|
|
الكاتبة نسب أديب حسين في -الفراديس الملغومة- وكشفها للمعوقات والمخاطر التي هدّدت وتُهدّد تلاحم وتطوّر مجتمعنا الفلسطيني
نبيه القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 08:49
المحور:
الادب والفن
"الفراديس الملغومة" رواية الكاتبة نسب أديب حسين الصادرة حديثا عن "دار طباق للنشر والتوزيع" رام الله 2026 الزمن: من 5.3.2017 حتى 7.12.2017 المكان: مدينة القدس العربية ومدن وقرى عربية في الضفة الغربية وداخل حدود 1948. الفراديس جمع فِرْدَوْس وهي الجنّة (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (المؤمنون 11). وأرض فلسطين هي جنّة الله على الأرض فيها عاش الأنبياء والرّسل، وفي القدس قبر المسيح ومَسْرى الرسول. لكن الكاتبة لم تجد الرّاحة والأمان في جنّة الله على الأرض وإنما الاضطراب والقلق والصّراع والظلم، وكأنّ ما قُدِّر لسكان هذه البلاد التي عُرِفَت: بــــــــ "بلد السّلام" أن لا يعيشوا بهدوء وسلام، وإنّما في خوف وترقّب للأسوأ الآتي. وببلد الأنبياء وموطن الرسالات السّماوية ومَبْعثها، فكانوا سببَ الخلافات والصّراعات والحروب الدّامية. وببلاد الخيرات والعسَل والحليب فكانت بلد النّزاعات وسَفك الدّماء. صحيح يعيشون في فراديس الرّب التي يحسدُنا عليها الآخرون، ولكنّها فَراديس ملغومة قد تنفجر في كل لحظة. "الفراديس الملغومة" ليست رواية بمفهومها الكلاسيكي، بشخصيّاتها الرئيسية والثانوية، وبقصّتها المركزية ومُلحقاتها من القصص الجانبية، ولا رواية بحلّتها الحديثة المُتغيّرة من كاتب لآخر، ولا بالتّفنّن في سَبْك العبارات واختيار المفردات ورسم المشاهد المتأرجحة ما بين الواقع والخيال والمعقول واللا معقول، وإنّما هي نصّ ما بين النَّفَس الروائي والمَلحمي، يتقاسم الأدوار فيه العديد من الشخصيات، كلّهم أناس عاديّون بتصرّفاتهم وعلاقاتهم وكلامهم ولغتهم ومشاكلهم وحياتهم اليومية. عدد الشخصيّات الفاعلة إحدى عشرة شخصية في السنة الأخيرة من دراستهم الجامعية، سبع طالبات وأربعة طلاب إضافة إلى كمال طالب جامعة وجورج الدليل السياحي من القدس وعمّار الصحفي من غزة. توزيع الشخصيات حسب أماكن سكناهم وانتمائهم الديني:
جوليا: من قرية إقرث المُهجّرة، تسكن في قرية الرامة - مسيحية كاثوليكية رَنْد: من قرية كفر ياسيف – درزية عائشة: من مدينة باقة الغربية – مسلمة ريماس: تسكن في مدينة حيفا – مسلمة محمد: يسكن في قرية بدوية غير معترف بها – مسلم ريم: لاجئة تسكن في مخيم الأمعري – مسلمة ياسين: يسكن في مدينة الخليل - مسلم حمزة: يسكن في مدينة طول كرم – مسلم قيس: صاحب مكتبة في القدس، يسكن في شقة مستأجرة في كفر عقب – مسلم سُلاف: تسكن في منطقة سلوان في القدس – مسلمة جورج: دليل سياحي من القدس – مسيحي روم أورثوذكس عمّار: صحفي من غزة - مسلم كمال: من بيت جن طالب جامعي – درزي ينقسمون إلى ستة من عرب الداخل وأربعة من الضفة الغربية وواحد من القدس وواحدة من سلوان (محاذاة القدس) وواحد من غزة. وكان المطلوب جمع عشرة طلاب من عرب 1948 يدرسون في الجامعة العبرية في القدس وعشرة طلاب من جامعة القدس العربية وأبو ديس في لقاءات مشتركة تعمل عليه طالبة دكتوراة في العلوم الاجتماعية في جامعة لندن تدعى سائدة، حضرت إلى الوطن لمدة شهرين في سبيل العمل المَيداني لإجراء مقابلات وجمع استبيانات عن تأثير الجدار الذي أقامته السلطات الإسرائيلية لفصل الضفة الغربية عن أراضي 1948 على نفسيّات الشباب، والاحتلال على هويّة الشباب الفلسطيني، كما أنّها ستفحص تأثيرات تَعارف الطلاب على بعضهم البعض، وإن كان سيُؤدّي إلى علاقات بينهم، وسيُؤثر على نظرة الواحد للآخر. التّوزيع كان على خمسة فصول واثنين وخمسين مشهدا، والمشهد الثالث والخمسون كان لدُرّة الأمكنة مدينة القدس. كلّ فصل بمشاهده يَحكي مرحلة مهمّة من حياة الشخصيات. في الفصل الأول كان التّعارف بين الجميع في مناسبات وصُدَف واجتماعات مختلفة، خاصّة في اللقاء الأوّل في رام الله الذي ضمّ الجميع، كلّ واحد أسهب في الحديث وتعريف الآخرين بنفسه، وحدثت تفاهمات واستلطافات، وحتى بداية بوادر علاقات حبّ بين البعض. في الفصل الثاني توطّدت العلاقات بين البعض: جوليا وجورج، عائشة وحمزة، محمد وسلاف، وزاد تعلّق ياسين بريم. ولكن بعض المشاكل بدأت تطفو وتُعكِّر العلاقة والجوّ العام عند البعض مثل مشكلة قيس وزوجته، وانفصال رند عن خطيبها. في الفصل الثالث قَويَت العلاقات بين المجموعة كلّها، ولكن ظهرت بعض المُنغّصات مثل طلاق قيس من زوجته، وكشف محمد عن إصابته بمرض كرون الخطير. في الفصل الرابع تتأزم الأجواء السياسية في القدس بسبب إعلان الرئيس الأمريكي رونالد ترامب قراره بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس منتصف شهر أيار 2017، ويزيد توتّر العلاقات بين أفراد المجموعة على أثر مقتل شرطيين من أبناء الطائفة الدرزية في باحة المسجد الأقصى على يد شابين من أم الفحم، ومشاركة بعض الشخصيات العربية في تشييعهما، وتُلقي بتأثيراتها على بعض من أفراد المجموعة، كما ويعود الحديث عن تجَنّد الدروز والبدو في الجيش الإسرائيلي، ويشعر محمد البدوي بالضيق والحَرَج في حواره مع أصدقاء له، وتتضايق رند كثيرا مع اقتراب سفرها للولايات المتحدة. وبالفعل تسافر وتترك البلاد. في الفصل الخامس تتطوّر الأحداث بشكل سلبي وخطير، محمد يخسر في المحكمة ويصدر القرار بمصادرة أرضهم، فيشعر بانتهاء حلمه ببيت وحياة جميلة تمنّاها، فيعتزل الناس والحياة ويختار حياته مع قطيع الماعز. حمزة يُقتل على يد مستوطن وهو عائد بسيارته إلى بيته في طول كرم فتحزن عائشة وتعتزل أهل بيتها ثم تقرر العودة إلى القدس لفترة التمرين. رند تقطع علاقتها بماهر، صديقها اللبناني في الولايات المتحدة لاختلافهما في المفاهيم والتّقاليد والسّلوكيات. وتُتابع دراستها في الجامعة لنيل اللقب الثاني، ولكنّها تظلّ على تواصل مع زميلاتها وزملائها من الجامعة في القدس.
تميّز "الفراديس الملغومة" ما ميّز الروايات الفلسطينية، سواء التي صدرت في الخارج أم في الضفة الغربية وغزة أو لدى عرب الداخل 1948 أنّها تناولت مشاكل وهموم وطموحات وانتكاسات وطَرْد وتشريد وظلم ومُعاناة واستغلال ومُلاحقات كانت من نصيب الفلسطيني أينما وُجِد. وفي "الفراديس الملغومة" تعمل الكاتبة نسب حسين على تقديم صورة بانورامية للمآسي والمَظالم والمشاكل التي تُواجه الإنسان الفلسطيني في حياته العامّة، ومواجهته للمُحتل الإسرائيلي ومُضايقاته، وكذلك المشاكل والصّراعات والخلافات التي تُفَتِّت المجتمع الفلسطيني على المُستويَين الخاصّ والعام بإثارة الخلافات السياسية والثقافيّة والاجتماعية والدينية والطبقية التي تُذكي الحساسيّات وتُؤدّي لتمزيق أواصر العلاقة بين أبناء الشعب الواحد. ولهذا اهتمت الكاتبة أنْ تكون شخصياتُها من الطبقة المتعلمة، طلاب جامعة في سنة دراستهم الأخيرة، جمعتهم مدينة القدس، مُوزّعين على مناطق مُتباعدة من البلاد، وينتمون لمعتقدات دينيّة ولمَفاهيم اجتماعية مختلفة. وهذا كلّه ضمن ظروف الاحتلال والمُواجهات اليومية. قد تبدو بعض الاختلافات بسيطة، ولكنها سرعان ما تكشف عن تراكمات عميقة ومُتجذّرة في النّفسيّات ممّا تجعلها قابلة للتّفجّر والتّدمير وتجاهل كلّ أواصر القُرْبى والتّقارب والحياة المشتركة والمصير الواحد. الاختلاف الطبقي كان من مُخلَّفات نكبة عام 1948، إضافة إلى طَرْد وتشريد مُعظم الشعب الفلسطيني، أنْ قامت السلطاتُ الإسرائيليّة بتهجير ونَقْل سكان العشرات من القرى العربية التي بقي سكانها ضمن حدود دولة إسرائيل إلى قرى أخرى ليعيشوا لاجئين في وطنهم، ممّا كان يُثيرُ الكثيرَ من الحَساسيّات، وأحيانا الصّدامات بين سكان هذه القرى والمُهجَّرين إليها. ويتحمّل أبناء القرى المُهَّجَرة قسوةَ تعامل أبناء القرى الأصلانيين وتَعاليهم عليهم والنظر إليهم كلاجئين يفتقدون لكلّ الحقوق، فجوليا تقول: -أنا من قرية "إقرث" الواقعة على الحدود الفلسطينية اللبنانية، وقد هُجِّر أجدادي منها إلى قرية "الرامة" وتمّ تفجير بيوت القرية عام 1952 وبقيت الكنيسة والمقبرة فقط، ويُسمَحُ لنا بالعودة أمواتا لنُدْفَن هناك. ورغم أنّني ووالداي وُلدنا في الرامة لكننا نشعر أحيانا بتعامل يُشعرنا أننا لسنا من سكان القرية الأصليين، ولا أُنكر أننا نسعى في كل حين للتأكيد أننا من "إقرث" لئلّا ننسى حقَّنا" (ص54) -وهذا التّباعد من سكان القرى الأصلانيين كان يؤدّي إلى رفض إقامة العلاقات الاجتماعية أو التزاوج مع أبناء القرى المهجّرة، ولا يختلف عن تعامل أبناء العائلات بترفّع وتَعالٍ مع أبناء العائلات الفقيرة من الفلاحين والناس العاديين. فأم ياسين رفضت زواج ابنتها من شاب من عرب النّعيم تعرّفت عليه في الجامعة، والسبب أنّه فلاح ليس من مستواهم الاجتماعي. وعندما سألها ياسين مُظهرا موافقته على هذا الزواج جحظت عينا أمه وهي تقول له بحدّة: -"هل توافق أن تزوِّج شقيقتك لفلاح؟" وتابعت بغضب: -فلاحوش دين مالْهُمْش، وبيتك تْدَخِّلْوهمْش، وبنتَك تَعطيهُمش. أتُريد أنْ تَسْخر عمّاتُك وخالتُك منّا كلّ العمر؟ أخبرتُك كي تأتي وتُقْنعها للعُدول عن رأيها، قبل أنْ يصل الخبر والدك ويكون ردّه قاسيا عليها. هذه الزّيجة لن تتمّ". (ص41/42) وسمع ياسين صوت والده، واستعدّ لمُواجهة معركة جديدة، معركة عدم تقبّلنا لبعضنا، وأفكارنا المُسبقة عن بعض. وتساءل: -تُرى لو ابتسم لي القدر ووقعنا أنا وريم في الهوى هل سيتحتّم عليَّ مواجهة ذات المعركة؟ هل من الأفضل أن أسألهم الآن إنْ كان مسموحا أنْ أرتبط بفتاة من مخيّم إذا حدث ووقعنا في الحبّ؟ كي أعرف كيف أوجّه مشاعري؟ وتابع بألم: ياه هذا سبب آخر للرّحيل من هذه البلد، إذا كان البيض الذين استعبَدوا الأفارقة، صاروا يتزوّجون دون مشاكل، ألم يحن الوقت أنْ نتعامل نحن مع بعضنا بتسامح؟ (ص45) ولم يقتصر تَعال ونُفور ورفْض البعض من أبناء العائلات من عرب 1948 تجاه أبناء القرى الأخرى الذين لجأوا أو رُحِّلوا إلى هذه القرية أو تلك عام النكبة، بل تعدّاه إلى سكان الضفة الغربية، وقطاع غزّة، والجولان السوري. فعائشة ابنة "باقة الغربية" رفض والدُها زواجها من حمزة المُقيم في "طول كرم" بحجّة أنّ التّواصل ما بين باقة الغربية وطول كرم سيكون صعبا وقد ينقطع كليا، وحمزة نفسه كان متردّدا في علاقته بعائشة ويسأل نفسه: -هل سيقبل والداها أن ترتبط بضفّاوي تتحكّم الحواجز بكل تحرّك لهما. وهل سنستطيع أن نعيش معا براحة وهدوء بال؟ (ص151) وحتى صديقه ياسين ابن مدينة "الخليل" سأله مُستغربا عندما أخبره بحبه لعائشة: -عائشة الصبيّة المُتدينة بجلباب؟ لكنّها من عرب إسرائيل؟ وهذه العبارة التي ستقولها لك أمّك حين تصدمها ذات يوم بأنّك ترغب في الزواج بفتاة من الداخل(ص151/152) كذلك سلاف ابنة " سلوان - القدس" سألت عائشة: - ماذا عن أهلك؟ هل سيوافقون أن ترتبطي بشاب من الضفّة؟ أما أنا فوالدي كان سيتخوّف ويُفكر أكثر في الموضوع لو أخبرته أني سأتزوّج من الضفة. (ص255) وعائشة تسأل نفسها بعد مرور ستة أيام على قَتْل المُستوطن لحبيبها حمزة ورفض والدها زواجها منه: -أعود للتفكير بأبي وكلّ ما حصل، هل يُعقل أن يصير مُتفهِّما بعد أن مات حمزة؟ أن يعتذر، ويمنع دموعه، ويطلب أنْ أسامحه؟ هل أستطيع أنْ أسامحه؟ لا! لستُ قادرة الآن، أنا أَغْلي غضبا وحزنا، ولولا المُهدّئات التي أتناولها منذ ذلك اليوم، ربّما لجُننتُ. حتى الله، الذي أصلّي لأجله الآن، لا أفهمه، لماذا فعل هذا أبي؟ لماذا لم يكشف المَخفي لأبي، ليوافق على زواجي بحمزة قبل أن يموت، بل لماذا مات حمزة؟ (358-359). ومثل عائشة كثيرات من الفتيات في كثير من القرى العربية في الجليل والمثلث اللاتي أحبَبن شبابا من القرى التي هُجِّر سُكانها وسَكنوا في قراهن، رفض أهلهن زواجَهن من هؤلاء الشباب بحجّة أنه غريب، وقد يعود إلى بلدته. ويكون السبب الحقيقي أنهم ينظرون إليه من عَلٍ، وكأنه وأهله لاجئون فقراء مساكين ليسوا في المستوى الاجتماعي المطلوب.
الاختلاف الديني وقد سبّب الاختلاف الديني الكثير من الحروب على مرّ التاريخ، وأهمّها الحروب الصليبيّة التي دفعت لها الحاجيّات الاقتصادية والطّمع بثروات وأسواق الشعوب، ولكنها تخفّت مُتزيّنة بشعار "إنقاذ قبر المسيح من الكُفّار". ومحاكم التفتيش في أوروبا، والحرب بين البروتستانت والكاثوليك في إنكلترا. والنّزاعات الطائفية والدينية، وما كانت ولا تزال تجلبه من مجازر ومآس وتدمير وتهجير وسَلب، وما شهدناه في سنوات الربيع العربي وما فعلته المنظماتُ الدينية المُتشدّدة مثل "القاعدة وداعش والنّصرة" ولا تزال في بلادنا العربية خاصّة سوريا والعراق والسودان. نجد هذا الموقف المُتشدّد من جوليا المسيحيّة الكاثوليكية المُهجََّرَة من قريتها "إقرث" إلى قرية "الرامة" حيث تُقيم الآن، التي اشترطت على خطيبها جورج المسيحي الروم أرثوذكسي ابن مدينة القدس أنّ مَراسيم الزواج يجب أن تكون في كنيسة إقرث. وكادت جوليا تقطع علاقتها بجورج يوم حاول اقناعها بإجراء مراسيم الزواج في القدس في زواج أورثوذكسي نزولا عند رغبة أمّه. "فبينما كانا يسيران في جولة ممتعة في القدس مقابل قبّة الصّخرة سألها متظاهرا بالبراءة: - هل ستقبلين أن يكون عرسُنا هنا والكنائس هنا جميلة؟ حاولتْ أنْ تفهم قصدَه وسألتُه: -هل تقصد بأنّك تريد أنْ نُقيم الإكليل هنا وليس في إقرث؟ وأبعدَت ذراعَه وجسَدَه عنها، ووقفت وقالت بصوت مخنوق، إنّها تريد العودة للبيت. حاول التّراجع بدهاء. وتابعت قولها: -جملتك هذه تدلّ أنّك بعيدٌ عنّي.. أبعد ممّا كنتُ أتصوّر بكثير! وبدأت بالسير مُبتعدة. حاول تهدئتها طالبا منها المُناقشة في الموضوع، فقالت: -الموضوع ليس للنقاش. أخبرتك منذ بداية علاقتنا أنّ هذا الأمر شرط أساسي بالنسبة لي. ولن أكون مستعدّة لأيّ تنازل في هذا الشأن. وإنْ كان غير مقبول عليك فلنفترق من البداية. وأنت وافقتَ وقلتَ ليس لديك مشكلة. هل تتذكّر ما قلتَ عن الدين والأديان وقتها؟ ما الذي حصل الآن ليعود لك الانتماء الأورثوذكسي فجأة؟ فأجابها: -ليس عندي، وإنّما عند والدتي. وقالت له عندما وصلا لمكان سَكَنها: -التسوية لن تجدها عندي.. ابحثها مع أمّك، وإنْ تعسّر الأمر أخبرني، كي أسوّيه نهائيّا. وهذا ذكّرني بما كُنّا نسمعه من أهالينا في قرية "الرامة" وغيرها ما كان يُردِّدُه بعضُ المُتَعصّبين من الكاثوليك: "زَوِّجْ بِنْتَك للدّرزي ولا تْزَوِّجْها للرّومي" وعائشة تعترف بصعوبة تقبّلها السّكن مع شريكات من أديان أخرى في مساكن الطلبة في القدس في الأشهر الأولى لدراستها في الجامعة والسبب أنّها عاشت في بيئة دينيّة محافظة في بلدتها باقة الغربية ولم تختلط مع أديان أو توجّهات أخرى. (ص59)
الخلاف على الانتماء والهويّة، والتَّخوين ورَفْض الآخر وهذه القضيّة تُعتَبر من القضايا المهمّة التي شغلت جماهيرَنا العربية هنا في الدّاخل وحتى العربية عامّة. وأعني الخلاف على هوية أبناء الطائفة الدرزية وانتمائهم القومي وتجنّدهم في الجيش الإسرائيلي بفرض قانون التجنيد الإجباري عليهم من قبل الحكومة الإسرائيلية عام 1956. وتكفيرهم بتهمة الارتداد عن الإسلام، وكانت فتوى محمد بن تيمية (1263-1328) هي الأقسى والمُؤثّرة والمُنتشرة بين عموم المسلمين السُّنّة. هذا النّفور والرّفض والتّخوين والتَّكفير لاحق الدروز ولا يزال، وساعد على الجَفاء وحتى ضعف التّواصل والتّعاون، واستغلّته الحكومات الإسرائيلية وشجَّعته بسياسة "فرّق تسد" التي انتهجتها في تعاملها مع الجماهير العربية، كما ساعد عليه أيضا تجاهلُ القيادات العربية والطبقاتُ الثقافية والمتعلمة في الدّاخل، والحكوماتُ العربية، والأحداثُ المؤسفة التي حدثت في العالم العربي وظهورُ الفئات المتطرّفة مثل "القاعدة وداعش والنُّصرة". رَنْد الفتاة الدرزية ابنة قرية "كفر ياسيف" عانت من صغرها من طلاق والديها واحتضان جدّها لأمها لهم. فنشأت كباقي فتيات العائلة تلتزم بالعادات والتقاليد والمفاهيم الدينية وخُطبَت لماجد، جندي في حرَس الحدود يعمل في القدس. التحاق رند بالجامعة العبرية في القدس، وزمالتها وتعرّفها وسَكَنها مع طالبات وطلاب عرب، والتعرّف على سكان القدس العرب والارتباط بصَداقات، جعلها تنكشف على أفكار ومَفاهيم وعادات غير التي تَعوّدتها في أسرتها وبلدتها. ومع المدّة بدأت تشعر بانتمائها الثقافي والقومي لهؤلاء الناس حتى أصبح انتماؤها الفلسطيني والعربي هو الغالب عليها مع تمسّكها بمُعتقدها الديني كدرزية مُؤمنة ومُلتزمة. وهذا الوعي والانتماء بدأ يُبعدها عن خطيبها ويؤكِّدُ لها استحالةَ الحياة معه لكونه جنديّا يحمل أفكارا لا تقبلُها ولا يمكنها التّعايشُ مع ما يُؤمن ويعمل به. واجهت رند في بداية دراستها الجامعية وسَكنها في مَساكن الطلبة بعضَ النّفور من بعض الزميلات والمَعارف العرب، وفي سفرها مع الزميلات للقاء المُخَطّط له مع طلاب من الضفة في رام الله كانت قلقة وتسأل نفسَها " لا أعلم كيف ستتَقَبَّلني الشابات والشبّان من الضّفة؟ قد يكون بعضُهم يلتقي للمرّة الأولى بشخص درزي، قد يحملون الكثير من الأفكار المُسْبَقة السّلبية عنّا.. هل سأجدني في قاعة محاكمة ينهالون عليَّ بالاتّهامات والأسئلة؟ (ص46). وترى أمامها على الجدار الفاصل المُحاذي لحاجز قلنديا لوحة عليها رسم الرئيس ياسر عرفات ومروان البرغوثي، وقد أعجبتها هذه اللوحة منذ زيارتها الأولى لرام الله، وأصبح حاجز قلنديا يرتبط بها. وخاطبت نفسها "أجدني أنظر إليهما وفي داخلي بعضُ الاعتذار، فقط منذ ثلاثة أعوام بدأت أفهم أنَّ هذين الشخصين ليسا عَدُوَّين، وأرى الوجهَ الآخر لهما وللفلسطينيين، شعور غريب بالضّيق يُداخلني كلّما فكّرتُ في هذا" (ص46-47) وتذكّرت مقولة ريماس لها: -عندما تكفّين عن الشعور أنك غريبة وغير منتمية لمجموعة ما، فلن تبقي كذلك! وحاولتْ أن تتناسى الحواجز النّفسيّة التي بينها وبينهم، وأن تنظر للقاء على أنّه لقاء عادي. تدريجيّا قلّ توتّرها كلّما ازداد عدد الحضور، وشعرتْ بأجواء إيجابيّة ومُريحة بين الجميع، بدت على وجوههم الطيّبة. (ص48) وبعد الجلوس بشكل دائري استعدادا لبداية اللقاء خفق قلب رند بشدّة وتخيّلت النظرات التي ستنصبّ عليها إن عرفوا أنّها درزيّة؟ (ص49) لكن وجود طالب جامعة درزي من قرية بيت جن اسمه كمال خفّف عنها الثّقل وأثار الكثير من الرّاحة والطمأنينة في داخلها. وقد عرّف كمال بنفسه، وأنه رفض الخدمة الاجبارية في الجيش الإسرائيلي، ولوحق وسُجن، وتحدّث عن "لجنة المبادرة الدرزية" المُعارضة لتَجَنُّد الشباب الدروز في الجيش ونشاط والده فيها. وعندما طُلب من رند أن تُعرِّف على نفسها فاجأت الجميع بجرأتها في حديثها عن أسرتها وعيشها في بيت جدّها لأمّها بعد طلاق والديها، وكيف كانت الأسرة تشعر بانتماء أكبر لإسرائيل واثنين من أخوالها يعملان في الشرطة الإسرائيلية، وأن ابن عمّ أمها قُتل في حرب لبنان عام 1982 وخطيبها جندي في حرس الحدود. (ص53) وكانت صدمة حمزة عندما بدأ ياسين ابن مدينة الخليل باستعراض قصّة رند ليس لكونها درزية، بل أنّ خطيبها السّابق كان جنديا وقد يكون قد قتل أحد أبناء شعبه، وأنَّ المتحدّث عنها هو ياسين الذي تعرّض إلى مواجهة مع جندي درزي صفَعَه صَفْعة قويّة أسقطته أرضا وجعلته ينقُم على الدروز. وعندما انتهى ياسين من الكلام عن رند كانت الصدمة ظاهرة على الجميع من التّحوّل الذي حصل في هويّة رند بعد تعرّفها على الصبايا في السّكن. ومن سؤال طالب اسمه يزيد: - اعذروني، لكني لا أفهم لماذا لدى الدروز هذا الانتماء لإسرائيل؟ وكان جواب الطالب كمال من بيت جن الواضح" لماذا تُعمّمُ؟ ها أنا نموذج للرّفض أمامك هنا. التجنيد فُرض علينا عام 1956، بقبول من 16 شخصيّة مُتعاونة، فيما وُقِّعَت عريضة من قبل 1500 من الطائفة يرفضونه، ولم ينجحوا لأنها كانت سياسات مُعدّة من أجل تفريقنا، رافقتها سياسات كثيرة متتالية. كانت سياسات مُعَدّة من أجل تفريقنا. كان عدد الدروز عام 1956 حوالي 16 ألف نسمة وبالكاد كان من أبنائها في الخمسينات عشرة طلاب جامعيين، وأبناء الطوائف العربية الأخرى والحزب الشيوعي لم يمدّوا يدا مساندة ضدّ أسرلتها. وهنا تدخل حمزة مُوجِّها كلامَه لرند: -كل الاحترام يا أختي، وأهلا وسهلا بك بيننا. أنا سعيد جدا أنك حظيت بالفرصة لتُدركي هويّتك، وسعَيْتِ إليها رغم الثمن الذي أظنّه لم يكن سهلا عليك. (ص61) كان من نتيجة التّحوّل في هويّة رند وشعورها القويّ بانتمائها الفلسطيني والعربي أن قرّرت الانفصال عن خطيبها جندي حرس الحدود، والاختلاف مع ابن خالها الذي تنازل عن حلمه بالدراسة الجامعية واختار البقاء في الجيش لما يضمن له من دَخْل ماديّ عال وتقاعد مُبكّر وكثير من المُغريات. وعندما اتهمته بأنه بكونه جنديّا سيظلم أبناء شعبه ويجلب العار والسُّمعة السيئة للطائفة، دافع عن نفسه بقوله: -أنا لا أظلم أحدا، ولم أطلق رصاصة واحدة على أحد، بل على العكس أساعد عندما أستطيع هذا. وازدادت حدّة العداء للدروز على أثر مقتل شرطيين درزيين عند أحد مداخل المسجد الأقصى على يد ثلاثة شباب من أم الفحم هم قُتِلوا أيضا. حتى أنّ رند بدأت تلاحظ تغيّرا في تصرّف بعض الزميلات بقولهن: هي جماعتك عملوا هيك. (ص260) فهن يشملن الجميع، وبدأت رند تخاف الدخول إلى القدس لاكتشاف أحد أنّها درزية فيُعْتَدى عليها. وتتذكر يوم كانت في رحلة مع مجموعتها من الزميلات والزملاء في مدينة نابلس وفقدت الاتصال بهم ولم تهتد إليهم وفكّرت بأن تذهب إلى بقالة قريبة لطلب المساعدة، ثم توقّفت وتساءلت: -لكن ماذا لو.. عرفوا من لهجتي أنّي درزية؟ كيف سيتعاملون معي؟ هل سيُحمّلونني وِزْرَ ما فعله الجنود الدروز؟ وكبر خوفها وقرأت الفاتحة لتهدأ، وأخذت تنادي نفسها: -رند مِنْ أنتِ؟ هل أنتِ إسرائيلية أم فلسطينيّة؟ هيّا قولي لي مِنْ أنتِ؟ وتُفكّر بتردّد: هل أنا فلسطينيّة؟ هل حقًّا أشعر بهذا؟ ألستُ هنا بين أبناء شعبي؟ ألستُ أشعر بالرّاحة والسّعادة كلّما تعرّفتُ على مزيد من الأصدقاء من الضفّة الغربية؟ إذا ما الذي يُقلقني؟ (ص226) وتلتقي رند بمحمد بعد ابتعاده عن صلاح في طريقه إلى الصيدلية لشراء الدواء، تبادلا الحديث حول الأوضاع وما دار بينه وبين صلاح من جدال، ثم قالت رند لمحمد عمّا بدأت تشعر به من تصرّف بعض الزميلات على أثر أحداث الأقصى ومَقْتل الشرطيين: -الإسرائيليون وضعوا علم الدروز على بلدية نتانيا وغيرها من البلديات، ولا يدّخرون طريقة ليُظهروا كم يُحبّون الدروز ولا تسأل عن الفتنة عندنا. وما يتداولون على وسائل التّواصل. وفي زيارتي الأخيرة للبيت رأيت ولمستُ شعورَ الدروز أنّهم مظلومون، ويعتقدون أنّ شباب أم الفحم جاءوا ليقتلوا شرطيين درزيين يقفان لحماية الأقصى. تصوّر يا محمد أنّهم يفكرون هكذا. ويعتبرون أنّ الشرطيين يقومان بعملهما بسلام ويحرسان المكان. وقالت لمحمد إنّ الصبايا يفكّرون بالتّوجّه اليوم إلى البلدة القديمة للرباط هناك، وحضور صلاة المغرب، وأنّها تخشى إنْ رافقتهن وسمع أحد هناك من أهل القدس أنها درزية أن تتعرّض لاعتداء. فطمأنها محمد: ما هذا الكلام يا رند؟ سأذهب معكن لا تقلقي وسأخبر قيس ليكون بانتظارنا. (ص261). وتذكر رند ساعة كانت تجلس مع زميلاتها قُرب باب الأسباط في موقع الرّباط فترة هبة البوّابات في القدس، ومرّ شرطيّان فسمعت صديقة زميلتها سلاف تهمس: درزي! فنبّهتها سلاف: بالمناسبة رند درزية، وها هي معنا.. فسارعت صديقتها لتعتذر: أنا آسفة لا أقصد. وقالت لها رند: هذان الشرطيان ليسا درزيين. فأجابتها: لكنّ أحدهما أشقر ويبدو درزيّا! فابتسمت رند ساخرة وقالت: -ومَن قال إنّ كل الدروز شُقر؟ المعظم ليسوا كذلك. وليس كل مَنْ تحدّث العربية من الشرطة والجنود درزيّا. هناك من جميع الطوائف وهناك مستعربين من اليهود. فردّت صديقة سلاف: -أنا آسفة، لكثرة ما تعرّضنا من مواقف في القدس، صرنا نقول تلقائيّا عن كل جندي عربي إنه درزي، وخاصّة الآن مع توتّر الوضع. (ص271) ويروي قيس قصة علاقته بالضابط الدرزي الذي كان يُنبههم ليكونوا على حذر قبل وقوع أي حدث، فكان يقترب منه ويقول له: ابعد بدنا نضرب. (ص268).
ولم يسلم البدو من تُهمة الخيانة وكما الدروز لم يسلم البدو من تهمة الخيانة بسبب خدمتهم في الجيش تطوّعا. فعندما اشتدّ العداء للدروز على أثر مقتل الشرطيين الدرزيين على يد ثلاثة شباب من أم الفحم قُتلوا هم أيضا قال صلاح بحدّة: -الدروز خَوَن. فأجابه محمد: -لا تُعمّم ليس موقف الدروز واحدا، هناك دروز وطنيون وشخصيات معروفة، وشبّان يرفضون الخدمة في الجيش ويعانون الأمرّين من كل ما يحصل. فكان جواب صلاح قاسيا: أعذرني يا محمد، لكن لا أستغرب أن تتحدّث عن الدروز وتُدافع عنهم لأنك بدويّ، فالكثير من البدو في الجيش، كلاكما في نفس الوضع. تصوّر يوم أمس عندما أذّن المؤذن للصلاة، وإذا بنا نرى جنديّا يصلي على مسافة غير بعيدة منّا، وكان بدويّا من النقب. وتذكّر محمد عندما كان في جولة مع المجموعة داخل أسوار القدس كيف رأى قريبا من باب الأسباط جنديّا يُصلي، وكيف أشار نحوه وقال لقيس وجورج ومصعب: أنظروا ماذا أرى؟ هل فاتته صلاة العصر؟ فيُصلّيها الآن ونحن نُشارف على المغرب؟ فقال قيس مُعقِّبا: هذا الجندي الإسرائيلي من بدو الجنوب من بئر السبع، وأحيانا تكون له الفرصة بأن يصلّي في ذات وقت الصلاة إنْ لم يكن مشغولا بمراقبتنا. ألم أقل لك إنّ البلد مفصومة؟ (ص269). واستاء محمد من كلام صلاح الذي استمرّ قائلا: مُعظم توجّه البدو متعاون مع الدولة ويتبرّعون للخدمة بالجيش، بينما الدروز الخدمة إجباريّة، والمصيبة مع البدو أنّهم مسلمون سنيّون، أي أنّ الشّعور أسوأ تجاه هذا التّصادم. أثاره صلاح بكلامه لكنّه تماسك وقال له: -هل تعلم حضرتك كيف تقوم الدولة اليوم بالضحك على شباب البدو واستمالتهم؟ وكيف عملت على غسل عقولهم هم والدروز في المدارس واستغلال كل فرصة ممكنة؟ أين باقي المسلمين من كلّ هذا؟ لماذا لم يقوموا بعمل مناهض للتوعية ومُساندة الوطنيين من الأقليّات في نضالهم؟ أتعلم لماذا؟ لأنّ معظمنا يعيش لترقّب أخطاء الآخر، وحين يقع الخطأ تصدح الأصوات بالتذنيب والتّخوين؟ ها هي ظاهرة الخدمة الوطنيّة تستقطب الفتيات العربيات على اختلاف الديانات، وتنتشر دون أصوات رادعة، سنرى في المستقبل ماذا سيقول أمثالك عندما تتحوّل إلى ظاهرة؟ ولماذا اختار شباب مدينة أم الفحم القيام بالعملية أمام باب المسجد، وإقحام المسجد في مسألة خطيرة كهذه؟ أنت وأمثالك جالسون لبيع كلام عاطفي دون التفكير العقلاني والتّصرّف حسبه، هل تعلم أنّ كلّ هذا الحديث فقط يؤدّي لزرع الفتنة بيننا. (ص258-259). والتقى محمد عند زيارته لقريته بسالم ابن عمّته الجندي في الجيش الذي فاتحه بالكلام: عَمْ بَفَكّر أمضي "كيباع" مع الجيش. وهناك وعد بالحصول على قسائم بناء للجنود. فعلّق محمد: مهما فعلتَ ستبقى في نظرهم عربيا، أدنى منهم. فأجابه سالم: يعني هم العرب بحترمونا كثير؟ بدك تقولي ما بتحسّ إنهم بنظرولنا إحْنا البدو أقلّ قيمة منهم. أصلا لمّا واحد فيهم بحاول يقلّل بقيمة الثاني بقول له "يا بدوي". فقال محمد: أنت فخور إنّك بدوي، ما بهمّك حَدا مِن هالنَّوْعيّات المريضة اللي بتحكي هيك، بعدين عم بتحكي هُمّي، ما كلنا عرب، يعني إحنا أجانب؟ فأجابه سالم: بس إحنا قوميّتنا بدو، والتّعامل معنا غير عنهم، وين عايش أنت؟ فقال محمد بتحدّ: ومين حَدّد القوميّة وكتبها بهوياتنا؟ يعني حضرتك بدوي وبطّلت عربي، والدرزي درزي وبطّل عربي؟ والإسلام والمسيحيّة هُمّي العرب، هاي غير إنّه في دعاية كمان إنّه المسيحيين آراميين ومش عرب، آه! معناه بس المسلمين السّنّة بالبلد هم العرب، طيّب شو دينّا إحنا، مش مسلمين سُنّة يعني؟ (ص209-211).
مفهوم الوطن والصّراع على البيت والأرض منذ تفجّر الصّراع على الوطن بين اليهود والعرب اجتهد زعماء الحركة الصهيونية في تأكيد حقّ اليهود بفلسطين اعتمادا على وعد الله لهم في العهد القديم "التوراة". ورغم تحقيق اليهود لحلمهم بإقامة الدولة واعتراف دول العالم بها وتهجير معظم الفلسطينيين خارج الوطن، وقسم كبير من الباقين هُجّروا إلى قرى أخرى، ودُمّرت قراهم وصودرت أرضهم. وأنّ الكثير من القرى العربية، وخاصة البدوية لم يُعترَف بها فحُرمت من كل الحقوق التي تُؤَمّن للإنسان الظروف المَعيشية اللازمة. الّا أنّ الصّراع يزداد حدّة بتمسك الفلسطيني بحقّه في وطنه وبيته ممّا يجعل المُواجهة لا تهدأ ووصلت أوجَها في مُواجهات يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976. قوانين عديدة صدرت وطُبِّقَت منذ قيام الدولة مثل قانون "الحاضر الغائب" وقانون "تركيز الأراضي" تَحرم العربي من أرضه أو تُقاسمه عليها بمختلف الحجج. فمحمد البدوي الذي يسكن قرية غير مُعتَرف بها يُعاني من ظروف المعيشة البائسة، حيث لا تحظى بلدته بأي مساعدات حكومية، ويُمنع السكان من القيام بأيّ تصليحات ونشاطات لتوفير حياة أفضل للسكان، حتى أنّ الكثير من الشباب يفكّرون بترك البلدة والهجرة. ومحمد ينتظر قرار المحكمة بخصوص قطعة الأرض التي يملكها ويُسمّيها "الجنة" وتدّعي الدولة بأحقيّتها بها، ويربط كل مستقبله وحياته بقرار المحكمة حتى إذا صدر القرار بملكية الدولة للأرض انهار محمد: -"أشعر بأني أختنق.. بل مُقَيَّد.. بل أشعر أني سأنفجر. جنّتي لم تعُد لي. أنظر إلى كلّ شيء حولي ولا أصدّق.. أنّ الأرض لم تعُد لي. سأجن.. سأنفجر.. منذ يومين لم أنطق بأيّ كلمة.. لا أنجح حتى في البكاء. "(ص327) فقدتُ كلّ شيء مع فقد الأرض، ماضي ومستقبلي، رحل ما تبقّى من أحلامي. وماذا تبقى منّي بهذا الجسد المريض؟ ما فائدة الحياة؟ لماذا عليَّ أن أستمر وأعيش؟ أستجمع أنفاسي وأصرخ بكل قوتي: لماذا نسيتني يا الله؟" (ص329) واعتزلَ الحياة والناس وقطعَ علاقتَه بسلاف: -"منذ فقدتُ الأرض وانفصلتُ عن سلاف، لا أحمل جوّالا، وبلا تواصل مع العالم الخارجي. إلّا في ساعات المساء أعتني بالماشية، أعزف لها، وأحيانا تمرّ أكثر من ساعتين وأنا مُستلق على الأرض أتأمّل السماء"" (ص376). وكما محمد أيضا سُلاف ابنة "سلوان" في القدس فقدت نصف بيتها واحتلّ المستوطنون نصفَ غرف البيت وحتى غرفتها التي كانت تنام فيها بحجّة أن الدار يجب أن تُقسَم بين والد سلاف وأخيه، ولأن الأخ يعيش بعيدا عن الوطن فقانون "الحاضر الغائب، أملاك الغائبين" يُعطي ملكية نصيبه من البيت ومن كل ما تركه الأب بعد موته للدولة، وكل ذلك باسم القانون. وهكذا فقدت أسرة سلاف نصف بيتها وشاركتهم أسرة يهودية استوطنت نصف البيت". (ص62-63) و (ص102) وتقول سلاف: -عندنا هنا في القدس قصص المصادرة والهدم والاستيلاء يومية، فحي البستان في بلدي سلوان كلّها مُعرَّضة للمصادرة، ويعيش فيه نحو ألفي شخص ستُهدَم بيوتهم ويفقدون ذكرياتهم ويتشرّدون، وما سبب المصادرة؟ إقامة حديقة توراتيّة حيث كان الملك سليمان يتمشى وزوجته". (ص346). وكثيرا ما كانت تجري عمليات غش من قبل سماسرة اشتروا أرضا للمستوطنين وطردوا أصحابها العرب منها (ص102). كما وصدرت عدّة أوامر هدم لبيوت غير مرخّصة في الداخل، أي ليس فقط في القدس. (ص263)
إشكاليّة مفهوم الوطن أذكر ادّعاء أحد الكتّاب اليهود (لا أذكر اسمه) قبل سنوات بعيدة أنّ الشاعرة فدوى طوقان ترى في مدينة نابلس وطنها وليس في فلسطين كلّها، وحجّته أنها تتحدّث عن مدينتها نابلس فقط. بينما اليهودي يشعر ويعتبر كلّ البلاد وطنه، وأينما أقام فهو في وطنه، فإذا سكن سنوات في تل أبيب وانتقل إلى كريات شمونة مثلا، قد لا تُعجبه المعيشة فيها، ولكنّه يظلّ يشعر أنه في وطنه سواء كان في الجليل أو النقب أو المركز. بعكس العربي الذي ينحصر الوطن عنده في بلدته وحيّه. أستعيد هذه المقولة بعد قراءتي لكلمات جوليا المُصرّة على عَقْد حفل إكليلها على جورج في بلدتها التي هجِّرت منها "إقرث" وليس في قرية "الرامة" حيث تُقيم وأسرتها فهي تقول مخاطبة زميلتها ريماس: -مسألة موقع الإكليل ليست موضوعا للنقاش عندي، هي أملي الوحيد بالشعور بالانتماء والوطن. هذا الكلام يُفْهَم منه أنّ جوليا تعتبر قريتها إقرث هي الوطن وهي الانتماء، أمّا وجودها في الرامة أو أيّ بلدة أخرى فيُشْعرها بالغربة وعدم الانتماء وفقدان الراحة ورفض القبول واستحالته.. وكان سؤال ريماس لها تحدّيا: -جوليا ما هو الوطن في رأيك يا صديقتي؟ شعرت جوليا بارتباك، وفكّرت بمعنى الوطن. ما هو الوطن؟ هل هو المكان الذي ولدنا فيه؟ أم مكان تربطنا به ذاكرة وثقافة؟ هل هو كلاهما أم غير ذلك؟ وأجابت بنفسها: أرى أنّ الوطن هو حيثما لديّ أصدقاء وأماكن تربطني بهم، وذكريات أصنعها بوجودي معهم. بسبب هذه العلاقة، ترونني سعيدة سواء في حيفا أو القدس أو رام الله، لأنني لا أتوقّف مثلك لأحصر أفعالا معيّنة لأماكن معيّنة، ولا أقف على الأطلال. ألا تعتقدين أنّك أنت مَنْ صنعت الغربة بينك وبين الرامة؟ لم تُحاولي أن تندمجي لتشعري أنّها قريتك، والآن لك فرصة مع القدس أيضا، ما المشكلة أن تنتمي لإقرث والرامة والقدس؟ ألن يكون الأمر جميلا؟
مضايقات الجنود والمستوطنين منذ هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967 واحتلال الجيش الإسرائيلي لكامل الوطن الفلسطيني إضافة إلى سيناء المصرية والجولان السوري يُعاني السكان، وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة من ظلم وتعسّف جنود الاحتلال ومُضايقات وتحرّشات المجموعات الاستيطانية التي عملت ولا تزال على طرد السكان من أماكن سكناهم والاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم بهدف تكريس الاستيطان اليهودي لهذه البلاد التي يدَّعون بأنّها هبة الله ووعده لهم كما جاء في العهد القديم. فياسين صُفع من قبل جندي ألقاه أرضا، وابن خال قيس قُتل وبعد عناء طويل سلّموا جثمانه وفرضوا على أهله دفنه في ساعة متأخرة من الليل بهدوء وبحضور ثلاثين شخصا فقط. والجنود يُضايقون الناس في الشوارع، وعلى الحواجز، وفي الأقصى، ويعتدون عليهم في الكثير من المرّات. ويقول قيس لرند الموجودة في الولايات المتحدة التي تسأله عن الحالة في البلدة القديمة عبر الهاتف: -اليوم ظهرا في تجمّعنا أنا وأبناء حارة باب حطّة والسّعديّة عند باب العمود، كان معنا حفّار القبور، يُصغي لأحاديثنا، وطلب أنْ نُخبرَه مُسبقا قبل أنْ نستشهد، كي يُجهِّز نفسَه ولا نضغطه في الوقت. وسألته سلاف: هل تتكلّم ساخرا أم بجديّة؟ قال: كلاهما معا، هو فعلا قال لنا هذا، لكن هل يضمن أيٌّ منّا في أيّ لحظة يُمكن أن يستشهد؟ أليس من المحتمل الآن أنْ يُجَنَّ أحد الجنود الذين حولنا في أبراج المُراقبة، ويُطلق الرّصاص علينا جميعا؟ نحن في هذا البلد نعيش مع الموت بخطٍّ متوازٍ، قبل يومين كان من المحتمل أن أصير شهيدا بسبب عطسة. (ص392) والمستوطنون يُمْعنون في ملاحقة الناس في بيوتهم وأراضيهم وأماكن عملهم، والمَسّ بهم وإجبارهم على التّخلّي عن أراضيهم وحتى ترك بيوتهم والرّحيل. إضافة إلى الاعتداء الجسدي وحتى القتل كما حدث وقتلوا حمزة وهو عائد بسيارته إلى بيته ومدينته طول كرم. وكل هذا ينضاف إلى القوانين الجائرة وقرارات المحاكم الظالمة التي دائما يكون الفلسطيني فيها الخاسر. وكان الوضع في قطاع غزة أصعب فعمّار ابن خان يونس يقول عبر سكايب: عشتُ ثلاثة حروب، أقساها كانت حرب 2014، فقد عملت مع وكالة إعلام عربية بعد إتمام دراستي الجامعية في الإعلام، وهكذا رأيت بعيني قبل انتهاء الحرب بيومين فقدتُ ثلاثة من أعزّ الناس عليَّ صديقين وأبي بسكتة قلبية في لحظة قصف مبنى قريب من بيتنا. (ص55) ويصف عمّار مشاعره ومشاهداته وانفعالاته وغبطته وحزنه وفرحه وتعلّقه بكلّ ما يراه ويتعرّف عليه في زيارته لرام الله والتقائه بالطالبات والطلاب الجامعيين في اللقاء المهم. ويُقارن بصمت حزين كل ذلك مع حياته في غزة حيث الحصار الشديد من المحتل والبؤس، والفقر، والسجن، والتعذيب، والقتل، والحرب. (ص156-166) إهمال الجماهير العربية في الدّاخل وتَرْكها تحت رحمة عصابات الاجرام، وللنزاعات المختلفة التي تُمزِّق المجتمع وتجعل كلّ فرد عرضة للاستباحة والاعتداء وحتى القتل، وذلك بتغاضي السلطات والشرطة عن هؤلاء الذين يعيثون فسادا في المجتمع، وعدم القبض عليهم وإيداعهم في السجون. فريماس تقول: -نظريا هناك مساواة، لكن فعليا تظهر الفروق في عدّة مسائل فمثلا مخصّصات الميزانيّات. البلدان العربية تتلقّى ميزانيّات أقل بكثير من البلدان اليهوديّة. وإذا تعرّض يهوديّ لاعتداء تكتشف الشرطة المُعتدي ولو اختفى تحت سابع أرض، أمّا العرب فيُقتَل أكثر من مئة في العام الواحد ويبقى قاتلوهم مجهولين. وتابعت رند قائلة: -هذا عدا السرقات وإطلاق الرصاص والقنابل في الكثير من البلدان، دون أيّ حماية أو تدخّل من الشرطة. فالسلطات بدأت تغضّ الطرف عن مسألة تهريب المخدرات وبيع الأسلحة، لا تعرف بأي لحظة تُقتَل برصاصة طائشة، الكل يخاف من الكلّ ومَن ينطق بما يعرف سيُقتَل هو أو أحد أفراد عائلته. وهناك فترات نخشى فيها أن نتجوَّل في القرية بعد الساعة التاسعة مساء. (ص 168) وقضية مصادرة الأراضي والعمل على تهجير العديد من سكان القرى خاصة البدوية وفي النقب، والاستيلاء على الكثير من الأراضي والبيوت بتفعيل قانون الحاضر الغائب، وحق الدولة في الاستيلاء عن أملاك الشخص الذي لم يُسَجَّل أسمه سنة قيام الدولة عام 1948 لكونه خارج البلاد أو متغيّبا عن بيته أو ولد ويُقيم خارج البلاد. فمحمد ابن قرية بدوية غير مُعتَرَف بها، تُحرَم من كل الميزانيات الحكومية ومن المساعدات لتحسين الحالة المعيشية بكل نواحيها، كانت صدمته كبيرة بعد أن صدر قرار المحكمة بمصادرة أرضه التي حلم ييناء بيته عليها، كيف اتصل بمحبوبته سلاف وقال بصوت تخنقه الفاجعة: -ضاعت الأرض يا سلاف. وضاع كلّ شيء. وأقفل الهاتف وغاب واختفى تماما وقطع علاقته بكل الناس والعالم. (ص336) وكما التضييق على البلدات العربية، والتّجاهل لضائقة السكان فيها، ورفض توسيع مسطح القرى ممّا يدفع الكثيرين إلى بناء بيوتهم بدون الحصول على رخصة البناء، وهذا يؤدي إلى قيام السلطات في الكثير من الحالات، بهدم البيت وفرض الرسوم الباهظة على صاحب البيت. وظلت قضايا تُشغل الناس كثيرا تطرّقتْ إليها الشخصيات مثل: الحلم بالتّحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية الذي يبدو حلما بعيدا، وقد يكون مستحيلا بتغوّل الاستيطان، وتهجير الناس، والاستيلاء على الأرض، وإقامة المستوطنات التي تُمزّق الضفة الغربية. (173) الانقسام بين حماس وفتح ممّا أدّى إلى العداء الشديد بينهما، وانفصلت غزة عن الضفة، ولم تعد الوحدة الفلسطينية قائمة مما يُعيق العمل، ويُبعد تحقيق التّحرّر والاستقلال. (ص173-175) الحواجز التي تفصل بين المدن والقرى في الضفة الغربية وتُصَعِّب على السكان في تنقلاتهم، وتفرض عليهم الحصول على التّصاريح لدخول الضفة الغربية أو الخروج منها.
شخصيّات اختيرَت بذكاء العدد الكبير من الشخصيات التي تتوحّد وتتساوى في أنها من الشباب في العشرينيات من العمر، طلاب وطالبات جامعة في سنتهم الدراسية الأخيرة للقب الجامعي الأوّل، من أُسَر متوسطة في مستوى معيشيّ جيّد مع استقلاليّة كل شخصيّة واختلافها في مكان السَّكَن والانتماء الديني والفكري والمَفاهيم الاجتماعية من عادات وتقاليد وسلوكيات، أعطت للنصّ التَّأرجُحَ في تعريفه ما بين الرواية والمَلحمة بمفهومها المُتواضع. فهذه الشخصيات بما اتّصفت كلّ منها، قدّمت لنا صورة بانورامية متكاملة لشعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده، والمهم أيضا أنّها أطلعتنا على التّحوّل الذي ساهم فيه هذا الجيل من الشباب والصبايا المتعلّم الذي تَعرَّف على مَواضع الضَّعف والتَّفتّت والخلاف والتّباعد وحتى العداء، وعمل على رأب التَّصدّعات وتأليف القلوب وتوحيد الجهود وتقريب الأفكار ممّا يساعد على إزالة الحواجز فتنتَفي الشكوك وتزول البغضاء ويتقبّل الواحدُ الآخر بمحبّة وتفهّم واقتناع ببناء وطن واحد للجميع. هذه الشخصيّاتُ ساعةَ تركتْ بيوتَها وأُسَرَها كانت تحملُ كلَّ الموروثات التي كبُرت عليها وآمنت بها. وعندما وصلت إلى مدينة القدس ورحاب الجامعة ومَساكن الطَّلَبة وجدت نفسَها في وضع جديد من حيث السّكن وشريك المسكن وزميل الدراسة، والمفاهيم المختلفة، وأحيانا المرفوضة، والغريبة. فعائشة المُحَجّبة ابنة باقة الغربية التي جاءت من أسرة مسلمة مُتديِّنة تحدّثت عن نفسها بصراحة في اللقَاء الذي تمّ في رام الله: -التجربة الأولى لي لظهور هويّتي الفلسطينيّة كانت عندما بدأ الإسرائيليون ببناء الجدار الفاصل في منطقتنا، وفُصلنا عن باقة الشرقية في مناطق 1967. والحَدَث الآخر الذي أعتبره مهما في تعاملي مع هويّتي، وهو تطوّر قُدرتي على تقبّل وجهات النظر وأساليب الحياة التي تختلف عني. وهذا حصل مع انتقالي للسكن الجامعي في القدس، والشَّراكة في السَّكَن مع شريكات من أديان وبلدان مختلفة، الأمر الذي كان صعبا جدا عليّ في البداية، خصوصا أنني حتى حضوري للدراسة في القدس، كنت قد عشتُ فقط وسط بيئتي الدينيّة المُحافظة دون فرصة للاختلاط مع أديان أو توجّهات أخرى. تجربتي الشخصيّة في السَّكن الجامعي والتي دفعتني للانتقال إلى مراحل مختلفة من التفكير والتقبّل، جعلتني أرى الأمور بمنظار أوسع وأفهم التّعدديَّة سواء الدينية أو الفكرية التي في مجتمعنا، وأهمية تقبّلنا لبعضنا في سبيل التّغلّب على الكثير من الفِتَن التي تُثار بيننا وتَهدف لإضعافنا. (ص 58-59) وقد صارحَت حمزة عندما سألها عن صديقاتها في السَّكن وإنْ كانت على وفاق معهن فأجابت: -لم يكن الأمر سهلا في البداية، وكانت هناك بعض المشاكل، خصوصا أنّني كنتُ الوحيدة بينهن القادمة من مكان غير مُختَلط دينيّا، فثلاثتهن من قرى أو مدن مختلطة، لذلك لم يبدُ الموضوعُ غريبا بالنسبة إليهن مثلي. وسألها: لماذا رضيتِ بالسَّكن معهن؟ فقالت: في العام الأول سجّلتُ مُتأخرة للسكن الجامعي، وكان هذا الخَيار الوحيد، مع وعود بالانتقال إلى شقّة أخرى. ورويدا رويدا بدأتُ أعتادُ وتذكرتُ قولَه تعالى "ولو شاء ربّك لجعلكم أمّة واحدة". تعلَّمتُ أنْ أستفيدَ من هذه التجربة لأتعرّفَ على أشخاص مختلفين عن بيئتي من أبناء شعبي. (ص130) وفي حديث طويل بعد أشهر، ومَقْتَل حبيبها حمزة تُصارحُ عائشة صديقتَها رند قائلة: - هل أعترف لك بأمر؟ صرتُ أشكّ بإيماني.. أسأل الله كثيرا: لماذا حصل ذلك كلّه؟ وأنا أعرف أنّ هذا حرام، لكنني لا أقدر أنْ أكبت نفسي. ألا ترين أنّ كلّ ما يحصل لنا غريب.. طيلة حياتي وأنا مؤمنة وأقوم بواجباتي الدينيّة، وأنا التي كنتُ أعترض على تصرّفات ريماس، بل وأحيانا على جوليا. وانظري إلى مصيرينا، ها أنا فقدتُ مَنْ أحبُّ إلى الأبد، وأنتِ بسبب إيمانك وتوجّهك المُحافظ كذلك فقدتِ مَن تُحبّين، ونحن وحيدتان، بينما هما تسير حياتُهما بيُسْر، تزوَّجتا وتعيشان بهدوء وسلاسة كذلك في حياتهما العمليّة. لقد فقدتُ ثقتي بنفسي وبتوجّهاتي تماما! أسأل نفسي كثيرا بماذا أخطأتُ حتى أنال هذا العقاب القاسي. وتُتابع: -رند! لا أعلم إنْ أخبرتك ريماس؟ اتّصلتُ بها واعتذرتُ لها عن كلّ ما بدر منّي تجاهها من قسوة في العام الأوّل لسَكَننا معا، كنتُ أنظرُ إليها أنّها زنديقة. أمّا جوليا فكنتُ أتماسك في تصرّفي معها لأنّها ليست مسلمة، لكنني كذلك لم أكنْ مُرتاحة للكثير من تصرّفاتها، وأعتذر منك أيضا على السّجالات التي خُضّتها مَعكِ حول عقيدتك. حاليا أشعر أنّ مفهوم الصّح والخطأ مُختلط عليّ، لم أعد أملكُ الثّقة للحُكم على أيّ شيء. (ص384) وحتى ياسين ابن مدينة الخليل المحافظة يعترف أنه كبر وهو مُتشدّد في اعتقاده الدينيّ وانضم لتنظيم "الإخوان المسلمين"، وطورد وضُرب واعتُقل، وفي السجن وجد نفسه وسط مجموعات مختلفة من السّجناء المُنتمين إلى مختلف التيّارات السياسية مما جعله يتعرّف على أفكار وتوجّهات مختلفة: - "حين أُخرِجْتُ من الحبس الانفرادي للقسم الآخر كان لي نصيب أنْ أُوَسّع قراءاتي ومعارفي وألتقي بأسرى من اتجاهات سياسية وفكريّة لم أقربها من قبل. خرجتُ من الأَسْرِ شخصا برُؤية نَقْديّة، وتصوّرات لتغييرات لتوجّهات الجماعة هنا، لكن الأمر قوبل بالرفض ممّا دفعني لإعلان انسحابي " (ص288) وبعد خروجه من السجن اكتشف ياسين عوالم جديدة جعلته ينسحبُ من تنظيم "الإخوان المسلمين وحماس" ويستقل بآرائه ويحاول الانخراط في الحياة والتعرّف على الغير، حتى أنّه وقع في حبّ ريم من النظرة الأولى (ص31). ويعترف بتعلّقه بها: - "فجأة يلوح وجهُ ريم في مخيّلتي، أشعر بانتعاش في صدري وأنا أتذكّرُ أنني سأراها بعد ثلاثة أيام، أعترف أنني لأوّل مرّة أُعْجَبُ بفتاة بهذه السرعة" (ص44-45)، وكان تعرّفه على رند مُهما جدا لانتمائها للطائفة الدرزية التي كان يقف منها موقفا عدائيّا خاصّة بعد تصادمه مع جندي درزي صفعه على وجهه، وكذلك موقفه من عائشة بكونها مواطنة إسرائيلية حيث استغرب أن يُفكّر حمزة ابن طول كرم بالزواج منها. (ص152) فياسين أصبح إنسانا مُغايرا منفتحا مُتقبِّلا للغير وحاضنا له. ويتساءل: إذا كان البيضُ الذين استعبَدوا الأفارقة صاروا يتزوّجون دون مشاكل، ألَم يحن الوقت أن نتعامل نحن مع بعضنا بتسامح؟ (ص45)
ومثلهما رند ابنة قرية كفر ياسيف المُنتمية لأسرة درزية روت قصّتها في لقاء رام الله بجرأة. قالت: -حتى قبل ثلاث سنوات من اليوم كنتُ أُعرِّف نفسي أنّني فتاة درزية عربية إسرائيليّة. وتحدّثت عن بداية دراستها في الجامعة، والسَّكن مع طالبات من انتماءات أخرى واختلاف الأفكار والعادات وصعوبة التوافق، وخوفها من التجوّل وحيدة في القدس واكتشاف كونها درزية. حتى أنها فكّرت عدم المشاركة في اللقاء الطلابي الذي تقرّر في رام الله خوف عدم تقبّلها من طلاب الضفة الغربية لكونها درزية. ولكنها فوجئت بتَفَهّم الجميع لها والتّرحيب بها حتى أنّ ياسين ابن مدينة الخليل تحدّث عنها ضمن مجموعتهما في اللقاء، وهي تحدّثت عنه. كذلك استطاعت أن تكون الزميلة المركزية حيث لاقت الاهتمام والمَحبّة والصّداقة من الجميع. هذا ما ترك أثره على رند وزاد من مشاعر انتمائها الفلسطيني ورفضها التّوجّه الإسرائيلي لخطيبها وبيت جدّها، ووجدت أنّه من المُستحيل أنْ تستطيع الحياة مع جنديّ في حرس الحدود، فانفصلت عنه، وأخذت تُفكّر بالسفر إلى الولايات المتحدة حيث يعيش عمّها. وبالفعل سافرت، لكنّها ظلّت على تواصل وعلاقات قويّة مع كل زميلات وزملاء الدراسة الجامعية.
المكان وخاصّة القدس، والمَركزيّة التي احتلّها في بلورة الشخصيّات وصَقْلها كان واضحا أثرُ المكان الذي عاشت فيه كلّ شخصيّة على تكوِّنها ومَفاهيمها وسلوكيّاتها. فبينما رأينا تَحَكّم العادات والتّقاليد والأفكار والمُعتَقَد الدّيني عند عائشة وياسين ورند، لمسنا التّحرّر في التّصرّف والكلام واللباس وسرعة تَقَبُّل الغير عند ريماس ابنة مدينة حيفا، والتّفهُّم والتّسامح والقُبول للغير عند سلاف ومحمد وحمزة وجورج وجوليا لسَكنهم في مدن وقرى ومناطق منفتحة على الغير، ولهم علاقات اجتماعية، واقتصادية، وعملية مختلفة، ومتشابكة. أثرُ المكان يبقى قويّا على بلورة وتَكوّن ووَعي كلّ من الشخصيّات في مراحل حياته الأولى كما ظهر ذلك بشدّة في تمسّك جوليا وإصرارها على إجراء مراسيم إكليلها في كنيسة قريتها المدمّرة "إقرث"، وياسين في توجّهه الديني وانضمامه للإخوان المسلمين وحماس، وعائشة في تردّدها ورفضها لزميلاتها في الأشهر الأولى من دراستها الجامعية، ورند في تقوقعها في درزيّتها وتمسكها بإيمانها خاصة عندما تقوم بزيارة لمقام النبي الخضر القريب من منزها. وشهدنا التّحوّل الكبير الذي حدث على ياسين عندما اختلط بالغير وتعرّف على رفاقِ سجن من تنظيمات مختلفة وأفكار جديدة، وبعد خروجه من السجن حيث اندمج في الحياة العامّة وتعرّف على طالبات وطلاب جامعة مُتنوّعي المُعتقد الديني ومكان السَّكن يحملون مفاهيم مغايرة وعادات غريبة عليه. ومثل ياسين حدث لعائشة التي وجدت نفسَها بعد أشهر تتقبّل زميلاتها وتتَعايش مع مفاهيمهن وعاداتهن وسلوكهن وحديثهن حتى أنّها مع المدّة أصبحت واحدةً منهن، وخرجت من قوقعتها وأحبّت وعشقت وتمرّدت وغضبت حتى أنها شكّت بإيمانها وبكل ما كانت تلتزم به. ومثلها جوليا تحرّرت من تعلّقها بإقرث وبدأتْ تشعرُ وترى في كلّ موقع من البلاد وطنَها، وهكذا رند، خروجها من بيتها وحيّها وبلدتها، وحياتها في الجامعة مع زميلات وزملاء من القدس والضفة الغربية إضافة إلى المُقيمين في الجليل والمثلث، ومشاركتها في مختلف النشاطات السياسية والاجتماعية أخرجتها من شرنقتها الدرزيّة وعادت بإيمان صادق لانتمائها العربي الفلسطيني. وكان لمدينة القدس التي يصفها قيس "دُرّة دُرر المدن العربية" ويرى أنّ الأمة العربية لا تستحقّها" (ص349) أثرُها وفَعاليّتُها في بلورة شخصية وأفكار وسلوكيّات الجميع حيث صهرتهم في بوتقة واحدة، وجَمَعتهم في مختلف الفَعاليّات والنّضالات والأحداث التي شهدتها القدس وشاركوا فيها، وخاصّة في باب العامود والأقصى. والأمكنة التي انتمت اليها الشخصيّات بما فيها القدس حيث التقوا وتعارفوا وناضلوا ودرسوا في جامعاتها لم تبق مُجرّد مكان وُلِدَ الواحدُ منهم وكبُرَ فيه، بل أصبحت مُنصهرة في كيانهم وعقليتهم ومَشاعرهم، لا يذكرونها كأمكنة عاشوا فيها لفترة في شريط عابر لماض بعيد أو قريب، وإنّما أمكنَة تأخذُهم إليها، عايشتهم وحفظت قصصَهم وأسرارَهم حتى إذا ما عاد إليها أحدُهم واستثارها بمُداعبة الزمن البعيد واستذكار ما كان له في هذه الأمكنه، انتفضت هذه الأمكنة كأمٍّ عاد إليها ابنُها البعيد فتُحيي فيه كلَّ الماضي، وتُستعاد كلّ الأحداث والقصص والأشخاص الذين كانوا معه، فيذكر صديقا بَعُدَ، وقريبا فُقِد، وحبيبة هَجَرت، وبيتا هُدم، فترتسم البسمات، وتسيل الدموع، وتُمَدّ الأيدي للعناق، وتُسمَع التَّنهدات، وتتكشّف الأماكن التي اعتقدناها جامدة لا تحفظ أثرا ولا تصدُق مع أحد، ولا تذرف دمعا على ابتعاد وافتقاد مَن عايشها ورعاها ، تتكشف لنا بأنّها لم تتركنا، ولم تُغادر أرواحنا، وظلّت تعيش معنا، وترافقنا في تنقلاتنا بصَمْت وصَبْر وحبّ حتى تكون لحظة تحريكنا لها وإيقاظها من سباتها فتنتفض بكل حيويّتها لتأخذنا إليها وتُعيدنا لتلك الأيام والسنين والحياة اُلتي حُرمنا ولا نزال نَحِنُّ إليها. وهذا ما لمسناه وعشناه مع جوليا وعلاقتها ببلدتها إقرث ورَنْد وارتباطها بحيّها وبلدتها كفر ياسيف ومقام النبي الخضر ومحمد والتصاقه بأرضه التي رأى فيها جنّته على الأرض ولم يتحمّل صدمة مُصادرتها وفَقْده لها حتى أنّه قطع علاقته بكل العالم وبأعزّ الناس عليه، محبوبته سلاف. وفي علاقة وارتباط الجميع، كل ببيته وبلدته وأرضه، وخاصة بمدينة القدس وشوارعها ومواقعها وحاراتها ومساجدها وكنائسها وناسها التي أصبحت مُكَوِّنا أساسيّا من وجودهم واهتمامهم. فغدت هذه الأماكن شريكا ملازما ووفيّا للشخصيّات، لها دورُها وأثرُها وفاعليتُها في صُنْع الأحداث وسيرورتها. فالتّلاحم اكتمل بين الشخصيات والأمكنة، فكما الشخصيّات أيضا الأمكنة، وبالذات القدس أصبحت ترى وجودَها وتكاملَها واستمراريتها لا يكون إلّا بهذا التّلاحم مع أبنائها الذين يفتدونها بأرواحهم. فبلاطها يُردّد صدى خطاهم، وأزقّتها صدى كلامهم، ومصابيحها ترسم ظلالهم. (ص396)
جماليّة النّصّ أعود لأذكّرَ بما قلتُ في بداية كلامي: "الفراديس الملغومة" ليست رواية بمفهومها الكلاسيكي، وبشخصيّاتها الرئيسية والثانوية، وبقصّتها المركزية ومُلحقاتها من القصص الجانبية، ولا رواية بحلّتها الحديثة المُتغيّرة من كاتب لآخر، ولا بالتّفنّن في سَبْك العبارات واختيار المُفردات ورسْم المشاهد المتأرجحة ما بين الواقع والخيال والمعقول واللا معقول، وإنّما هي نصّ ما بين النَّفَس الروائيّ والمَلحميّ، يتقاسم الأدوارَ فيه العديدُ من الشخصيات، كلّهم أناس عاديّون بتصرّفاتهم وعلاقاتهم وكلامهم ولغتهم ومشاكلهم وحياتهم اليومية. فقد اهتمّت الكاتبة في سرديّاتها المُتشعبة أن تُحافظ على اللغة السّهلة المفهومة القريبة من لغة كلّ إنسان، فلا تنساق وراء التّعقيد في صياغة العبارة، ولا الإغراب والإعجاز في اختيار المفردات، ولا اللغة الشاعرية والتّحليق بعيدا عن الواقع. كما اهتمّت أن تحافظ على استقلاليّة كل شخصية في تفاعلها وتطوّرها وتقبّلها ورفضها، وكانت تدع كل شخصية تختار الضمير الذي تريده، فتارة تختار ضمير المتكلم وأخرى ضمير الغائب ومرّة أسلوب الحوار، ومراث تُؤثر الصّمت وتنطلق باستحضار ماض بعيد وأشخاص عايشتهم فيختلط الماضي بالحاضر وينطلق للمستقبل أحيانا كثيرة. والأزمنة تتداخل وتتباعد، ولا خطّ أفقيّ يأخذ بالقارئ من البداية حتى النهاية رغم أنّ الزمن يبدو وكأنّه مُحدّد من قبل الكاتبة بكتابة تاريخ اليوم والشهر والسنة، ولكنها تأخذ بالقارئ إلى أحداث وأمكنة وأزمنة متفاوتة، وليس ذكر اليوم والشهر والسنة في بداية المشهد إلّا لتحديد زمن الكتابة للنصّ.
خاتمة تُبشِّر بالبدابة المشهد الثالث والخمسون هو الخاتمة المُبشِّرة بالبداية، هو مشهد القدس دُرّة دُرر المدن كما وصفها قيس، فكما كانت المُوحدة، وأزالت كل الفروق بينهم، هكذا هي في المشهد الأخير تعود لتحضنهم كلّهم وقد جاءوا لنُصرتها وحمايتها بالمشاركة في الوقفة والاحتجاج على قرار ترامب رئيس الولايات المتحدة بقراره في نَقْل سفارة بلاده من تل أبيب إليها. وبينما كان ياسين يُقبّل أرض القدس ويُردّد: أخيرا أنا في القدس. وكل الأحباء حوله يقفون صامتين، وإذ بدأوا بالسَّير شعروا ببلاط القدس يُردّد صدى خطاهم، وأزقّتها صدى كلامهم، ومصابيحها ترسم ظلالهم. والقدس فرحة سعيدة تبتسم وتُهلّل: لم أكن وحدي هذا المساء. (ص396) https://nabih-alkasem.com/
#نبيه_القاسم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رواية -عين الزيتون- للكاتب الفلسطيني محمد علي طه والجديد الذ
...
-
رواية -كيان- لكوليت سهيل خوري
-
بداية وتطوّر المَشهد المسرحي الفلسطيني لدى العرب في إسرائيل
-
محمود درويش في ذكراه السابعة عشرة
-
سامية قزموز سيّدة المسرح الفلسطيني
-
ليس هذا الذي انتظرناه
-
محمود درويش في حواره مع الذات
-
-منزل الذكريات- لمحمود شقير مقابل -الجميلات النائمات- لكاواب
...
-
لذكرى البروفيسورة الروسيّة أولغا فرولوفا المحبّة لشعبنا ولغت
...
-
لذكرى البروفيسورة المستشرقة الروسية أولغا فرولوفا
-
المُبدع الفلسطيني محمود شقير يحلم بعالم أجمل وناس أطهر من ور
...
-
دجل منجمين وغباء شيوخ وصمت المثقفين والمسؤولين
-
حول رواية -فرصة ثانية- لصباح بشير
-
قصة -وأخيرا ماتت أمي-
-
أسعد الأسعد و -جَمر الذكريات-
-
في الذكرى العاشرة لغياب الشاعر سميح القاسم ومساهمته في تطور
...
-
في الذكرة الثالثة والثلاثين لرحيل الكاتب يوسف إدريس
-
الرؤية المختلفة لباسم خندقجي في روايته -قناع بلون السماء-
-
إلى توفيق زياد في ذكرى غيابه
-
محمود شقير في حفل تكريمه لفوزه بجائزة فلسطين العالمية للآداب
المزيد.....
-
بين هوليود والكتب المقدسة: كيف يخلط قادة الحرب في واشنطن بين
...
-
الكتابة ميثاق للتدمير.. يوميات وأهوال الحرب في -لم نكن أحياء
...
-
بينها العربية.. -ديب إل- تطلق ميزة للترجمة الحية بأكثر من 40
...
-
طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و
...
-
السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة
...
-
بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا
...
-
طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري
...
-
ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك
...
-
-سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش
...
-
الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي
...
المزيد.....
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
المزيد.....
|