أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير الخويلدي - أنطولوجيا ارسطو بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقا للغايات















المزيد.....


أنطولوجيا ارسطو بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقا للغايات


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 08:29
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مقدمة
"إن السؤال الذي طُرح قديماً ويُطرح الآن دائماً، ويبقى دائماً موضع حيرة، هو: ما الوجود؟ وهو ما يعني: ما الجوهر؟"
تقف أنطولوجيا أرسطو في قلب الفلسفة الإغريقية بوصفها محاولة جذرية لفهم الوجود بما هو وجود، لا بما هو موضوع جزئي لعلم من العلوم. غير أن هذه الأنطولوجيا لا تنفصل عن سؤال المعرفة ولا عن سؤال الفعل. فهي تربط بين القدرة على إدراك المبادئ الأولى للوجود وبين توجيه الفعل الإنساني وفقاً لغايات متأصلة في طبيعة الأشياء وطبيعة الإنسان. من هنا فإن المقاربة الفلسفية الإغريقية لهذه الأنطولوجيا تكشف عن وحدة عميقة بين النظر والعمل، بين الإبيستيمي والبراكسيس، وبين المبدأ والغاية.
تبدو أنطولوجيا أرسطو، للوهلة الأولى، مشروعاً متماسكاً يربط إدراك المبادئ الأولى للوجود بتوجيه الفعل الإنساني نحو غاياته الخاصة. غير أن النظر الاستشكالي يكشف عن توترات عميقة داخل هذا الربط. فالمعرفة بالمبادئ تتعلق بما هو كلي وضروري وثابت، بينما الفعل وفقاً للغايات يندرج في عالم الجزئي والمتغير والممكن. من هنا ينشأ السؤال المركزي: كيف يمكن لعلم يبحث في الوجود بما هو وجود، وفي العلل الأولى، أن يؤسس أو يوجه فعلاً يقع بالضرورة داخل عالم الصيرورة والاحتمال؟ وهل تستطيع الغائية الأنطولوجية أن تسد الفجوة بين النظر والعمل دون أن تقع في تناقض أو في اختزال لأحد الطرفين؟
إشكالية الفصل بين الضروري والممكن
يُميز أرسطو تمييزاً حاسماً بين ما هو ضروري وما هو ممكن أن يكون على نحو آخر. المعرفة العلمية الحقيقية (epistēmē) تتعلق بما هو ضروري ولا يمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه، ولهذا ترتبط بالمبادئ الأولى والعلل الثابتة. أما الفعل الأخلاقي والسياسي فيتعلق بما يمكن أن يكون على نحو مختلف، وبما يخضع للاختيار والتداول. فإذا كانت الأنطولوجيا علماً بالمبادئ الضرورية، فكيف يمكنها أن توجه فعلاً ينتمي إلى نظام مختلف تماماً من الوجود؟
هذه الإشكالية لا تُحل بمجرد القول إن معرفة طبيعة الإنسان تكشف عن غايته. فمعرفة الطبيعة الإنسانية بوصفها جوهراً عاقلاً تظل معرفة بما هو كلي، بينما الفعل يحدث في موقف جزئي محدد يتطلب تقديراً للظروف المتغيرة. الفطنة (phronēsis) هي الملكة التي يُفترض أن تسد هذه الفجوة، لكنها ذاتها تثير سؤالاً استشكالياً: هل الفطنة امتداد للمعرفة الأنطولوجية بالمبادئ، أم أنها نمط مختلف من الإدراك لا يرتد إلى العلم النظري؟ إذا كانت امتداداً، فكيف تتعامل مع الجزئي دون أن تفقد طابعها المبدئي؟ وإذا كانت نمطاً مختلفاً، فهل تظل الأنطولوجيا أساساً حقيقياً للفعل أم مجرد خلفية عامة غير كافية؟
إشكالية أولوية النظر على العمل
يمنح أرسطو الحياة النظرية مكانة أعلى من الحياة العملية. فالتأمل في المبادئ الأولى يحقق العقل في كماله الخاص، ويقترب من الفعل الإلهي الذي هو فكر يفكر في ذاته. السعادة القصوى ترتبط بهذا النشاط النظري أكثر مما ترتبط بالفعل الأخلاقي أو السياسي. غير أن هذا التراتب يضع إمكانية توجيه الفعل وفقاً للغايات في موضع حرج.إذا كان الكمال الإنساني الأعلى يكمن في النظر، فما قيمة الفعل الأخلاقي سوى بوصفه شرطاً تمهيدياً أو ضرورة تفرضها محدودية الإنسان الذي لا يستطيع أن يتأمل باستمرار؟ وهل تتحول الغايات العملية إلى غايات ثانوية تخدم غاية أعلى هي التحرر من عالم الفعل ذاته؟ هذه الإشكالية تكشف توتراً داخل التصور الأرسطي للكمال: فالإنسان يُعرَّف من جهة بوصفه كائناً سياسياً وأخلاقياً يحقق صورته عبر الفعل داخل المدينة، ومن جهة أخرى بوصفه كائناً عاقلاً يبلغ أقصى كماله عندما يتجاوز عالم المدينة نحو تأمل المبادئ الأزلية. أي الغايتين هي الغاية الحقيقية للوجود الإنساني؟ وهل تستطيع الأنطولوجيا أن تحسم هذا التردد دون أن تفضل أحد البعدين على حساب الآخر؟
إشكالية الغائية بين الموضوعية والإسقاط
تقوم أنطولوجيا أرسطو على افتراض أن الغائية بنية موضوعية في الوجود نفسه. كل موجود طبيعي يتجه نحو غاية هي كماله، والعلة الغائية جزء أصيل من تفسير الوجود. غير أن هذا الافتراض يثير إشكالية منهجية عميقة: كيف نميز بين الغاية المتأصلة في طبيعة الشيء وبين الغاية التي يسقطها العقل الإنساني على الأشياء؟ في حالة الموجودات الطبيعية غير العاقلة، تبدو الغائية أقرب إلى وصف للنظام المطرد في حركتها. أما في حالة الإنسان، فإن الغاية تصبح موضوعاً للتداول والاختيار، مما يجعلها أكثر عرضة للتأويل. فهل معرفة المبادئ الأنطولوجية تكشف غاية الإنسان كشفاً موضوعياً، أم أنها تقدم إطاراً عاماً يملؤه الإنسان بتأويلاته العملية؟ إذا كانت الأولى، فكيف نفسر تعدد التصورات للسعادة والخير بين الناس؟ وإذا كانت الثانية، فهل تظل الغائية الأنطولوجية أساساً صلباً للفعل أم تتحول إلى أفق مفتوح يفقد طابعه المبدئي؟
هذه الإشكالية تمس صميم الادعاء الأرسطي بأن الأنطولوجيا تستطيع أن تؤسس الإتيقا. فكلما اشتدت موضوعية الغائية، قلت مساحة الحرية والتداول في الفعل. وكلما اتسعت مساحة التداول، ضعفت قدرة المبادئ الأنطولوجية على التوجيه الحاسم.
إشكالية الانتقال من القوة إلى الفعل في المستوى الإنساني
يشكل مفهوما القوة والفعل العمود الفقري للأنطولوجيا الأرسطية. الوجود يتحقق بالانتقال من القوة إلى الفعل وفقاً للصورة. في المستوى الإنساني، يعني الفعل الأخلاقي تحقق الإمكانيات الإنسانية وفقاً للعقل. غير أن هذا التصور يصطدم بإشكالية الفعل الاختياري: فالانتقال من القوة إلى الفعل في الطبيعة يحدث وفقاً لضرورة داخلية أو لعلل منتظمة، بينما في الإنسان يخضع هذا الانتقال للاختيار والجهل والضعف والتروي. فكيف يمكن لمبدأ أنطولوجي يفسر حركة الموجودات الطبيعية أن يستوعب خصوصية الفعل الإنساني الذي يمكن أن يخطئ غايته أو أن يعرف الخير ولا يفعله؟ أرسطو نفسه يقر بوجود الضعف الأخلاقي، أي حالة من يعرف ما ينبغي فعله ولا يفعله. هذا الإقرار يفتح ثغرة داخل الربط بين المعرفة والفعل: فمعرفة المبادئ، حتى لو شملت معرفة الغاية الإنسانية، لا تضمن تحقق هذه الغاية في الفعل. فهل يعني ذلك أن الأنطولوجيا تقدم شروط الإمكانية دون أن تضمن التحقق، أم أن هناك فجوة بنيوية بين نظام الوجود ونظام الممارسة؟
إشكالية الجوهر الإنساني بين الثبات والصيرورة
الجوهر عند أرسطو هو ما يوجد بذاته ويحافظ على هويته عبر التغير. الإنسان بوصفه جوهراً له صورة عاقلة ثابتة من حيث التعريف. غير أن تحقق هذه الصورة يتم عبر أفعال متغيرة وقرارات جزئية وسياقات تاريخية واجتماعية مختلفة. فكيف يمكن لصورة ثابتة أن تتحقق في عالم الصيرورة دون أن تفقد ثباتها أو أن تختزل التغير إلى مجرد عرض؟ هذه الإشكالية تنعكس مباشرة على العلاقة بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقاً للغايات. فالمعرفة تتعلق بالصورة الكلية للإنسان، بينما الفعل يحقق هذه الصورة في ظروف لا تتكرر. هل الكمال الإنساني واحد بالنوع ويختلف بالدرجة فقط، أم أن تعدد أساليب الحياة الفاضلة يكشف عن مرونة في الصورة ذاتها؟ إذا كان الكمال واحداً، فإن الفعل الموجه بالغايات يميل إلى نموذج معياري صارم. وإذا كان متعدد الإمكانات، فإن المبادئ الأنطولوجية تفقد قدرتها على التوجيه الموحد.
إشكالية الوحدة بين الإبيستيمي والبراكسيس في الأفق الإغريقي
في السياق الفلسفي الإغريقي، يُفترض غالباً أن العقل قادر على إدراك نظام الكون وعلى توجيه الحياة وفقاً لهذا الإدراك. أنطولوجيا أرسطو تمثل أحد أبرز تعبيرات هذا الافتراض. غير أن التمييز الداخلي الذي يقيمه أرسطو بين الحكمة النظرية والفطنة العملية يعيد إنتاج انقسام قديم بين عالم الثبات وعالم التغير، بين ما يُعلم علماً يقينياً وما يُدبر تدبيراً ظنياً. فهل ينجح أرسطو في تجاوز هذا الانقسام عبر مفهوم الغائية ومفهوم الفعل بوصفه تحققاً للصورة؟ أم أنه يعيد صياغة الانقسام داخل نظامه الخاص؟ المعرفة بالمبادئ تظل أسمى وأوثق، والفعل يظل أدنى وأقل يقيناً. والغاية القصوى تُسحب نحو التأمل، بينما تُترك المدينة والأخلاق في مرتبة وسطى. هذا الترتيب يثير الشك في ما إذا كانت الأنطولوجيا تؤسس الفعل حقاً أم أنها تضع له حدوداً وتحدد له موقعاً ثانوياً داخل تراتبية أوسع للوجود والمعرفة.
الأنطولوجيا بوصفها علماً بالمبادئ الأولى
"ثمة علم يدرس الوجود بما هو موجود، والخصائص التي تنتمي إليه بالذات. هذا العلم لا يتطابق مع أي من العلوم الجزئية، إذ ليس ثمة علم آخر يدرس الوجود بوجه عام وبما هو كذلك."
يحدد أرسطو الفلسفة الأولى، أو الميتافيزيقا، بوصفها العلم الذي يبحث في الوجود بما هو وجود، وفي المبادئ والعلل الأولى التي يقوم عليها. هذا التحديد يضع الأنطولوجيا في مقام العلم الأعلى، لأنها لا تدرس موجوداً جزئياً كالطبيعة أو العدد أو النفس، بل تدرس ما هو مشترك بين كل الموجودات من حيث هي موجودة. والمعرفة هنا ليست مجرد تجميع لوقائع، بل إدراك للمبادئ (archai) التي تفسر لماذا تكون الأشياء على ما هي عليه. فالمبادئ عند أرسطو ليست مجرد قضايا منطقية مجردة، بل هي علل الوجود ذاتها: العلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية. والمعرفة الحقيقية هي معرفة هذه العلل في ترابطها. فالوجود لا يُفهم إلا من خلال إدراك ما يجعل الشيء جوهراً (ousia)، وما يجعله ينتقل من القوة إلى الفعل، وما يجعله يتجه نحو كماله الخاص. بهذا المعنى تكون الأنطولوجيا معرفة بالمبادئ لأنها تكشف البنية الأساسية لكل ما هو كائن. في السياق الإغريقي، يتميز هذا التصور عن التصورات السابقة التي كانت تبحث عن مبدأ واحد أو عن عناصر أولية. فأرسطو لا يكتفي بمبدأ مادي أو بصور أفلاطونية منفصلة، بل يدمج المبادئ داخل بنية الموجود نفسه. الجوهر هو ما يوجد بذاته، وهو حامل الصفات، وهو ما يتحقق عبر الحركة من القوة إلى الفعل. هذه الرؤية تجعل المعرفة الأنطولوجية معرفة بالمبادئ المحايثة للوجود، لا بالمبادئ المتعالية عنه فقط.
الغائية بوصفها بعداً أصيلاً في الأنطولوجيا
لا تقتصر أنطولوجيا أرسطو على وصف البنية الثابتة للوجود، بل تتضمن بعداً حركياً وغائياً جوهرياً. فكل موجود طبيعي يتجه نحو غاية (telos) هي كماله الخاص. هذه الغائية ليست إضافة خارجية، بل هي جزء من تعريف الوجود ذاته. الوجود بالقوة يتجه نحو الوجود بالفعل، والصورة هي ما يحقق المادة، والكمال هو ما يكتمل به الشيء بحسب طبيعته. فهذا التصور يجعل الأنطولوجيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرة الغاية. فالمعرفة بالمبادئ لا تكتمل إلا بإدراك العلة الغائية، لأنها هي التي تفسر «من أجل ماذا» يوجد الشيء على النحو الذي يوجد عليه. في الفلسفة الإغريقية، يمثل هذا الانتقال من السؤال عن «ما هو؟» إلى السؤال عن «من أجل ماذا؟» تطوراً حاسماً. فبينما ركز بعض السابقين على الأصل أو العنصر، جعل أرسطو الغاية جزءاً لا يتجزأ من فهم الوجود. فالغائية هنا ليست تصوراً ذاتياً يُسقطه الإنسان على الطبيعة، بل هي بنية موضوعية يكتشفها العقل في الأشياء. النبات يتجه نحو النمو والإثمار، والحيوان نحو الإحساس والحركة، والإنسان نحو الحياة العاقلة. هذه التراتبية في الغايات تعكس تراتبية في درجات الوجود، حيث يكون الوجود الأعلى هو الأكثر تحققاً بالفعل والأكثر كمالاً.
من المعرفة بالمبادئ إلى الفعل وفقاً للغايات
إذا كانت الأنطولوجيا معرفة بالمبادئ والعلل، فإن هذه المعرفة لا تظل محصورة في النظر النظري. فالإنسان، بوصفه موجوداً عاقلاً، لا يكتفي بإدراك المبادئ، بل يفعل وفقاً لغايات. والفعل (praxis) عند أرسطو يتميز عن الإنتاج (poiēsis) وعن النظر (theōria). فالفعل الأخلاقي والسياسي هو فعل يُراد لذاته، أو يُراد من أجل غاية هي السعادة (eudaimonia) بوصفها الكمال الإنساني. هنا يظهر الترابط العميق بين الأنطولوجيا والأخلاق. فمعرفة طبيعة الإنسان، بوصفها جزءاً من معرفة الوجود، تكشف أن غايته الخاصة هي الحياة وفقاً للعقل. والفضيلة ليست مجرد عادة أو ميل، بل هي تحقق للصورة الإنسانية في الفعل. الفطنة (phronēsis) هي القدرة على إدراك الغاية الصحيحة في المواقف الجزئية، وربطها بالمبادئ العامة للخير. في المقاربة الإغريقية، يعني هذا أن الفعل الإنساني ليس اعتباطياً ولا خاضعاً لإرادة مطلقة منفصلة عن الطبيعة. فالفعل الجيد هو الفعل الذي ينسجم مع طبيعة الفاعل ومع غاية وجوده. والمعرفة بالمبادئ الأنطولوجية توفر الأساس الذي يجعل هذا الانسجام ممكناً. فمن لا يعرف ما هو الإنسان، ولا يعرف ما هي غايته، لا يستطيع أن يفعل فعلاً موجهاً حقاً نحو الكمال.
التوتر الخلاق بين النظر والعمل
رغم هذا الترابط، تكشف فلسفة أرسطو عن توتر أصيل بين المعرفة النظرية بالمبادئ والفعل العملي وفقاً للغايات. فالنظر (theōria) هو أعلى أشكال النشاط الإنساني، لأنه يحقق العقل في كماله الخاص، ويتعلق بالمبادئ الثابتة والأشياء الضرورية. أما الفعل فيندرج في عالم المتغير والممكن، ويتعلق بما يمكن أن يكون على نحو آخر. فهذا التمييز يثير سؤالاً فلسفياً عميقاً في السياق الإغريقي: هل تكتمل الأنطولوجيا في النظر الخالص، أم أنها تظل موجهة نحو توجيه الفعل؟ أرسطو يميل إلى جعل الحياة النظرية هي الحياة الأسعد والأكثر شبهاً بحياة الإله، لأن الإله هو الفكر الذي يفكر في ذاته، وهو الفعل المحض الخالي من القوة. غير أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش النظرية باستمرار، بل يحتاج إلى الفعل الأخلاقي والسياسي ليحقق كماله داخل المدينة. من هنا فإن الأنطولوجيا الأرسطية تظل مفتوحة على بُعدين: بعد نظري يسعى إلى معرفة المبادئ الأولى، وبعد عملي يسعى إلى تحقيق الغايات في عالم الممارسة. والوحدة بينهما تكمن في أن كلاهما ينبع من فهم الوجود بوصفه متجهاً نحو الكمال. فالمعرفة بالمبادئ تكشف البنية الغائية للوجود، والفعل وفقاً للغايات يحقق هذه الغائية في المستوى الإنساني.
الجوهر والقوة والفعل بوصفها مفاهيم رابطة
"الجوهر، بالمعنى الأدق والأول، هو ما لا يُقال عن موضوع، ولا يوجد في موضوع، مثل: هذا الإنسان أو هذا الحصان." (من كتاب المقولات)
تمثل مفاهيم الجوهر والقوة والفعل الجسر الحقيقي بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقاً للغايات. فالجوهر هو ما يوجد بذاته، وهو حامل الهوية عبر التغير. والقوة هي الإمكانية الكامنة، والفعل هو التحقق. هذه المفاهيم ليست مجرد أدوات تحليلية، بل هي البنية الأساسية التي تجعل الغائية مفهومة. في المعرفة، ندرك المبادئ عندما نفهم كيف ينتقل الشيء من القوة إلى الفعل وفقاً لصورته. وفي الفعل الإنساني، نحقق غايتنا عندما ننقل إمكانياتنا من القوة إلى الفعل وفقاً للعقل. الفضيلة هي ملكة تتحقق بالفعل المتكرر، والسعادة هي تحقق كامل للنشاط الإنساني وفقاً لأكمل فضيلة. بهذا المعنى تكون الأنطولوجيا هي الأساس الذي يجعل علم الأخلاق ممكناً، لأن الأخلاق ليست سوى تطبيق لمبادئ الوجود على الموجود الإنساني.في الفلسفة الإغريقية، يمثل هذا الربط تجاوزاً للفصل الحاد بين عالم المثل وعالم الظواهر، كما يتجاوز النزعة المادية التي ترد الوجود إلى عناصر بلا غاية. فأرسطو يعيد دمج الغائية داخل صميم الوجود، ويجعل المعرفة والفعل وجهين لتحقق واحد.
الدلالة الإغريقية الأوسع للتصور الأرسطي
تنتمي أنطولوجيا أرسطو إلى أفق فلسفي إغريقي يرى في النظام والتراتب والغاية سمات أساسية للكون. فالكون عند الإغريق ليس مجموعاً عشوائياً من الأشياء، بل هو نظام (kosmos) يتجه نحو الانسجام. وأرسطو يعطي لهذا التصور صياغة دقيقة عبر مقولات الوجود والعلل والحركة. فالمعرفة بالمبادئ هي مشاركة في هذا النظام عبر العقل، والفعل وفقاً للغايات هو تحقيق لهذا النظام في الحياة الإنسانية. المدينة الفاضلة هي المكان الذي يتحقق فيه الفعل الأخلاقي والسياسي وفقاً للغايات الصحيحة، والحياة النظرية هي المشاركة في النظام الكوني عبر تأمل المبادئ الأولى. هكذا تتوحد الأنطولوجيا مع الإبيستيمولوجيا ومع الإتيقا في مشروع فلسفي واحد. غير أن هذا التوحيد لا يلغي التمايز. فالمعرفة النظرية تتعلق بما هو ضروري وكلي، بينما الفعل يتعلق بما هو جزئي ومتغير. والحكمة النظرية (sophia) تختلف عن الفطنة العملية. لكن كلاهما يستندان إلى فهم واحد للوجود بوصفه متجهاً نحو كماله.
خاتمة
"الوجود يُقال بأنحاء شتى، ولكن كل ما يُقال إنه موجود، فبإحالة إلى مبدأ واحد ومظهر واحد..."
تكشف أنطولوجيا أرسطو، في مقاربتها الفلسفية الإغريقية، عن رؤية متماسكة تربط المعرفة بالمبادئ الأولى للوجود بالفعل الإنساني الموجه وفقاً للغايات. فالوجود ليس مجرد حضور ساكن، بل هو تحقق متدرج من القوة إلى الفعل، متجه نحو غاية هي كماله الخاص. والمعرفة الحقيقية هي إدراك هذه المبادئ والعلل، والفعل الجيد هو تحقيق الغاية الإنسانية في ضوء هذا الإدراك. بهذا المعنى لا تكون الأنطولوجيا علماً منفصلاً عن الحياة، ولا تكون الأخلاق ممارسة بلا أساس وجودي. بل هما وجهان لمشروع فلسفي واحد يرى في العقل القدرة على فهم النظام الغائي للكون، وفي الفعل القدرة على المشاركة في هذا النظام. والإنسان، بوصفه موجوداً عاقلاً، هو الكائن الذي يستطيع أن يعرف المبادئ وأن يفعل وفقاً للغايات، فيجمع في ذاته بين النظر والعمل، وبين المبدأ والغاية، وبين الوجود والكمال. كما تكشف المقاربة الاستشكالية لأنطولوجيا أرسطو عن توتر دائم بين طموحها إلى تقديم معرفة بالمبادئ الأولى وبين حاجتها إلى توجيه الفعل في عالم الغايات الجزئية. فالضروري لا ينتقل بسلاسة إلى الممكن، والنظري لا يؤسس العملي دون أن يحده أو يتجاوزه، والغائية الموضوعية تصطدم بحرية الاختيار ونسبية التقدير، والانتقال من القوة إلى الفعل يفقد انتظامه في المجال الإنساني، والجوهر الثابت يواجه صيرورة التحقق المتعدد.
هذه التوترات لا تُلغي أهمية المشروع الأرسطي، بل تكشف عن حدوده الداخلية. فالأنطولوجيا الأرسطية تظل معلقة بين رغبتها في الوحدة وبين اضطرارها إلى التمييز، بين ادعائها تأسيس الفعل وبين ميلها إلى تفضيل النظر، بين قولها بغائية محايثة وبين صعوبة إثبات هذه الغائية في مجال الممارسة. والإنسان الأرسطي يظل كائناً يعرف المبادئ ويسعى إلى الغايات، لكنه يفعل ذلك داخل فجوة لا تُسد تماماً بين ما هو كلي وما هو جزئي، وبين ما هو ضروري وما هو مختار. وهذه الفجوة هي ما يجعل العلاقة بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقاً للغايات إشكالية مفتوحة، لا حلاً مكتملاً. فلماذا يترتب عن مقارنة مع أنطولوجيا أرسطو وأفلاطون؟ ولماذا يجدر القيام بتحليل لمفهوم الجوهر عند أرسطو؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في شروط الفعالية التاريخية للفلسفة بين المعرفة النظرية والجد ...
- ماذا يتطلب نقل المجتمع من وضع غير سوي إلى وضع سوي؟
- ثورة الطلاب في فرنسا وتبلور فكر 68 وموقف الفلاسفة النسقيين م ...
- الفكرة الأوراسية بماهي تحول حضاري في العلاقات بين الأمم والد ...
- الاغتراب عند هيجل بوصفه وعياً بالفجوة بين العالم الواقعي وال ...
- فكرة اليسار الجديد عند آين راند
- مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الف ...
- أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
- المقاربة النفعية للمسألة الاقتصادية عند جون ستيوارت مل
- ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟
- مراجعة كتاب جيل دولوز -الفرق والمعاودة- هل يوجد أورغانون للا ...
- من هو الناقد الفلسفي؟ مقاربة ما بعد تأسيسية ما بعد نسقية
- تعلم التفلسف بدل تعلم الفلسفة، مقاربة بيداغوجية
- عدم التساوق بين التحولات المجتمعية الجذرية والمنظومات الأخلا ...
- مقاربة ابستيمولوجية للعلاقة بين الرياضيات والفيزياء
- فلسفة السياسة المعاصرة، مقاربة عمومية
- تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
- الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية ...
- في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على ...
- تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار ...


المزيد.....




- مكياج الشتاء يبدأ من البشرة.. خبيرة تجميل تشرح أبرز اتجاهات ...
- مطار كيب تاون الدولي الجديد يراهن على ربط إفريقيا جوّا
- لقطات درامية توثق لحظة هجوم الحوثيين على مطار الملك خالد في ...
- -تصعيد خطير وتهديد مباشر-.. الكويت تعلّق على هجمات الحوثيين ...
- لماذا لا نصنع المزيد من أسقف المنازل من ألواح شمسية؟
- روسيا وأوكرانيا: انقطاع الكهرباء وضربات جديدة بعد إعلان ترام ...
- مقتل شخص وإصابة آخرين في هجوم جديد للحوثيين على مطار الرياض ...
- نائبة أوروبية تطالب بفتح نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة أما ...
- معارض أوكراني: ترامب أدرك عدم جدوى التفاوض مع زيلينسكي واتجه ...
- -لا نحتاج سوى حظ لمرة واحدة-: تفاصيل الهجوم على فندق -غراند- ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير الخويلدي - أنطولوجيا ارسطو بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقا للغايات