أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - حسن مدبولى - باسم عودة، تجربة حزينة !!














المزيد.....

باسم عودة، تجربة حزينة !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 14:54
المحور: حقوق الانسان
    


بعض السير لا تحزننا لأنها انتهت بالفشل، وإنما لأنها انتهت قبل أن نعرف إلى أين كان يمكن أن تصل ، ومن بين تلك السير تبرز حكاية الدكتور باسم عودة، الأستاذ الجامعي الذي انتقل، في لحظة شديدة الاضطراب من تاريخ مصر، من قاعات الجامعة إلى وزارة التموين والتجارة الداخلية، إحدى أكثر الوزارات اتصالًا بحياة الناس اليومية.
لم يكن الرجل سياسيًا محترفًا، ولا ممن أمضوا سنوات طويلة في التدرج بالمناصب التنفيذية، بل كان مهندسًا وأستاذًا جامعيًا، ثم وجد نفسه، في يناير 2013، وزيرًا للتموين في حكومة الدكتور هشام قنديل، وسط أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية هائلة.
كانت مهمته ثقيلة؛ فالتموين في مصر ليس مجرد إدارة حكومية، بل هو رغيف الخبز والسلع الأساسية والوقود والبطاقات التموينية والأسواق التي يتابعها المواطن كل صباح. لذلك ارتبط اسم باسم عودة، خلال أشهر قليلة، بصورة الوزير الذي ينزل إلى المخابز والأسواق ومحطات الوقود، ويتابع المشكلات بنفسه، ويتحدث عن احتياجات الناس بلغة مباشرة.
وبغض النظر عن تقييم تجربته السياسية والوزارية، فهو كأستاذ هندسة طبية دخل المجال العام، ثم أصبح وزيرًا للتموين، ترك انطباعًا مختلفًا عن المسؤول السياسى التنفيذى التقليدى المعروف فى مصر،
وذلك قبل أن تنقلب حياته رأسًا على عقب، بعد أشهر قليلة من توليه مهام تلك الوزارة، وهذه المفارقة ( التنصيب والمغادرة ) هي أكثر ما يمنح سيرته طابعها الإنساني الحزين ،
وُلد باسم عودة في 16 مارس 1970، في أسرة مصرية متوسطة بمحافظة المنوفية، وكان الابن الأكبر بين خمسة أشقاء. عمل والده مديرًا بإحدى الإدارات التعليمية، واهتمت الأسرة بالتعليم والتربية، وتُروى بعض التفاصيل البسيطةعن طفولته، إصراره وهو في المرحلة الإعدادية، على الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر حتى في الليالي الممطرة، كالكثير من أقرانه فى تلك الحقبة ،

كان باسم عودة متفوقًا دراسيًا، فالتحق بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، واهتم بالنشاط الطلابي والعمل الخدمي إلى جانب دراسته. ثم تدرج في الجامعة من معيد إلى مدرس مساعد، حتى أصبح أستاذًا بقسم الهندسة الحيوية الطبية والمنظومات، واستشاريًا في تكنولوجيا الرعاية الصحية.

شارك باسم عودة في ثورة يناير، وأصيب في رأسه خلال أحداث موقعة الجمل. وبعد الثورة اتسع انخراطه في العمل العام، فارتبط باللجان الشعبية والعمل الخدمي وملفات التنمية والطاقة والوقود، قبل أن يُتم اختياره وزيرًا للتموين والتجارة الداخلية في يناير 2013، وكان عمره آنذاك نحو ثلاثة وأربعين عامًا.
وخلال نحو ستة أشهر في الوزارة، حاول الدفع باتجاه إصلاح منظومة الدعم والحد من التسرب، وتحسين جودة الخبز، وتوفير السلع الأساسية، وتوسيع استخدام الكوبونات في توزيع أنابيب البوتاجاز، ومواجهة أزمات الوقود، وأطلق عليه مؤيدوه لقب «وزير الغلابة».
قد يختلف الناس في تقييم هذه الإجراءات ونتائجها، لكن المؤكد أن الرجل نجح في أن يجعل الناس تعرف وجهه، فقد كان حاضرًا في المخابز والأسواق، وقريبًا من تفاصيل الأزمات التي تمس حياتهم اليومية،لكن سرعان ما انتهت تجربته الوزارية في صيف 2013، قبل إتمامها، وبدأت مرحلة أخرى، أكثر قسوة، في حياته.

من الناحية الاجتماعية باسم عودة إنسان طبيعى، له زوجة وأبناء وبيت وحياة عادية، غير أن الخلافات السياسية كثيرًا ما تختزل أصحابها في أسمائهم ومواقفهم وانتماءاتهم، وتغيب عنها حقيقة أنهم بشر لهم أسر وأحلام وذكريات، وعليهم التزامات وحقوق تجاه أحبائهم وذويهم ،
وقد ظهرت هذه الزاوية الإنسانية بوضوح في إحدى الجلسات التي سمحت له فيها المحكمة بلقاء ابنته، بعدما طلب أن يهديها وردة، رجل يقف وبين يديه وردة يريد أن يقدمها لطفلته التى لايراها، وهى صورة تختصر جانبًا من المأساة، ولا تحتاج إلى كثير من التعليق.
الأكثر إيلامًا في قصته ليس فقط الانتقال المفاجئ القصير من الجامعة إلى الوزارة، وإنما أن سنوات كان يمكن أن يعيشها بين طلابه وأبحاثه وأسرته تحولت إلى سنوات من الغياب، بسبب السياسة، فخلف الاسم الذي يظهر في الأخبار، هناك أب تنتظره ابنته، وأسرة تتأثر بمصير فرد منها، وحياة طبيعية انقطعت أو تبدلت بصورة جذرية.

إن الكتابة عن باسم عودة ليست شأنا سياسيا فحسب، فالوقائع السياسية لها ساحاتها، والتاريخ يحتاج إلى مسافة حتى يحكم على الأشخاص والتجارب. لكن من حق الناس أن يتذكروا الجانب الإنساني، وأن يدركوا أن السنوات التي تمر بالبشر بعيدًا عن الحياة الطبيعية، ليست مجرد أعداد وأرقام في ملفات أو تقارير روتينية ،

إن قصة باسم عودة ، في جانب منها، هى قصة جيل دخل المجال العام بعد ثورة يناير، معتقدًا أن أبواب المستقبل قد فُتحت، ثم وجد كثير من أبناء ذلك الجيل أنفسهم أمام مصائر لم يتخيلوها.
ولا أعلم كيف سيحكم التاريخ النهائي على باسم عودة ورفاقه ، ولا كيف ستقيّم تجربته في وزارة التموين، لكنني أعرف أن الإنصاف يقتضي النظر إلى الإنسان كاملًا؛ بأحلامه وأخطائه ونجاحاته وضعفه، وبأسرته التي دفعت، مثلما دفع هو، ثمنًا لا تظهر قيمته كاملة في كتب التاريخ.
فباسم عودة ليس مجرد وزير سابق، وإنما إنسان مرّ بسرعة في زمن عاصف، ووجد أن دخوله إلى الحياة العامة لم يغيّر منصبه فحسب، بل غيّر حياته كلها.
وللتاريخ بقية.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لسنا شعبا جبانا !
- أصنام القيم والمبادئ !!
- شعب شجاع ،ونخبة لاتعي !؟
- هل تدخل مصر الحرب ؟
- دفاعا عن النظام العلاجى للدكتور ضياء العوضى !!
- كيف أحرقت السياسة ،مكة و الكعبة،أربع مرات؟
- آدى إللى كان ،، يامولانا ؟
- الديانة السلفية !!
- نهاية العالم يوم 13 نوفمبر 2026 !؟
- النظام البرلمانى كخيار للاصلاح
- طه حسين خارج الهالة، تفكيك الرمز لاهدمه !
- المرجع الشرعى الأوحد ؟
- مأساة أحمد عرابي !!
- المناضل السياسى الذى تقبل الثمن !؟
- الإشتراكى الزاهد !!
- التكنوقراط الإصطناعى !!
- العلمانية تتجاوز المحاصصة الطائفية
- قتل البنات والسيدات دون ردة فعل ؟
- قتل شعبه ، واستسلم للأعداء؟
- الآذان ، حرب وجودية !!؟


المزيد.....




- عشيرة عراقية تستعيد سفينة ناقلة مختطفة واعتقال قراصنة وتحرير ...
- اعتقالات ومتفجرات قرب قاعدة بريطانية تستخدمها القوات الأمريك ...
- اعتقال 5 رجال للاشتباه في ارتكابهم جرائم إرهابية قرب قاعدة ب ...
- المجاعة تهدد بلدة في شرق أوكرانيا
- بن غفير يقتحم زنزانة الأسير حسن سلامة ويجدد تهديداته بإعدام ...
- بن غفير يقتحم زنزانة الأسير حسن سلامة ويهدده بالإعدام المباش ...
- الشرطة الإسبانية تفكك ملاجئ عشوائية للمهاجرين في سبتة
- تقارير عبرية تكشف نية نتنياهو رفع قضية إلى المحكمة الجنائية ...
- حق تقرير المصير يتقدّم على الحرية الدينية: زيورخ تبعث برسالة ...
- هل تخلى الأكراد عن مطالب الاستقلال؟ منعطفات هامة تشهدها الق ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - حسن مدبولى - باسم عودة، تجربة حزينة !!