أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيه القاسم - -امرأة الرسالة- تتأطّر في -برواز شوق- وتنتظر نهاية تحلم بها . ثنائيّة رجاء بكرية















المزيد.....



-امرأة الرسالة- تتأطّر في -برواز شوق- وتنتظر نهاية تحلم بها . ثنائيّة رجاء بكرية


نبيه القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:20
المحور: الادب والفن
    


كان يجب أنْ تتوقّع رسالتي إليكَ. احترقت حقولُ عبّاد الشّوق في رأسي ولم يبق في قلبي مكانٌ لزهر الشّمس.
في قلبي يُقيمُ مَعبد واحد.
لزهر شوقكَ. هل تسمع غسّان؟
قبل أنْ ترتبكَ كلماتي بين ابتسامتك ورماد دَهْشتكَ ستجدُني مكانها مستلقيةً تحت عينيكَ أنا وغسّان صغير يعيش في مكان لن تتوقّعَه له.
هيّئ له أرجوك، سريرا من قطن البحر الذي أحبّنا"
"امرأة الرّسالة"
واستعادتْ تلك الليلة الصّاخبة التي قضتها مع غسّان الذي تركته نائما في بيته في عكا، وسافرت بسبب خياناته المُتكرّرة لها.
لكنّها لم تستطع مَحوَ حبّها له، وقرّرت بعد خمس سنوات قضتها في لندن أنْ تعود وتأسرَه في داخلها إلى الأبد. سافرت إليه "وفي رأسها خطّةُ مَكْر، يجب أنْ تأخذَه إلى الأبد. أنْ لا تتركه طُعْما للسّمك، يجب أن تكون السّمكةَ التي تربطه بزعانفها، وتأخذه إلى حيث لا يصل سواها إليه. (امرأة الرسالة ص363)
لقد اختارت توقيتَ لقائها به بدقّة مُتناهية، وقامت بمُضاجعته ليلة واحدة قَصْد الحَمْل منه، ومع أوّل الفجر فتحت البابَ بحذر وردّته إلى قَدَر ينتظرها. وسافرت عائدة إلى لندن. لكنها سرعان ما تركت لندن هاربة مع أوّل إحساس لها بتحرّك طفيف لغسّانها الصغير الذي بدأ ينمو في رحمها.
ووصلت إلى عكا وإلى بيت غسّان، لكنّها لم تجدْه. كان غسان في غزة يُتابعُ ويُسجِّلُ ويصوّر أحداثَ غزة وما يقترفه جيشُ الاحتلال من مجازرَ وتدمير ويبثّه على كلّ المواقع والشّاشات
وهكذا تتواصلُ الأحداث وتتشابك ما بين "امرأة الرسالة"(دار الآداب. بيروت 2007) و "برواز شوق" (الآن ناشرون وموزّعون. عمّان 2025) وكأنّنا نُشَدُّ إلى مسلسل نملكُ جزأيْه الأوّلَين ولا نعرفُ ما سيأتي بعدهما.

مَن هي نشوة ظافر؟
امرأة عرفناها في رواية "امرأة الرسالة" مُتحرّرة من كلّ القيود، الأُسَريّة والعائليّة والمُجتمعيّة والدينيّة، امرأة مُنغمسة في الحبّ، عاشقة للرجل حدّ الوَلَه والجنون، همُّها الوحيد وانشغالُها أنْ تأسرَ رجلَها في قيود لا يُمكنُه التّحرّرَ منها.

ثلاثة رجال عرفتهم:
*وائل، الذي سرعان ما تركها وسافر. ولم تُضمر له أيّة مَشاعر عاطفية، ورحيلُه لم يترك أيّ ألم أو جرح ولا حتى ذكرى عميقة.
*كاظم العراقي، عرفته في مدينة لندن، رجل يهتمُّ بالسياسة ومُنشغل بهموم بلاده وأوضاعها ويحنّ إلى بغداد. فكاظم كما عرفَتْه، يصلح لمسائل التّحرير والاحتلال وليس للحب الذي يُدوِّخ الرجال والنساء. علاقة نشوة بكاظم ظلّت علاقة استلطاف وصداقة وفهم الواحد لحدود الآخر، هي علاقة اتّسمت بحب كاظم لنشوة بينما كانت نشوة حريصة على العلاقة البعيدة عن الحب والعواطف، فلا عواطف ومشاعر تشدُّها إليه. وصارحته عندما قال لها: اقتربي، أريد أن أشمّك. بردّها الصريح: لا أريد أن تشمّني ولا أريد أن أشمّ رائحة فمك المدمّمة، وتكتفي كل يوم بأن تُغمض عينيها وتمنحه شفتيها كي لا ترى آثار الدّم الذي يتركه على شفتيها. ثمّ قرّرت أن تنفرد بغرفة مقابلة لغرفته. (امرأة الرسالة ص184)، أغلقت عليها غرفتها وتحصّنت، ثلاث سنين طويلة وهي تحت رائحة فمه الزّنخة، ألف مرّة ذكّرته: يجب أن تذهب إلى طبيب أسنان ولم يذهب رغم وعده لها. ترك الدم يسيل من لثّته ليلا ويغرق المخدّة، وهي تنظر إلى انحناءة رأسه بتقزّز. ولهذا قررت الانفراد بغرفة مستقلة (امرأة الرسالة ص188) وكثيرا ما كانت تفكر بكاظم ولثّته المُدمّمة، وتذكّرت فمه ممتلئا بالدم صباح اليوم الأول وهمست لنفسها بشيء من الحسرة: لو اختلف الأمر لكان لها معه مستقبل آخر، لنسيت ربّما قتل غسّان اليومي لحنينها. ولو استطاعت أن تحسّه لتغيّرت أشياء كثيرة، لتبدّل، ربّما، شكل الحياة". ورغم ذلك استمرت في صداقتها مع كاظم حتى كان اليوم الذي قرّرت فيه الرحيل عائدة إلى عكا وإلى غسّان، ووصلته رسالتها إليه: "أكتب لأنني مشتاقة، والموج الذي يفصل بيننا يدفعني الآن بقوّة إليك. ليس حُبّا ما أشعر به، ولكن هذا الودّ الجميل الذي نبحث عنه كلّما ضاقت بنا الوجوه والمدن."(امرأة الرسالة ص220) وظلّ كاظم في حزنه يستعيد عمقَ الدمعة التي "غارت بشكل مفاجئ في عمق محجريها ممزّقة بين البوح والتكتّم، فالنساء الجميلات لا تأتين إلى المدن الكبيرة لمجرّد التّسلية، هو يعرف جيّدا، بل كي يتخفَّفن من ملابس الذاكرة" (امرأة الرسالة ص211). وقد تأكّد أنّها سرّ الشيء الذي أتت إلى مدينة لندن كي تدفنه وتعود. (امرأة الرسالة ص215)
*غسّان فنان متميّز درس في موسكو، هو حبّها الوحيد، لم تستطع الإفلاتَ منه ولا أسْرَه، متزوج من أجنبيّة وله ولدان، بعد قرار الحُكم الذي صدر بسجنه لمدّة خمس سنوات بتهمة نَقْل فلسطيني من مَفرق الكابري إلى قلب عكا، تركته زوجتُه الروسيّة وسافرت إلى بلدها مع ولدَيْها.
ما يُضايقُ نشوة أنّ غسّان اعتاد على الخيانة حتى بعد خروجه من السجن، فتركته وسافرت إلى لندن لمدّة خمس سنوات محاولة نسيانه، لكنّها فشلت فظلّ المُسَيْطرَ على فكرها ومَشاعرها.
نشوة كانت في حيرة ما بين كاظم الذي وهبته صداقتها فقط وظلّ يُحبّها بعد أنْ قهرته بحرمانه من حُبّها، وغسّان الذي وهبته جسدَها وحبَّها وظلّت تُحبُّه حتى بعد أنْ خانَها وقهرَها.
لكنّها اختارت غسان لأنّه يملكُ جسدَها وحُبَّها وكلَّ خلجات مَشاعرها. فغسّان بالنسبة لها "رجلٌ لأساطيرَ لا تُحْكى، بل تُعاشُ، تُعاش كي يرتوي منها الجسدُ، في كلّ خطّ خطوة، وتحت كلّ خطوة شعلة. كم شعلة دسّ بها كي تظلّ مُتّقدةً به كلّ هذا الزمن!" (امرأة الرسالة 306)
وكانت لها صديقةٌ مُخلصة هي ديمة، موطنُ أسرارها ومُخفِّفةُ أحزانها وآلامها.

خوفُ نَشوة ممّا ستلقاه من غسّان الزّوج
قبل أنْ تطأ قدماها ترابَ الوطن بعثت نشوة إلى صديقتها ديمة رسالة بمخاوفها ممّا قد ينتظرُها من سلوكيّات غسّان بعد عودتها إليه:
" أحاول أنْ أُحدّدَ مَسارَ علاقتي بغسّان، أخاف من فكرة الزّواج وبغسّان تحديدا. ماذا لو أصرّ أن تكون صورةُ زواجنا كصورة أمي وأبي التي تمشي في عينيَّ مثل سائحة تائهة؟ عذّبتني المرأةُ التي لا تشكي ولا تبكي، وتظلّ مُعلّقة كدعاية إعلانيّة وسط واجهة مُقفرة. (برواز شوق ص12)
فهي ترفض أن تكون صورة طبق الأصل لأمّها المُطيعة الرّاضية بكلّ ما يريد ويأمر زوجها، وترفض أن تكون "سائحة تائهة، ولا الخنوعة المستسلمة لا تشكي ولا تبكي".
لكنّها بمجرّد أن قرّرت ترك مدينة لندن والعودة إلى عكا وإلى غسان، جاءت امرأة مُغايرة تحمل جَنينا في رحمها من الرّجل الذي أحبّت، جاءت لا لتعيشَ قصّة حبّ صاخبة ومعارك صراع مع كلّ مومساته وعشيقاته، وإنّما عادت بكونها زوجته أمّ ابنه، عادت لتكون الأم والزوجة وصاحبة البيت ومُدبّرته، لتعيشَ الحياة الطبيعية كما كلّ أسرة تبغي السّعادة والنّجاح. وفي فترة قصيرة أحاطت نفسَها بأمّها وشقيقتها وصديقتها ديمه وبأصدقاء غسّان الكُثْر، حتى غدت تعيشُ وسط عائلة كبيرة، الكلُّ يهتم بها ويُلبّي احتياجاتها، ويعمل معها ليجدَ غسان ويُعيدَه إليها.

وغسّان الذي عادت إليه ليس الذي تركته وغادرت
وصلت نشوة إلى بيت غسان وهي في قمّة النَّشْوة والفرح والسّعادة بأنها ستلتقي بحبيبها وعِشْقِها الوحيد، ولكنّها انتكست عندما لم تجده، وزاد ألمُها عندما قرأت رسالتَه التي تركها لها يوم 21 يوليو 2014 ليخبرَها أنّه رافق وفدا صحفيّا لينقلَ للعالم أخبارَ وصُوَرَ ما يقترفه جيشُ الاحتلال في غزة. (برواز عشق 24)

صدمة نشوة من عدم وجود غسان
لم يقنعها غسان برسالته.. بل شعرت بانكسار عميق وغضب وشعور بالخيانة، وتساءلت:
حتى متى هذا الجحود بالحنين، يا رجل؟
ولم ترض عن مغادرته، ولا بالرِّسالة التي تركها لها، قالت بألم:
-طِرْتُ إلى عينيكَ أيّها الرجلُ الجاحد، فلماذا تُشوّه اللحنَ الذي يُصفّر في شعري، لماذا لا تأتمن الفرح على لهفتي؟ وبرجفة سَرَت في جسدها هزّتها وتساءلت:
-ترى هل سيعود من غزة يمشي على قلب أمْ على قدَمَين؟ أمُنتعشا أمْ على الأكتاف داخل نَعْش؟ (برواز شوق ص 27) رجل مهزوم في مدينة تخسر كلّ يوم كلّ شيء إلّا كرامتها، لكن هل الكرامة وحدها تكفي؟
وهمستْ مُخاطبة غسّانها الصغير المُتَحصِّن في رحمها:
-والدُك يا طفلي لا يفهم أنَّكَ جئتَ كي تُلملمَ ضَياعَه. (برواز شوق ص29)
وتألّمت، وزفرت، وخاب توقعُها، فقد رمت لندنَ بجسورها الخمسة عشر. عبّأتْ عكا في جيوبها في عزّ الثلج، أخذتها وعادت بها تُسجّلُ قلبَها وريثا شرعيّا لبحر يَضْمرُ كلّما توحّد في شالها، ولرجل عجيب لا يستقرُّ على حال واحد في حضرة سَلطنته الأبديّة، يفرُّ كلّما حطّت، يذوب كلّما تحقّقت، يجنّ كلّما عَقِلت، ويعلقُ كلّما تعلقّت بهوى مدينة جديدة، لن تُعيدَ ملوكيّتَه قبل أنْ يستدرك، ويعود زحفا عودة نابليون إلى بلده، أينقص عكا جبهات قتال كي يشحنَ جسدَه ببطاربّات مُزيّفة إلى غزة؟
وقرّرت بسرعة مخاطبة نفسها:
-يا امرأة احتلّي بيتَه أوّلا. لا تُفكّري كثيرا كيف سيظهرُ أمامك فجأة كما ذهب. عاقبيه باعتناق غُرفه وغَرَقِه التي نثرها عمدا على كلّ شيء. غطّي العالم الذي تركه فارغا بازدحامِك ووحمك. ستجدينه ذات ليل أمامَكِ، أو على سريره سريرك. (برواز شوق ص32-33)
وفقدت نَشْوَةَ الفرح واللهفة والعشق التي رافقتها طوال رحلتها إليه، طار السّنونو الذي رافقها من لندن إلى عكا من عشّه في عينيها، لا ضجيج للفرح الآن، وعليها أن تقرّر ماذا تختار من تاريخ المدن التي أجهضت خططَ حياتها كلّها:
ألندن أم عكا؟
أغزة أم الهرب لأيّ مصنع أحذية من الفروع التي افتتحها كاظم وسط لندن واقترح عليها إدارة أحدها؟
أغسّان أم كلّ رجل يقع في هواها؟ فهذا الرجل العاقّ لا يكفُّ عن ضرب فرحها بقدميه كما يفعلُ تماما لكرة طائرة. ظلّت كرةً في فضاء عالمه، كلّما جاهدت كي تنزلَ إلى مَلعبه وتُلامسَ تربتَه، جاهزة فَوْحا لاحتضانها، رَكلَها بعيدا إلى إحدى زوايا مَلاعبه، وسحبته مدينةٌ جديدة لم يُجهِّز أحدٌ فاتورة خساراتها، ولا هو." (برواز شوق ص28).
تحسّستْ رحمَها حيث يتحصّنُ غسّانُها الصّغير وهمست لربّما يسمعُها:
"والدُك يا طفلي لا يفهم أنّك جئتَ كي تُلملمَ ضَياعَه، ولن يفهمَ أبدا كيف ينتظرُ لهفةَ أمّكَ المشحونة بالخوف والوحدة والخسارات" (برواز شوق ص28-29)

التّحوّل الكبير في شخصية نشوة
وتجهّم وجهُها فجأة، كأنّه لم يعد تابعا لأطراف جسدها الأخرى، ثَوَّرَتْه الأسئلةُ:
أتظلُّ تركضُ بين المدن والطائرات؟
أتظلُّ على جنونها ذائع الخرافة؟
عليها الآن ودون تأجيل أنْ تستقيلَ من هوائيّتها، وتُقرّرَ بغسّان وبدون غسّان أنْ تبرئ حياة الصغير من اليُتْم والتّشرّد.
انفرجت أساريرُها وهي تلوّح لطرف الغروب الذي يُضيء وجهَها من بعيد، ستقبض على أيّامها هذه المرّة من العنق، وستُعيدُ تنسيقَها كمزرعةِ زهر صغيرة يشتهيها كلُّ مَنْ تقَع رعشتُه عليها، والأهم أنّها ستبقى في عكا.
ستُصادرُ بيتَه،
كَمْ ستفي بوعدها هذا؟
لا أحدَ يعرف ولا هي كيف ستبقى على ولاء مستحيل كهذا لتركيبة مزاج يُشبهها، لكنّها ستفعل. في قرارة قناعاتها تعرف أنّه سبيلها الوحيد للنّجاة من نفسها ومن خيبات أمل لم تُخبّئ أسماءَها في رزنامة أيامها الذّاهبة. (برواز عشق ص29)

زيارة غسّان الوحيدة
أكثرُ من أسبوعين مَرَّا ولا تسمع عن غسان، ولا يصلها منه خبر، إعلان الجيش الإسرائيلي عن بدء الهدنة في الخامس من آب شحنها ببعض الأمل أنْ يأتي وتراه.
وبالفعل فاجأها غسان، وطرَق البابَ في ليل السابع من آب. ولكنّ السّاعات السّعيدة تمرّ سريعة، وجاءت ساعةُ الفراق بانتهاء الهدنة، وابتعدَ غسان، ونشوة تتساءل:
-ترى هل سيعود كي تحبسَ إصبعَه وتصيرَ امرأتَه على الورق أيضا؟
وحارت بين مَوقفَيه المُتناقضين، فهو لم يكشف لها عن خاتم الزواج الفضيّ الذي كان اشتراه لها من أوّل صائغ صادفه فَوْر وصَلَ غزّة. (برواز شوق ص72) وهو كان قد هيّأ السريرَ لغسّان الصغير كما طلبت منه في رسالتها، وأراها السريرَ الجميل الفَخمَ ممّا جعلها تقول له:
-أتحَفَتْني أُبُوّتُك يا غسان.
وتأكّدتْ أنّ غسان يعود إلى غزة مُرغما لكنْ راضيا بقلب مشطور: نصفُه في غرفة غسّان الصغير والنّصفُ الآخر يتحرّك بانفعالاته. (برواز شوق ص75)

وطالت الأيام حتى جاءها الخبر الحزين
ومرّت الشهور، ووُلد غسانُ الصغير وعادت به أمُّه نشوة إلى بيت والديها لترعاه برفقة أمّها وشقيقتها، وبعد شهرين قرَّرت العودةَ إلى بيتها – بيت غسان في عكا.
ووصلها خبرٌ أنّ غسّان اختُطف في غزة يوم 15.8.2014. ثم وصلتها رسالة بتاريخ 17.9.2014 أنّ غسّان هُرِّب خارج غزة وأنه الآن في مأمن (برواز شوق ص240) ووصلتها رسالة بتاريخ 29.10.2015 تقول لها: جهِّزي حقيبتك وطفلك للسفر للقاء زوجك (ص329) وبينما كانت تُعِدُّ قهوة المساء يوم 27.4.2016 جاءتها رسالة من المُشرف على حرس الرئاسة بترتيب زيارة لها ولطفلها إلى لقاء غسان، وأنّ سيارة ستكون يوم 1.5.2016 بانتظارهما أمام البيت الساعة الخامسة صباحا لتُقلّهما. (برواز شوق ص343)
وبالفعل أخذتهما السيارة في الموعد، وانتقلا إلى رام الله ثم إلى عمان ومنها إلى إسطنبول ثم مباشرة إلى بودروم في تركيا. وهناك في المصح الموجود فيه غسان عرفتْ حالتَه الصّحيّة. فمنذ دخل المصح يوم 16.8.2014 وهو يعاني من ارتجاج في الدماغ، يُعالَج منذ ما يزيد عن سنة وستة أشهر.
وقبل أن تلتقي بغسان هيَّأتها الممرضةُ إلى حالته الصحيّة وبأنّه فاقد للذاكرة. وأنَّ احضارَها وابنها بهدف مساعدته في استعادة ذاكرته.
ورأته وهو يتقدّم منها. مدّت يدَها:
-كيفَك غسّان؟ حضرتُ من عكا للاطمئنان عليك.
-أهلا سيدتي. سعيد برؤيتك. كأنّي أُشَبّهكِ بامرأة أعرفُها.
-نشوة يا غسان، وذاك طفلي.
وقف غسان الصغير أمام والده مُندهشا بداية، ثم رمى جسدَه في حضنه: بابا.. بابا وعشّش في ملابسه. (ص356)
حاولت نشوة بكل ما تملكُ أنْ توقظَ ذاكرةَ غسان، ولكنّها فشلت.
واعتذر غسان منها، وودّع الصغير بقُبلات كثيرة، وغادر باتجاه الفندق مَصحوبا بمُرافقه.
لكنّ الذاكرةَ كما يبدو بدأت تستيقظُ اذ ترك غرفتَه ونزل درجَ الفندق مُسرعا كي يشتري الكستناء وهو يجهل أنَّ قنبلة موقوتة وُضِعَت في غرفته.
ورنّ هاتف نشوة ليخبرَها الصوتُ أنّ انفجارا رهيبا أشعل غرفة غسان.
وإذ عاد غسان إلى الفندق فوجئ بازدحام قاعة الاستقبال بالحرَس والشرطة. تقدّم منه المسؤولُ الأمني وأبلغه أنّ جسما مَشبوها انفجر في غرفته.
وعاودته الذاكرة بصورة أكبر.
غبَشٌ خفيفٌ أعقبه جلاءٌ واضح للرؤية،
أين رأى كلَ هذا الحرس قبل الآن؟
وتجلّت غزة بتفاصيلها المُشوّشة. بزّات أمْن وعسكر، رشقات صاروخية، أجساد تسقط، دم يصبغ المشهد، وحوارات تتسعُ ويرتفعُ لغَطُها، تقارير ورق يتطاير في الذاكرة؟
ترك الفندق بجَلَبة نُزلائه وخرج. يتذكر الوجهَ والبَدَنَ والنَّشوة وطيفَ المرأة التي يُصغي لهَمْس غُنجها. (ص374)

عودة للبداية
نشوة التي عرفناها في "امرأة الرسالة" شابّة مُتحرّرة من كلّ القيود، الأُسَريّة والعائليّة والمُجتمعيّة والدينيّة، مُنغمسة في الحبّ، عاشقة للرجل حدّ الوَلَه والجنون، همُّها الوحيد وانشغالُها أنْ تأسرَ رجُلَها في قيود لا يُمْكنُه التّحرّرَ منها، غيرُها التي نلقاها في "برواز عشق"، امرأة عركتها تجاربُها في الحياة، وتنقُّلاتُها في الأمكنة، والسنواتُ التي قضتها تبحثُ عن مَرفأ الأمان الذي تحلُمُ به ولا تجده. امرأة حدّدت هدفَها، ورسمتْ خطَّتَها، وعملت بجدِّ واستمراريّة.
وكانت خطوتُها الأولى في تلك الليلة التي فاجأت بها حبيبَها غسان وضاجعته لتَحملَ منه وتُقَيِّده إليها، والخطوةُ الثانية بعد ظهور بوادر الحَمْل كانت بالرّحيل عن مدينة لندن وكلّ إغراءاتها، والعودة للوطن وعكا وحبيبها غسّان لتُقيمَ البيتَ الهادئ الآمنَ الذي طالما حَلُمَت به.
ورغم المفاجآت والانتكاسات التي واجهتها من غياب غسّان بعيدا عنها في غزة، وحياتها وحيدة تنتظر مولودَها المُتحفِّزَ في رحمها، باكيةً حظّه التّعس ببُعد والده عنه، إلّا أنّها تحدّت الواقعَ وتمسكّت بالأمل ورضيت بحظّها في تربية مولودها الصغير غسّان، وبانتظار حبيبها ووالد ابنها غسان.
وكانت في كثير من الأوقات تنساقُ وراء أحلامها الكبيرة التي كانت، وتعود إلى أيام صِغَرِها عندما كانت تُقلّدُ الملكات والنَّبْش في أسرار عَوالمهن وتفترض أنّها تُشبههن. فكثيرا ما كانت ترى نفسها سلطانة كما السلطانة بيدار الشركسية زوجة السلطان عبد الحميد الثاني الذي عشقته عشقا غرائبيّا. (برواز عشق ص31-32) أو السلطانة روكسيلانا زوجة السلطان سليمان. وكان غسّان أحيانا يُجاريها في تخيّلاتها ويحضنُها ويخاطبُها قائلا:
-ها قد وصلنا يا روكسيلانا الأميرة.
فتفرح وتشعر أنّها السلطانة وأنّ غسان السلطان سليمان(ص189). حتى أنّها ذات يوم صدّقت وغسّان يُسمّيها سلطانه بأنّها سلطانة فعلا. (برواز عشق ص320)
لقد طغت على شخصية نشوة في "امرأة الرسالة" صورة الفتاة الطائشة اللاهثة وراء الحبّ والجنس والتّحرّر من كلّ القيود المُتَعارف عليها، وانمحت حقيقةٌ ثانية ومهمّة في شخصية نشوة الفتاة المتعلمة المثقفة والفنّانة المُبدعة المُتميّزة التي تُحبُّ الشعر وتستمعُ إلى الأغاني الغربية والعبرية وتخصّ المُغنيةَ المهمّة في البلاد ريتا التي كانت أغانيها هي المُرافقة لها والمُفضَّلَة عندها.
وكما "نشوة" أيضا غسان الذي عرفناه في امرأة الرسالة فنانا متألقا وشابا وسيما يسبي الفتيات حتى كان واتُّهم بمساعدة فلسطيني أدخله إلى مدينة عكا ممّا سبّب له ذلك دخول السجن لمدّة خمس سنوات كانت كافيةً لصَقل شخصيته ليكونَ مُنتبها لهموم شعبه وقضيّته الرئيسية في التّحرر، الأمر الذي دفعه لينضم لفريق الصحافيين في غزة لينقل للعالم ما يجري هناك من جرائم ومآس، وكتب في الرسالة التي تركها لنشوة مُعَلّلا سبب عدم انتظاره لها "التحقتُ بجبهة غزة، رافقت وفدا صحفيّا خرج من المنارة مساء الإثنين 21 يوليو 2014، بعد أن أنهكني انتظارك لتوثيق ما يجري هناك، في ظلّ هجمة التتار، صوتا وصورة، وحركة. واحدة من لوثات الضمير التي تُحاسبني على إثم صمتي بعد خروجي من المعتقل. مهمّتي أن أُشعل العالمَ بجرائمهم، وأن أصوِّر مدافعَهم ودباباتهم وبطشهم وهي تلتهم الرصيف والشارع والزّقاق وتحصد أرواح الصغار والكبار" (برواز عشق ص24-25).
عملُه هذا جعله هدفا لمُطاردة جُند الاحتلال له ومضايقته، وأخيرا لاختطافه والتّسبّب في افقاده الذاكرة وانقطاعه عن كل سنوات ماضيه. كما صقلته التجاربُ ليعرفَ قيمةَ المرأة التي أحبّته فيعود إليها مُخلصا وفيّا يرى فيها عالمَه ووجودَه وإلهتَه.

الرسائل كانت صلة الوَصْل بين نشوة وغسّان

كان للرسائل دورٌ واضح في توطيد العلاقة وتقويتها بين نشوة وغسّان في "امرأة الرسالة" ولكنها في "برواز شوق" احتلّت الدَّورَ الأهمّ والبارز في الرَّبط بين الحبيبين. فالبُعدُ الفاصلُ بين غسان المُتواجد في غزة ونشوة المُقيمة في عكا مَحَته الرسائلُ التي كتبها الواحدُ للآخر. ومع إدراك كلّ منهما أنّ هذه الرسائلَ لن تصل، إلّا أنّ الإصرارَ على كتابتها ظلّ قويّا والعواطفَ المُتدفّقة من حروف كلماتها تطغى على كلّ المسافات التي تَحُول بين الحبيبَين. ومن خلال الرسائل اخترقنا المستورَ من أفكار وعواطف وأعمال وتحوّلات في شخصيّة ونفسية كلّ من غسان ونشوة.. فغسان الذي عرفناه فنانا مُتميزا يلهث وراء كلّ امرأة جميلة ولا يلتزم بحبٍّ لواحدة حتى زوجته أم ولدَيْه، نجده في رسالته التي تركها لنشوة لتقرأها ساعة حضورها للبيت في عكا بعد غربتها في لندن يؤكِّدُ على احساسه بالتزامه لوطنه وشعبه وقُدسيّة العمل الذي يقوم به، وعلى انتمائه وإخلاصه لبيته وزوجته نشوة وابنه غسان، وتَرْك عالم الطّيْش، واللهو، والعَبَث، واللامُبالاة.
ورغم أنّ نشوة لم تقتنع بكلمات غسان وتساءلت:
-أينقصُ عكا جبهاتُ قتال كي يشحنَ جسدَه ببطاريّات مُزيّفة إلى غزّة؟
اتّخذت قرارَها السّريع باحتلال بيت غسان والإقامة فيه. (ص33) إلّا أنّها من حيث لا تدري وتدري، بدأت تتفاعلُ مع أحداث غزة التي تُتابعها على شاشة التلفاز، وتشعر بالفخر والاعتزاز لمُتابعتها تقارير غسان وما تُلاقيه من صدى ورَواج وحقد ومُلاحقة، واللقاءات التي يُجريها مع أعداد كبيرة من الضحايا. وانطلقت شهرتُه من أرض غزة في وكالات الأخبار العربية والعالمية لتَمَيُّز التّقارير الصحفية التي ينشرها ومصداقيّتها، وأصبح اسمُه على الألسن وامتداد الشاشات. وكتبت له:
-" أيها الشاعرُ الجميل، يا سيّدَ حقلي وحَلقي، أيُّها المُقاتل الفاتن" (ص138-139)
وأخذت أحداثُ غزة وما يجري في الأراضي المحتلة تُشغلُ اهتمامَها وتزيدُ من تَعلّقها بغسان. وتدفعها للتفكير بالأمور الجادّة في الحياة، وتُقرّر مُتابعة دراستها العليا تاركة كلّ حياتها التي عاشتها في السنوات السابقة حيث كانت تندفعُ وراء عواطفها ورَغَباتها.
وحافظ غسان على كتابة الرسائل العديدة التي يبثُّها عُمْقَ حبّه لها، ومدى شوقه إليها ويسأل:
-"هل تستوعبُ هذه المدينةُ النّازفةُ أنّنا ننزفُ مثلَها تماما حين نأتي كي نضمّدَ جَرْحَها بكلّ ما أوتينا من دم ودمع؟" (ص261)
وكتب لها: قبل أنْ تخلُدي للنوم تَحَسَّسي رأسَ غسان الصّغير وقولي: والدُك يموت عليكَ.. الرجلُ الذي خربَش وجهَ العالم بخيانة بيضاء. (ص264)
وكانت هذه الكلمات آخرَ ما كتب لها غسان حيث اختُطِفَ وانقطعتْ أخبارُه.

نشوة نموذج للمرأة التي تُريدها رجاء بكرية وتعمل على تكوينها وصَقْلها بأبهى الصُّوَر
كانت المرأة وما تلْقاه من قيود وظلمِ المجتمع الذّكوريّ عبر العصور كلّها هي هاجس رجاء بكرية وقضيّتها التي خاضتها واجتهدت للانتصار فيها. وتعترفُ في حوار صحفي لها مع الدكتورة دوريت جوتسفيلد المُتخصّصة بالأدب النسوي في الرواية العربية أنّها "تناولت في كتاباتها الأولى ومجموعاتها القصصية نماذجَ نسائيّة عانت الكثيرَ من مرورها بتجاربَ عديدةٍ من العشق والخيانة والهَجر والقَهر والألم، وتُظهر قصورَ الرجل الشرقي والعربي تحديدا بعدم وصوله إلى حالة من التّماثل مع مشاريعه الوجوديّة والنّضوج الحسّي الذي يؤهله للتَّعامل مع المرأة الأنثى كشريك وليس كغريم. وكانت ترى "أنّ كلّ مَظاهر التحرّر والانفتاح في قاموس الرجل العربي ليست غيرَ صور كاريكاتوريّة لأزمَة الرجل الحقيقية. فهو مأزوم بعدَم قُدرته على التّكافؤ مع المرأة الأميّة لجَهلها ودونيّتها، والمُثقَّفة لقُوّتها وتهديدِها لتفَوّقِه الفكري. وعليه فإنّ المرأة تعيش القسطَ الأكبر من حياتها مشروع مُعاناة."
هذا الموقفُ الصرّيحُ والحادّ الذي عبّرت عنه رجاء بكرية في حوارها ظلّ يُوجّهها في إبداعاتها الروائيّة اللاحقة وخاصة في "امرأة الرسالة" ويتواصل في "برواز عشق" حيث تناولت كما تقول: " المَرايا الكثيرة التي ترى المرأةُ إلى نفسها من خلالها: في السياسة، الحبّ، الأسرة، ومع الآخر. وكانت تهجس بالرجل كغريم وحبيب لأنه يستطيع أن يُمارس الإثنين معا".
ونشوة التي عرفناها في "امرأة الرسالة" كما في "برواز عشق" عشِقَتْ وعشقَها الكثيرون، خانَها من أحبّت وقابلته بخيانتِه مع غيره.
لكنّ المرأة كما تقول الكاتبة رجاء بكرية " لا تتحمّلُ خيانةَ الرجل الذي أحبّت وعشقت فتنكسر أنوثتُها وتُشوّهُ فتنتُها وتشعر بالهزيمة فتهرب، ولكنْ لا لتستسلمَ لهزيمتها وهروبها وإنّما لتعودَ أكثرَ شراسةً وحنكةً ورغبةً في مُواجهة حبيبها الذي خانها لتقهرَه وتهزمَه وتؤكّدَ انتصارَها عليه".
هذه هي المرأة التي أرادتها رجاء بكرية مُتجسّدةً في نشوة، بطلة وراوية "امرأة الرسالة" و "برواز عشق".
وحتى تُؤكّدَ قُدرةَ المرأة على الانتصار في معاركها ضدّ الرجل والمجتمع، وأنّها سيّدةُ المَقام وصاحبةُ القُدرة على التّحكّم بفكر وعواطف وتصرّفات الرجل، وبلْوَرَت الواقع المَعيش على الشَّكْل الذي تُريد، عملت الكاتبةُ رجاء بكرية على احتجاز كلّ شخصيات "امرأة الرسالة" و "برواز عشق" في شخصية واحدة، هي بطلة الروايتين، وهي الرّاوية الوحيدة التي تروي ما كان من أحداث، وما كان دور كل شخصية في الرواية، وماذا قالت، ولا نتعرّف على أيِّ من الشخصيّات إلّا من خلال تقديم نشوة لها وما تسمحُ به.
وإذا كانت في "امرأة الرسالة" تركزّت كلُّ هموم ومَشاغل وتفكير نشوة في علاقتها بغسّان، حتى أنّها في علاقاتها الأخرى بكاظم ووائل كانت نتيجةً لفشلها وانتكاساتها العاطفية مع غسان ممّا جعل الروايةَ تفتقرُ للأحداث التي كانت قد تُخرجُ القارئَ من قَوقعة الحبّ وأجوائه إلى واقع الحياة المَعيشة. وهذا الافتقارُ للأحداث التي تُبْعدُ الروتينَ السّردي وتُعطي للرواية حيويّةً هو الذي دفع الرّاوية لتكتفي بالتّعبير عن أحاسيسها تجاه كلّ ما يحيط بها وتكون له علاقة بها من شخصيات وأمكنة ممّا جعل لغةَ الرواية شاعريةً مُكثّفة تُعبّر عن أحاسيس الشخصيات وعلاقاتها مع كلّ ما يُحيط بها ممّا يجعل القارئ لا شعوريّا يجد نفسَه مُنساقا مع لغة الرّاوية وجماليّتها وملامستها للأحاسيس الإنسانية العميقة وكأنّها تتحدثُ إليه فيَتَماهى معها ويُحَلّقُ في عالمها الذي قد يأملُ أنْ يكونَ عالمَه الذي يشدُّه للفرح والسّعادة والهدوء والشّعور بالأمان.
والكاتبة رجاء بكرية تُؤكِّدُ أنّها تهتمُّ بلغتها واختيار مُفرداتها وسَبْكها وتراكيب جُمَلها وعباراتها وبإيقاع حروفها وتَناسُقِ الكلمات ورسم الصّور وابتكارها وطَرْح الأفكار والمواقف، وبخَلْق عوالم تأخذ بالقارئ ليُحَلِّقَ معها إلى عالم سحريّ يتمنّى لو يظلُّ مُقيما فيه.
وهي تؤكّد في مقابلتها: أنّها لا تُعير اهتمامَها لما يقوله النُّقّاد، وتعتبرُ النَّصَ هو مَنْ يكسرُ الحواجزَ بينه وبين القراء، والنَّصُّ الجيّد يعرف كيف يشقُّ طريقَه إلى القراء. وتعترف قائلة: "صحيح بأنّ لغتي غير عاديّة وتجنح إلى الشِّعْر، لكنّ شِعْرَها غيرُ عاديّ أيضا. عالمُها يأخذ إلى أمكنة غير مُكتَشفَة، أحاول أنْ أكتشفَها على طريقتي. اللغة أحيانا مكثّفة لكنّني أتوخى من القارئ الإحساسَ بالمَضامين وليس البحث فيها. أعمالي مشاريعُ مُتعة وتحليقٌ وانخلابٌ بعوالمَ لن يذهبَ إليها قارئي مع سواي."

انحصار الزمن في "برواز شوق"
تنقَّلْنا في الزمن المُنفتح مع "امرأة الرسالة" على مَدار سنوات نرصد تنقلاتها وصداقاتها ومُغامراتها، وأخذتنا إلى مختلف المدن والأماكن غير مُعيرة أيَّ اهتمام للزمن المُتسارع وللسنوات التي تمرّ ، وعلى ثقة أنّها قادرة على القبض على عنق الزمن وإخضاعه لإرادتها كما فعلت يوم قرّرت وضعَ حدّ لمُطاردتها غسّان وخوفها على خسارته وسط الفتيات العديدات المُغريات له بأن قرّرت الحَجر َعليه، فحدّدت الزمان والمكان لربط غسان إليها بالسفر إليه من لندن إلى عكا لقضاء ليلة حميميّة تُعلِّقُه بها في مدة لا تزيد عن التسعة أشهر ليكون حبيسَها ووالد ابنها وزوجها الذي ليس له غيرها.
بينما نرى الزمن في "برواز شوق" ينحسر في مدّة لا تزيد عن السنتين من يوم وصول نشوة من لندن يوم 21 يوليو 2014 إلى بيت غسّان في مدينة عكا حتى أواخر شهر إبريل 2016.
وكما الزمن أيضا الأمكنة في "برواز شوق" انحصرت في مكان واحد هو مدينة عكا وبيت غسان..

نشوة وتعلّقها بالأمكنة كما الشخصيّات
أهدت نشوة روايتَها "امرأة الرسالة" إلى مدينة عكا ومن ثم لحبيبها غسان. الواحدُ منهما يُكَمّل الآخر، فلا يكتملُ غسان بدون عكا، ولا تكونُ عكا بكامل قُدسيّتها وكمالها بدون غسّان.
وعلى المُغلَّف الذي حمل رسالةَ نشوة إلى غسان واختتمَت بها "امرأة الرسالة" حفرت نشوة اسمَ "عكا" واضحا كموج قلب كأنّه آخر مَلجأ للذّاكرة من السّلب، وللحبّ من الفَقد. (ص366)، واهتمّت أن تربط غسّان إليها رباطا أبديا بمُضاجعتها له في عكا حتى يُتَوَّجَ هذا الرباط المُقدس بين الثلاثي المُتكامل: غسان الحبيب وغسان الصغير ونشوة، وتكون عكا الحاضنةَ لهم أُمّا رؤوما ومَهْدا أمينا وبيتا دافئا.
وفي إهدائها روايتها "برواز عشق" لغزة وغسان في بداية روايتها، كتبت:
"للمدن أسماءٌ كثيرة، لكنّها لا تُشبه عكّا في ذاكرتها..
وتساءلت: تُرى مَن يُعلِّق الآخرَ على بابه، القلبُ أم الذّاكرة حين تكون عكا كلّ الأسماء التي أعرفُها؟" وختمت رسالتها بــــــ "إلى غزّة وإليكَ.." ووقّعت "نشوة التي لكَ"
واختتمت رواية "برواز عشق" بـــــــ "يتذكّرُ الوجهَ والبدَنَ والنَّشْوةَ، ويصهلُ الليلُ في قلبه ويخفق كأوّل مرّة أخذتهما عكّا لأوّل فنجان قهوة.. كانت يومها أخفَّ من حُزمة ضوء، داخل برواز عشق تتناثرُ وتلمعُ." (ص474)
وذكرت في روايتيها مدينة عمّان "مدينة جميلة دائما. غامضة الأحاسيس، نكرة ومعرّفة. مسائيّة الطّالع وليلها بارد. مدينة تحبّ أن تنثر رائحة أماكنها على زوّارها في أيّامهم الأخيرة بين مقاهيها. (امرأة الرسالة ص57) دون أن تتوقف عندها لأنها لم تترك ذكريات ومغامرات عاشتها فيها.
ومدينة رام الله حيث قضت فترة من شبابها مع وائل، وذكرت حيفا حيث وُلدَت، ويافا المدينة التي أحبَّت ولها فيها الذكرياتُ الكثيرة مع غسّان وغيره،
وذكرت مدينة بغداد بلدة كاظم الذي أطفأت معه غضبَها وحقدها من غسان بصداقتهِ الحميمة ومحاولة قبولهِ كحكاية مُحتملّة في مدينة لندن التي كانت تجدُ فيها الملجأ عندما تضيق بها الحياة في عكا فتهرب إليها والى كاظم.
ومدينة غزة التي نفرت منها عندما صدمتها في يوم وصولها عائدة إلى عكا وغسان بأنْ أخذت غسان منها إليها، لكنّها سرعان ما عشقت غزة وتابعت أخبارَها وخطّطت للعبور إليها رغم المخاطر إلى أن اختُطف غسّان فيها وفُقِدَت آثارُه.
هذه المدن والمواقع لم تكن مجرّدَ أسماء وإنّما مَثارَ أحاسيس وأشواق وذكريات عاشتها نشوة مع أعزّ النّاس عليها. ففي رام الله عاشت فترة شبابها الأولى مع وائل الذي أحبّها، ولكنه لم يملك الجرأة لمُصارحتها، وهي اكتفت بصداقته وحبّه لها دون أنْ تبادلَه مَشاعرَ الحبّ التي لم تشعر بها حتى هرب منها إلى الكويت، فعمل وتزوج وبدأ حياة جديدة.
وفي لندن تعرّفت على كاظم العراقي المُناضل الذي هرب من ظلم الحاكم في بلده فتعلّق بنشوة وأحبّها بقوّة، ولكنها اكتفت منه بالصداقة والأفكار الوطنية التّحرريّة والدّفء والرعاية والأمان وظلّ قلبُها يحمل شوقَه وأحاسيسَه للحبيب البعيد غسان.
وعكا سيّدةُ المدن وأمّ الدنيا وموئلُ الأحلام هي مدينةُ غسان حبيبها "رجل لأساطير لا تُحكى، بل تُعاش، تُعاش كي يرتوي منها الجسد، في كلّ خطّ خطوة، وتحت كلّ خطوة شعلة. كم شعلة دسّ بها كي تظلّ مُتّقدةً به كلّ هذا الزمن!" (امرأة الرسالة 306)
فهذه المدن التي عاشت نشوة فيها وتنقلّت لم تكن مجرد أماكن جامدة وظيفتُها تتحدّد في توفير المكان الجغرافي لنشوة وإنما أماكن عاشت فيها ولها فيها ذكريات وأحلام وساهمت في تبلور وجدانها ومشاعرها وتفكيرها وتطلعاتها التي أمِلَت فيها. وقيمة هذه المدن كانت نتيجة لتلك العلاقات التي ربطت نشوة بمَن صادقت وأحبّت، وكانت هذه الأماكن شريكة لها ومظلّتها الأمينة، حافظة اللحظات والمشاعر والكلمات والحركات والتطلّعات التي كانت لها مع مَن صادقت وعاشت وأحبّت، وهكذا خرجت مدينة عمان من دائرة اهتمامها وذكرياتها لأنها لم تترك فيها أثرا وذكرى، ولم تجد من تُصادق أو تحبّ، وكانت مجرّد محطة مؤقتة لفترة زمنيّة عبرت وكأنّها لم تكن. ومدينة غزة التي خطفت منها حبيبَها غسان رغم ما أضمرته من غضب تجاهها ورفض لتقبّلها استطاعت أنْ تحتل تفكيرَ وهواجسَ وتعاطف وانحياز نشوة الكلّي لها، رغم أنها لم تزرها ولم تعش فيها ، ولكن وجود غسان فيها وتتبّعها لمجريات الأحداث اليومية التي تعيشها جعلتها تصبح جزءا منها مندمجة بكل أحداثها وناسها ورملها وبحرها وسمائها حتى أنها عملت على التّحوّل الكبير في شخصية نشوة وتفكيرها وهمومها وأسلوب حياتها وفي طريقة رؤيتها للعالم والعلاقات بين الشعوب والمواقف المُتغيرة في مختلف القضايا، والأهم في علاقاتها بغسان ووقوفها إلى جانبه وانتظارها الطويل له.

وكانت غزّة وكانت نشوة
كانت عكا مدينة نشوة الأثيرة، فهي التي يسكنها حبيبها غسان، وهي المدينة التي تجد فيها جذورَها وتاريخَها، وعكا هي التي تحدّت الغُزاة وقهرتهم وردّتهم عن أسوارها، وبحر عكا السّاحر كأهل عكا الذين لا مثيل لهم. عكا أينما سافرت وابتعدت تظلّ تلحق بها وتلازمها كظلها وإذا ما طالت سفرتُها وعادت تشعر أنّها تعود للجنّة التي لم تُفارقها أبدا.
ثم مدينة غزة التي سرقت من نشوة حبيبَها غسّان وأخذته إليها ليكونَ راوي حكاياتها وأيام نضالاتها، غزة التي واجهت جيشَ الاحتلال، ولاقت منه الأمَرَّين من القتل، والتّهجير، والتّدمير، والتّجويع. غزة التي قلبت حياةَ وفكرَ وإيمانَ نشوة، وحوّلتها من امرأة تهتمُّ بذاتها وقلبها وأحبائها وعالمها المُحيط بها لتُتابعَ كلّ مجريات أحداث غزة وأهلها، ولا تستطيع الصَّمتَ على ما ترى أمامها على شاشة التلفزيون، وتسمع تقاريرَ الصحفيين وفي مقدمتهم غسان وهم ينقلون من قلب غزة ما تشيبُ منه الرؤوسُ وتتمزّقُ القلوبُ وتتفجّر الأحقادُ فتصرخ في وحدتها:
-أفلا يشبعون من شراستهم في الحَرق والذبح والقتل العشوائي؟
غزّة.. غزّةٌ حقيقيّة في حَلْق العرب كلّ العرب الذين خرجوا الآن بألوفهم للتّظاهر. ويُطالبون حكوماتهم بوقف مسلسل الدّمار والمذابح.
وتتهمُ الحكّام العرب بأنّهم كما تعوّدناهم يكتفون باستنكار أعمال القتل فتشتدّ المظاهراتُ ويضطر القادةُ على استنكار ما يقترفُ جيشُ الاحتلال من أعمال رهيبة، ويصل الذّبحُ للرُّكب وازدادت الزّعاماتُ العربية استنكارا وغوصا في وَحْل هزائمها وقلّة حيلتها وزحفت إلى مجلس الأمن تشكو. (ص53)

ويظلّ السؤال يتردّد.. والتّوقّعُ يزداد يقينا
هل وصلت علاقة نشوة بغسّان إلى نهايتها التي لم يتوقعها أيّ منهما؟
وهل تقنعُ نشوة بأنّها تحضنُ غسّان الصغيرَ في بيت غسّان الكبير الأب، غسّان عِشْقُ حياتها وحُلْمُها الوحيدُ الطّويل؟
هل تقنع نشوة بتَرْك غسّانها، أملِ حياتها، أن يبقى بعيدا عنها وعن غسّانهما الصغير، يتخبّط وحده في غَبَش الماضي القريب البعيد؟
أم تأخذُه إليها وترعاه برموش عينيها في بيتهما، وتُساعده على استعادة ذاكرته ليعيشا الحياة التي عملت كلّ جهدها لتحقيقها، فيبدآن حياة جديدة ومعهما غسّان الصغير الذي سيكبُر وسطهما ويكون حلقة وصل وربط بين والديه؟
قصة نشوة وغسان لم تكتمل بعد، تبقى الحلقة الأخيرة.
رجاء بكرية لن تترك قارئها في تساؤله العالي: وماذا بعد؟
ولكنها قد تُفاجئ، وتدعُنا في تساؤلنا.. نحن لنرسِمَ باقي الحكاية ونضعَ لها النّهايةَ التي نُريد، وتبقى هي في جنّتها التي خلقتها، تتقمَّصُ شخصية السلطانة روكسيلانا، تتيه بخيلائها وتنتظر رسائل حبيبها السلطان سليمان بتجسّده في غسّانها الحبيب.. ترقص وتُغني مع مغنيتها المُفضلة ريتا، وتُحلِّق مع فيروز، وتستعيدُ كلمات الشاعر الذي لم تعرف اسمَه بصوت غسان يُردّدها:
لســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتِ وردةً ولهذا أخــــــــــــــــــــــــافُ عليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكِ
من الشِّــــــــــعر والكيميـــــــــــــــــــــــــــــاء وأخافُ عليكِ من البحر أيضا
لأنّ البحارَ تحبُّ الوُضوحَ وأنتِ مُلَغّمة كحكايــــــــــــة جدّة!

ونحن ننتظر.. هل سنحظى بجزء ثالث من قصّة نشوة وغسّان؟؟



#نبيه_القاسم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- واسيني الأعرج في -مستر ولا شي- وانتقاداته للسلبيّات التي تُع ...
- الكاتبة نسب أديب حسين في -الفراديس الملغومة- وكشفها للمعوقات ...
- رواية -عين الزيتون- للكاتب الفلسطيني محمد علي طه والجديد الذ ...
- رواية -كيان- لكوليت سهيل خوري
- بداية وتطوّر المَشهد المسرحي الفلسطيني لدى العرب في إسرائيل
- محمود درويش في ذكراه السابعة عشرة
- سامية قزموز سيّدة المسرح الفلسطيني
- ليس هذا الذي انتظرناه
- محمود درويش في حواره مع الذات
- -منزل الذكريات- لمحمود شقير مقابل -الجميلات النائمات- لكاواب ...
- لذكرى البروفيسورة الروسيّة أولغا فرولوفا المحبّة لشعبنا ولغت ...
- لذكرى البروفيسورة المستشرقة الروسية أولغا فرولوفا
- المُبدع الفلسطيني محمود شقير يحلم بعالم أجمل وناس أطهر من ور ...
- دجل منجمين وغباء شيوخ وصمت المثقفين والمسؤولين
- حول رواية -فرصة ثانية- لصباح بشير
- قصة -وأخيرا ماتت أمي-
- أسعد الأسعد و -جَمر الذكريات-
- في الذكرى العاشرة لغياب الشاعر سميح القاسم ومساهمته في تطور ...
- في الذكرة الثالثة والثلاثين لرحيل الكاتب يوسف إدريس
- الرؤية المختلفة لباسم خندقجي في روايته -قناع بلون السماء-


المزيد.....




- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...
- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيه القاسم - -امرأة الرسالة- تتأطّر في -برواز شوق- وتنتظر نهاية تحلم بها . ثنائيّة رجاء بكرية