أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - زهير الخويلدي - الأنظمة المعرفية التي تتحكم في تكوين وبنية العقل حسب محمد عابد الجابري















المزيد.....

الأنظمة المعرفية التي تتحكم في تكوين وبنية العقل حسب محمد عابد الجابري


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 11:26
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


مقدمة
يمثل مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، خاصة في كتابيه تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، محاولة رائدة لفحص البنية الإبستمولوجية للفكر العربي-الإسلامي. يعتمد الجابري مقاربة أركيولوجية مستوحاة من أدوات تحليلية حديثة (مثل باشلار وفوكو)، تهدف إلى الكشف عن الطبقات المعرفية العميقة التي شكلت "العقل العربي" كظاهرة تاريخية-ثقافية، لا ككيان مجرد أو كوني. يحدد الجابري ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية تتحكم في تكوين وبنية هذا العقل: البيان (النظام اللغوي-النصي)، البرهان (النظام العقلي-الاستدلالي)، والعرفان (النظام الكشفي-الباطني). هذه الأنظمة ليست متساوية في التأثير؛ بل سيطر البيان والعرفان غالباً، مما أدى إلى تهميش البرهان، وهو ما يفسر – في نظر الجابري – حالة الركود المعرفي والحضاري. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه الأنظمة تفصيلاً، مع التركيز على آلياتها، تكوينها التاريخي، علاقاتها، ودلالاتها في سياق المقاربة الأركيولوجية التي تكشف عن "الأسس غير المفكر فيها" للعقل العربي. فكيف قرأ الجابري الأنظمة المعرفية التي يتكون منها العقل العربي الإسلامي؟ وماهي الاستنتاجات العامة التي خصل اليها؟ وهل يحتاج هذه العقل الى اصلاح أم نقد؟
أولاً: المقاربة الأركيولوجية عند الجابري – المنهج والأسس
تعتمد المقاربة الأركيولوجية لدى الجابري على حفر في طبقات التراث، لا لتأويله تأويلاً تقليدياً، بل لكشف البنى المعرفية الكامنة التي تنتج المعرفة وتحدد حدودها. يرى الجابري أن العقل العربي ليس عقلًا فردياً، بل بنية جماعية تشكلت في عصر التدوين (القرن الثاني والثالث الهجريين)، حيث التقى الوحي العربي بالتراث اليوناني والفارسي والهندي. يفترض هذا المنهج أن كل نظام معرفي يمتلك "أزواجاً إبستمولوجية" حاكمة (مثل الظاهر/الباطن، النص/التأويل، القياس/الكشف) تحدد ما يُعتبر معقولاً أو غير معقول. الهدف ليس رفض التراث، بل إعادة قراءته نقدياً لتحرير العقل من هيمنة بعض بنياته، واستعادة إمكانياته البرهانية لمواجهة تحديات الحداثة. يميز الجابري بين "العقل العربي" (الثقافي-اللغوي) و"العقل الإسلامي" (الديني)، مع التركيز على الأول كإطار شامل.
ثانياً: نظام البيان – سلطة النص واللغة
يشكل البيان النظام المعرفي الأساسي والمهيمن في العقل العربي-الإسلامي. يعني البيان "الظهور والإظهار"، و"الفهم والإفهام"، وهو يقوم على اللغة العربية كأداة مركزية. يعتمد على علوم اللغة (نحو، بلاغة، معانٍ وبيان) وعلى علوم الدين (تفسير، فقه، أصول فقه، كلام). في المقاربة الأركيولوجية، يظهر البيان كبنية تشكلت في سياق الصراعات المذهبية والسياسية بعد عصر الوحي، حيث أصبح النص (القرآن والحديث) مرجعاً مطلقاً. آلياته الرئيسية هي القياس، الاجتهاد ضمن حدود النص، والتأويل الظاهري. الأزواج الحاكمة: اللفظ/المعنى، العام/الخاص، الناسخ/المنسوخ. يؤكد الجابري أن البيان يمثل "المعقول الديني"، وهو ضروري للحفاظ على الهوية والوحدة، لكنه تحول إلى عقل تبريري تقليدي يعيد إنتاج المعرفة من داخل النص دون تجاوزه. هذا النظام يفضل الاستدلال اللغوي على التجريب أو الاستنتاج الحر، مما جعله عرضة للجمود والصراعات الفقهية. رغم قوته في بناء هوية عربية-إسلامية، إلا أن هيمنته أدت إلى "عقل بياني" يرى العالم من خلال عدسة النص، فأصبح التجديد يعني العودة إلى السلف بدلاً من الابتكار.
ثالثاً: نظام العرفان – الكشف والباطن
يمثل العرفان النظام المعرفي المضاد للبيان ظاهرياً، لكنه يتداخل معه في كثير من الحالات. يعني العرفان "الكشف" و"الإشراق" و"العيان"، وهو يعتمد على الحدس، الذوق، والوصول إلى الحقيقة عبر الباطن. يشمل التصوف، الفكر الشيعي الباطني، الفلسفة الإشراقية (مثل السهروردي)، والعلوم الغريبة (سحر، تنجيم). أركيولوجياً، يرجع تكوين العرفان إلى تأثيرات فارسية وهندية وغنوصية، دخلت الثقافة الإسلامية عبر حركات مثل الشيعة والمتصوفة. آلياته: الرمز، التأويل الباطني، السلوك الروحي، والاتحاد أو الحلول. الأزواج الحاكمة: الظاهر/الباطن، الشريعة/الحقيقة. يُسميه الجابري "اللامعقول العقلي" لأنه يتجاوز العقل الظاهري نحو معرفة مباشرة غير قابلة للبرهان. ينتقد الجابري هذا النظام بشدة لأنه يشجع على الغيبية واللامعقولية، ويؤدي إلى الانسحاب من الواقع أو الاستبداد الروحي. رغم جماليته الروحية وقدرته على إثراء التجربة الداخلية، إلا أن هيمنته (خاصة في المشرق) ساهمت في تعطيل الفكر النقدي، وفتح الباب أمام الخرافة والتطرف الباطني. يرى الجابري تداخلاً بين البيان والعرفان في بعض الاتجاهات، مما يعزز السلطة التقليدية.
رابعاً: نظام البرهان – الاستدلال والعقلانية
يمثل البرهان النظام المعرفي الأكثر عقلانية وحداثة في نظر الجابري. يعني البرهان "الاستدلال الاستنتاجي" واليقين المنطقي، ويعتمد على المنطق الأرسطي، الرياضيات، الطبيعيات، والميتافيزيقا. يشمل الفلسفة اليونانية-الإسلامية (الكندي، الفارابي، ابن سينا، وابن رشد). في المقاربة الأركيولوجية، يظهر البرهان كتيار هامشي نسبياً، دخل عبر الترجمات في عصر المأمون، وازدهر في الأندلس والمغرب (ابن باجة، ابن طفيل، ابن رشد، الشاطبي، ابن خلدون). يمثل "المعقول العقلي"، وآلياته: الاستقراء، الاستنتاج، التجربة، والبرهان اليقيني. الأزواج الحاكمة: السبب/المسبب، الكلي/الجزئي، النظر/العمل. يثني الجابري على هذا النظام لأنه يتوافق مع الروح العلمية الحديثة، ويسمح بتوفيق الدين مع العقل دون إلغاء أحدهما (كما عند ابن رشد). لكنه بقي "يتيماً" بسبب هيمنة البيان والعرفان، مما حال دون تحول الثقافة العربية-الإسلامية إلى حضارة علمية مستدامة. يرى الجابري في التيار الأندلسي-المغربي نموذجاً يمكن الاستلهام منه لإحياء العقل البرهاني.
خامساً: العلاقات بين الأنظمة – التداخل، الصراع، والهيمنة
لا تعيش الأنظمة الثلاثة في عزلة؛ بل تتداخل وتتصارع. يسيطر البيان على الخطاب العام (فقه، كلام)، بينما يتسلل العرفان إلى التجربة الروحية والسياسية (مثل بعض التيارات الشيعية أو الصوفية). أما البرهان فيحاول التوفيق، لكنه غالباً ما يُدمج في البيان (كما عند ابن سينا) أو يُهمش. يكشف الجابري أن هيمنة البيان والعرفان أدت إلى "استقالة العقل العربي"، حيث أصبح التفكير تكرارياً أو غيبياً، بدلاً من أن يكون نقدياً وإبداعياً. هذا التفاوت التاريخي (ازدهار البرهان في المغرب، هيمنة العرفان في المشرق) يفسر الاختلافات الإقليمية في الثقافة الإسلامية. المقاربة الأركيولوجية تظهر أن هذه البنى ليست أبدية، بل تاريخية، قابلة للنقد والتجاوز.
خاتمة
تشكل الأنظمة المعرفية الثلاثة (البيان، البرهان، العرفان) في تحليل محمد عابد الجابري البنية العميقة للعقل العربي-الإسلامي. من خلال مقاربته الأركيولوجية، يكشف عن كيفية سيطرة البيان والعرفان على حساب البرهان، مما أنتج عقلًا تقليدياً أو غيبياً. هكذا يخلص الجابري إلى أن تجاوز أزمة العقل العربي يتطلب إحياء البرهان كمنهج أساسي، مع الحفاظ على البيان كإطار هووي، وتنقية العرفان من الغيبية. هذا يعني قراءة التراث بروح نقدية، وفتح العقل على العلوم الحديثة والتجريب. المشروع ليس رفضاً للإسلام، بل دعوة لعقلانية إسلامية-عربية أصيلة تستلهم ابن رشد وابن خلدون. رغم انتقادات بعض المفكرين لاختزاليته أو إسقاطاته الحداثية، يبقى مشروع الجابري إسهاماً كبيراً في فهم الذات الثقافية العربية وشروط نهضتها. إن مهمة النقد اليوم هي إعادة توازن هذه الأنظمة، ليصبح العقل العربي قادراً على إنتاج معرفة حديثة تتوافق مع تراثه وتلبي حاجات عصره. بهذا، يتحول النقد من مجرد تفكيك إلى إعادة بناء حضاري يعيد للعقل العربي حيويته وإبداعه. فماهي الدلالات المعاصرة لهاته القراءة وآفاقها النقدية؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منهجية التسمية بين الاشتغال على المفردات وإبداع المعاني في ك ...
- منهجية كتابة المقال الفلسفي وتحليل النص الفلسفي والإجابة على ...
- هوية إدغار موران البحثية المركبة، مقاربة عابرة للمناهج والتخ ...
- مراوحة الفلسفة السياسية في السياق المعاصر بين اللاهوت الديني ...
- أزمة المذهب الإنساني بين الإفراط في الإنسانية والتفريط في ال ...
- مشروع طيب تيزيني الفلسفي والحضاري كمرجعية أكاديمية عربية
- بناء سبينوزا لفلسفة عقلانية تجمع بين الانطولوجيا والاتيقا
- أساليب رعاية الأفراد والمجتمعات والحضارات في التطبيقات الفلس ...
- الحرية كأساس الوجود الحقيقي حسب شيلينغ
- دفاع أنطونيو غرامشي عن استقلالية المجتمع المدني من زاوية الم ...
- خصائص الديمقراطية الجديدة عند ماو تسي تونغ وشروط تحرر الشعوب ...
- كيف نقرأ الفلسفة الغربية بنظارات معاصرة ضمن مقاربة ما بعد كو ...
- مفارقة الحداثة من سؤال الإنسان إلى تحويله إلى موضوع للمعرفة ...
- إعادة الاعتبار للتراث وفق المقاربة الهرمينوطيقية الفلسفة وال ...
- علاقة العدالة بالمنفعة في الأنظمة الاقتصادية الراهنة من خلال ...
- واقع العمل الانساني بين الوساطة الافتراضية والقيمة الانتاجية ...
- كونية فعل التفكير الفلسفي وخصوصية بناء النسق الفلسفي، مقاربة ...
- ماذا يجب علينا أن نفعل؟
- مفهوم الحكمة الصينية، ماو تسي تونغ نموذجا، مقاربة فلسفية مار ...
- أزمة القيم في الحياة الراهنة بين الغايات المطلقة ونسبية الوس ...


المزيد.....




- إعلام لبناني: ضربات إسرائيلية تقتل أكثر من 20 شخصاً في الجنو ...
- الولايات المتحدة تستهدف طائرات مسيرة ومواقع رادار إيرانية، و ...
- ترامب يعلن تدمير 80% من صواريخ إيران.. والحرس الثوري يفاجئ أ ...
- هجمات متبادلة في منطقة الخليج بين الولايات المتحدة وإيران
- عراقجي يدعو عون لـ-إنقاذ لبنان من عدوه الحقيقي- عقب حث الرئي ...
- قبل زيارة شي.. كيم جونغ أون يستعرض قدرات الردع النووي البحري ...
- البنتاغون يرفع مستوى تهديد التجسس الإسرائيلي على أمريكا للدر ...
- عراقجي لعون: أنقذ لبنان من عدوك الحقيقي يا سيادة الرئيس
- شهيد بغزة واتهامات للاحتلال بتوظيف الإبادة للابتزاز السياسي ...
- بعد 3 سنوات من الفاجعة.. إعمار درنة يداوي صدمة الفيضان


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - زهير الخويلدي - الأنظمة المعرفية التي تتحكم في تكوين وبنية العقل حسب محمد عابد الجابري