|
|
هذه هي سحر خليفة وصرختها العالية : لا
نبيه القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 21:06
المحور:
الادب والفن
אני هذه هي سحر خليفة وهذه صرختها العالية: لا
د. نبيه القاسم
شكّلت قضيّةُ الصِّراع العربي الإسرائيلي إحدى أهمّ قضايا الصراع القومي على امتداد القرن العشرين، ولا تزال على حدّتها في القرن الحادي والعشرين. وإذا كانت معظم الشعوب التي ناضلت وقاتلتْ قد حقّقت مَطْلبَها في التحرّر والاستقلال، فإنّ الشعبَ الفلسطيني ظلَّ حلمُه بَعيدَ التَّحقيق وآمالُه صعبةَ المَنال، وزادت تعقيدا وتداخلا بعد حرب الخامس من حزيران ١٩٦٧ واحتلال إسرائيل لكامل الوطن الفلسطيني، وعملها الدّائب على بناء المستوطنات وتغيير مَعالم الأرض. وقد ساعد الوضعُ الدولي، وخاصّة وضع عالمنا العربي المُتَشرذم المتُمزّق، على قَتْل روح الإنسان العربي وتغريبه في وطنه، وإيصاله حدَّ التّفكير بخيانة الوطن و تركه. وإذا كان نصيبُ المُواطن في العالم العربي الحرمانَ من الحريّة والديمقراطيّة وإيجاد فرص العمل وتأمين حقّه في الحياة الكريمة، فإنّ المواطن الفلسطيني وجد وطنَه كلّه يتهاوى ويتلاشى، وحياته اليوميّة مُهَدّدة، وليس له مَن يَمدّ له يدَ المساعدة أو مَن يُؤمّله بغَدِ أفضل، فحمَل دمَه على كفَّيه وخرج للمُواجهة القاسية، وخاض معارك الانتفاضة الأولى التي كانت ثمرتُها انتزاعَ اعتراف العالم، وخاصة الحكومة الإسرائيليّة، بوجود وحقّ الشعب الفلسطيني بدولة مستقلّة أدّت إلى قيام السلطة الفلسطينية وانتقال القيادة الشرعية والكثير من كوادرها للوطن رغم كلّ الانتقادات والتّحفّظات التي أعلنها البعض. ومن بعدها الانتفاضة الثانية التي حَكمَتْها النَّزَعاتُ والعَواطفُ والشّعاراتُ الكبيرة فانتهت باستعادة الجيش الإسرائيلي لسَيطرته المُباشرة على معظم الأراضي التي كان قد تَخلَّى عنها سابقا، وعادت حركة الاستيطان السَّرطانيّة لتستشرس في كلّ أجزاء الوطن، وكانت قمّةُ المأساة استشهادَ الرئيس الرّمز ياسر عرفات أبو عمّار والعَديد من القادة. لم يعدَم شعبُنا الفلسطيني الكثيرين من أبنائه البَرَرة الذين شاهدوا ما يجري، وتوقَّعوا الذي سيكون، وحَذَّروا ونبّهوا وصرَخوا، منهم مَنْ مات مقهورا وقد غلبه الحزن مثل: إدوار سعيد وفيصل الحسيني والدكتور حيدر عبد الشّافي ومحمود درويش وسميح القاسم، ومنهم مَن لا يزال يصرخ ويصرخ ويُحذّر، وخوفي أن يمضي العمرُ ولا شيء تَحقّق. وسحر خليفة واحدة من الذين شاهدوا وتوقّعوا وحذّروا ونبّهوا وصرخوا، وتكاد تكون الوحيدةَ بين القليلين، التي لم تُهادن ولم تتراجع ولم تقبل بكل التّفسيرات والتّعليلات والتطمينات والإغراءات، وظلّت على موقفها المنتَقد الرّافض تُعلن صرختَها العالية القَويّة: لا. تعود معرفتي بسحر خليفة إلى سنوات السَّبعين من القرن الماضي (القرن العشرين) فقد قرأت روايتها الأولى «لم نعُد جواري لكم» وكتبت عنها دراسة في مجلة «الجديد» وكان الصديق المرحوم المبدع المناضل محمد البطراوي (أبو خالد) حلقة الوصل بيننا، وفي بيت سحر في رام الله تعرّفت على العَديد من المبدعين والمبدعات والأصدقاء. ومن يومها لم تضعف صداقتُنا ولم ينقطع حبْلُ تواصلنا رغم بُعد المسافات. وسحر التي عرفتها عصبيّة سريعة الغضَب وردّ الفعل، غير مُتهادنة في حقّها، وصَلبة في موقفها والمُعلنة صرختَها العالية: لا. هي سحر الدّائمة التي يأخذها تاريخُ الوطن الفلسطيني الجريح لتستقرئه من جديد، وتُعيد صياغَتَه الحقيقيّة ليعرف كلُّ فلسطيني أين كانت جذورُ المأساة ومُسبّباتُ النكبة وتشريد الشعب وضياع الوطن. وقد شرعت بذلك في روايتيها «أصل وفصل» و «حبّي الأوّل». كانت كلمات سحر وتساؤلاتها المُثيرة لكلّ مَكامن الغضب والحزن والألم في مؤتمر الإبداع الروائي الذي عُقد في القاهرة يوم 16.2.2008 "نحن الفلسطينيين عشنا على الهامش كشعب مأزوم. وسرّ الأزمة، بل محورها، أنّا لا نعرف واقعَنا، بل نحلم عنه وربِّما نشطح، وهذا الأصح لما نفعل أو فُعل بنا. عشنا شعارات وعلَوْنا فوق السحب عبر الأوهام ثمّ هوَينا. قيل لنا إنّا قوّة، أقوى قوّة ضاربة في الشرق الأوسط قبل حزيران ١٩٦٧، فماذا نتج عن ذاك الشّعار؟ قيل لنا إنّ المشكلة في الغازي وليس فينا، فغضضنا النظر عمّا فينا وغضضنا النظر عن تفاصيل ذاك الغازي وبتنا لا نعرف مَن هو، ولا مَن نحنُ، ولا نعرف كيف نُجيب على السؤال حول أسباب هزيمتنا. يعني لا نعرف ما الواقع. يعني لا نعرف كيف نجيب، ولا حتى نعرف ما نسأل". وتابعت سحر خليفة أمام المجتمعين من مثقّفي ومُبدعي العالمِ العربي بألَم الإنسان الفاقد كلّ شيء في حياته، والمنبوذ من كلّ العالم ومن الله: «لدينا سؤال، لديّ سؤال. أنا المحتلة لديّ سؤال. أنا المهزومة لديّ سؤال. أنا المأزومة لديّ سؤال. وسؤالي هو: -لماذا هُزمْتُ؟ أين القوّة ونقاط الضّعف؟ مَن أنا، مَن هم، مَن يعرفُني؟ والسؤال الأهمّ: هل أعرفُني؟». وتؤكد سحر خليفة للمستمعين: «هذا ما أسعى لتحقيقه. لأنّي قبل أن أكون فنّانة، أنا إنسانة، بنت البيئة، والاحتلال، والهزيمة وفنّي هذا لخدمة ذاتي، دفاعا عنها، ذاتي الكبرى في مجتمعي، لأنّي محروقة من الدّاخل ومن الخارج، ولا يُمكنني أن أغضّ النظر عن هذا الوجع وآلامه». وحتى يتفهّم القارئ عالمَ سحر خليفة الإبداعي عليه أن يُرافقها في سيرة حياتها التي تركت أثرها العميق في حياة سحر وإبداعها وعلاقاتها. تقول سحر في حوارها مع الصحفي راشد عيسى الذي التقاها في دمشق في مؤتمر «الثقافة والمدينة» حول مدينتها نابلس وأثرها في رواياتها: «كتاباتي كلّها عن نابلس، مسقط رأسي، التي اعتبرها المختبَر والنّموذج الحميم والصّادق للعالم العربي بأسره كمُجَمّع، لتعدّد التَّناقضات فيها. ففيها من التناقضات والتوتّر والعلاقات الاجتماعيّة، ورسوخ الهويّة القوميّة العربيّة ما يُمَكّنني من التقاط ملامح المجتمع العربي، ذلك من خلال تصوير العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة في مدينتي نابلس». في هذه المدينة المحافظة التقليديّة ولدَتْ سحر عام 1941 في عائلة محافظة أيضا حيث نشأت في بيت حُرم من الصبيان فعانت مع أمّها من غربة اجتماعيّة نفسيّة، وخاصّة بعد أن تزوّج الأب امرأة أخرى بحثا عن إنجاب الصبيّ. وتصف سحر في روايتها «مذكرات امرأة غير واقعيّة» ما عانته من تفضيل المولود الصبي عليها، وما كان من فَرض كلّ القيود والممنوعات عليها بينما أعطيت كلّ الحريّة للوَلد الذكر. وتصف استمراريّة مُعاناتها كأنثى عندما أُرغمَت على الزواج من رجل رفضَته، ونجحت في التّحرّر من قَيْد الزواج منه بعد ثلاثة عشرَ عاما. هذه المُعاناة الذّاتيّة جعلت شخصيّة المرأة في روايات سحر، كما يقول الدكتور حسين المناصرة في قراءة نقديّة في شؤون النصّ الأدبي قدّمها بقسم اللغة العربيّة وآدابها في جامعة الملك سعود يوم الثلاثاء 7.2.1422 هجرية تبدو على صورة «المرأة الضحيّة التي عليها أن تسعى إلى بناء المساواة بين الذكورة والأنوثة في الحقوق والواجبات داخل بنية المجتمع، متكئة على رفض المفاهيم الثلاثة: سيطرة الأب (بطريركيّة الرجل)، واعتبار الجنس أو النوع صالحا لتقسيم الأدوار، وهيمنة القضيب". (جريدة السفير اللبنانية يوم ٢٣ أيار ٢٠٠٨) لكن سحر خليفة تجاوزت الذاتيّة في واقع الاحتلال الإسرائيلي للوطن وخرجت لتُواجه جُندَ الاحتلال جنبا إلى جنب مع الرجل، ولكنها لم تتنازل عن موقفها الدِّفاعي عن المرأة ضدّ موقف الرجل العدائي منها لكونها أنثى، وأعلنت في أكثر من موقف "أنّ الشعب الذي يضطهد المرأة لن يستطيع أن ينتصرَ على عدوّه، مهما حاول أن يفعل، لأنّ نصفَه النَّسوي مُغَيّب ومُكَبّل بقيود كثيرة!! وأنّ تحرّرَ الوطن لا يكون تاما إلا بتحرّر المرأة من قيود الرجل، وتحرّر الرجل والمرأة وثورتهما على قيود المجتمع بعاداته وتقاليده ومفاهيمه التي يجب أن تتغيّر وتُراعي تغيّرات المجتمعات العالمية والتطوّر الجاري في كلّ العالم". وقد شدّدتُ في دراستي لرواية «مذكرات امرأة غير واقعيّة» على تميّز سحر خليفة في إبداعاتها بالتزامها بمعالجة «هموم الشعب وتصوير حياته اليوميّة وما فيها من تَعقّدات وتَشابكات خاصّة بكلّ ما يتعلّق بوضع المرأة وعلاقتها بالرجل، وبالمُقابل في مُرافقة نضال الناس في مُواجهتهم لاحتلال الأرض وظلم الإنسان حتى باتت سحر خليفة تُؤطَّر بين ثنائيِّتين هما: *المرأة في مُواجهة الرجل. *والإنسان الفلسطيني في مُواجهة جندي الاحتلال. هاتان الثنائيّتان المُترافقتان والمُتلازمتان في معظم روايات سحر خليفة حتى أصبح من الصّعب الفَصل ما بين النّضال ضدّ المحتل الغريب والنّضال ضدَ ظلم الرجل والمجتمع للمرأة، والاقتناع أنّ تحرّر الوطن من رَبقة الاحتلال لا يكون كاملا وناجحا إذا لم يُرافقه تحرّرُ المرأة من قيود المجتمع والرجل" (جريدة الاتحاد 17.6.2005) ويرى الدكتور حسين المناصرة في قراءته النقديّة أنّه «في ضوء تَشابك الأنساق الثلاثة: الذاتي والاجتماعي والوطني، نهض خطابُ سحر خليفة السّردي يحمل رؤية أو منظورَ الواقعيّة النقديّة التي ترى العالم مَسكونا بالسّواد، وفي أحسن الأحوال بالرّمادي. حتى ولو أنّها كانت تُنهي بعض رواياتها بنظرة متفائلة أحيانا عن طريق تَغييب أو تخدير التناقضات الذاتيّة والاجتماعيّة لصالح ضرورة الاستمرار في مواجهة الاحتلال من خلال الانتفاضة الشعبية التي تظهر فيها شخصيّة المرأة أكثر حكمة وفاعليّة من الرجل». وفي جوابها على سؤال الصحفي توفيق عابد الذي أجراه مع الكاتبة لموقع «الجزيرة نت»: لماذا يُطْلَقُ عليك «كارهة الرجال؟» قالت: «لأنني طرحتُ بقوّة فكرة أنّ المرأة مُساوية للرجل، وأنّ اضطهادَه التاريخي من المفروض مُراجعته، ولن تقوم قائمة هذه الأمّة ونصفها مسحوق تماما، فالمجتمعُ الذي لا يفتقدُ دورَ نصفه لا يُمكن أن يكون فاعلا». سحر خليفة التي انطلقت في إبداعاتها المتميّزة لم تر في الأدب كما قالت في المقْتَبَس الذي جمّعته ونشرته الكاتبة عالية كريم «حلية نُعلّقها في صدر البيت، وشَكْلة على الرأس.. بل احساس أعمق، مجبول بالتراب، بالشوارع، بهموم الناس، برصاص المحتل والمدافع، بالضحايا ودم الثوّار. وأيضا بالحبّ والتّمنّي وحنين القلب، وجمال الرّوح والتصدّر للكآبة بأجنحة الحلم، الأدب بالنسبة لها ليس نزهة، بل جهد وأجنحة ومرايا وعتاب دائم للذّات وسماء ماطرة وقذائف ومآذن في أرض ما عرفت إلّا الدَّم»؛" (موقع معكم- رئيسة التحرير عالية كريم). وكما قالت للكاتبة عناية جابر ونشرته في جريدة السفير اللبنانية يوم 27.3.2009: (الأدب هو بالضرورة أداة تعبير عن الحياة وتجاربها، ومنطلقي المنطقي هو المكان الذي عشتُ فيه، مكاني أنا، مجتمعي أنا، ألمي أنا، جذري وتجربتي وتاريخي». وترى الكاتبة عناية جابر في سحر خليفة «روائيّة فلسطين. ومن الصعب أن نفكّرَ برواياتها بدون أن نفكّرَ فِي فلسطين. هذه هي وهذا هو مشروعها الروائي الذي تضيق الشقّة بينه وبين البحث الاجتماعي كما تضيق الشقّة بينه وبين النضال الفعليّ» (السفير 27.6.2009) وسحر نفسها تقول: «إنّ مشروعي الروائي هو رصد تأثير تجربة الاحتلال على المجتمع الفلسطيني في تحوّلاته المختلفة، وبالتالي فإنّ رواياتي هي حكاية مجتمع بأسره، أردتُ أن أصوّرَ الناسَ كأحياء من لحم ودم، وأن أستعيرَ لغتهم وتعبيراته، وأن أصف معاناتهم وإحباطاتهم، وأيضا تضحياتهم. وصدّقيني، لقد رأيتُ ما قدّمه الناس من تضحيات تفوق الوصف، أنتم فِي الخارج تسمعونَ وتعرفون عن تضحيات الشهداء والمقاتلين، لكني أنا كباحثة، وروائيّة، ومواطنة، رأيتُ بعيني كيف أعطى الناسُ كلَّ ما لديهم: أموالَهم، أبناءَهم، بيوتَهم، مصدرَ رزقهم، أقول كلَّ شيء، خصوصا في الانتفاضة الأولى التي عشتُ حذافيرَها وعبّرتُ عنها في رواية «باب السّاحة». وتقول سحر خليفة في حوارها مع راشد عيسى: في «باب الحارة» رصدتُ الانتفاضة الأولى. وفي «الميراث» رصدتُ مرحلة أوسلو. وفي «صورة وأيقونة وعهد قديم» رصدتُ تحوّلات القدس. وفي «ربيع حار» رصدتُ الانتفاضة الثانية. بمعنى أنّ الوضع الفلسطيني العاصف، السّريع التَّحوّلِ مع الضّربات والانتكاسات، لا بدّ له من عين مُتَفحّصة وكاميرا مُدقّقة لتستطيع أنْ توثّق وتؤرّخَ الأبعادَ المأساويّة التي يمرّ بها شعب صغير، ولكنه ذو عزيمة وإرادة قويّة وإيمان خارق بالحريّة ورفض الاستعمار والعبوديّة. لا بُدّ لهذه الظواهر من أن تُحفَظ في كُتُب، في لغة مكتوبة حتى لا تضيع هذه التجارب من الذّاكرة الفلسطينيّة العربيّة، ولا حتى من الذّاكرة الإنسانيّة». كانت سحر قد عرضت مواقفَها الواضحة في مختلف القضايا الحادّة والمثيرة التي تعرّضَتْ لها في رواياتها بجرأة وقوّة وإثارة وتَحَدّ، وقد أبرزتُها في دراستي للروايات. ففي رواية «لم نعُد جواري لكم» نادت بتمرّد المرأة على قيْدها الطويل، ودعت المرأة للخروج لمُواجهة الرجل ومُطالبته بكلّ حقوقها. كما أنّها اهتمّت بتَعرية الطبقة البرجوازيّة المتعلّمة العَفنة وتَعريَة أفكارها ونَهجها وواقعها، وأظهرت استحالة الاعتماد عليها في تسيير دفّة الحياة ومُواجهة الصّعاب. فهي طبقة مُخادعة تافهة، تمضغ الفلسفات حول الموائد، مغرورة عاجزة عن المبادرة ولا يُؤمَن جانبها. وتبنّت في رواية «الصبّار» أسلوبَ الحرب اللامُتَهادنة مع الطِّرف الآخر في تعاطفها الشديد مع أبي «العزّ» الذي أهدته روايتها. ولما سألتُ الصديقةَ سحر: هل حقّا ترَينَ في أبي العزّ الطريقَ الوحيدة لحل القضيّة؟ وهل انتهى دور أمثال عادل الكرمي الواقعي؟ أجابت سحر وحراب الفاشست الكتائبيين والشمعونيين وقنابل الأنظمة الرجعية في العالم العربي وإسرائيل تنعكس من قلب (تل الزعتر) على شفتيها: لستُ أدري! كل شيء في هذا العالم غريب، غريب، وللقضيّة أكثر من بُعْد واحد. وهدفَت سحر من روايتها (الميراث» إلى إعلانَ موقفها من مُجمَل المواقف السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة التي يعيشُها الشعبُ الفلسطيني في ظلّ الاحتلال، وتصوير وضع المرأة الفلسطينيّة، وكيف أنّها لا تزال أسيرة العادات والتّقاليد، وخاضعة للرّجل، لم تنل أي حق من حقوقها رغم بطولاتها وتضحياتها سنوات الانتفاضة، ورغم التحوّلات الكبيرة التي ألمت بالشعب الفلسطيني سنوات الاحتلال الطويلة. وكانت دمعةُ سحر الكبيرة التي فَجّرتْها في روايتها «صورة وأيقونة وعهد قديم» حزنا وألما على ما حدث للوطن تحت حراب الاحتلال الإسرائيلي، وأنّه لم يبق من القدس في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي غير الهياكل والكنائس، وما عداها انتهى، وفي طريقه للزّوال. واهتمّت سحر خليفة في «ربيع حار»، التي عرَضَت فيها لزمن الانتفاضة الثانية، بفضح الواقع غير المقبول، وكشف حقائق الناس الكبار المتسَربلين ثوب الطّهارة والنُّبل والوطنيّة والتّضحية والشّرف، فعَرّتهم على حقيقتهم وكشفتْ أسرارَهم. وأظنّ أنّ سحر خليفة، بَعْد فَوات العمر وتكرّر الخيبات والنّكسات والنّكبات، التي عايشتها وتابعت تفاصيلها، قد وعَت ووصلت مع نفسها، كما مع كل أبناء الشعب الفلسطيني إلى المُواجهة الحادّة الدّائمة مع الأسئلة الصعبة الموجعة: -إلى أين تمضي بنا الطريق! وإلامَ المَصير !؟ -ولماذا نحن الفلسطينيين وحدنا من بين شعوب الأرض كتُِبَ علينا الشقاء الأبَدي؟ والغربة الأبديّة؟ والعذابَ الأبديّ؟ -كيف جرى الذي جرى لنا؟ ولماذا؟ ما سببُ ما أصابنا؟ وماذا فعلنا لنخرجَ من قمقم نَكبتنا؟. وكان أن اتّخذت قرارَها الحاسم بالبحث عن الجذور وتَوجيه أصابع الاتّهام للمسؤولين المُباشرين عن النكبة وضَياعِ الوطن وتشريد الشعب. فتركت الحاضرَ بأحداثه المُكرّرة، وكلّ ما فيه من ألم وحزنِ ودموع وفقدان أمل وابتعاد حلم وتلاشي وطن. وانسحبت لتَستعيدَ كلّ الماضي بأحداثه، وكانت روايتها الطويلة بجزأيها: «أصل وفصل» و «حبّي الأوّل». وتؤكّد سحر في لقائها مع عناية جابر: أنّها في «أصل وفصل» اعتمدت البحث والتوثيق وذكرَ المصادر حتى تكون التجربة المرصودة ذات مِصداقيّة لا تسمح بالتكذيب أو مُزاودة المُزاودينِ. نحن ورثنا كميّة ضخمة من الأكاذيب لا بُدّ من دَحضها حتى نتعلّم من أخطائنا ومآسينا. اعتدنا تَعْليق خيباتنا على شمّاعة الاستعمار وعَلّاقة الإسرائيليين. واستمْرَأْنا أن يُقال عنّا وأن نقول نحن عن أنفسنا ما يفوقُ قُدُراتنا بمئات المرّات. وهذه للأسف خاصيّة يتمتّع بها الإنسان العربيّ بشكل عام ولا تخصّ الفلسطينيين فحسب. وقد عمدتُ في هذه الرواية أنْ أعيد قراءة التاريخ بشكل روائي يعتمد البحث والتوثيق. فمن ناحية، أردتُ أن أجعل تاريخنا في متناول يَد مَن ليس لديهم الصّبر ولا الإمكانيّة على التَّنقيب في كتب التاريخ وآثاره. ومن ناحية ثانية، أردتُ أن أقول: انظروا كيفَ يُعيدُ التاريخُ نفسَه ونُعيدُ نحن الأخطاء نفسَها، ونظلّ نحن كشعب، ندفع ثمن غَباء وجهل وتخلّف قياداتنا، وكذلك نظلّ نُصدّقُ مَقولاتهم وادّعاءاتهم التي سبق وسمعها آباؤنا وأجدادُنا من قبل على السنة قادتهم الذين لا يختلفون عن قادتنا. أردتُ أن أقولَ: انظروا كيفَ أنّ التخلّفَ الاجتماعي يؤدّي إلى التخلّف السّياسي. انظروا كيف يتخبّط أبطالُنا في عالمهم المليء بالثغرات والعثَرات. أردتُ قولَ كِلّ ذلك من خلال رواية تعتمدُ أسلوبا سهلا يستطيع الوصول إلى كلّ النَّاس. وكذلك تعمّدتُ التركيزَ على التشويق بحيث لا يتمكّن القارئ من قذف الرواية بعيدا وقد ملّ من أجوائها وشخوصها وحكاياتها. (السفير 27.3.2009) وأتمّت سحر رواية قصّة النكبة بروايتها «حبّي الأوّل» بإيصالنا مع الأحداث المُثيرة المؤلمة الجارحة القاتلة الكاشفة عَفَن القيادات العربية وتآمرها وخيانتها وعُهرها وصفاقتها إلى ضياع الوطن وتشريد الشعب عام ١٩٤٨. وما يُثيرني ويُغضبني ويطرح أمامي ألفَ سؤال: -لماذا يُبخِسُ البعضُ مِنَ النُّقّاد والكتَُّاب، الذين تناولوا روايتي «أصل وفصل" و "حُبّي الأوّل" أهميّتهما القيميّة، ويتعاملون معهما كروايتين عاديّتين، ولا يُجْهدون أنفسَهم ويتناولون التّفاصيلَ المُثيرة التي تعرّضت لها الكاتبة؟ ولماذا يقوم هؤلاء بمَسخ رواية «حبّي الأوّل» وكأنّها حكاية حُبّ مُبرح. ولماذا تجاهلوا كلّ التّفصيلات والحكايات وقصص الخيانة التي أودَت بضياع الوطن وتشريد الشعب!؟ ولماذا توقّف بعضُهم في حديثه كلّه حول عبد القادر الحسيني، ولا اعتراض لي على ذلك، ولكن ماذا مع حكايا وقصص خيانات الزعماء والقادة وكشف المستور عمّا جرى من أحداث أوصلتنا إلى النكبة وضياع الوطن وفيما بعد إلى النكسة وضَياع كلّ الوطن ووقوعه تحت الاحتلال وتلاشيه في غَمرة الزّحف الاستيطاني الشّرس؟ لماذا هذا التّجاهل لمضامين الروايتين؟ وكيف تُوصل الكاتبة رسالتَها إلى القرّاء إذا قبلت وشاركت بمَسخ روايتيها وتحجيمهما تحت تعريف «حكاية حبّ مبرح"؟ أسئلة تُثيرني وتُغضبني وتشدّني لأصرخ عاليا: كفاكم تشويه ومسخ وقتل كل برعم جميل نفرح به. تظلّ سحر خليفة، كما كانت في مسيرة إبداعها الطويلة صاحبة الرؤية الثاقبة الصحيحة، والرّؤيا البعيدة، والرّافضة لكل مخادعات الواقع ومُغريات الحياة مُعْلنة صرختَها العالية القويّة المتحدّية: لا.. نبيه القاسم
#نبيه_القاسم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حسن حميد ومُراودة الأحلام في مجموعته القصصية -براري النساء-
-
سهيل كيوان العازف على الجيتار
-
محمود شقير في خلطته الكتابية الشهيّة
-
شعرية المقاومة عند سميح القاسم
-
-امرأة الرسالة- تتأطّر في -برواز شوق- وتنتظر نهاية تحلم بها
...
-
واسيني الأعرج في -مستر ولا شي- وانتقاداته للسلبيّات التي تُع
...
-
الكاتبة نسب أديب حسين في -الفراديس الملغومة- وكشفها للمعوقات
...
-
رواية -عين الزيتون- للكاتب الفلسطيني محمد علي طه والجديد الذ
...
-
رواية -كيان- لكوليت سهيل خوري
-
بداية وتطوّر المَشهد المسرحي الفلسطيني لدى العرب في إسرائيل
-
محمود درويش في ذكراه السابعة عشرة
-
سامية قزموز سيّدة المسرح الفلسطيني
-
ليس هذا الذي انتظرناه
-
محمود درويش في حواره مع الذات
-
-منزل الذكريات- لمحمود شقير مقابل -الجميلات النائمات- لكاواب
...
-
لذكرى البروفيسورة الروسيّة أولغا فرولوفا المحبّة لشعبنا ولغت
...
-
لذكرى البروفيسورة المستشرقة الروسية أولغا فرولوفا
-
المُبدع الفلسطيني محمود شقير يحلم بعالم أجمل وناس أطهر من ور
...
-
دجل منجمين وغباء شيوخ وصمت المثقفين والمسؤولين
-
حول رواية -فرصة ثانية- لصباح بشير
المزيد.....
-
مهرجان الجونة يفتتح دورته التاسعة بحفل استثنائي يحتفي بسحر ا
...
-
تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
-
بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف
...
-
حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن
...
-
باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا
...
-
-أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف
...
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
-
بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق
...
-
فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
-
-الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|