|
|
كرة القدم فى العالم المتخلف ،،
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:08
المحور:
عالم الرياضة
تعتبر رومانيا في عهد الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو نموذجًا صارخًا لما يمكن أن تفعله الدولة المستبدة عندما تكتشف أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، وإنما وسيلة هائلة للسيطرة على مشاعر الجماهير وإلهائها عن واقعها السياسي والاجتماعي. فقد حكم تشاوشيسكو رومانيا منذ عام 1965 حتى سقوط نظامه وإعدامه في ديسمبر 1989، وخلال سنواته الأخيرة تحولت البلاد إلى واحدة من أكثر دول أوروبا الشرقية انغلاقًا وقمعًا، فى حين أصبحت كرة القدم واحدة من المساحات النادرة التي يستطيع فيها المواطن الروماني أن يصرخ ويفرح ويغضب ويحلم ويحتفل، وفي قلب هذه اللعبة كانت المواجهة بين ناديي ستيوا بوخارست ودينامو بوخارست تمثل قمة اهتمامات النظام الحاكم، فهي لم تكن مواجهة رياضية خالصة بأي حال من الأحوال، فقد كان ستيوا نادي الجيش الروماني، بينما ارتبط دينامو بوزارة الداخلية وجهاز الأمن السري «السيكيوريتاته»، ولذلك كانت مباراتهما أشبه بصراع بين مؤسستين من مؤسسات السلطة نفسها، قبل أن تنحاز الكفة بصورة واضحة إلى ستيوا في النصف الثاني من الثمانينيات، وذلك عندما أصبح ابن الرئيس، فالنتين تشاوشيسكو، صاحب نفوذ كبير داخل ذلك النادي ورئيسًا عمليًا له، لم يكن نفوذ فالنتين مجرد تشجيع عائلي لنادٍ يحبه، بل كان استغلالا لشعبية النادى لدعم نظام والده وترسيخ استقراره ، وقد استفاد ستيوا من دعم ابن الرئيس له، لتوطيد موقعه داخل منظومة الدولة وزيادة قدرته على استقطاب أفضل اللاعبين، نظرا لتوافر الظروف التي لم تكن متاحة بالسهولة نفسها للأندية الأخرى، في وقت كانت فيه كرة القدم الرومانية كلها خاضعة بصورة أو بأخرى لأجهزة الدولة. ولم يكن غريبًا في تلك البيئة أن يصبح انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر أحيانًا قرارًا سياسيًا أكثر منه قرارًا رياضيًا، وكان أبرز اللاعبين بالاندية الاخرى ينتقلون الى نادى فالنتين شاوشيسكو بسلاسة غريبة، وكإن هناك من يأمر المنافسين بترك هؤلاء اللاعبين ، وكانت النتيجة أن تحول ستيوا في منتصف الثمانينيات إلى القوة الأولى في رومانيا، ففاز بالدوري خمس مرات متتالية من موسم 1984-1985 حتى موسم 1988-1989، بل وحقق إنجازًا أوروبيًا تاريخيًا عندما أصبح عام 1986 أول نادٍ من أوروبا الشرقية يفوز بكأس أوروبا، بعد تغلبه على برشلونة بركلات الترجيح في إشبيلية. كما ظل الفريق بلا هزيمة في الدوري 104 مباريات متتالية بين عامي 1986 و1989، وهي أرقام تعكس قوة فريق استثنائي بالفعل، لكنها لا تلغي حقيقة أنه كان يلعب داخل منظومة سياسية منحته مزايا هائلة على منافسيه. والواقعة التى لها دلالة، وتمثل المشهد الأكثر فجاجة، جاءت في نهائي كأس رومانيا عام 1988 بين ستيوا ودينامو. عندما كانت المباراة قد وصلت إلى الدقيقة الأخيرة والنتيجة 1-1، وسجل جافريل بالينت هدفًا لستيوا، لكن مساعد الحكم جورج إيونسكو رفع رايته معلنًا وجود تسلل، فألغى الحكم رادو بيتريسكو الهدف. وهنا انفجرت الأزمة. رفض لاعبو ستيوا العودة إلى الملعب، وانسحب الفريق قبل استكمال المباراة، في واقعة ارتبطت مباشرة بتدخل فالنتين تشاوشيسكو. كان المنطق الرياضي واضحًا: فريق انسحب من المباراة، وبالتالي يفترض أن يعاقب بالخسارة. لكن الذي حدث كان شيئًا آخر تمامًا. فقد قرر الاتحاد الروماني لكرة القدم منح الكأس لستيوا، رغم انسحابه، لتصبح الواقعة واحدة من أكثر صور تداخل السلطة والسياسة مع كرة القدم فجاجة في تاريخ أوروبا الشرقية. والمثير أن ستيوا نفسه أعاد تلك الكأس عام 1990، بعد سقوط النظام الشيوعي، باعتراف عملي بأن البطولة التي حصل عليها في تلك الظروف لم تكن مستحقة.
وهناك نموذج آخر من عالمنا العربى حدث فى العراق في عهد صدام حسين، عندما أنشأ ابنه عدي حسين نادي الرشيد، وسيطر من خلاله على كرة القدم العراقية، وأجبر عددًا من أفضل اللاعبين على الانتقال إليه، بينما تعرض اللاعبون الذين رفضوا لعقوبات قاسية مفتعلة أو موجهة، وبالتالى أصبح النادي خلال سنوات قليلة قوة كاسحة في الكرة العراقية، وفاز بالدوري والكؤوس والبطولات العربية، بينما كان اللاعبون يعرفون أن الفوز ليس مجرد مكافأة، وأن الهزيمة قد تكون لها عواقب شخصية مرعبة. وهنا تتحول كرة القدم من لعبة إلى نسخة مصغرة من الدولة، حيث السلطة تختار من تدعمه ، وتمنحه الموارد، وتحشد المؤسسات خلفه، ثم تطلب من الجماهير أن تتعامل مع النتائج باعتبارها دليلًا على التفوق الطبيعي للنادي، وهذه هي النقطة التي تكشف جوهر المسألة في دولنا المتخلفة. فالتدخل في كرة القدم لا يعني بالضرورة أن يتصل الحاكم بالحكم ليطلب منه احتساب ضربة جزاء أو إلغاء هدف. فالصورة الأكثر خطورة هي صناعة منظومة كاملة تجعل ناديًا معينًا يبدأ المنافسة وهو متفوق أصلًا: أموال أكثر، لاعبون أفضل، حماية إدارية غير طبيعية ، نفوذ داخل المؤسسات، إعلام منحاز، وقدرة على الضغط على المنافسين وعقابهم ، ثم تترك للملعب مهمة إكمال المشهد. بينما المنافسة العادلة لا تعني فقط أن تبدأ المباراة وتنتهي داخل الملعب، وإنما أن يدخل الجميع إليها بالقواعد نفسها والفرص نفسها، وأن تكون المؤسسة التي تدير اللعبة أقوى من نفوذ الأندية والسلطة، وأن يكون الفوز نتيجة لما يحدث في الملعب، لا لما يحدث في مكاتب القرار. وعندما يصبح نادي السلطة فوق المنافسة، فإن كرة القدم لا تعود لعبة، بل تصبح مجرد صورة أخرى من صور الدولة القمعية التي تحكمها السلطة نفسها، من يملك القوة والنفوذ فيها يحتكر الثروات والنتائج والبطولات !!
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التناقضات الناصرية !!
-
سموتريتش وسيناء !؟
-
العملية بسيطة للغاية !!
-
السادات ، قتل مرتين !؟
-
مأساة السلطات المنتخبة فى عالمنا المتخلف!؟
-
التجارة بالأديان والمقدسات !؟
-
نوستالجيا هامشية !؟
-
بلال فضل ، وضياء العوضى !!
-
باسم عودة، تجربة حزينة !!
-
لسنا شعبا جبانا !
-
أصنام القيم والمبادئ !!
-
شعب شجاع ،ونخبة لاتعي !؟
-
هل تدخل مصر الحرب ؟
-
دفاعا عن النظام العلاجى للدكتور ضياء العوضى !!
-
كيف أحرقت السياسة ،مكة و الكعبة،أربع مرات؟
-
آدى إللى كان ،، يامولانا ؟
-
الديانة السلفية !!
-
نهاية العالم يوم 13 نوفمبر 2026 !؟
-
النظام البرلمانى كخيار للاصلاح
-
طه حسين خارج الهالة، تفكيك الرمز لاهدمه !
المزيد.....
-
بورتو ينتزع فوزه الأول في دوري أبطال أوروبا برباعية أمام ناب
...
-
كلوب بروج البلجيكي يباغت آيندهوفن الهولندي ويهزمه في عقر دار
...
-
منتخب مصر يهزم الإمارات بثلاثية ويتوج ببطولة كأس الخليج للنا
...
-
وزير الرياضة يهنئ منتخب مصر للناشئين بعد التتويج بلقب كأس ال
...
-
أحمد صفوت أفضل لاعب في كأس الخليج للناشئين
-
آدم يوسف: تعاملنا مع بطولة الخليج وكأنها كأس العالم
-
بعدما ودع البطولة.. خالد جلال ينتقد موعد مباراة المحلة والات
...
-
انتصار مانشستر سيتي.. نتائج 9 مباريات في ثاني أيام الجولة ال
...
-
مبادرة إنسانية راقية من فريق كريستيانو رونالدو تجاه عائلة ال
...
-
مانشستر سيتي يفوز على لايبزيغ في عقر داره (فيديو)
المزيد.....
-
مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم
/ ميكايل كوريا
-
العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء
/ إدريس ولد القابلة
المزيد.....
|