|
|
القيم والمبادئ الاصطناعية !!
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 09:31
المحور:
الفساد الإداري والمالي
يعتقد قطاع غير قليل من مشجعي أحد الأندية العربية أن ناديه يمثل المصدر الأوحد للعبقرية الفذة والنبوغ والتفوق، وأنه جزيرة الطهر والعفاف في مصر والشرق الأوسط، بل وفي الكون بأكمله! ويؤمن هؤلاء إيماناً أعمى أن التفوق الكاسح الذي يتمتع به ناديهم – خاصة في الفترات التي تشهد انحداراً وطنياً جلياً – يعود دوماً إلى وجود «المهدي المنتظر» الذي يقودهم بلا انقطاع إلى منصات التتويج، باعتبارهم شعب الله المختار! ولم تشهد أروقة الرياضة المصرية عباراتٍ جرى تكرارها وترسيخها حتى تحولت إلى ما يشبه العقيدة المقدسة في وجدان هؤلاء، مثل عبارتي «نادي القيم والمبادئ» و«الكيان فوق الجميع».
المثير للدهشة أنه مع كثافة الشحن والتكرار، بات المطلوب من الجميع أن يتعاملوا مع هذا النادي باعتباره المحتكر الحصري للأخلاق والطهارة، وأن كل ما يصدر عنه إنجاز استثنائي ينبغي أن يُدرس، وأن شكاوى منافسيه محض هراء وترهات ومؤامرات وفساد مقيم، بينما أي فوز عارض يحققه منافس لا يمكن أن يكون إلا بـ«توجيهات» عليا، كما يتردد على ألسنة الكهنة! لكن المؤسف بحق أن بعض المريدين وأتباع ذلك النادى ممن يرتدون مسوح المناضلين ضد الاحتكار والفساد، والمكافحين ضد العنصرية، والمقاومين للاستعمار والصهيونية، لا يجدون أدنى غضاضة في غض الطرف عن ممارسات ناديهم المتناقضة الصارخة، بل يصرون على تسويقه باعتباره نادي الوطنية الأوحد! غير أن التاريخ المدون بوقائعه القاطعة أكثر تعقيداً وأشد قسوة من كل هذا التزييف. فذلك النادي نفسه يحمل وقائع وحوادث كثيرة تكشف أن «القيم والمبادئ» ليست بالبساطة الساذجة التي يحاول الخطاب الموالي تقديمها للمغيبين، وأن ذلك النادي المتفوق بفعل فاعل مجرد أداة طيعة بيد المنظومة ذاتها التي تدير المحيط الرياضي، وهى أداة تُستخدم لتغييب الوعي وخلق عقيدة موازية تُتفه الوجدان الإنساني وتحوله إلى مسخ متناقض يعاني من الفساد ويشتكي من آثاره، ويمارسه ويسانده في ذات الوقت ! مثلا من المفارقات العجيبة أن كهنة هذا النادي ومنظومته الإعلامية يستدعون في كثير من الأحيان القضية الفلسطينية لتقديم ناديهم باعتباره «نادي المبادئ الوطنية»، متجاهلين أن رموزه ونجومه خاضوا في أغسطس وسبتمبر من عام 1943 رحلة إلى فلسطين تحت الانتداب، ولعبوا مباريات أمام فرق صهيونية في تل أبيب. بالطبع لم تكن دولة الكيان قد أُعلنت رسمياً عام 1943، لكن الدول لا تُستحدث فجأة ولا تنشأ من العدم. وفي تلك المرحلة كان الصهاينة في ذروة تحضيراتهم لإعلان دولتهم برعاية بريطانية وغربية، وكانت الأندية الرياضية إحدى أدوات تقديم مشروعهم للعالم. وهي واقعة تاريخية تدحض كل ادعاءات الاستعلاء الوطني. بينما وصل التزييف بسدنة الدعاية وكهنتها إلى تقديم تلك الرحلة باعتبارها موقفاً وطنياً عظيماً، وأن السلطة الرياضية المصرية التي عاقبت اللاعبين بالشطب وقتها سلطة خائنة لأنها أرادت منع النادي من دعم فلسطين، مع أن تلك السلطة الرسمية ذاتها هي التي أعلنت الحرب ونزلت بجيشها إلى أرض فلسطين لمنع قيام الدولة الصهيونية عام 1948!
كذلك لم تتوقف هذه التناقضات عند التاريخ القديم، بل امتدت بشواهدها إلى العصر الحديث. فشواهد وأدبيات هذا النادي تحمل ارتباطات وثيقة بهذا الملف الشائك: بدءاً من وقائع أثبتها القضاء بتورط شخصيات انتسبت لجهازه الطبي في قضايا تجسس لصالح الاحتلال، مروراً بشخصيات بارزة في لعبة كرة اليد فتحت أبواب التطبيع الرياضي مع العدو ، وصولاً إلى اتهامات وانتقادات حادة وجهت لرجال أعمال مقربين بشأن تصدير منتجات لأسواق الاحتلال أثناء حرب الإبادة في غزة، دون أن تجد مناضلاً واحداً ممن ينتمون لهذا النادي يستنكر أياً من هذه الوقائع أو يطالب بمراجعتها!
حتى على مستوى التمويل الذي يُتاجر به دوماً باعتباره ذروة نجاحات «نادي الوطنية»، نجد تمادياً صارخاً في قبول شراكات ورعايات من شركات ثبت بالدليل القاطع تمويلها ودعمها للكيان الصهيوني، بينما خرج أحد رموزه ليدافع عن ذلك التوجه جهاراً، مبرراً الأمر بأنه مجرد بحث عن موارد لجلب الصفقات العظيمة وتحقيق الانتصارات!
أما إذا تحدثنا عن المصادر الأخرى للمال والنفوذ والدعم الاستثنائي، فلا يمكن تجاهل قضايا الأهرام والساعات والتمويلات الفضائية التي أثارت جدلاً واسعاً. وفي دول تُحترم فيها دولة المؤسسات، كانت مجرد الشبهات في مثل هذه الملفات تؤدي إلى استقالات فورية أو حل المجالس المتورطة. لكن «الحفاظ على الاستقرار» كان الحجة الحاضرة دائماً لتوفير الحصانة، بينما الحل والتنكيل والتضييق يطال الأندية المنافسة بلا توقف، حتى هبط أحدها والآخر في طريقه للانهيار! والمثير للأسى أن الدعاية الفجة، والنجاحات المصنوعة، والتعثر المتعمد للمنافسين، نجحت جميعها في تحويل هذه الشعارات إلى ما يشبه الحصانة والقداسة. فإذا ما تجرأ أحد على مناقشتها وتفكيكها منطقياً تعرض لحرب إعلامية شنعاء وتهم جاهزة بالمساس بالمقدسات! مع أن المسألة في غاية البساطة والوضوح: القيم لا تُمنح بالشعارات الزائفة، والوطنية لا تُورث بالألوان ، والاحتكار الرياضي في البلدان المتخلفة لا يأتي مصادفة أبداً!
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مقال منذ عام 2007 يثبت مصداقية الحوار المتمدن
-
الجمهورية الداعشية الأمريكية !!
-
كرة القدم فى العالم المتخلف ،،
-
التناقضات الناصرية !!
-
سموتريتش وسيناء !؟
-
العملية بسيطة للغاية !!
-
السادات ، قتل مرتين !؟
-
مأساة السلطات المنتخبة فى عالمنا المتخلف!؟
-
التجارة بالأديان والمقدسات !؟
-
نوستالجيا هامشية !؟
-
بلال فضل ، وضياء العوضى !!
-
باسم عودة، تجربة حزينة !!
-
لسنا شعبا جبانا !
-
أصنام القيم والمبادئ !!
-
شعب شجاع ،ونخبة لاتعي !؟
-
هل تدخل مصر الحرب ؟
-
دفاعا عن النظام العلاجى للدكتور ضياء العوضى !!
-
كيف أحرقت السياسة ،مكة و الكعبة،أربع مرات؟
-
آدى إللى كان ،، يامولانا ؟
-
الديانة السلفية !!
المزيد.....
-
سوريا.. بعد القبض عليه من هو علي كيالي -معراج أورال- المتهم
...
-
السلام بين إسرائيل ولبنان يحتاج لمزيد من الدعم الأمريكي للبن
...
-
الـ CIA تسرّب معلومات خطيرة تخص حلفائها
-
ملايين المُسيّرات وآلاف الصواريخ الموجّهة لا تغيّر مسار الصر
...
-
Gigabyte تطرح أحد أبرز حواسبها في الأسواق الروسية
-
اضطرابات النوم قد تكون مؤشرا لحالة صحية خطيرة
-
أبرز ما يميز جهاز آبل المنزلي الذكي الجديد
-
مسيرة -غاربيا- الانتحارية الروسية الحديثة تضرب أهدافا برية و
...
-
دراسة: سرعة ذوبان الجليد الأزلي تعتمد على المناخ وعلى شكله
-
الصين.. تحضيرات لانطلاق مبيعات الكروس أوفر -جيلي كولراي- الم
...
المزيد.....
-
The Political Economy of Corruption in Iran
/ مجدى عبد الهادى
المزيد.....
|