أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - زهير الخويلدي - مراوحة الفلسفة السياسية في السياق المعاصر بين اللاهوت الديني والثورة الاجتماعية















المزيد.....

مراوحة الفلسفة السياسية في السياق المعاصر بين اللاهوت الديني والثورة الاجتماعية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 12:01
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


مقدمة:
في خضم العصر الراهن، تُمارس الفلسفة السياسية حركة مراوحة مستمرة، كأنها بندول يتأرجح بين قطبين يبدوان متعارضين جذريًا: اللاهوت الديني الذي يؤسس السلطة على الإلهي والمتعالي، والثورة الاجتماعية التي تسعى إلى إعادة بناء الوجود الإنساني من خلال الفعل الجماعي الأرضي. هذه المراوحة ليست مجرد تقلب تاريخي عرضي، بل هي بنية جوهرية للفكر السياسي الحديث والمعاصر، تعكس أزمة الشرعية في عالم فقد فيه "الإله" القديم هيبته دون أن يفقد الإنسان حاجته إلى الخلاص الشامل. المعاصرة هنا ليست مجرد زمن تاريخي، بل حالة وجودية تتسم بانهيار السرديات الكبرى (كما وصفها ليوتار) مع استمرار إنتاجها في أشكال هجينة. الفلسفة السياسية تتأرجح لأنها تواجه سؤال السلطة والعدالة في غياب أرضية مشتركة: هل الشرعية تنبع من فوق (الإله، الناموس الأزلي) أم من تحت (الصراع الطبقي، الرغبة الجماعية، الجسد المضطهد)؟ هذه المراوحة جذرية لأنها تلامس أساس الوجود السياسي: القدرة على الفعل المشترك في عالم مفكك. فلماذا يقيت الفلسفة السياسية المعاصرة في حالة التأرجح الأبدي؟
اللاهوت الديني كأفق سياسي معاصر
يظهر اللاهوت الديني في السياق المعاصر ليس كعودة إلى الماضي، بل كإعادة صياغة حية للتصور السياسي. في أشكاله الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية الأصولية، يقدم اللاهوت إجابة شاملة على أزمة المعنى. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تجسيد للإرادة الإلهية. الشريعة أو الناموس الإلهي يصبحان مصدر الدستور، والطاعة لله تترجم إلى طاعة للنظام السياسي المقدس.
هذا اللاهوت يمتلك قوة جذرية لأنه يقدم "خلاصًا كليًا". في مواجهة الرأسمالية المتأخرة التي تحول كل شيء إلى سلعة، يرد اللاهوت بأن القيمة الحقيقية خارج السوق، في العهد مع الإله. يرى في الثورة الاستهلاكية والفردانية الليبرالية شكلاً من أشكال الشرك أو الاغتراب عن الجوهر الإنساني. هنا تبرز ظاهرة "السياسة كلاهوت مدني": الزعيم يصبح شبه نبي، والشعب "أمة مقدسة"، والعدو "شيطان" أو "كافر". في السياق العربي والإسلامي، يتجلى هذا في محاولات إحياء الخلافة أو تطبيق الشريعة كحل جذري للفساد السياسي. أما في الغرب، فيظهر في صعود المسيحية الإنجيلية السياسية أو في أشكال "اللاهوت السياسي" الذي يعيد قراءة كارل شميت: الاستثناء السياسي (حالة الطوارئ) هو نسخة علمانية من المعجزة الدينية. اللاهوت يمنح الفلسفة السياسية ما تفتقده في العلمانية: القدرة على التعبئة العاطفية والتضحية الجماعية. إنه يحول السياسة من إدارة للمصالح إلى دراما خلاصية. ومع ذلك، يحمل اللاهوت تناقضه الداخلي: هو يعد بالعدالة المطلقة لكنه يؤسس سلطة هرمية قد تتحول إلى قمع. في عصر العولمة، يصبح اللاهوت مقاومة للإمبريالية الثقافية الغربية، لكنه قد يعيق أيضًا النقد الذاتي والتطور الداخلي.
الثورة الاجتماعية كلاهوت معكوس
في الجهة المقابلة، تقف الثورة الاجتماعية كإنكار جذري لأي متعالٍ. مستمدة من تقليد ماركسي وأناركي وما بعد استعماري، ترى الثورة أن الخلاص ليس في السماء بل في تحرير الإنسان من قيوده المادية والرمزية. الرأسمالية هي الشيطان الجديد، والطبقات المضطهدة أو الهويات المقهورة (الجنس، العرق، البيئة) هي "الشعب المقدس" الذي سيحقق الجنة الأرضية.
هذه الثورة ليست مجرد تغيير سياسي، بل إعادة تشكيل للذات والمجتمع. في نسختها المعاصرة (من حركات الاحتجاج العالمي مثل أحرار الاحتلال إلى النشاط البيئي الراديكالي وما بعد الاستعمار)، تتخذ شكل "ثورة دائمة" ضد كل أشكال السلطة. الجسد، الرغبة، اللغة، كلها ميادين سياسية. هنا يظهر "اللاهوت المعكوس": التقدم التاريخي يحل محل العناية الإلهية، والوعي الطبقي أو التقاطعي يحل محل الإيمان، والثورة تحل محل يوم القيامة. الثورة الاجتماعية تمتلك قوة تحليلية هائلة: تكشف كيف أن الديمقراطية الليبرالية مجرد غطاء للهيمنة الرأسمالية، وكيف أن الحقوق الفردية تخفي عدم المساواة الهيكلية. في السياق المعاصر، تتجلى في نقد "الرأسمالية المتأخرة" (جيمسون) أو في فلسفة "الإمكانية" عند أغامبين أو بادنيو، حيث يصبح الفعل السياسي حدثًا يقطع التاريخ ويخلق جديدًا. لكنها تواجه أزمة خاصة بها: فقدان القدرة على التعبئة الشاملة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتحولها أحيانًا إلى "ثورات ثقافية" جزئية لا تمس جذور الاقتصاد السياسي. كما أنها قد تنتج "لاهوتًا علمانيًا" جديدًا: اليقين الأيديولوجي، تكفير المخالف، والتضحية بالفرد من أجل الجماعة.
ديناميكية المراوحة بين الجدلية والتلاقح
المراوحة ليست ثنائية جامدة، بل جدلية حية. اللاهوت الديني يستعير من الثورة لغة التغيير الجذري (الجهاد، الإصلاح)، بينما تستعير الثورة من اللاهوت لغة الخلاص والتضحية. في الواقع المعاصر، نرى هجينة غريبة: "الثورات الإسلامية" التي تجمع بين الخطاب الديني والممارسات الاجتماعية الراديكالية، أو حركات اليمين الشعبوي التي تستخدم خطابًا علمانيًا قوميًا بطاقة دينية.هذه المراوحة تعكس أزمة الإنسان المعاصر: فقدان المركز (نيتشه: "الله مات") مع الحنين إلى المركز. الفلسفة السياسية تتأرجح لأنها تحاول الإجابة على سؤال واحد: كيف نعيش معًا في غياب الحقيقة المطلقة؟ اللاهوت يقدم الإجابة بالعودة إلى الأصل، والثورة بالقفز نحو المستقبل. كلاهما يرفضان الوسط الليبرالي الذي يرى في السياسة مجرد تسوية مصالح.في السياق العالمي، تتغذى هذه المراوحة على الأزمات: الهجرة، التغير المناخي، اللامساواة الرقمية، انهيار الثقة في المؤسسات. كل أزمة تدفع البندول نحو أحد القطبين. الجائحة مثلًا أعادت طرح سؤال "الاستثناء" الشميتي (لاهوتي) بينما أنتجت أيضًا دعوات ثورية لإعادة توزيع الثروة والسلطة.
نحو مقاربة جذرية عمومية
من منظور جذري عمومي، يجب أن تتجاوز الفلسفة السياسية المراوحة دون نفيها. المراوحة نفسها هي الكشف: الإنسان كائن سياسي لأنه كائن ناقص، يحتاج إلى المتعالي (الإله، العدالة المطلقة) وإلى الفعل الأرضي في الوقت نفسه. الرؤية الجذرية ترفض الاختزال: لا يمكن اختزال السياسة إلى لاهوت خالص (يؤدي إلى الاستبداد المقدس) ولا إلى ثورة خالصة (تؤدي إلى الإرهاب الأيديولوجي أو الانهيار).بدلاً من ذلك، تدعو إلى "تفكيك" الثنائية: الاعتراف بأن كل لاهوت يحتوي على بعد ثوري (الأنبياء كثوار)، وكل ثورة تحتوي على بعد لاهوتي (الأمل في نهاية التاريخ). هذا يتطلب فلسفة سياسية "ما بعد علمانية" و"ما بعد ثورية" في آن: تفكر في السلطة كعلاقة دائمة التفاوض، وفي العدالة كممارسة يومية لا تنتهي، وفي المجتمع كفضاء للاختلاف الخلاق لا للتوحيد القسري.
خاتمة
في النهاية، المراوحة ليست ضعفًا بل قوة. هي تعبر عن حيوية الفكر السياسي في مواجهة المستحيل: بناء عالم مشترك في زمن الشقاق. التحدي المعاصر ليس اختيار أحد القطبين، بل فهم كيف يولد الجديد من توترهما. الفلسفة السياسية الحقيقية هي تلك التي تظل يقظة أمام هذا التوتر، رافضة الاستقرار في أي نسخة نهائية، سواء كانت سماوية أو أرضية. هكذا تستمر المراوحة، وهكذا يستمر الإنسان في البحث عن نفسه داخل المدينة. فكيف انقسمت الفلسفة السياسية المعاصرة بين اتجاه محافظ يمثله كارل شميت واتجاه تحرري تمثله حنة ارندت؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة المذهب الإنساني بين الإفراط في الإنسانية والتفريط في ال ...
- مشروع طيب تيزيني الفلسفي والحضاري كمرجعية أكاديمية عربية
- بناء سبينوزا لفلسفة عقلانية تجمع بين الانطولوجيا والاتيقا
- أساليب رعاية الأفراد والمجتمعات والحضارات في التطبيقات الفلس ...
- الحرية كأساس الوجود الحقيقي حسب شيلينغ
- دفاع أنطونيو غرامشي عن استقلالية المجتمع المدني من زاوية الم ...
- خصائص الديمقراطية الجديدة عند ماو تسي تونغ وشروط تحرر الشعوب ...
- كيف نقرأ الفلسفة الغربية بنظارات معاصرة ضمن مقاربة ما بعد كو ...
- مفارقة الحداثة من سؤال الإنسان إلى تحويله إلى موضوع للمعرفة ...
- إعادة الاعتبار للتراث وفق المقاربة الهرمينوطيقية الفلسفة وال ...
- علاقة العدالة بالمنفعة في الأنظمة الاقتصادية الراهنة من خلال ...
- واقع العمل الانساني بين الوساطة الافتراضية والقيمة الانتاجية ...
- كونية فعل التفكير الفلسفي وخصوصية بناء النسق الفلسفي، مقاربة ...
- ماذا يجب علينا أن نفعل؟
- مفهوم الحكمة الصينية، ماو تسي تونغ نموذجا، مقاربة فلسفية مار ...
- أزمة القيم في الحياة الراهنة بين الغايات المطلقة ونسبية الوس ...
- الرشدية بين التقدم والاستفاقة وبين التبعية والاستنساخ
- طرق الخروج من النسق الرأسمالي الشرس
- ظاهرة تغيير الوجهة السياسية والفكرية وتبديل الانتماءات عند ا ...
- فلسفتنا وتأثيراتها في الحياة المجتمعية ومقارنتها مع الحكمة ا ...


المزيد.....




- فيديو يظهر كرة نارية في سماء صور.. إسرائيل توسّع عملياتها ال ...
- لماذا تمثل المقاتلة -إف-35- مفتاح التفوق الجوي الأمريكي في ع ...
- فضيحة تهز الـCIA: مسؤول استخباراتي أخفى 303 سبائك ذهب داخل م ...
- جاموسة -دونالد ترامب- الشهيرة تنجو من أضحية العيد وتُنقل إلى ...
- رغم الأزمات.. كيف أصبحت تركيا فجأة -واحة استقرار- في المنطقة ...
- حزب الله يقول إنه يخوض اشتباكات خارج الخط الأصفر من مسافة صف ...
- الصيف يصل مبكرا إلى أوروبا.. حر خانق في بريطانيا وإيطاليا
- فرنسا: النواب يصوتون بالإجماع لإلغاء -المرسوم الأسود-.. ماذا ...
- تونس: -بلغ السيلُ الزبى-؟
- إيبولا يتفاقم في الكونغو الديمقراطية في ظل شح الموارد الصحية ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - زهير الخويلدي - مراوحة الفلسفة السياسية في السياق المعاصر بين اللاهوت الديني والثورة الاجتماعية