أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الفنومينولوجي التأويلي للمعنى















المزيد.....


مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الفنومينولوجي التأويلي للمعنى


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 08:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة
تمثل نظرية المعرفة أحد الحقول المركزية في الفلسفة، إذ تتناول طبيعة المعرفة وحدودها ومصادرها ومعايير صحتها. وفي السياق المعاصر، يبرز توتر عميق بين تيارين رئيسيين شكلا ملامح الفكر الفلسفي في القرن العشرين وما بعده: التصور المنطقي الوضعي الذي يربط الحقيقة بالتحقق التجريبي والتحليل المنطقي للغة، والمنظور الفنومينولوجي التأويلي الذي يركز على المعنى بوصفه نتاجاً للخبرة المعاشة والتأويل التاريخي والوجودي. ولا يقتصر هذا التوتر على خلاف منهجي، بل يمتد إلى تصور مختلف للواقع والذات والعلاقة بينهما. ومن خلال مقاربة معاصرة، يمكن استكشاف إمكانات الحوار أو التكامل بينهما في ضوء التطورات اللاحقة في فلسفة العلم والهرمينوطيقا والفلسفة التحليلية المتأخرة. فما الفرق بين التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الفنومينولوجي التأويلي للمعنى ؟
التصور المنطقي الوضعي للحقيقة: التحقق والتجريبي واللغة
ينطلق التصور المنطقي الوضعي من رفض الميتافيزيقا التقليدية واعتبار القضايا ذات المعنى هي تلك القابلة للتحقق التجريبي أو التحليل المنطقي. وتُفهم الحقيقة هنا بوصفها تطابقاً بين القضية والواقع التجريبي، أو اتساقاً داخل النسق المنطقي. فالقضية العلمية تكتسب معناها من خلال إمكانية اختبارها بالملاحظة أو التجربة، بينما تُختزل القضايا المنطقية والرياضية إلى تحصيل حاصل لا يضيف معرفة جديدة عن العالم، بل ينظم العلاقات بين الرموز. ويرتكز هذا التصور على مبدأ التحقق الذي يرى أن معنى القضية يكمن في منهج تحققها. وبذلك تُستبعد القضايا الميتافيزيقية والأخلاقية والجمالية من دائرة المعرفة العلمية، إذ تُعتبر خالية من المعنى المعرفي، وإن أمكن أن تحمل دلالة تعبيرية أو عاطفية. وتُصبح اللغة أداة دقيقة يجب تنقيتها من الغموض عبر التحليل المنطقي، بحيث تُترجم القضايا المركبة إلى قضايا أولية مرتبطة مباشرة بالمعطيات الحسية. ومن الناحية الإبستمولوجية، يُعلي هذا الاتجاه من شأن الموضوعية والفصل الصارم بين الذات العارفة والموضوع المعروف. فالمعرفة تُبنى تراكمياً عبر الملاحظة والتجريب، وتُصحح باستمرار من خلال الدحض أو التعزيز. ويُنظر إلى العلم بوصفه النموذج الأسمى للمعرفة، حيث تُختزل الحقيقة إلى ما يمكن إثباته أو تفنيده ضمن إطار منهجي مضبوط. وقد أسهم هذا التصور في تعزيز النزعة التجريبية المنطقية وفي توجيه فلسفة العلم نحو الاهتمام بالبنية المنطقية للنظريات ومعايير التميز بين العلم واللاعلم. غير أن هذا الإطار واجه صعوبات داخلية، أبرزها مشكلة الأساس التجريبي نفسه، وصعوبة التحقق الكامل من القضايا الكلية، وإشكالية ترجمة اللغة النظرية إلى لغة الملاحظة. كما أن التركيز الحصري على التحقق جعل التصور عاجزاً عن استيعاب الأبعاد التاريخية والاجتماعية للمعرفة العلمية، فضلاً عن عجزه عن التعامل مع المعاني التي تتجاوز المعطى الحسي المباشر.
فلسفة اللغة التحليلية: الأصول والتحولات والإشكاليات المعاصرة
تُمثل فلسفة اللغة التحليلية أحد أبرز التيارات التي شكلت مسار الفلسفة في القرن العشرين، إذ نقلت الاهتمام الفلسفي من البحث في طبيعة الوجود أو العقل بوصفهما كيانين مستقلين إلى تحليل اللغة بوصفها الوسط الذي تتشكل فيه المشكلات الفلسفية وتُحل أو تُذاب. وتنطلق هذه الفلسفة من قناعة أساسية مفادها أن كثيراً من الإشكالات التقليدية تنشأ عن سوء فهم لمنطق اللغة أو عن استخدامها خارج السياقات التي تمنحها معناها. ومن خلال التركيز على البنية المنطقية للكلمات والجمل، وعلى شروط الدلالة والإحالة والصدق، سعت الفلسفة التحليلية إلى تحقيق قدر من الوضوح والدقة يُقرب الفلسفة من صرامة العلوم الصورية والتجريبية، دون أن تتخلى عن طابعها النقدي والتأملي.
ارتبط ظهور فلسفة اللغة التحليلية بتحول جوهري في طريقة طرح الأسئلة الفلسفية، تحوّل يُعرف غالباً بالمنعطف اللغوي. فقد أصبح التحليل المنطقي للغة الأداة الأساسية لتوضيح المفاهيم وكشف الافتراضات المضمرة. ويُنظر إلى هذا التحول بوصفه استجابة مزدوجة: من جهة، للتطورات في المنطق الرياضي التي وفرت أدوات شكلية دقيقة؛ ومن جهة أخرى، للإخفاقات المتكررة للأنظمة الميتافيزيقية الكبرى في تقديم إجابات حاسمة.في المرحلة المبكرة، تركز الاهتمام على بناء لغة مثالية أو على كشف البنية المنطقية العميقة المختفية وراء اللغة الطبيعية. وكان الهدف تخليص الفكر من الغموض والاشتراك اللفظي والمغالطات التي تنشأ عن الخلط بين الصورة النحوية والصورة المنطقية. فالجملة قد تبدو بسيطة نحوياً لكنها تخفي تعقيداً منطقياً، أو قد تبدو ذات معنى وهي في الحقيقة خالية من الدلالة المعرفية. ومن هنا جاء السعي إلى ترجمة القضايا إلى صيغ رمزية تكشف عن شروط صدقها وعلاقاتها الاستدلالية. تتراوح نظرية المعنى بين الإحالة والصدق والاستعمال وتدور فلسفة اللغة التحليلية حول إشكالية المعنى بوصفها المحور الذي تتفرع عنه معظم المناقشات. وقد تبلورت عدة مقاربات مترابطة، وإن اختلفت في الأولويات. ترى إحدى المقاربات أن معنى التعبير يرتبط بما يحيل إليه في العالم، سواء أكان موضوعاً فردياً أم خاصية أم علاقة. ويُصبح تحديد شروط الإحالة الناجحة مركزياً لفهم كيف تكتسب الألفاظ دلالتها، وكيف تختلف الأسماء عن الأوصاف، وكيف تُثبت الإحالة عبر السياقات المختلفة. وتربط مقاربة أخرى المعنى بشروط الصدق. فمعنى الجملة يُحدد من خلال الظروف التي تكون فيها صادقة أو كاذبة. ويسمح هذا الربط بتحليل مركّب للجمل المعقدة عبر معرفة كيف تعتمد قيم صدقها على قيم صدق أجزائها. كما يفتح الباب أمام دراسة العلاقات المنطقية مثل الاستلزام والتناقض والتكافؤ بوصفها علاقات بين معاني الجمل لا مجرد علاقات شكلية. أما المقاربة التي برزت بقوة في مرحلة لاحقة فتنقل مركز الثقل من الإحالة والصدق إلى الاستعمال. فمعنى الكلمة أو الجملة لا يُختزل في ما تشير إليه أو في شروط صدقها المجردة، بل يتحدد بالطريقة التي تُستخدم بها داخل ممارسات لغوية واجتماعية معينة. وتُصبح اللغة مجموعة من الألعاب أو الأنشطة التي تخضع لقواعد مشتركة، ويكون فهم المعنى فهماً لكيفية المشاركة في هذه الأنشطة. ويُبرز هذا التوجه أن الدلالة ليست خاصية ثابتة للألفاظ بمعزل عن السياق والمقاصد والتفاعل. لقد أنتجت فلسفة اللغة التحليلية مجموعة من التمييزات التي أصبحت أدوات أساسية في النقاش. من أبرزها التمييز بين المعنى والإحالة، حيث يمكن لتعبيرين أن يشيرا إلى الشيء نفسه ويختلفا مع ذلك في المعنى المعرفي. ويسمح هذا التمييز بتفسير كيف تكون بعض القضايا المعرفية غنية بالمحتوى رغم أنها تحيل إلى هوية واحدة. كما برز التمييز بين الجمل التحليلية التي تصدق بحكم معناها وحده والجمل التركيبية التي تعتمد على الواقع التجريبي، وإن تعرض هذا التمييز لاحقاً لنقد جذري أظهر صعوبة الفصل الحاد بينهما. وتُعد مشكلة الأوصاف المحددة من الإشكاليات الكلاسيكية التي كشفت عن أهمية التحليل المنطقي. فالجمل التي تحتوي على أوصاف قد تبدو وكأنها تفترض وجود ما توصفه، لكن التحليل يُظهر أنها يمكن أن تُفهم بطريقة لا تلزم بهذا الافتراض، مما يُذيب بعض المفارقات الوجودية. وبالمثل، أثارت الجمل عن المواقف القضوية، مثل الاعتقاد والرغبة، مشكلات حول كيفية الحفاظ على الإحالة والصدق داخل سياقات غير شفافة، حيث لا يمكن استبدال التعبيرات المتكافئة إحالة دون تغيير قيمة الصدق. كما شكلت قضية أسماء الأعلام محور نقاش مستمر حول ما إذا كانت تعمل بوصفها أوصافاً مختصرة أم بوصفها أدوات إحالة مباشرة لا تمر عبر المحتوى الوصفي. وأدى هذا النقاش إلى إعادة التفكير في طبيعة الضرورة والإمكانية وفي العلاقة بين اللغة والعالم والمقولات الميتافيزيقية. لقد حدث تحولا من اللغة المثالية إلى فلسفة اللغة العادية. كما شهدت فلسفة اللغة التحليلية تحولاً داخلياً مهماً من السعي إلى لغة مثالية مصفاة منطقياً إلى الاهتمام باللغة العادية بوصفها الأداة التي نفكر ونعيش بها فعلاً. ففي المرحلة الأولى ساد الاعتقاد بأن اللغة الطبيعية مليئة بالعيوب التي تُضلل الفكر، وأن المهمة الفلسفية هي بناء بديل أكثر دقة. أما في المرحلة اللاحقة فقد أصبح ينظر إلى اللغة العادية على أنها نظام غني ومعقد يعمل بكفاءة في سياقات الحياة اليومية، وأن كثيراً من المشكلات الفلسفية تنشأ عن انتزاع الكلمات من استعمالاتها المعتادة وتوظيفها في سياقات مجردة غير مناسبة. ويُبرز هذا التحول أن التحليل الفلسفي لا يعني بالضرورة استبدال اللغة الطبيعية بل توضيح قواعدها المتعددة والمتداخلة. فالمعنى يتحدد داخل ألعاب لغوية مختلفة، ولكل لعبة معاييرها الخاصة للصواب والخطأ والملاءمة. ويُصبح دور الفيلسوف أشبه بمن يصف خريطة الاستعمالات ويكشف عن الالتباسات التي تحدث عند الخلط بينها، بدلاً من أن يفرض نموذجاً واحداً مثالياً. أما الأبعاد التداولية وأفعال الكلام فلم تقتصر فلسفة اللغة التحليلية على الدلالة والإحالة، بل امتدت إلى الأبعاد التداولية التي تربط اللغة بالفعل والمقصد والسياق. فالتلفظ ليس مجرد نقل لمحتوى قضوي، بل هو فعل ينجز شيئاً في العالم الاجتماعي: يعد أو يأمر أو يسأل أو يصرح. ويُصبح فهم المعنى مرتبطاً بفهم القوى الإنجازية للتلفظ وشروط نجاحها، مثل السلطة والصدقية والملاءمة السياقية. ويسمح هذا التوجه بتحليل أعمق للتواصل، حيث لا يكفي معرفة المحتوى الحرفي، بل يجب استيعاب ما يُقصد به ضمنياً وما يُستلزم تحادثياً. وتُظهر هذه التحليلات أن الدلالة اللغوية تتداخل مع الاستدلال العملي والمعرفة المشتركة والافتراضات الخلفية، مما يجعل نظرية المعنى أكثر ارتباطاً بنظرية الفعل والعقلانية التواصلية. كما خضعت فلسفة اللغة للنقد الداخلي والتحولات المتأخرة ولم تكن فلسفة اللغة التحليلية تياراً جامداً، بل شهدت نقداً ذاتياً عميقاً أعاد صياغة كثير من افتراضاتها. فقد تعرض الفصل بين التحليلي والتركيبي لهجوم أظهر أن شبكة معتقداتنا مترابطة بحيث لا توجد قضايا محصنة تماماً ضد المراجعة في ضوء التجربة. كما أُثيرت شكوك حول إمكان إقامة تمييز حاد بين ما ينتمي إلى المعنى وما ينتمي إلى الواقع، مما أضعف بعض الأسس التي قامت عليها الوضعية المنطقية المبكرة.
وفي المقابل، أعادت نظريات الإحالة المباشرة والضرورة اللاحقة للتجربة إحياء الاهتمام بالجوانب الميتافيزيقية داخل الإطار التحليلي نفسه. فأصبح من الممكن الحديث عن ماهيات وخواص ضرورية دون العودة إلى الأساليب التقليدية، مع الاعتماد على أدوات منطقية ولغوية دقيقة. كما انفتحت الفلسفة التحليلية على قضايا العقل والوعي والقصدية، مستفيدة من تحليل اللغة في مقاربة المشكلات الذهنية.
في السياق المعاصر، لم تعد فلسفة اللغة التحليلية مقتصرة على نقاشات داخلية معزولة، بل أصبحت تتفاعل مع علوم الإدراك واللسانيات وفلسفة العقل والذكاء الاصطناعي. فالاهتمام بتمثيل المعنى في الأنظمة الصورية، وبكيفية اكتساب الدلالة وثبات الإحالة عبر السياقات، يجد امتدادات تطبيقية ونظرية واسعة. كما أن النقاش حول السياق والتداولية والضمني أصبح أكثر ثراءً مع الاعتراف بتعدد العوامل التي تساهم في تحديد ما يُقال وما يُفهم. وتبقى الإشكالية المركزية هي كيفية التوفيق بين مطلب الدقة المنطقية من جهة، والاعتراف بتعقيد الاستعمال الفعلي للغة من جهة أخرى. فاللغة أداة للفكر والتواصل، وهي في الوقت ذاته ممارسة اجتماعية محملة بالتاريخ والمقاصد والقيم. وتكمن حيوية فلسفة اللغة التحليلية في قدرتها على التنقل بين هذين القطبين دون التضحية بأحدهما لصالح الآخر.
المنظور الفنومينولوجي التأويلي للمعنى: الخبرة والقصدية والفهم
في مقابل ذلك، ينطلق المنظور الفنومينولوجي التأويلي من إعادة الاعتبار للخبرة المعاشة بوصفها أساساً للمعرفة والمعنى. فالوعي ليس مرآة محايدة للواقع، بل قصدية موجَّهة دائماً نحو موضوعات تتشكل ضمن أفق الخبرة. وتُفهم الحقيقة هنا لا بوصفها تطابقاً خارجياً بين قضية وواقع مستقل، بل بوصفها انكشافاً أو تحققاً للمعنى داخل العلاقة بين الذات والعالم. تركز الفنومينولوجيا على وصف البنى الأساسية للوعي دون افتراضات مسبقة حول وجود العالم المستقل. وتُبرز القصدية بوصفها السمة الجوهرية للوعي، حيث لا يوجد وعي فارغ، بل وعي بشيء ما. ومن خلال الرد الفنومينولوجي، يُعلق الحكم على الوجود الواقعي للموضوعات بهدف الكشف عن كيفية ظهورها للوعي. ويُصبح المعنى نتاجاً للتكوين القصدي، لا مجرد انعكاس لمعطيات حسية. أما البعد التأويلي فيُدخل التاريخية واللغة والفهم المسبق إلى صميم عملية المعرفة. فالفهم ليس فعلاً ذاتياً محضاً، بل حركة دائرية بين الجزء والكل، بين النص والسياق، بين التراث والحاضر. ويُنظر إلى المعنى بوصفه أمراً يتكشف عبر الحوار والتأويل المستمر، لا بوصفه معطى ثابتاً يمكن التحقق منه مرة واحدة وإلى الأبد. وتُصبح اللغة لا مجرد أداة للتعبير عن أفكار مسبقة، بل الوسط الذي يتشكل فيه الفهم وينكشف العالم. ومن الناحية الإبستمولوجية، يرفض هذا المنظور الفصل الحاد بين الذات والموضوع، ويؤكد أن المعرفة تتحقق دائماً من موقع موجود في العالم، محمل بالتاريخ والثقافة والاهتمامات العملية. فالحقيقة ترتبط بالانفتاح على الوجود وبقدرة التأويل على كشف إمكانات جديدة للمعنى، لا بالاقتصار على التحقق التجريبي. ويُصبح الفهم نفسه شكلاً من أشكال المعرفة لا يقل مشروعية عن التفسير السببي أو التحليل المنطقي.
نقاط التوتر والاختلاف الجوهري
يتجلى التوتر بين التصورين في عدة مستويات. فعلى مستوى مفهوم الحقيقة، يرى المنطق الوضعي أن الحقيقة موضوعية وقابلة للتثبيت المنهجي، بينما يراها المنظور التأويلي حدثاً انكشافياً مرتبطاً بالأفق التاريخي والوجودي. وعلى مستوى المنهج، يعتمد الأول على التحليل المنطقي والتحقق التجريبي، بينما يعتمد الثاني على الوصف الفنومينولوجي والدائرة التأويلية. أما على مستوى اللغة، فيسعى الأول إلى لغة مثالية خالية من الغموض، بينما يؤكد الثاني أن اللغة محملة دائماً بالتاريخ والتعدد الدلالي، وأن المعنى ينبثق من الاستخدام والسياق لا من القواعد الشكلية وحدها.كما يختلفان في تصورهما للذات العارفة. ففي التصور الوضعي، تُختزل الذات إلى مراقب محايد يجمع المعطيات ويختبر الفرضيات. أما في المنظور الفنومينولوجي التأويلي، فالذات موجودة ومتورطة ومسبوقة بالفهم، ولا يمكن فصلها عن العالم الذي تسعى إلى معرفته. ويؤدي هذا الاختلاف إلى تقييم متباين لطبيعة العلوم الإنسانية: ففي حين يميل التصور الوضعي إلى محاولة توحيد المنهج العلمي، يرى المنظور التأويلي أن فهم المعنى يتطلب منهجاً خاصاً يقوم على التعاطف والحوار والتأويل، لا على مجرد التفسير السببي.
إمكانات الحوار وإعادة الصياغة
في الفكر المعاصر، لم يعد التقابل بين التصورين يُقرأ بوصفه تعارضاً مطلقاً لا يقبل الجسر. فقد شهدت فلسفة العلم تطورات تجاوزت الصيغة الصارمة للوضعية المنطقية، مع الاعتراف بدور النماذج والأطر النظرية والتاريخ في تشكيل الملاحظة نفسها. وأصبح من المقبول أن المعطيات لا تكون محايدة تماماً، وأن النظريات توجه ما نراه وكيف نفسره. وفي الوقت ذاته، تطورت الهرمينوطيقا لتأخذ بعين الاعتبار متطلبات الصرامة والموضوعية النسبية، دون التخلي عن الطابع التاريخي والتأويلي للفهم. وتسمح المقاربة المعاصرة برؤية التكامل الممكن على عدة أصعدة. فيمكن للتحليل المنطقي والاهتمام بالتحقق أن يوفرا أدوات لضبط الادعاءات المعرفية وتجنب النسبية المطلقة، بينما يوفر المنظور الفنومينولوجي التأويلي وعياً عميقاً بالأبعاد التي تفلت من التحقق التجريبي المباشر، مثل المعنى الوجودي والقيم والخبرة المعاشة. وفي فلسفة العلوم الإنسانية والاجتماعية، يبرز إمكان الجمع بين التفسير السببي وفهم المعنى، بحيث لا يُختزل الإنسان إلى مجرد موضوع قابل للقياس، ولا تُترك المعرفة عرضة للذاتية المحضة. كما أن الاهتمام المعاصر باللغة، سواء في الفلسفة التحليلية المتأخرة أو في الهرمينوطيقا، يفتح أفقاً مشتركاً. فاللغة لم تعد تُرى فقط بوصفها نظاماً رمزياً يحتاج إلى تنقية منطقية، ولا بوصفها مجرد أفق وجودي، بل بوصفها ممارسة اجتماعية وتاريخية تتشكل فيها الحقيقة والمعنى معاً. ويُصبح السؤال الإبستمولوجي المعاصر أقل تركيزاً على البحث عن أساس مطلق، وأكثر اهتماماً بفهم شروط إمكانية المعرفة داخل سياقات متعددة، مع الحفاظ على معايير للنقد والتمييز بين التأويلات الأفضل والأضعف. وتُسهم التطورات في فلسفة العقل والعلوم المعرفية والاهتمام بالخبرة الواعية في إعادة طرح أسئلة فنومينولوجية داخل أطر تحليلية، كما أن نقد النزعة العلموية المتطرفة جعل من المشروع التأويلي شريكاً ضرورياً في فهم حدود العلم نفسه. وبذلك لم تعد المواجهة بين التصورين مجرد صراع بين مدرستين، بل أضحت حواراً مستمراً حول طبيعة المعرفة في عالم يتسم بالتعقيد والتعدد.
خاتمة
تكشف المقارنة بين التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الفنومينولوجي التأويلي للمعنى عن توتر خصيب داخل نظرية المعرفة الفلسفية. فبينما يسعى الأول إلى ضبط المعرفة بمعايير التحقق والوضوح المنطقي، يُصر الثاني على أن المعنى ينبثق من الخبرة والقصدية والتأويل التاريخي. وتُظهر المقاربة المعاصرة أن هذا التوتر لا ينحل بالانتصار لأحد الطرفين، بل بإعادة صياغته في ضوء الاعتراف بتعدد أبعاد المعرفة. فالحقيقة تحتاج إلى معايير للتمييز والصرامة، والمعنى يحتاج إلى انفتاح على الخبرة والتاريخ. وفي الجمع الواعي بين هذين المطلبين تتجلى إمكانية بناء إبستمولوجيا أكثر ثراءً، قادرة على استيعاب كل من دقة العلم وعمق الفهم الإنساني، دون اختزال أحدهما إلى الآخر. تُجسد فلسفة اللغة التحليلية مشروعاً فلسفياً متجدداً يقوم على الإيمان بأن توضيح اللغة هو مدخل أساسي لتوضيح الفكر. ومن خلال مسارها الممتد من البحث عن البنية المنطقية المثالية إلى وصف ألعاب اللغة العادية، ومن نظريات الإحالة والصدق إلى تحليل أفعال الكلام والسياق، قدمت هذه الفلسفة أدوات مفاهيمية لا غنى عنها لفهم كيف تعني الألفاظ وماذا يعني أن نقول شيئاً صادقاً أو ناجحاً تواصلياً. وفي أفقها المعاصر، تظل تُعيد طرح السؤال الجوهري حول العلاقة بين اللغة والعالم والعقل، مؤكدة أن الفلسفة، حتى وهي تنقد نفسها وتتجاوز صيغها السابقة، تجد في تحليل اللغة أحد أكثر مساراتها خصوبة ودقة. فما دور نظرية أفعال الكلام عند أوستين في بلورة تصور تداولي في فلسفة اللغة في الحقبة المعاصرة؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
- المقاربة النفعية للمسألة الاقتصادية عند جون ستيوارت مل
- ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟
- مراجعة كتاب جيل دولوز -الفرق والمعاودة- هل يوجد أورغانون للا ...
- من هو الناقد الفلسفي؟ مقاربة ما بعد تأسيسية ما بعد نسقية
- تعلم التفلسف بدل تعلم الفلسفة، مقاربة بيداغوجية
- عدم التساوق بين التحولات المجتمعية الجذرية والمنظومات الأخلا ...
- مقاربة ابستيمولوجية للعلاقة بين الرياضيات والفيزياء
- فلسفة السياسة المعاصرة، مقاربة عمومية
- تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
- الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية ...
- في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على ...
- تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار ...
- النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر ...
- الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
- دراسة مقارنة بين جنيالوجيا المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو وف ...
- قراءة سوسيو-اقتصادية للأحداث الجارية في المنطقة
- اعتراف فيلسوف قراءة معمقة في أجوبة مارسيل كونش على أسئلة أند ...
- دراسة مقارنة بين سيكولوجية كارل يونغ وسايكولوجية سغموند فروي ...
- البحث عن الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية


المزيد.....




- مشروع قرار فرنسي لدعم الملاحة في مضيق هرمز
- الناخبون الأمريكيون يرقصون على أنغام الحرب الأوكرانية
- الدفاع الجوي السعودي يدمر صاروخا باليستيا وطائرتين مسيرتين ا ...
- إيران تعرض خطة لفتح هرمز واجتماع دفاعي سعودي تركي باكستاني ف ...
- الأسلحة الرخيصة.. هكذا تعيد إيران رسم مستقبل المعارك
- عصر فوكوياما.. حين انطفأت نبوءة -نهاية التاريخ-
- ما الذي يقتل صغار الحيتان في باتاغونيا؟ بكتيريا تحت الاشتباه ...
- عبدول السيد يتحدث عن غزة وإخضاع إسرائيل ويهاجم المال السياسي ...
- ترمب يرفض مقترح إيران لهدنة -الأيام السبعة- ويرجح استئناف ال ...
- البيت الأبيض يمنع CNN من تغطية رحلة ترامب إلى تينيسي


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الفنومينولوجي التأويلي للمعنى