|
|
النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر والعالم، مقاربة جدلية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 08:20
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
مقدمة تُمثل فلسفة بول ريكور الذي ولد في 27 فبراير 1913 وتوفي في 20 مايو 2005 إحدى أنجع المحاولات المعاصرة لإعادة تأسيس فهم الإنسان عبر توسطات متعددة، بعيداً عن النزعات المباشرة سواء كانت مثالية أو وجودية فورية. في قلب هذه الفلسفة تقوم النزعة الحوارية بوصفها بنية أساسية للعلاقة بين الذات والنص والآخر والعالم. ليست هذه النزعة مجرد أسلوب تواصلي أو منهج تفسيري عارض، بل هي مبدأ أنطولوجي وإبستمولوجي وأخلاقي في آن واحد. فالذات عند ريكور لا تُعطى مباشرة لنفسها، ولا تتشكل في عزلة داخلية، بل تتكوّن عبر حوار جدلي مستمر مع ما يتجاوزها: النص الذي يحمل رموزاً ومعاني، والآخر الذي يفرض الاعتراف والمسؤولية، والعالم الذي يفتح أفق الفعل والانتماء. هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذه النزعة الحوارية بعمق، عبر مقاربة جدلية تكشف كيف تتداخل هذه الأطراف الأربعة في حركة مستمرة من التوسط والتوتر والتكامل، وكيف تؤدي هذه الحركة إلى تكوين هوية سردية قادرة على الفعل والمسؤولية. فعلى ماذا يقوم الحوار عند بول ريكور؟ وكيف تكون العلاقة بين الذات والعالم والآخر والنص علاقة جدلية؟ وماهي الاستتباعات الايتيقية عن ذلك؟ الأسس الفلسفية للنزعة الحوارية عند ريكور تنطلق فلسفة ريكور من رفض الثنائيات الحادة التي ميزت الفكر الحديث: الذات مقابل الموضوع، الوعي مقابل العالم، الأنا مقابل الآخر. بدلاً من ذلك، يقترح ريكور مساراً جدلياً يقوم على التوسط. فالمعنى لا ينبثق من الوعي الخالص كما في المثالية، ولا من الوجود المباشر كما في بعض تيارات الفينومينولوجيا، بل من خلال تفسير الرموز والنصوص والأفعال. الحوار هنا ليس مجرد تبادل كلام، بل هو بنية وجودية: الذات تفهم ذاتها فقط عبر الخروج من ذاتها والعودة إليها محمّلة بما تلقته من الخارج. هذه النزعة الحوارية تتغذى من مصادر متعددة داخل فكر ريكور نفسه: من الفينومينولوجيا التي تعلم منها أهمية القصدية والتجربة المعاشة، ومن التأويليات التي أكدت على دور التفسير في كشف المعنى، ومن الفلسفة التحليلية واللغوية التي أبرزت دور اللغة والسرد، ومن الأخلاق والفلسفة السياسية التي ربطت الفهم بالفعل والمسؤولية. لكن ما يميز ريكور هو تحويل هذه المصادر إلى جدل حي لا يتوقف عند مستوى واحد. فالحوار يبدأ من الرمز، يمر عبر النص، يتسع إلى الآخر، وينفتح على العالم، ليعود في كل مرة إلى الذات وقد تحولت. من المعلوم أن الجدل عند ريكور ليس هيغلياً بمعنى التجاوز النهائي للتناقضات في تركيب أعلى، بل هو جدل مفتوح يحافظ على التوتر الخلاق بين الأقطاب. كل طرف يحتفظ باستقلاله النسبي، وفي الوقت نفسه لا يكتمل إلا عبر علاقته بالأطراف الأخرى. هذا ما يجعل النزعة الحوارية ديناميكية ومستمرة، قادرة على استيعاب التعقيد الإنساني دون اختزاله. الحوار بين الذات والنص: التوسط التأويلي وتكوين الهوية يشكل النص أحد أبرز وسائط الحوار في فلسفة ريكور. النص ليس مجرد وثيقة أو خطاب مكتوب، بل هو عالم دلالي مستقل نسبياً عن مؤلفه وعن قارئه الأولي. عندما يواجه القارئ النص، يدخل في حوار مزدوج: حوار مع البنية الداخلية للنص من خلال التحليل البنيوي، وحوار مع العالم الذي يقترحه النص عبر التأويل. هذا الحوار لا يهدف إلى استعادة نية المؤلف الأصلية فحسب، بل إلى فتح إمكانات جديدة للمعنى.في هذه العملية، تتحول الذات القارئة. فالفهم ليس استيعاباً سلبياً، بل تملكاً نشطاً يعيد تشكيل فهم الذات لذاتها. النص يقترح عالماً ممكناً، والذات تدخل هذا العالم مؤقتاً، ثم تعود إلى عالمها الخاص وقد تغيرت آفاقها. هنا يظهر البعد الجدلي بوضوح: النص يقاوم القارئ ببنيته ورمزيته، والقارئ يقاوم النص بتوقعاته وأفقه الخاص، ومن هذا التوتر ينبثق معنى جديد لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما. لذلك يمتد هذا الحوار إلى السرد بشكل خاص. يرى ريكور أن الهوية الشخصية ليست جوهراً ثابتاً ولا تدفقاً مجرداً، بل هوية سردية تتشكل عبر رواية الذات لقصتها. لكن هذه الرواية لا تتم في فراغ؛ فهي تستمد نماذجها وبنياتها من النصوص الأدبية والتاريخية والدينية. الذات تحاور النصوص السردية الكبرى لتصوغ سرديتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تحور هذه النصوص وتؤولها وفق تجربتها. هكذا يصبح النص شريكاً حوارياً في تكوين الذات، لا أداة خارجية. الجدل هنا يتجلى في التوتر بين الثبات والتغير، بين الاستمرارية والانقطاع. الهوية السردية تحافظ على وحدة الذات عبر الزمن، لكنها في الوقت نفسه تسمح بالتغير وإعادة التأويل. النص يوفر الإمكانات، والذات تحققها أو تحورها، في حركة مستمرة من الاقتراح والاستجابة. الحوار بين الذات والآخر: الاعتراف والمسؤولية والجدل الأخلاقي لا تقتصر النزعة الحوارية على العلاقة بالنص، بل تمتد بالضرورة إلى الآخر. الذات عند ريكور هي «عين الذات كآخر»، أي أنها لا تتعرف على نفسها إلا من خلال توسط الآخر. هذا التوسط ليس مجرد إدراك معرفي، بل اعتراف أخلاقي ووجودي. الآخر يفرض على الذات حدودها، ويكشف لها عن مسؤوليتها، ويفتح أمامها إمكانية العدالة والصداقة. الحوار مع الآخر جدلي بامتياز. من جهة، هناك رغبة في الفهم والتواصل، ومن جهة أخرى هناك عدم قابلية للاختزال. الآخر يظل آخر، يحتفظ بسره واختلافه، ومع ذلك يدعو الذات إلى الخروج من عزلتها. هذا التوتر يظهر بوضوح في مفهوم «الذات عينها كآخر»: الهوية لا تُبنى على التماهي الكامل، بل على القدرة على قول «أنا» مع الاعتراف بأن هذه الـ«أنا» مدينة للآخر في وجودها وفهمها. كما يمتد هذا الحوار إلى مستوى الفعل والأخلاق. الفعل الإنساني ليس تعبيراً عن إرادة منفردة، بل هو استجابة لنداء الآخر وللمؤسسات التي تتوسط العلاقة. المسؤولية تنشأ من القدرة على الإجابة، أي من الحوار نفسه. هنا يصبح الجدل أخلاقياً: بين الحرية الفردية والالتزام الجماعي، بين الحب كعلاقة حميمية والعدالة كمؤسسة عامة. الذات تجد نفسها في توتر خلاق بين هذين القطبين، ولا تحل التوتر بل تعيشه كشرط للوجود الأخلاقي الأصيل. النص يلعب دوراً وسيطاً في هذا الحوار أيضاً. فالنصوص الأخلاقية والدينية والأدبية توفر نماذج للتعامل مع الآخر، وتفتح إمكانات الاعتراف والمغفرة. هكذا يتقاطع حوار الذات مع النص وحوارها مع الآخر في حركة واحدة تثري كلا الطرفين. الحوار بين النص والعالم في فلسفة بول ريكور يحتل الحوار بين النص والعالم موقعاً مركزياً في المشروع التأويلي عند بول ريكور، إذ يتجاوز مجرد علاقة تفسيرية ليصبح بنية أنطولوجية وإبستمولوجية تكشف كيف ينفتح المعنى على الواقع ويعيد تشكيله. النص عند ريكور ليس مرآة عاكسة للعالم ولا عالماً مغلقاً على ذاته، بل وسيطاً حوارياً يقترح عالماً ممكناً يتفاعل مع العالم الفعلي للقارئ. هذا التفاعل جدلي بطبيعته: النص يقاوم العالم ببنيته الرمزية واستقلاله النسبي، والعالم يقاوم النص بتجربته المعاشة ومقاوماته المادية والتاريخية، ومن هذا التوتر ينبثق فهم جديد يعيد وصف الواقع ويفتح إمكانات للفعل والوجود. لذلك يبدأ ريكور من تأكيد استقلال النص. فالخطاب المكتوب ينفصل عن سياقه الأصلي وعن نية المؤلف المباشرة وعن القارئ الأولي. هذا الانفصال ليس انغلاقاً، بل شرط لإمكانية الحوار الأوسع. النص يكتسب «عالمه الخاص»، أي عالماً دلالياً يتكون من الإحالات الداخلية والعلاقات الرمزية والسردية. لكن هذا العالم النصي لا يبقى محصوراً في اللغة؛ فهو يحمل قدرة إحالية تتجاوز ذاتها نحو واقع ممكن. هنا يظهر البعد الحواري الأول: النص لا يشير إلى العالم بالطريقة المباشرة التي يشير بها الخطاب الشفهي في موقف حضوري مشترك. الإشارة في النص غير مباشرة ومعلّقة، تنتظر القارئ الذي يعيد تفعيلها. العالم الذي يقترحه النص ليس نسخة من العالم القائم، بل إعادة وصف له عبر الاستعارة والسرد والرمز. الاستعارة مثلاً تخلق شبهاً جديداً بين مجالات متباعدة، فتعيد ترتيب إدراكنا للواقع. والسرد ينظم الأحداث في حبكة تمنح التجربة الزمنية شكلاً ومعنى، فتكشف عن إمكانات لم تكن ظاهرة في التدفق الخام للحياة. لذلك يرى ريكور أن النص الأدبي والفلسفي والديني على حد سواء يقترح «عالماً أمام النص» لا «عالماً خلف النص». التركيز لا ينصب على استعادة ظروف الإنتاج أو نية المؤلف فحسب، بل على الأفق الذي يفتحه النص أمام القارئ. هذا الأفق هو مجموعة الإمكانات الوجودية التي يدعو النص القارئ إلى دخولها. عندما يقرأ المرء رواية أو قصيدة أو نصاً مقدساً، فإنه لا يكتفي بفهم معاني الكلمات، بل يُدعى إلى تخيل عيش في ذلك العالم المقترح: عالم القيم والعلاقات والأزمنة البديلة. الحوار يتحقق عندما يدخل القارئ هذا العالم النصي مؤقتاً، فيختبر تشويشاً على عاداته الإدراكية وتوقعاته اليومية. النص يعمل عمل «التغريب» أو الإبعاد، فيحرر الرؤية من المباشرة الساذجة. ثم يعود القارئ إلى عالمه الخاص وقد اغتنى بهذه التجربة. التملك هنا ليس امتلاكاً استهلاكياً، بل تحويلاً متبادلاً: القارئ يتملك عالم النص فيصبح جزءاً من أفقه، والنص يتملك القارئ فيعيد تشكيل فهمه لذاته ولعالمه. هذا التبادل جدلي. فالعالم الفعلي يقاوم بثقله التاريخي والاجتماعي والجسدي، والنص يقاوم ببنيته الفنية أو الرمزية التي لا تُختزل بسهولة. من التوتر بينهما ينبثق معنى جديد لا ينتمي بالكامل إلى النص الأصلي ولا إلى تجربة القارئ السابقة. الواقع نفسه يُعاد وصفه: ما كان يبدو طبيعياً أو حتمياً يصبح ممكناً أو قابلاً للتجاوز، وما كان خفياً ينكشف في ضوء الإمكانات الجديدة. هكذا يتجلى الحوار بين النص والعالم بأوضح صوره في السرد. الزمن الإنساني، كما يعيشه الإنسان، مشتت ومشتت وغير مكتمل. السرد يمنح هذا الزمن شكلاً عبر الحبكة: يبدأ وينتهي، ويتضمن تحولات وصراعات وحلولاً. بهذا يعيد السرد وصف العالم الزمني. التاريخ والسيرة الذاتية والرواية كلها تشارك في هذا العمل: تحول الأحداث المتفرقة إلى قصة ذات دلالة. لكن السرد لا ينغلق على النص. فالقارئ أو المستمع يحمل معه تجربة زمنه الخاص، فيحاور الحبكة النصية بخبراته ومشاريعه. النتيجة ليست تطابقاً، بل إعادة تشكيل متبادلة. السرد النصي يوفر نماذج لفهم الحياة، والحياة توفر مادة جديدة لإعادة كتابة السرد. هكذا يصبح الحوار مستمراً عبر الزمن: النصوص السابقة تشكل أفق فهمنا للعالم، والعالم المتغير يدعو إلى تأويلات جديدة للنصوص. على هذا النحو لا يبقى الحوار بين النص والعالم نظرياً. فالعالم الذي يقترحه النص يحمل إمكانات أخلاقية وعملية. النص يفتح أفق «العيش-كما-لو»، أي تجربة قيم وأفعال ممكنة. عندما يتملك القارئ هذا الأفق، ينتقل التأثير إلى الفعل في العالم الفعلي. الفهم التأويلي يقود إلى التطبيق، والتطبيق يعيد تغذية الفهم. هنا يظهر التوتر الجدلي مجدداً: بين التأمل والفعل، بين الإمكان والواقع، بين الحرية التي يفتحها النص والمقاومات التي يفرضها العالم. الذات تجد نفسها مدعوة إلى تحويل الإمكانات النصية إلى مشاريع عملية، وفي الوقت نفسه تكتشف حدود هذه الإمكانات أمام تعقيد الواقع. الحوار يصبح بذلك مصدر مسؤولية: المسؤولية عن كيفية تأويل النصوص، وعن كيفية إدخال عوالمها في عالم مشترك مع الآخرين. ما يميز مقاربة ريكور هو الإبقاء على الطابع الجدلي المفتوح. لا يوجد تركيب نهائي يذيب النص في العالم أو العالم في النص. النص يحتفظ بفائض المعنى الذي يتجاوز أي تأويل، والعالم يحتفظ بمقاومته التي تمنع أي اختزال مثالي. الحوار يتجدد مع كل قراءة جديدة وكل سياق تاريخي متغير. هذه الانفتاحية تجعل التأويل ممارسة حية لا منهجاً مغلقاً. الحوار بين الذات والعالم: الانتماء والفعل وأفق الإمكان العالم عند ريكور ليس خلفية محايدة أو موضوعاً للاستغلال، بل أفق انتماء وفعل. الذات تحاور العالم من خلال الجسد والفعل والمؤسسات. العالم يقترح إمكانات، والذات تستجيب بتحقيق بعضها ورفض بعضها الآخر. هذا الحوار يظهر في مفهوم «الانتماء» الذي يسبق أي موضوعية علمية، وفي الوقت نفسه في القدرة على «البعيد» أو التغريب الذي يسمح بالنقد والتغيير. الجدل هنا يقوم بين الانتماء والابتعاد، بين السكن في العالم والقدرة على النظر إليه من خارجه نسبياً. النصوص والأعمال الثقافية تساهم في هذا الحوار بفتح عوالم ممكنة داخل العالم الفعلي. الأدب مثلاً لا يصف العالم فحسب، بل يعيد وصفه ويقترح طرقاً جديدة للسكن فيه. كذلك التاريخ والفلسفة يوفران مسافة نقدية تسمح بإعادة تقييم الانتماء. الفعل نفسه حواري. كل فعل يستجيب لوضع في العالم، ويؤثر في الآخرين، ويترك آثاراً في المؤسسات. الذات الفاعلة تجد نفسها في شبكة من الحوارات: مع الجسد كوسيط أول، مع الأدوات والتقنيات، مع القواعد الاجتماعية، ومع الآفاق المستقبلية. الهوية السردية تربط هذه الأفعال في قصة متماسكة نسبياً، لكنها تظل مفتوحة على إعادة التأويل مع تغير العالم. المقاربة الجدلية الجامعة: تداخل الأطراف وتكوين الذات الحوارية عندما نجمع هذه الأبعاد، يتضح أن النزعة الحوارية عند ريكور ليست علاقات منفصلة بل شبكة جدلية واحدة. الذات تحاور النص لتفهم ذاتها والعالم والآخر. وتحاور الآخر لتصوغ مسؤوليتها وتعيد تفسير النصوص. وتحاور العالم لتجد أفق فعلها وتعيد كتابة سرديتها. كل طرف يتوسط بين الطرفين الآخرين: النص يتوسط بين الذات والآخر عبر النماذج السردية والأخلاقية، والآخر يتوسط بين الذات والعالم عبر الاعتراف والمؤسسات، والعالم يتوسط بين الذات والنص عبر التجربة المعاشة التي تغذي التأويل. هذه الشبكة الجدلية تتميز بعدة سمات. أولاً، هي مفتوحة: لا تصل إلى تركيب نهائي يغلق الحوار. ثانياً، هي توترية: تحتفظ بالاختلاف والمقاومة كمصدر للخصوبة. ثالثاً، هي تكوينية: الذات ليست سابقة على الحوار بل ناتجة عنه. رابعاً، هي عملية: تمتد عبر الزمن من خلال السرد والفعل المتجدد. في هذا الإطار، تصبح الفلسفة نفسها ممارسة حوارية. الفيلسوف لا يمتلك الحقيقة جاهزة، بل يدخل في حوار مع النصوص الفلسفية والتقاليد والواقع المعاصر، ليصوغ فهماً مؤقتاً قابلاً للمراجعة. هذه الممارسة تعكس البنية العميقة للوجود الإنساني كما يراه ريكور. خاتمة: تكشف النزعة الحوارية في فلسفة ريكور عن رؤية مركبة للإنسان بوصفه كائناً متوسطاً وجدلياً. الذات ليست نقطة انطلاق مطلقة ولا نتيجة حتمية، بل حركة مستمرة بين النص الذي يحمل إمكانات المعنى، والآخر الذي يفرض الاعتراف والمسؤولية، والعالم الذي يوفر أفق الانتماء والفعل. المقاربة الجدلية تسمح برؤية هذه الحركة في توترها الخلاق، دون اختزال أي طرف إلى الآخر. هذه الرؤية تمتلك قيمة معاصرة عميقة. في عالم يتسم بالتفتت والتواصل السطحي والصراعات حول الهوية، تقدم فلسفة ريكور نموذجاً لحوار أصيل يحترم الاختلاف ويحول التوسط إلى مصدر إثراء. الذات الحوارية قادرة على سرد قصتها دون انغلاق، وعلى الاعتراف بالآخر دون ذوبان، وعلى السكن في العالم دون سذاجة أو يأس. بهذا، تتحول النزعة الحوارية من مفهوم فلسفي إلى أفق عملي للوجود المسؤول والمبدع. في المجمل، يكشف الحوار بين النص والعالم عند ريكور عن رؤية للمعنى بوصفه حدثاً متوسطاً. المعنى لا يوجد جاهزاً في النص ولا في العالم، بل ينبثق من لقائهما الحواري. هذا اللقاء يحول القارئ والعالم معاً، ويفتح أفق وجود أكثر وعياً بإمكاناته وحدوده. بهذا تصبح القراءة ليست استهلاك نصوص، بل مشاركة في إعادة خلق العالم من خلال الكلمة المتأولة. فكيف يتسنى لنا التعامل مع النزعة الحوارية في فلسفة بول ريكور كأفق للفكر الفلسفي العملي والوجود الاجتماعي والسياسي؟
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
-
دراسة مقارنة بين جنيالوجيا المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو وف
...
-
قراءة سوسيو-اقتصادية للأحداث الجارية في المنطقة
-
اعتراف فيلسوف قراءة معمقة في أجوبة مارسيل كونش على أسئلة أند
...
-
دراسة مقارنة بين سيكولوجية كارل يونغ وسايكولوجية سغموند فروي
...
-
البحث عن الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية
-
التمييز بين هيدجر الوجود والزمان وهيدجر المنعطف، أو في تعقب
...
-
مفهوم الفعل عند بيير جانيه بين اللغة والذهن والذكاء، مقاربة
...
-
تلقي فلسفة فريدريك نيتشه في السياق الشرقي
-
علاقة الفرد بالمجتمع بين تأكيد الذات وفقدان الأصالة
-
من هم الفلاسفة الذين تاهوا عن الطريق الفلسفي الخاص بهم ؟ ولم
...
-
التمايز وإعادة الإنتاج والعنف الرمزي كعناصر في نظرية النسق ا
...
-
تغلغل الماوية في الفكر السياسي العربي، قراءات في أعمال ناجي
...
-
نانسي فرايزر وتصديها لاقتلاع الرأسمالية الكانيبالية المتوحشة
...
-
العمل السياسي الهادئ والبطيء والطوعي والذي يغلب عليه طابع ال
...
-
تحولات الفلسفة الوجودية بين العبثية المتمردة والعدمية اليائس
...
-
الاستحالة كمفهوم فلسفي أساسي
-
حدود الليبرالية كبضاعة فكرية رأسمالية
-
المقترحات الجديدة في الفلسفة السياسية المعاصرة
-
تحولات التجارب الماركسية بين التنظير والممارسة، دراسة توثيقي
...
المزيد.....
-
مقابلة – إيران: بين الحرب والمعارضة اليمينية ومناهضة الإمبري
...
-
م.م.ن.ص// غشت الحقيقة.. الحقيقة، يا رفاق، الحقيقة..
-
الجبهة الشعبية تلتقي قيادة حركة فتح وتؤكد أولوية وقف حرب الإ
...
-
نحو أوسع دعم وإسناد وتضامن مع الأمين العام للجبهة الشعبية أح
...
-
Iran Is being Driven Towards the Nuclear Threshold
-
Marxist Leninists Shouldn’t Lead DSA
-
The Messiah and the Crowd
-
The US War Machine and the Culture of Militarism
-
An Open Letter to the Editor of NEA Today
-
Trump’s Threats and Alliance Realities
المزيد.....
-
إشكاليات القوى الثورية(2من2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
المزيد.....
|