|
|
نانسي فرايزر وتصديها لاقتلاع الرأسمالية الكانيبالية المتوحشة الديمقراطية والرعاية من الحياة السياسية والطبيعية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 10:04
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
مقدمة نانسي فرايزر ، إحدى ألمع المفكرات في الفلسفة النسوية والكويرية المعاصرة، لا تقدم نقداً اقتصادياً تقليدياً للرأسمالية، بل نقداً وجودياً-اجتماعياً عميقاً يربط بين الاقتصاد السياسي وبنية الذات، الجندر، والحياة الاجتماعية. كما تُعتبر من أشرس النسويات النقديات المعاصرات في حقل النظرية الاجتماعية والفلسفة السياسية. تتميز مساهمتها بقدرتها على دمج النقد النسوي الجذري مع تحليل الرأسمالية كمنظومة شاملة تتجاوز الاقتصاد لتشمل السياسة، الثقافة، والعلاقات الاجتماعية. في قلب مشروعها يقف نقد «الرأسمالية الكانيبالية»، وهي الرأسمالية المتوحشة التي تفترس مواردها الخاصة — الديمقراطية، عمل الرعاية، والطبيعة — حتى تصل إلى مرحلة الانهيار. في هذا الاطار تُقدم فرايزر، من خلال مقاربة نسوية جذرية، تشخيصاً عميقاً لهذه الآلية الاقتلاعية، وتدعو إلى إعادة بناء الحياة السياسية والطبيعية على أسس تعيد الرعاية إلى مركزها كعنصر أساسي في الوجود الإنساني. ما موقف فرايزر من الرأسمالية؟ وكيف شخصت أمراضها وتعاملت مع رذائلها؟ وماهي الحلول الجذرية التي تقترحها؟ وهل هي كافية لمعالجة هذه الأمراض المستعصية؟ الرأسمالية الكانيبالية: آلية الاقتلاع والافتراس ترى فرايزر أن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي يقوم على التراكم والربح، بل هي نظام اجتماعي شامل يعتمد على فصل «مناطق» الحياة عن بعضها. يتم فصل الاقتصاد «الرسمي» (الإنتاج) عن عمل الرعاية غير المدفوع (الإعادة الاجتماعية)، وعن السياسة الديمقراطية، وعن الطبيعة كمورد غير محدود. هذا الفصل ليس محايداً، بل يخدم عملية اقتلاع منهجية: الرأسمالية «تأكل» هذه المناطق لتغذي نفسها، ثم تتجاهل حاجتها إليها حتى تتآكل. في هذا السياق، يصبح الاقتلاع عملية كانيبالية: الرأسمالية تفترس الديمقراطية بتحويلها إلى ديمقراطية شكلية تخدم المصالح الرأسمالية، وتفترس الرعاية بجعلها عبئاً خاصاً على النساء والفئات المهمشة، وتفترس الطبيعة باستنزافها دون تجديد. تؤكد فرايزر أن هذا النمط ليس عرضياً بل بنيوياً، خاصة في مرحلة الرأسمالية المالية العولمية التي تكثف من سرعة الافتراس. النتيجة هي أزمات متراكمة: أزمة ديمقراطية (صعود الشعبوية)، أزمة رعاية (انهيار الدعم الاجتماعي)، وأزمة بيئية (تغير المناخ). اقتلاع الرعاية من الحياة السياسية: النقد النسوي الجذري تشكل الرعاية محوراً مركزياً في نقد فرايزر النسوي. تعرف الرعاية بأنها العمل الذي يحافظ على الحياة: رعاية الأطفال والمسنين، الدعم العاطفي، والحفاظ على الصحة والعلاقات. في الرأسمالية الكانيبالية، يُقصى هذا العمل خارج الحساب الاقتصادي، فيصبح «غير منتجاً» رغم أنه شرط أساسي لكل إنتاج. تتحمل النساء، تاريخياً واجتماعياً، العبء الأكبر من هذا العمل، مما يجعل الرأسمالية تعتمد على «استغلال» جنسي وطبقي متداخل. كما تُبرز فرايزر كيف أن اقتلاع الرعاية من الحياة السياسية يؤدي إلى أزمة اجتماعية عميقة. عندما تُخصخص الرعاية أو تُترك للسوق، تتحول إلى سلعة يستطيع الأغنياء شراؤها بينما يعاني الفقراء من نقصها. هذا يعمق التفاوت الجنسي، إذ تُجبر النساء على التوفيق بين عمل مدفوع وعمل غير مدفوع، مما يؤدي إلى إرهاق مزمن وفقدان استقلالية. نسوياً جذرياً، ترى فرايزر أن هذا ليس مجرد تمييز، بل جزء من بنية الرأسمالية التي تعتمد على «استعمار» حياة النساء والمهمشين للحفاظ على تراكم الرأسمال. تطبيقياً، تدعو فرايزر إلى «إعادة تسييس الرعاية»: جعلها قضية عامة مركزية في السياسة، لا هامشية. يتطلب ذلك إعادة توزيع العمل الرعائي بين الجنسين والدولة والمجتمع، مع الاعتراف بقيمته الاقتصادية والأخلاقية. هذا النقد يتجاوز الليبرالية النسوية التي تركز على المساواة في سوق العمل، إلى رؤية جذرية تطالب بتحويل جذري للمنظومة الرأسمالية نفسها. اقتلاع الديمقراطية: من الديمقراطية الشكلية إلى الاستعمار السياسي ترى فرايزر أن الرأسمالية الكانيبالية تحول الديمقراطية إلى أداة في خدمتها. تفرغ المؤسسات الديمقراطية من محتواها الحقيقي من خلال سيطرة المال على الانتخابات، وتحويل السياسة إلى إدارة تقنية للأزمات، وصعود قوى شعبوية تستغل الغضب الناتج عن الاقتلاع الاقتصادي. هذا الاقتلاع يجعل الديمقراطية «متوحشة» — شكلية في الحقوق، لكنها تسمح بالاستغلال الاقتصادي الشديد. من منظور نسوي جذري، تربط فرايزر بين اقتلاع الديمقراطية واقتلاع الرعاية: النساء والفئات المهمشة هم الأكثر تضرراً من تراجع الديمقراطية الاجتماعية، إذ يفقدون الحماية التي كانت توفرها دولة الرفاه. تدعو إلى «ديمقراطية مشاركة» تعيد الرعاية إلى قلب الجدل العام، وتدمج مطالب الاعتراف (بالهويات والاختلافات) مع مطالب التوزيع (العدالة الاقتصادية). اقتلاع الطبيعة: الرأسمالية كقوة بيئية رؤية فرايزر إلى البيئة كضحية رئيسية للاقتلاع الكانيبالي. تعتبر الطبيعة «حدوداً» خارج الاقتصاد يستنزفها الرأسمال دون تعويض. التغير المناخي، فقدان التنوع البيولوجي، والتلوث ليست حوادث، بل نتائج منطقية لنظام يعامل الأرض كمورد لا نهائي. نسوياً، تربط فرايزر بين استغلال الطبيعة واستغلال النساء: كلاهما يُعاملان كـ«موارد طبيعية» متاحة للاستغلال. النساء في المجتمعات الريفية والسكان الأصليين غالباً ما يتحملن العبء الأكبر من الكوارث البيئية، مما يجعل النضال البيئي نضلاً نسوياً في جوهره. تدعو فرايزر إلى «عدالة بيئية» تدمج الرعاية للطبيعة مع الرعاية للبشر، في إطار اقتصاد يحترم الحدود الكوكبية. نقد جوديث بتلر للرأسمالية: الاستعراضية، الهشاشة، والحياة غير القابلة للعيش ينطلق نقد فرايزر للرأسمالية من مفهومي «الاستعراضية» و«الهشاشة» أو «الاستضعاف» او العطوبية، ليكشف كيف تنتج الرأسمالية — خاصة في شكلها النيوليبرالي — حيوات غير قابلة للعيش من خلال توزيع غير متساوٍ للهشاشة والاعتراف. الرأسمالية كنظام استعراضي ومنتج للهشاشة تؤكد فرايزر أن الذات ليست جوهراً ثابتاً، بل هي نتاج ممارسات استعراضية متكررة. تنطبق هذه الفكرة على الرأسمالية نفسها: فهي لا تكتفي باستغلال العمل، بل تفرض أنماطاً استعراضية للذات الاقتصادية (الفرد المستقل، المرن، المسؤول عن نفسه). في ظل النيوليبرالية، يصبح الفرد «رائد أعمال نفسه» ، مطالب بالمرونة المستمرة، التنافس، والتكيف مع أسواق غير مستقرة. ينتج هذا النظام هشاشة بنيوية: حالة عدم استقرار وجودي يعيشها الأفراد بدرجات متفاوتة. ليست الهشاشة عرضية أو طبيعية، بل هي موزعة سياسياً واقتصادياً. الرأسمالية النيوليبرالية تكثف هذه الهشاشة من خلال: تفكيك شبكات الضمان الاجتماعي. تحويل العمل إلى عمل مؤقت وغير محمي. تدمير الروابط الاجتماعية لصالح الفردانية التنافسية. تُبرز فرايزر أن الهشاشة ليست مجرد ضعف اقتصادي، بل هي حالة وجودية: الاعتماد المتبادل على الآخرين (الذي تنكره الرأسمالية). الرأسمالية تحاول نفي هذا الاعتماد، فتُنتج «حيوات غير قابلة للعيش» — حيوات يُحرم أصحابها من الاعتراف الاجتماعي والحماية، مثل العمال المهاجرين، النساء في سلاسل التوريد العالمية، والمجتمعات المهمشة. نقد الرأسمالية من خلال الجندر والكوير يرتبط نقد فرايزر للرأسمالية ارتباطاً وثيقاً بنقدها للنظام الجنسي-جندري. ترى أن معايير الجندر — التي تُفرض استعراضياً — تخدم الرأسمالية بإعادة إنتاج تقسيم عمل يضع النساء في أدوار رعائية غير مدفوعة أو منخفضة الأجر. النيوليبرالية تستغل هذا التقسيم: تطالب النساء بالعمل خارج المنزل مع الحفاظ على مسؤوليات الرعاية داخلياً، مما يولد إرهاقاً مزدوجاً. في السياق الكويري، تكشف فرايزر كيف تحول الرأسمالية الهويات غير المطابقة إلى أسواق أو إلى فئات مهمشة. الاعتراف بالحقوق الكويرية غالباً ما يكون شكلياً، بينما تبقى الهشاشة الاقتصادية قائمة. النقد هنا جذري: الرأسمالية لا تكتفي باستغلال الطبقات، بل تعيد إنتاج الجندر والجنسانية كأدوات للتحكم والتراكم. الرأسمالية والعنف: إطارات الحياة والموت في أعمالها مثل أطر الحياة الهشة وفي زمن الحرب، تربط فرايزر بين الرأسمالية والعنف البنيوي. «الإطارات» التي تنتجها السلطة — بما فيها الإعلام والخطاب الاقتصادي — تحدد من هو «حياة» قابلة للعيش ومن هو «غير إنسان» أو حياة غير قابلة للندب. الرأسمالية النيوليبرالية تخلق «إطارات» تجعل حياة المهمشين غير مرئية: ضحايا الحروب الاقتصادية، الكوارث البيئية الناتجة عن الاستغلال، والمهاجرين الذين يُعاملون كفائض سكاني. هذا النقد يتجاوز الاقتصاد إلى الأخلاق: الرأسمالية تنتج «عنفاً توزيعياً» للهشاشة. الاستجابة الأخلاقية تكمن في الاعتراف بالهشاشة المشتركة كأساس للتضامن، لا كضعف فردي. تحليل مفهوم الحدود الأربعة عند نانسي فرايزر يمثل مفهوم «الحدود الأربعة» أو «الحدود/الجبهات الأربع» أحد أهم الأعمدة النظرية في مشروع نانسي فرايزر النقدي، خاصة في كتابها الرأسمالية الكانيبالية. يقدم هذا المفهوم إطاراً تحليلياً موسعاً لفهم الرأسمالية ليس كاقتصاد محض، بل كنظام اجتماعي مؤسسي يعتمد على فصل واستغلال «مناطق خلفية» ضرورية لوجوده، ثم يقوم بافترسها وتدميرها. هذه الحدود ليست ثابتة أو طبيعية، بل هي بنيات تاريخية واجتماعية يتم رسمها وإعادة رسمها عبر مراحل الرأسمالية، وهي مصدر أزماتها المتعددة. طبيعة الحدود ودورها في الرأسمالية ترى فرايزر أن الرأسمالية تقوم على ثنائيات فصلية تخلق «حدوداً» بين الاقتصاد «الأمامي» (الإنتاج الرسمي، العمل المأجور، التراكم) وبين مناطق «خلفية» غير مدفوعة أو غير مسعرة. تعتمد الرأسمالية على هذه المناطق الخلفية كشروط إمكانية، لكن منطق التراكم يدفعها إلى استنزافها وتدميرها — وهذا هو جوهر «الكانيبالية». الحدود ليست محايدة؛ إنها علاقات قوة وهيمنة تتداخل مع الجندر، العرق، الطبقة، والبيئة. كما تكمن أهمية المفهوم في تجاوزه للنقد الماركسي التقليدي (الذي يركز على الاستغلال داخل الاقتصاد) إلى نقد يشمل الاستغلال والاقتطاع عبر الحدود. كل حد يولد نوعاً خاصاً من «الكانيبالية» و«صراعات الحدود» التي يمكن أن تتحول إلى مقاومة سياسية. الحد الأول: بين الإنتاج والإعادة الاجتماعية (الرعاية) هذا الحد الأساسي يفصل بين الاقتصاد الرسمي (الإنتاج للسوق) وبين عمل الرعاية غير المدفوع (إعادة الإنتاج الاجتماعي): رعاية الأطفال، المسنين، المنزل، الصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية. تعتمد الرأسمالية على هذا العمل كشرط مجاني أو رخيص، لكنها لا تعترف به اقتصادياً. تاريخياً، ارتبط هذا الحد بالتقسيم الجنسي للعمل، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر. في مرحلة الرأسمالية المالية المعاصرة، يؤدي اقتلاع الرعاية (خصخصتها أو تحميلها على الأفراد) إلى أزمة رعاية: إرهاق النساء، انخفاض معدلات الإنجاب، وانهيار الروابط الاجتماعية. صراعات الحدود هنا تظهر في الحركات النسوية التي تطالب بتسييس الرعاية وجعلها حقاً عاماً. الحد الثاني: بين المجتمع والطبيعة يفصل هذا الحد بين المجتمع البشري والطبيعة غير البشرية، معتبراً الأخيرة «هبة مجانية» لا نهائية. تستنزف الرأسمالية الموارد الطبيعية، تلوث البيئة، وتدمر التنوع البيولوجي دون تعويض. في عصر التغير المناخي، يصبح هذا الحد مصدر أزمة وجودية. تربط فرايزر بين استغلال الطبيعة واستغلال الفئات المهمشة (النساء، السكان الأصليين، دول الجنوب). صراعات الحدود البيئية (الحركات البيئية، العدالة المناخية) تكشف عن الحاجة إلى إعادة دمج الاقتصاد داخل حدود كوكبية. هذا الحد يجعل النضال البيئي جزءاً لا يتجزأ من النضال النسوي والطبقي. الحد الثالث: بين الاقتصاد والسياسة (الديمقراطية) يفصل هذا الحد بين الاقتصاد (السوق الحر) والسياسة (الدولة والديمقراطية). تعتمد الرأسمالية على الدولة لضمان الملكية والاستقرار، لكنها تسعى إلى تحييد الديمقراطية حتى لا تتدخل في التراكم. في الرأسمالية المالية، يتحول هذا إلى «ذبح الديمقراطية»: سيطرة رأس المال على السياسة، انتشار الشعبوية كرد فعل، وتفريغ المؤسسات الديمقراطية. صراعات الحدود هنا تتمثل في الحركات التي تطالب بديمقراطية اقتصادية ومشاركة حقيقية، لا شكلية. الحد الرابع: بين الاستغلال والاقتطاع (الاستعمار والعنصرية) تميز فرايزر بين «الاستغلال» (exploitation: استخراج فائض القيمة من العمال الأحرار) و«الاقتطاع» (expropriation: الاستيلاء على موارد شعوب وعمال «غير أحرار» عبر العنصرية، الاستعمار، والإمبريالية). هذا الحد يسمح للرأسمالية بالحصول على موارد رخيصة (أرض، عمل، موارد طبيعية) من الفئات المستعبدة أو المهمشة. كما يربط هذا الحد الرأسمالية بالعنصرية والإمبريالية كعناصر بنيوية لا عرضية. في العولمة، يستمر الاقتطاع عبر سلاسل التوريد العالمية والحدود الهجرية. صراعات الحدود هنا تشمل الحركات المناهضة للعنصرية والاستعمارية. ما يلفت النظر أن هذه الحدود لا تعمل بشكل منفصل؛ إنها متداخلة وتعزز بعضها. على سبيل المثال، يؤثر اقتلاع الرعاية على النساء الملونات بشكل أكبر (تداخل جندر وعرق)، كما يرتبط تدمير الطبيعة بالاقتطاع الإمبريالي. تولد كل حد «نزعة أزمة» خاصة، مما يفسر الأزمات المتعددة المعاصرة (رعاية، بيئية، ديمقراطية، اجتماعية). من منظور نسوي جذري، تكشف فرايزر كيف أن الرأسمالية تعتمد على الهيمنة الجندرية كشرط بنيوي. صراعات الحدود توفر أساساً لتحالفات واسعة: نسوية + بيئية + عمالية + مناهضة للعنصرية. في هذا الصدد يُعد مفهوم الحدود الأربعة تطويراً مهماً للنظرية النقدية لأنه: يوسع مفهوم الرأسمالية إلى «نظام اجتماعي مؤسسي». يفسر الأزمات كنتيجة بنيوية لا عرضية. يفتح أفقاً سياسياً لـ«صراعات الحدود» التي يمكن أن تؤدي إلى تحول جذري. يدعو إلى رؤية اشتراكية جديدة تعيد دمج الرعاية، الطبيعة، والديمقراطية داخل الاقتصاد. في عصر الأزمات المتعددة، يوفر هذا المفهوم أداة تحليلية قوية لفهم كيف تفترس الرأسمالية شروط وجودها، وكيف يمكن مقاومة ذلك بتحالفات تقاطعية جذرية. إنه ليس وصفاً سلبياً، بل خريطة للنضال من أجل نظام اجتماعي يحترم الحدود ويضع الرعاية والاستدامة في المركز. بدائل جذرية: نحو رأسمالية غير كانيبالية أو ما بعدها لا تكتفي فرايزر بالنقد، بل تقترح إعادة بناء جذري. تطرح نموذجاً يعيد دمج الرعاية في الاقتصاد السياسي، ويوسع الديمقراطية لتشمل قرارات اقتصادية، ويضع حدوداً بيئية صارمة. هذا يتطلب تحالفات بين الحركات النسوية، العمالية، والبيئية، مع التركيز على «العدالة متعددة الأبعاد»: توزيع، اعتراف، وتمثيل. في المقاربة النسوية الجذرية، تعني هذه البدائل إنهاء الفصل بين الإنتاج والإعادة الاجتماعية، وجعل الرعاية قيمة مركزية في الحياة السياسية. يصبح التحرر النسوي تحريراً للجميع من منطق الافتراس الكانيبالي. لكن نقد فرايزر يُنتقد أحياناً لكونه أكثر تركيزاً على الثقافة والخطاب من الاقتصاد المادي، أو لعدم تقديم برنامج اقتصادي بديل واضح. ومع ذلك، تكمن قوته في ربط النيوليبرالية بالذاتية: كيف يصبح الاستغلال جزءاً من تشكل الذات نفسها. يفتح هذا النقد أبواباً لتحالفات بين النسوية، الكويرية، والحركات المناهضة للعولمة النيوليبرالية، مثل حركات «حياة السود مهمة» أو النضالات ضد التقشف. خاتمة: تقدم نانسي فرايزر، من خلال نقدها النسوي الجذري، إطاراً تحليلياً قوياً يكشف كيف تُقوض الرأسمالية الكانيبالية أسس الحياة نفسها: الديمقراطية التي تمنحنا صوتاً، الرعاية التي تحافظ علينا، والطبيعة التي تُمكننا من الوجود. مشروعها ليس تشاؤمياً، بل دعوة للعمل الجذري الذي يعيد تصور السياسة كممارسة رعائية، والاقتصاد كوسيلة للحياة لا للتراكم. لذلك تدعو فرايزر إلى سياسة «التضامن الراديكالي» القائم على الاعتراف بالهشاشة المتبادلة، ومقاومة الإطارات التي تجعل بعض الحيوات غير مرئية. ان التحدي الذي تطرحه هو بناء سياسة تعترف بالاعتماد المتبادل، وتعيد توزيع الهشاشة بشكل أعدل، وتجعل الحياة قابلة للعيش للجميع. في عصر الانهيار البيئي والاجتماعي، يظل هذا النقد ضرورياً لأي مشروع تحرري يسعى إلى ما بعد النيوليبرالية. يقدم نقد فرايزر للرأسمالية رؤية فلسفية عميقة تتجاوز الاقتصاد التقليدي إلى استجواب الشروط الوجودية للحياة تحت الرأسمالية. بتحليلها للهشاشة كمنتج سياسي، تكشف كيف تحول الرأسمالية النيوليبرالية الحياة إلى مورد قابل للاستغلال والتخلص منه. هذا يتطلب ليس فقط إصلاحات اقتصادية، بل تحولاً في طريقة فهمنا للذات والعلاقات الاجتماعية. في عالم يواجه أزمات متراكمة، تبقى أفكار فرايزر مصدر إلهام لكل من يسعى إلى مستقبل أكثر عدلاً واستدامة، حيث تكون الرعاية — للبشر وللكوكب — في قلب الحياة السياسية والطبيعية. فماهي أهمية المشروع الفرايزري في عصر الأزمات؟ وكيف تدعو سياستها الى التوجه نحو حياة قابلة للعيش؟ كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العمل السياسي الهادئ والبطيء والطوعي والذي يغلب عليه طابع ال
...
-
تحولات الفلسفة الوجودية بين العبثية المتمردة والعدمية اليائس
...
-
الاستحالة كمفهوم فلسفي أساسي
-
حدود الليبرالية كبضاعة فكرية رأسمالية
-
المقترحات الجديدة في الفلسفة السياسية المعاصرة
-
تحولات التجارب الماركسية بين التنظير والممارسة، دراسة توثيقي
...
-
تجربة الالتزام الوجودي في زمن الرداءة والفعل المقاوم بواسطة
...
-
الفلسفة والميتافيرس بين الشاشة الرقمية للعالم والهندسة التكن
...
-
التمشي النقدي في الممارسة المعرفية بين النزعة الاتصالية الدغ
...
-
عناصر اكتساب القدرة وقواعد السيطرة حسب روبرت جرين
-
التناقض محرك التاريخ
-
تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع في الفلسفة المعاصرة بين التنظي
...
-
تاريخ الذهنية المهزومة بين الهشاشة السايكولوجية للذات الجمعي
...
-
المهام الموكولة إلى الجامعات في ظل التحولات المعرفية التي أح
...
-
أحوال الوضع البشري بين الهشاشة الوجودية والمسؤولية الأخلاقية
-
نظرية كارل ماركس في التقدم
-
الإنسانية التقدمية كإمبراطورية مضادة لعولمة الإمبراطورية الإ
...
-
تناولات الحقيقة كقيمة معرفية بين الفلسفة والعلم في الأزمنة ا
...
-
الأنظمة المعرفية التي تتحكم في تكوين وبنية العقل حسب محمد عا
...
-
منهجية التسمية بين الاشتغال على المفردات وإبداع المعاني في ك
...
المزيد.....
-
هجوما طعن في وضح النهار يهزان شوارع نيويورك.. وشاهدة عيان تر
...
-
ترامب يطلق حملة لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولة
-
ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
-
نقاط الاختناق الملاحية ومقارنة أحجام تدفق النفط بما قبل حرب
...
-
إعلام رسمي: إيران تعلن استهداف أصول أمريكية في الأردن والبحر
...
-
وزراء خارجية -شنغهاي للتعاون- يجتمعون في قرغيزستان بذكرى تأس
...
-
واشنطن تفرض عقوبات على مدّعي عام للجنائية الدولية كريم خان
-
اتهامات لقطر بمحاولة ضرب مصداقية الشاكية ضد كريم خان والدوحة
...
-
الهند..نجاح أول تجربة إطلاق صاروخ أرض - جو
-
أي الفئات العمرية تملك أعلى بصمة كربونية غذائية؟
المزيد.....
-
تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ألمانيا..الحياة والمجهول
/ ملهم الملائكة
-
كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي
/ غازي الصوراني
-
نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي
...
/ زهير الخويلدي
-
Express To Impress عبر لتؤثر
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف
...
/ زهير الخويلدي
-
قضايا جيوستراتيجية
/ مرزوق الحلالي
-
ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال
...
/ حسين عجيب
المزيد.....
|