الفائض الاجتماعي لسداد الفوائد وخدمة الدين".

وإلى جانب استنزاف الدين، تعمل سياسات أخرى على إفقار الناس وتشريدهم. فقد وثقت تقارير عن ممارسات التهجير القسري ومصادرة الأراضي لمشروعات "مدن الجيل الرابع" المخطط لها في صعيد مصر وسيناء. وهذه الممارسات، التي تُبرَّر بـ"التنمية" و"التحديث"، تُنتج مستعمرة داخلية بمعنى الكلمة: تُشرَّد مجتمعات محلية من أراضيها، وتُنقل إلى فضاءات جديدة تُعاد فيها تشكيل علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية لصالح النخبة. والنتيجة أن الفقر لا يُعالج، بل يُعاد إنتاجه في مكان آخر، وبشكل أكثر كثافة.

الفصل الثالث: العقاب بالوكالة — قتل الخصوم وتشريد الأسر

إذا كانت سياسات الإفقار تُنتج "الخضوع الاقتصادي"، فإن العقاب بالوكالة يُنتج "الخضوع السياسي". فالدولة التي لا تستطيع إسكات معارضيها في الخارج مباشرة، تستهدف أسرهم في الداخل، وتستخدمهم كرهائن للضغط على الأصوات الحرة.

وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان هذا النمط بشكل منهجي. ففي عام ٢٠٢٥، وثّق المنبر المصري لحقوق الإنسان ما لا يقل عن ١٢ حالة من ممارسات "العقاب بالوكالة" ضد أسر نشطاء وصحفيين ومدافعين مصريين مقيمين في الخارج. وفي أكتوبر ٢٠٢٥، اعتقلت عناصر الأمن الوطني المصري صبحي عيد (٦٣ عاماً)، والد مقدم البودكاست سيف الإسلام عيد، من منزله في منطقة المندرة بالإسكندرية، وظل مختفياً قسرياً لثلاثة أيام. وفي أغسطس ٢٠٢٦، اعتُقلت شيماء صابر الشاذلي، شقيقة المعارضة منى الشاذلي المقيمة في المملكة المتحدة منذ أكثر من عقدين، ضمن موجة اعتقالات طالت خمسة من أفراد عائلتها في ثلاثة أشهر فقط.

وهذا النمط ليس خاصاً بمصر. فقد صنّفت منظمة العفو الدولية مصر كواحدة من أكثر الدول ممارسة للقمع العابر للحدود (transnational repression)، وهي ممارسة تشمل اعتقال أفراد عائلات الصحفيين والمعارضين، وإلغاء وثائق السفر، وإنهاء الخدمات القنصلية، كوسيلة للضغط على النشطاء في الخارج. وفي سياق خليجي، وثقت منظمة العفو الدولية حالة عبد الرحمن يوسف، الذي اعتُقل في لبنان في ديسمبر ٢٠٢٤، وسُلّم قسراً إلى الإمارات في يناير ٢٠٢٥، في مثال على "تعاون الدول لاستهداف المعارضين ومدافعي حقوق الإنسان عبر الحدود".

وهذه الممارسات، مجتمعة، تُنتج ما يمكن تسميته "البلطجة البنيوية": نظام لا يحتاج إلى قتل كل معارض، بل يكفي أن يُشرد أسرة واحدة، ويُعتقل أباً واحداً، ويُلغي جنسية واحد، حتى يتعلم الباقون الدرس. والعقاب بالوكالة ليس "انحرافاً" عن سيادة القانون، بل هو أداة من أدوات الحكم التي تُعيد إنتاج الخضوع، وتُوسع مساحة الصمت، وتُحمي شبكات المصالح التي تربط الداخل بالخارج.

الفصل الرابع: منظومة الشكاوى وحماية المبلّغين — الفجوة بين النص والتطبيق

إذا كان الفساد الممنهج هو المرض، وسياسات الإفقار والعقاب بالوكالة هي البيئة، فإن منظومة الشكاوى وحماية المبلّغين هي "جهاز المناعة" الذي يُفترض أن يحمي المجتمع. لكن هذا الجهاز، في مصر، يعاني من فجوة مزمنة بين النص والتطبيق.

٤.١ الإطار القانوني: تقدم نسبي

على مستوى النص، هناك تقدم نسبي. فقد أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥، الذي يتضمن مواد لحماية الشهود والمبلغين والمجني عليهم، من بينها إخفاء الهوية إذا كان الإدلاء بالشهادة يعرض الشخص أو أسرته للخطر، واستخدام مقر الشرطة عنواناً، وعقوبات تصل إلى السجن المشدد حال الكشف عن بياناتهم. كما توجد نصوص أخرى في قانون مكافحة الفساد رقم ١٠٦ لسنة ٢٠١٥ وقوانين الهيئات الرقابية، تُقرر سرية بيانات المبلّغين.

٤.٢ الفجوة التشريعية: لا قانون مستقل وشامل

لكن هذا التقدم لا يكفي. فالتشريعات المصرية لا تتضمن قانوناً مخصصاً لحماية المبلّغين عن المخالفات، يعرّف بوضوح الإبلاغ عن المخالفات، ويحدد إجراءات معيارية للتعامل معها، ويضمن الحماية من الانتقام. وقد أعدت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد مشروع قانون حول هذه الحماية، لكنه لم يُقر بعد. والحماية القائمة متفرقة وهشة: المادة ٣٠٤ من قانون العقوبات تُقرر دفاعاً للمخبر الذي "أخبر بالصدق وحسن النية" ضد تهمة البلاغ الكاذب، لكنها لا تمنحه حماية إيجابية من الانتقام. وقانون هيئة الرقابة الإدارية يتحدث عن سرية بيانات المبلّغ، لكن السرية ليست حماية. وقانون الخدمة المدنية يُلزم الموظف بالإبلاغ، لكنه لا يوفر له شبكة أمان إذا أبلغ.

٤.٣ الفجوة التنفيذية: الشكوى إلى الجهة المشكو في حقها

الأخطر من الفجوة التشريعية هي الفجوة التنفيذية. فمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة (الخط الساخن ١٦٥٢٨) تستقبل أكثر من ٦ ملايين شكوى منذ إطلاقها، بمتوسط شهري يتراوح بين ٨٠ و١٠٠ ألف شكوى. لكن الواقع، كما وثقه طلب إحاطة برلماني (مايو ٢٠٢٦)، يكشف عن:

· عدم تلقي ردود من الأساس في كثير من الحالات.
· إغلاق شكلي برسالة "تمت الإفادة للجهة المختصة"، دون معالجة جوهر المشكلة.
· إعادة توجيه الشكوى للجهة المشكو في حقها، وهو ما "يُفرغ المنظومة من مضمونها الرقابي"، لأن الجهة تصبح خصماً وحكماً في الوقت نفسه.
· غياب قناة تصعيد محايدة إذا لم يقتنع المواطن بالرد.

وهذه الفجوة، بين النص الذي يعد بالحماية والتطبيق الذي يُعيد الشكوى إلى الخصم، هي التي تُنتج ثقافة الصمت. فالمبلّغ لا يواجه مجرد "بطء إجراءات"، بل يواجه احتمال التحول من شاكٍ إلى متهم، ومن صاحب حق إلى "عدو" يجب التخلص منه. وعندما تصبح الشكوى مخاطرة على الحياة، والسرية وعداً غير مضمون، والانتقام أسرع من العدالة، فإن الفساد يصبح بلا شهود.

الفصل الخامس: نحو تفسير بنيوي — البلطجة كمنطق حكم

ما يربط بين هذه الظواهر — الفساد الممنهج، وسياسات الإفقار، والعقاب بالوكالة، ومنظومة الشكاوى المعطلة — ليس "سوء إدارة" أو "ضعف إرادة"، بل منطق حكم قائم على البلطجة البنيوية. والبلطجة هنا لا تعني العنف الجسدي فقط، بل تعني إنتاج الخضوع عبر التهديد المُمنهج: التهديد بالفقر (عبر سياسات الإفقار)، والتهديد بالعقاب (عبر استهداف الأسر)، والتهديد بالإفلات من العقاب (عبر إعادة الشكوى إلى الخصم).

وفي هذا الإطار، يمكن فهم «المستعمرة الحميمية» التي طرحناها في دراسة سابقة: فهي البنية التي تُدار بها الحياة الجنسية والعاطفية والجسدية للأفراد، بهدف إنتاج الخضوع والتبعية. والبلطجة البنيوية هي الوجه العلني لهذه المستعمرة: فكما تُنتج المستعمرة الحميمية الخوف من العار، تُنتج البلطجة البنيوية الخوف من الفقر والعقاب والتشريد. وكلاهما يعمل على تفكيك التضامن الاجتماعي، وإنتاج أفراد خائفين، كل واحد منهم مشغول بحماية نفسه وأسرته، بدلاً من المطالبة بحقوقه الجماعية.

وهذا يُفسر لماذا لا تنجح "الحملات" و"الاستراتيجيات" في مكافحة الفساد: لأنها تتعامل مع الفساد كظاهرة فردية، بينما هو بنية اجتماعية وسياسية تُنتجها شبكات المصالح العابرة للحدود، وتحميها سياسات الإفقار، وتُكرّسها ممارسات العقاب بالوكالة. ومكافحة الفساد الحقيقية لا تبدأ بـ"حملات"، بل بـتفكيك هذه البنية: شفافية حقيقية في المشتريات، وقناة تصعيد مستقلة لا تُعيد الشكوى إلى الخصم، ومحاسبة عابرة للطبقات، وقانون حماية للمبلّغين، وإنهاء سياسات العقاب بالوكالة.

الخاتمة

ما يحدث في مصر ليس فساداً "متفشياً" فقط، بل هو نظام بلطجة بنيوي تُنتجه شبكات مصالح عابرة للحدود، وتحميه سياسات إفقار تُعيد إنتاج التبعية، وتُكرّسه ممارسات عقاب بالوكالة تُشرد الأسر وتُسكت الأصوات. والمؤشرات الدولية لا تتحرك لأنها تقيس "الإدراك"، لا البنية. وتقارير النيابة الإدارية تتحدث عن "فساد الوزارات" لأنها ترى الأعراض، لا المرض.

والخروج من هذا النفق لا يبدأ بـ"استراتيجيات" جديدة، بل بـإعادة بناء جهاز المناعة الاجتماعي: قانون حماية للمبلّغين، ومنظومة شكاوى مستقلة، وشفافية في المشتريات، وإنهاء سياسات الإفقار والعقاب بالوكالة. ودون ذلك، سيبقى المواطن المصري يكتب شكواه، ويحصل على رقم، وينتظر رداً لا يأتي — بينما الفساد، في كل زاوية، يواصل عمله، والشهود يدفعون ثمن شجاعتهم وحدهم.

والله أعلم، وهو من وراء القصد.

المراجع

المراجع العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. «المقدمة». دار الفكر، بيروت.

الصغير، محمد أحمد. «فوائد الدين.. قراءة في آلية الاستنزاف المالي كأداة للاستعمار الداخلي». الحوار المتمدن، ١٠ أغسطس ٢٠٢٦. https://m.ahewar.org/s.asp?aid=929941

الصغير، محمد أحمد. «من اقتصاد التحويل الطبقي إلى نهضة الظل: الاستعمار الداخلي، فطرة التوحيد، والشبكات العابرة للحدود». الحوار المتمدن، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

زكي، محمد عادل. «في مدارات التبعية: الاقتصاد كإعادة إنتاج للفقر». الحوار المتمدن، ٢٢ مايو ٢٠٢٥. https://m.ahewar.org/s.asp?aid=869427

«قضية فساد عابرة للحدود في مصر». العربي الجديد، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٥. https://www.alaraby.co.uk

«إبستين في الخليج ومصر.. الكشف عن محاولات بناء نفوذ خفي على كبار المسؤولين العرب». إيلاف، ٢٠ فبراير ٢٠٢٦. https://elaph.com/Web/News/2026/02/1588960.html

«ملاحقة أسر المعارضين في الخارج: ترسيخ لسياسة العقاب الجماعي». مركز الشهاب لحقوق الإنسان، ٤ سبتمبر ٢٠٢٦. https://elshehab-ngo.net

«العقاب بالوكالة في مصر: أسر النشطاء والمدافعين في الخارج رهائن لدى السلطات المصرية». المنبر المصري لحقوق الإنسان، ١٠ نوفمبر ٢٠٢٥. https://cihrs.org

«مصر: انتقادات لاستهداف عائلات معارضي الخارج». القدس العربي، ١٩ أغسطس ٢٠٢٦. https://www.alquds.co.uk

«اشهد متخافش.. سياج قانوني بالإجراءات الجنائية لحماية المبلغين والشهود». اليوم السابع، ١٨ نوفمبر ٢٠٢٥. https://www.youm7.com/Article/News-print-/7199497

«الأطر التشريعية لبيئة الأعمال في البلدان العربية». الإسكوا، ٢٠٢٦. https://www.unescwa.org

المراجع الأجنبية

Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975.

Foucault, Michel. Histoire de la sexualité I: La volonté de savoir. Paris: Gallimard, 1976.

González Casanova, Pablo. "Internal Colonialism and National Development." Studies in Comparative International Development 1, no. 4 (1965): 27–37.

Hechter, Michael. Internal Colonialism: The Celtic Fringe in British National Development, 1536–1966. London: Routledge & Kegan Paul, 1975.

Krishnan, Armin. Fifth Generation Warfare: Dominating the Human Domain. London: Routledge, 2024.

Polimeno, Maria Gloria. "The Authoritarian Impact: Does Political Mitigation Really Matter to Egyptians?" Arab Barometer, January 17, 2025. https://www.arabbarometer.org/2025/01/the-authoritarian-impact-does-political-mitigation-really-matter-to-egyptians/

"Egypt: End transnational repression against exiled journalist Basma Mostafa." Observatory for the Protection of Human Rights Defenders, June 24, 2025. https://observatoryfordefenders.org

"Egypt: Families of exiled journalists, activists and human rights defenders held hostage by the authorities through punishment by proxy." FIDH, December 11, 2025. https://www.fidh.org

"After Israel Disrupts Rafah Business, Where Did al-Arjani Relocate the Army Generals Trade?" Al-Estiklal, July 19, 2026. https://www.alestiklal.net/en/article/after-israel-disrupts-rafah-business-where-did-al-arjani-relocate-the-army-generals-trade

"Egypt: Rights Groups Condemn Arbitrary Referral to Trial of Exiled Academic Taqadum El-Khatib and Call for an End to Transnational Repression." CIHRS, October 27, 2025. https://cihrs.org






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفساد الممنهج في مصر: شبكات مترسخة، أرقام لا ترد، ومبلّغون ...
- الشهوة كتقنية حكم: الاستغلال الجنسي العابر للحدود والاستعمار ...
- حوكمة الشهوة: نحو إطار تحليلي نقدي لفهم الاستغلال الجنسي الع ...
- فجوة المواهب في اقتصاد الذكاء الاصطناعي المصري: تحليل نقدي ف ...
- مصر: مختبر القوة المعرفية في الألفية الثالثة : دراسة في البن ...
- تحليل بنيوي للاستغلال الجنسي في جنوب العراق: -الاستعمار الدا ...
- فيزياء التحكم العصبي عن بُعد: الآليات، التأثيرات، والأبعاد ا ...
- من آية النور إلى المشكاة الذكية والتنمية نموذج تحويلي متعدد ...
- من المحلي إلى الوطني: إعادة تشكيل الولاية القضائية المحلية ف ...
- من اقتصاد التحويل الطبقي إلى نهضة الظل: الاستعمار الداخلي، ف ...
- الرقابة الغيبية في أجهزة الاستخبارات: نحو إطار أخلاقي لضبط ا ...
- دراسة علمية استكشافية: نحو براديغم طاقة جديد : هدم البراديغم ...
- الإكراه والاستغلال الأمني وأثرهما على الشرعية والنفسية دراسة ...
- اختطاف التوبة: آليات الهيمنة على التحول الروحي وإصلاح أنماط ...
- من الوصاية إلى الشراكة: مشروع نهضوي عربي في زمن الحصار المعر ...
- نحو شرق أوسط أكثر إنسانية وعدالة: دراسة تحليلية في الإصلاح ا ...
- حوار في الظلام: سجال بين الوعي والنظام : دراسة درامية في هند ...
- هندسة الإدراك والهيمنة الرقمية: دراسة بنيوية في آليات التحكم ...
- المال مال الله: دراسة تحليلية في ازدواجية السياسات الخليجية ...
- حصار المثقف الوافد: دراسة تحليلية في آليات التضييق والاغتيال ...


المزيد.....




- روبيو: -محادثات- جرت لعقد لقاء يضم ترامب وبوتين وشي لإنهاء ح ...
- مصممة إماراتية تنقل التراث والحرفية اليدوية إلى أسبوع الموضة ...
- كايلي جينر ترتدي واحدة من أغلى حمالات الصدر في تاريخ -فيكتور ...
- -صدق المواقف في الشدائد أبلغ رد-.. قرقاش يعلق على لقاء محمد ...
- عراقجي يرد على نتنياهو بشأن الحرب: -نحن أيضاً لدينا حسابات ل ...
- إيران: قاليباف يوجه تهديدا جديدا لدول المنطقة بشأن شركات الذ ...
- يوم الحسم الكندي.. ألبرتا تصوّت على مسار الانفصال
- روبيو: ترامب مستعد لأي خطوات لإنهاء الصراع في أوكرانيا
- يوركتاون ومعاهدة باريس.. حين غيّرت فرنسا مصير أمريكا
- 10 مبادئ رئيسية.. نتنياهو يعرض تصورا جديدا للأمن القومي


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أحمد الصغير على عيد - الفساد الممنهج والبلطجة البنيوية: من الاستعمار الداخلي إلى شبكات المصالح العابرة للحدود