أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - حفريات وفصوص / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي














المزيد.....

حفريات وفصوص / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


فصوص الخاتم.. حين يصبح النقد حفراً في جسد القصيدة
نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس كتاب الدكتور علاء العبادي (فصوص الخاتم: حفريات في تجربة مقداد مسعود) مجرد قراءة نقدية لشاعر عراقي، ولا هو محاولة لإعادة تقديم تجربة شعرية عبر عبارات الاحتفاء المعتادة؛ إنما يبدو مشروعاً في تفكيك تجربة تتكئ على طبقات متراكبة من اللغة والذاكرة والأسئلة الوجودية والمرارة والسخرية. وهنا تكمن أهمية الكتاب: أن الناقد لم يتعامل مع مقداد مسعود بوصفه شاعراً ينبغي الاحتفاء به، بل بوصفه نصاً مفتوحاً على الاحتمال والمساءلة. فالقراءة النقدية الجادة لا تكتفي بأن تقول إن الشاعر مهم، وإنما تسأل: أين تكمن أهمية تجربته؟ وما الذي تقترحه للقصيدة العراقية؟ وما الذي يظل غامضاً أو ملتبساً أو قابلاً لإعادة القراءة؟
لعل مفردة (الحفريات) في العنوان ليست بريئة. إنها تحيل إلى قراءة لا تكتفي بسطح النص، بل تحاول الوصول إلى طبقاته الدفينة؛ إلى ما تخفيه اللغة بقدر ما تكشفه، وإلى المسافة بين ما يقوله الشاعر وما تتركه القصيدة من ظلال وأسئلة. أما (فصوص الخاتم) فتمنح العنوان دلالة أخرى؛ فالتجربة الشعرية هنا ليست كتلة واحدة مغلقة، وإنما مجموعة فصوص متجاورة، لكل منها بريقه ودلالته، لكن قيمتها النهائية تتشكل من انتظامها داخل خاتم التجربة كلها. والعبارة التي يضعها العبادي في ظهر الكتاب حول قدرة مقداد مسعود على المزج بين النقد اللاذع والحس الصوفي، والتفكيك والتأسيس، والسخرية المرّة والرقة المدهشة، تفتح باباً مهماً لفهم هذه التجربة. فالشاعر الذي يجمع هذه المتناقضات لا يكتب من موقع الاطمئنان، بل من منطقة القلق؛ ولا يتعامل مع القصيدة بوصفها ملاذاً جاهزاً، بل بوصفها مساحة صراع بين الإنسان والعالم واللغة والذاكرة.
هنا تحديداً تصبح السخرية أكثر من تقنية أسلوبية؛ إنها موقف من واقع فقد كثيراً من قابليته للتصديق. كما أن الحس الصوفي، في مثل هذه التجربة، لا يعني بالضرورة الانتماء إلى خطاب صوفي تقليدي، بقدر ما يعني البحث عن المعنى في منطقة تتجاوز المباشر والمحسوس. وبين السخرية والتصوف تتحرك القصيدة في فضاء بالغ التوتر: تهدم المعنى لكي تعيد بناءه، وتشُكّك في اليقين من أجل الوصول إلى سؤال أعمق. لكن قيمة القراءة النقدية لا ينبغي أن تقاس بمقدار إعجابها بالشاعر، وإنما بقدرتها على الاقتراب من المناطق التي قد لا يرغب الشاعر نفسه في الكشف عنها. ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كتاب العبادي هو: هل تكفي مفاتيح السخرية والتصوف والتفكيك لتفسير تجربة بهذا الاتساع، أم أن النصوص تخفي أنساقاً أخرى تحتاج إلى مقاربات مغايرة؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من التجربة، بل تمنحها حقها الحقيقي في النقد. فالشاعر الكبير لا يحتاج إلى ناقد يضع حول تجربته سياجاً من المديح، وإنما يحتاج إلى ناقد يغامر بالدخول إلى المناطق الوعرة في نصه، ويختبر تناقضاته، ويكشف مساحاته المضيئة والمعتمة معاً. ومن الجوانب المهمة في الكتاب أن القسم النقدي لا يأتي منفصلاً عن النصوص؛ إذ يليه قسم يضم مختارات من خمس عشرة مجموعة شعرية. وهذه البنية تمنح القارئ فرصة مهمة: أن يقرأ الحكم النقدي، ثم يعود إلى النص، وأن يختبر بنفسه ما يقوله الناقد. وهنا يتحول القارئ من متلقٍ للحكم إلى شريك في إنتاجه.
إن النقد الذي يكتفي بتلخيص الشاعر يظل تابعاً للنص، أما النقد الذي يضع النص في مواجهة أسئلته الكبرى فإنه يتحول إلى كتابة موازية. وربما هذه هي المساحة التي يطمح إليها كتاب «فصوص الخاتم»: ألا يكون شرحاً لمقداد مسعود، بل إعادة اكتشاف له. فالشعر الحقيقي لا تنتهي مهمته حين ينتهي الشاعر من كتابة القصيدة؛ بل تبدأ حياة أخرى للنص عندما يدخل فضاء القراءة. وكل قراءة عميقة تعيد تشكيل النص، وتمنحه احتمالاً جديداً. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة مقداد مسعود لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تجربة مكتملة ومغلقة، بل بوصفها مشروعاً قابلاً للحفر المستمر. وهذا ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة: لأنه يضع الشاعر والناقد والقارئ في منطقة واحدة من القلق؛ فلا الشاعر يمتلك الكلمة الأخيرة، ولا الناقد يمتلك الحقيقة الأخيرة، ولا القارئ مطالب بأن يقبل الخلاصات الجاهزة.
في النهاية، ليست قيمة القصيدة في أن تمنحنا جواباً، بل في قدرتها على أن تجعل السؤال أكثر عمقاً. وربما هنا تحديداً تكمن إحدى نقاط الالتقاء بين مقداد مسعود وقراءة علاء العبادي: كلاهما يترك الباب مفتوحاً، لأن النص الذي يُغلق أبوابه يموت، أما النص الذي يظل قابلاً للحفر فإنه يواصل الحياة.



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحية للناقد وتحية للحوار المتمدن
- مادلين
- رسالة عصر الجمعة
- (حُب)
- كتاب جديد
- ثلاث حركات سينمائية. د. علاء العبادي
- الشاعر بلند الحيدري .. وطبعة سعاد الصباح
- مفارقة موجعة/ في قصيدة (خطبة عصفور) نبيل عبد الأمير الربيعي
- خطبة عصفور
- ماجد قاسم وقراءة نقدية في (قصائد بلا أقفاص)
- لكّل خريطة ٍ طيورُها : كتاب شعري
- الشاعر حيدر الكعبي / الشاعر نيكانور بارا
- محطة بلا قطار
- الشاعر السياب.. من خلال الروائي مهدي عيسى الصقر
- سيادة الماء في قصص محمد خضير
- المعرفي الدؤوب عبد الغفار العطوي
- (الشاطئ الثاني) رواية مهدي عيسى الصقر
- الشاعر والناقد عبد الرزاق صالح (شمس النارنج) مقداد مسعود
- الناقد حيدر عبد الرضا.. و(هدوء الفضة)
- (واحتي هالة القمر) للشاعرة زهور دكسن


المزيد.....




- وفاة الممثل الأمريكي آر جاي ميتي نجم -Breaking Bad- عن 34 عا ...
- إيرادات مخيبة لفيلم «ذا سوشال ريكونينغ» وتباين مصير أعمال ال ...
- آبل تطلق أول فيلم رعب غامر لجهاز Vision Pro الجمعة
- احتجاز الممثلة سلمى بلير في نيويورك بعد اتهامها بالاعتداء عل ...
- وزير الثقافة والسياحة يعزي مدير عام هيئة الآثار في سيئون بوف ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 8
- الفن في زمن الحرب.. فنانون يمنيون يروون ثمن الموقف
- إيلون ماسك وسام ألتمان.. عملاقا التكنولوجيا يعترضان على صورت ...
- المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي لـ-الجزيرة نت-: تعديل ...
- -السنافر: المغامرات الخالدة 2-.. السينما لا تقبل إعادة التدو ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - حفريات وفصوص / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي