حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 02:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكساندر: نعم. يجب عَليَّ القول أنه في بعض أرجاء أوربا يتولى المواطنون بالفعل الربط بين عجز الطبقة السياسية الحاكمة عن تقديم الحلول الاقتصادية الناجعة، وبين محاولاتها تكميم الأفواه وقمع المحتجين، وبين الترويج للحرب ضد روسيا. أنا كنت في ألمانيا مؤخراً، ولقد وجدت أن الناس فيها يقيمون مثل هذا الربط. كما كانوا ينتقدون في محادثاتهم الخاصة ما يرونه من سردية الطبقة السياسية الحكمة الموجهة لتبرير شن الحرب الشاملة على روسيا. كما شهِدْتُ الانتخابات التي جرت في ثلاث مقاطعات ألمانية شرقية: ساكسونيا أنهالت و مكلنبورغ-فوربومرن و برلين، وتبيّن لي أن الأحزاب التي فازت فيها كان أحد أهم أسباب فوزها هو ما رآه الناخبون من معارضتها التامة للإنجرار للحرب. أقصد أن هذه القضية قد شكلت همّا قوياً ي نفوس المقترعين.
غارلند: نعم، وأعتقد أن ذلك الهَمّ واسع الانتشار في كافة أرجاء الغرب، لأنه في الوقت الذي يكافح فيه الناس ويعانون – وهذه مسألة أخرى: إذا ما لاحظت المقترعين الشباب الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر فستجدهم ساخطين جداً، ويسيرون في كل إتجاه. أنت تعرف النكتة القديمة اتي تقول: في خضم العاصفة، كل الموانيء الأخرى تكون هي الأكثر أماناُ؛ كل الأمكنة، إلا هنا. وعليه، فإن شريحة الشباب خصوصاً تبحث عن الخيارات الأخرى الممكنة بسبب تذمرها من الوضع الراهن. هؤلاء الشباب يعرفون أنهم سيصبحون هم الطُعْم للمدافع حالما يتم إرسالهم للحرب. إننا في وضع مثير للاهتمام: فما أن تندلع الحرب، سيقول الساسة للشباب: "حسناً، عليكم الأن أن ترتدوا بزّاتكم العسكرية وأن تتوجهوا للحرب". وما أن يحصل هذا على الصعيد غير الافتراضي حتى يٌواجَه بالمقاومة المادية المعاكسة. لقد رأينا أن مثل هذه الدعوة عندما حصلت مؤخراً في ألمانيا كان رد الشباب عليها حاسماُ: "كلا، لن نفعل ذلك"؛ نقطة، رأس السطر. هنا "يحتك المطاط بالطريق"، مثلما يُقال. ونحن نقترب أكثر فأكثر في ظل هذه الظروف من نقطة "المواجهة المتأزمة" (standoff) (مواجهة كسر العظم) النهائية عندما تقول الحكومة في لحظة ما: "يجب عليكم القيام بهذا؛ ولا يمكنكم لكم القيام بهذا"؛ أو يقولون للبلدان الأخرى: "يجب عليكم أن تقوموا بهذا وليس هذا". نحن نقترب أكثر فأكثر من نقاط كسر العظم الخطرة تلك. وفي حالة أوكرانيا، نحن نرى كييف وهي تسقط في حالة من التهاوي إلى الحد الذي لن تكون فيه مدينةً يُمكن للناس العيش فيها؛ ولا العاصمة التي يمكن إدارة الحكومة منها.
ألكساندر: دعنا نتحدث قليلاً عن كييف. لدينا الآن تلك الهجمات (الروسية) التي تُشن على كييف: الهجمات على الجسور، على منظومة الكهرباء، وغيرها من مختلف أنواع الهجمات. وفي خضم هذا الهجمات، رأينا مجموعتين تهرعان لكييف: المجموعة الأولى ضمت ميرتز – المستشار الألماني؛ وتألفت المجموعة الثانية من جنرالات الناتو. كلهم هرعوا إلى كييف. ولكن ما الذي جاؤا به لكييف؟ لقد جاؤا بلا شيء! أقصد أنهم لا يمتلكون حلاً واقعياً للمشاكل التي يعاني منها سكان كييف الآن. إنهم لم يجلبوا معهم مقترحاً عن كيفية الدفاع عن كييف لأنهم لا يمتلكون الأسلحة المضادة الفعالة التي يمكنها تحقيق ذلك. كما أنهم لم يجلبوا مقترحاً ينطوي على نوع من المبادرة الدبلوماسية التي من شأنها حل أزمة كييف. لقد جاؤا وفي جعبتهم لا شيء، البتة.
ثم سمعنا زلنسكي وهو يقول لهم: "على أوربا أن تفعل أكثر مما تقوم بفعله الآن"؛ والمرء يعرف ما الذي يقصده زلنسكي بعبارة: "أن تفعل أكثر". وأنا لا أستطيع إلا أن أتعاطف معه! إنه يواصل استقبال كل هؤلاء الساسة والجنرالات، ولا يسمع منهم سوى القول: "كلنا نساندك؛ واصل عملياتك الحربية"! هو قابع في عاصمة يتم تدميرها؛ وهم يأتون إليه فارغين إلا من الكلام. أعتقد أنهم لا يمتلكون شيئاً غير الكلام.
ما هو رأيك؟
غارلند: لقد جاء كلهم راكضاً إلى كييف يأساً. أنت تعرف النكتة التي تقول: "في الحرب، الركض ليس خطة؛ الركض يحصل عندما تفشل خطتك". هذا يذكِّرني بالتصرف الشديد البيروقراطية في هذا الشأن. كنت أشتغل في مكتب الحاكم؛ وكان واجبي هو تنظيم كل تلك الاجتماعات. أتذكر أنه كان لدينا "ذلك الشيء" الذي يفترض بنا أن ننجزه. ولكن ما من أحد من المدعوين للاجتماع كان يعرف أي شيء عن "ذلك الشيء"! غير أن ما من أحد من المجتمعين كان بوسعه الاعتراف بأنه قادم لحضور جتماع حكومي دون أن تكون لديه أي فكرة عن "الشيء الواجب عمله". لذا، فقد قمت بتجميع كراسة – كراس يبدو ككتاب وليس فيه سوى العنوان "جدول المحتويات"، وكان فارغاً تماماً. قمت بتوزيع ذلك الكراس وأنا أقول للمجتمعين: "علينا أن نملأ هذا الكتاب". ثم جاء وقت تناول القهوة، فقلت: "لقد أعددت هذا الكراس وأنا أشعر بالإحباط لأنني لا أعرف ما الذي أدونه فيه". وهنا رد عليهم أحدهم بالقول: "ولكنك قمت بإعداد هذا الكراس، على الأقل، وهذا إنجاز"! ما كان أياً منهم يعرف أي شيئ واجب الفعل في اجتماعنا ذاك! وهذا ما يحصل في مثل هذه الاجتماعات البيروقراطية. كل واحد يتلفت حوله وهو يقول: "ما ذا نعمل الأن"؟ وسبب هذا هو أنهم في واقع الحال، ليس لديهم ما يستطيعون فعله. ما نراه الأن هو "صوت الحتمية"(the sound of inevitability). تلك الصواريخ التي يسمعون ضرباتها في كييف هي "صوت الحتمية"؛ وفي تلك اللحظة، لا يوجد لديهم أي إجراء يستطيعون إتخاذه. وهذا يعيدنا إلى المسألة التي نرددها مراراً وتكراراً: لقد وصلتم إلى أخر حدود ما تستطيع قوتكم فعله، والدليل على بلوغكم نهاية تلك الحدود هو حصيلة الحرب الجوية القائمة فوق كييف. لذا، فقد أصبح بمقدورنا جميعاً القول الآن: "لا مندوحة من مغادرتكم كييف". وعندما تغادرون كييف، سيبقى الناس في أوكرنيا يتلفتون حولهم قائلين: "لقد انتهى الأمر"! فما أنتم فاعلون ساعتها؟
ألكساندر: ألا ينطبق هذا بالضبط على الوضع القائم الآن في الشرق الأوسط؟ محمد بن سلمان يتصل هاتفيا بترامب: لقد اتصل به مراراً ليقول: "ساعدني؛ أنقذني! أقصف الحوثيين لخاطري"! ولكن ترامب مضطر لرفض القيام بذلك لأنه لن يستطيع في آخر المطاف إحراز النصر جرّاء قصفه للحوثيين. بل إن من شأن ذلك أن يجعل الوضع أسوأ مما هو عليه. ثم يهاتف محمد بن سلمان أردوغان والباكستانيين مستنجدا: "ساعدوني! أنقذونيّ"؛ فيأتيه الجواب: "سنرسل الطائرات الحربية للسعودية؛ لن نرسل لكم أي قوات برية، بالطبع؛ لسنا في معرض مقاتلة الحوثيين، أو قصفهم البتة". ألا يمثّل كل هذا الإعتراف بأن للقوة حدودها؟ صحيح أن الغرب ما يزال يمتلك قوة حربية ضاربة؛ ولكنه لم يعد يستطيع استخدامها بالطريقة الناجعة التي كان قد اعتاد عليها من قبل، أليس كذلك؟
غارلند: أجل. كما أن تركيا والباكستان - التي يقطنها الكثير من الشيعة – شعوبهما لا تقف بالتأكيد إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط. لذا، فإن قادة تينك الدولتين يتوخون أقصى الحذر من القيام بأي عمل حربي يمكن أن يعتبره شعبيهما أنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني..إلخ، لأن من شأن ذلك إثارة الاضطرابات الشعبية داخل بلديهما. وعلاوة على هذا، أعتقد أنه في حالة ارسال تركيا والباكستان قواتهما البرية للسعودية، فلن تكون مهمتها محاربة الحوثيين، وإنما قمع ما يحتمل نشوبه من الانتفاضات الشعبية للقوى المحلية المناوئة لمحمد بن سلمان داخل السعودية نفسها.
ألكساندر: ولكننا نجد أنفسنا مرة أخرى إزاء وضع خطير: قد لا نمتلك القوة اللازمة للإنتصار، غير أننا لا نمتلك الإرادة للتفاوض أيضاً. هذا هو القفص الذي نغلق على أنفسنا داخله. أنا من الذين يعتقدون أن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية التي وُقعت في نيسان الماضي مثَّلت في الواقع صفقة جيدة جداً للولايات المتحدة الأمريكية. إنها تضمن فتح مضيق هرمز؛ وهي تتيح للولايات المتحدة الخروج من منطقة الخليج التي هي ليست بحاجة إليه، ولا يتوجب عليها أن تتواجد فيه لكونه يبدد مواردها؛ وهي تفتح الطريق أمام الإستقرار في المنطقة؛ وتتيح أمكانية حصول نوع من المصالحة بين إيران وبلدان الخليج العربي. ورغم كل هذه النواحي الإيجابية، فقد ووجهت تلك الصفقة بالمعارضة الشديدة والضخمة. وصرنا نرى كل أولئك الأشخاص الذين اعتدناهم وهم يخرجون علينا قائلين: هذا أمر مريع؛ هذا هو الاستسلام: نحن لا يمكننا أن نثق بالجانب المقابل – كما لو كان هذا الجانب هو الذي يستطيع أن يثق بنا. وهكذا، فقد تم الرمي بها خارج الشباك. ولحد الآن، لا يوجد هناك من يفكر بالعودة إليها أو يحاول على الأقل البحث عن حل دبلوماسي آخر على غرارها.
غارلند: نعم. أنا معك في هذا. لقد كانت مذكرة التفاهم تلك صفقة عظيمة، خصوصاً في ضوء أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد خسرت تلك الحرب،بالفعل. فإذا ما خسرتَ أنت الحرب وقام الجانب الأخر بمنحك مكسباً ما يتيح لك فرصة إنهاء الحرب، فإن تلك هي نتيجة رائعة لصالح الجانب الذي خسر الحرب. النقطة المهمة هنا هي أن هذا يكشف عن حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد هي نفس ذلك المهيمن الذي كانت عليه في السابق. ولكنها ما زالت تتمسك – مرة أخرى – بسياسة: "علينا أن نفرض عليهم بالقوة المجيء إلى طاولة المباحثات" دون وعي حقيقة أننا لم نعد نمتلك القوة اللازمة التي تمككنا من أن "نفرض عليهم بالقوة المجيء إلى طاولة المباحثات". نحن ما زلنا غير قادرين على لوي إرادتنا وفقما تمليه علينا الوقائع؛ وهو ما يفسر سبب كوننا ما زلنا نتوهم بأننا القوة الوحيدة المهيمنة على العالم كله، وأننا في لحظة القوة الأحادية.. إلخ. ومن المعلوم أنك ما أن تعقد الصفقة، فإنك تقبل مقدماً بأن لإيران قول فيها: أنت ترى أن أيران قد أثبتت أنها قوية عسكرياً، وهذا ما يؤهلها أن تحصل على شيء ما بالمقال. نحن ليس لدينا اليوم دبلوماسيين محترفين. ليس لدينا أي دبلوماسي تم تدريبه على مهنة الدبلوماسية. لدينا فقط رجال السياسة الذين يتم الزج بهم لسبب ما في المناصب الدبلوماسية للحكومة. لكنني أعتقد أن العالم كلة صار ينظر إلينا الآن وهو يقول بجلاء: "لقد حصلتم على صفقة عادلة ومعقولة مع أيران؛ ولكنكم نقضتموها، وهاجمتم إيران. أنتم الجانب الناكل الذي خرج من المعاهدة؛ إذاً، فأنتم ما عدتم الطرف المتحكّم الذي يُملي شروطه".
هذه هي المشكلة التي تقتل سردية الامبراطورية في هذه المرحلة بالذات. وفي الحقيقة فإن الامبراطورية قد باتت الأن مجرد سردية. إذا صار الناس لا يصدقون أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحكّم بكل شيء – وقد باتوا لا يصدقون هذا بالفعل – فهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تتحكّم في كل شيء. والناس الوحيدون الذين ما زالوا يؤمنون بأن الولايات المتحدة تتحكّم بكل شيء هم فقط حفنة من المحافظين الجدد الذين يحيون في هذا العالم بغية جعله أخطر علينا جميعاً.
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟