أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - زهير الخويلدي - تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار الريزومي والانكماش الحمائي، مقاربة جيوسياسية















المزيد.....

تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار الريزومي والانكماش الحمائي، مقاربة جيوسياسية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 13:04
المحور: المجتمع المدني
    


مقدمة
يشهد مطلع القرن الحادي والعشرين إعادة تشكل عميقة لظاهرة الإمبريالية الرأسمالية، تختلف في آلياتها وفضاءاتها عن النماذج الكلاسيكية القائمة على الاحتلال العسكري المباشر والسيطرة الترابية الصريحة. فبدلاً من الإمبراطوريات الصلبة التي رسمت حدودها بالجيوش والمعاهدات، برزت أشكال أكثر مرونة وتعقيداً تجمع بين الانتشار الشبكي العابر للحدود، الذي يمكن وصفه بالانتشار الريزومي، وبين نزعات انكماشية حمائية تعيد إحياء منطق الدولة القومية والمصلحة الوطنية الضيقة. وتكشف المقاربة الجيوسياسية لهذه الدينامية عن توتر بنيوي داخل النظام الرأسمالي العالمي نفسه: توتر بين منطق رأس المال الباحث عن التوسع المستمر عبر الشبكات والحدود المفتوحة، ومنطق السيادة السياسية الذي يسعى إلى إعادة تأكيد السيطرة الترابية والحماية الاقتصادية في مواجهة المخاطر والاضطرابات. وفي هذا الإطار، لا تمثل الإمبريالية المعاصرة مشروعاً موحداً تقوده قوة واحدة، بل تشكلاً متعدد المراكز يتداخل فيه البعد الاقتصادي بالبعد العسكري والثقافي والتكنولوجي، ويتوزع بين قوى تقليدية صاعدة وأخرى تحاول الحفاظ على موقعها المهيمن. فما المقصود بالانتشار الريزومي؟ ولماذا تشكلت ظاهرة الانكماش الحمائي؟ وماهي السبل التي يجدر اتباعها للتوقي من هذه الأمراض المستجدة؟
الانتشار الريزومي
يستمد مفهوم الانتشار الريزومي جذوره من التصور الفلسفي للشبكات غير الهرمية التي تنمو أفقياً عبر نقاط اتصال متعددة دون مركز وحيد أو جذر أساسي. وفي السياق الرأسمالي الراهن، يتجلى هذا الانتشار في تدفقات رأس المال المالي العابرة للقارات، وفي سلاسل التوريد العالمية المعقدة، وفي المنصات الرقمية التي تعيد تنظيم الأسواق والعمل والمعرفة، وفي شبكات الإنتاج المتفرقة التي تجعل من الصعب تحديد موقع السلطة الاقتصادية بدقة. فالإمبريالية الريزومية لا تحتاج بالضرورة إلى سيطرة مباشرة على الأرض، بل تعمل عبر السيطرة على العقد الاستراتيجية: الموانئ، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والمعايير التكنولوجية، والعملات الاحتياطية، والمؤسسات المالية الدولية. وهي إمبريالية مرنة قادرة على التكيف مع الأزمات عبر إعادة توجيه التدفقات وتحويل المخاطر إلى أطراف أضعف في الشبكة. وقد تسارعت هذه الدينامية بعد نهاية الحرب الباردة، مع تحرير الأسواق المالية وتوسع الشركات متعددة الجنسيات واندماج الاقتصادات الناشئة في الدورة الرأسمالية العالمية. غير أن هذا الانتشار لم يكن متجانساً؛ فقد أنتج في الوقت نفسه تراتبيات جديدة، حيث تتركز القيمة المضافة العالية والابتكار في مراكز محدودة، بينما تُترك الوظائف الإنتاجية ذات القيمة المنخفضة والتكاليف البيئية والاجتماعية للأطراف.
الانكماش الحمائي
في مقابل هذا المنطق الريزومي، برز منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين اتجاه واضح نحو الانكماش الحمائي. فقد كشفت الأزمات المتتالية، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية الكبرى، عن هشاشة الاعتماد المتبادل وعن مخاطر التركيز المفرط في سلاسل التوريد. ودفع ذلك دولاً كبرى إلى تبني سياسات إعادة التوطين، وتنويع المصادر، وفرض رسوم جمركية، وتقييد الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الاستراتيجية، وتعزيز مفهوم الأمن الاقتصادي. ويظهر الانكماش الحمائي بوصفه محاولة لاستعادة السيطرة على الفضاء الوطني في مواجهة قوى العولمة التي بدت خارج سيطرة الحكومات. وهو لا يقتصر على الإجراءات التجارية التقليدية، بل يمتد إلى السيطرة على التكنولوجيا الحساسة، وتقييد انتقال البيانات، وإعادة بناء القدرات الصناعية المحلية، واستخدام الأدوات المالية والنقدية كأسلحة جيوسياسية. وفي جوهره، يعبر هذا الاتجاه عن إدراك متزايد بأن الانفتاح غير المشروط قد يضعف القدرة على المناورة الاستراتيجية في عالم يشهد عودة التنافس بين القوى الكبرى.
الحركة الجدلية بين الانتشار الريزومي والانكماش الحمائي
تكمن المفارقة الجيوسياسية في أن الانتشار الريزومي والانكماش الحمائي ليسا نقيضين مطلقين، بل يتشابكان في حركة جدلية معقدة. فالقوى التي تروج للشبكات المفتوحة غالباً ما تلجأ في الوقت نفسه إلى أدوات حمائية عندما يتعلق الأمر بمصالحها الحيوية، بينما تستخدم القوى التي تتبنى خطاب السيادة الاقتصادية شبكات ريزومية للتوسع في مناطق نفوذها. ويتجلى ذلك بوضوح في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث تسعى الأولى إلى الحفاظ على هيمنتها عبر السيطرة على النظام المالي العالمي والمعايير التكنولوجية والتحالفات الأمنية، بينما تبني الثانية شبكات بنية تحتية وتجارية ومالية بديلة تمتد عبر قارات متعددة. وفي كلتا الحالتين، يمتزج المنطق الريزومي بالمنطق الحمائي: فالحماية تُمارس انتقائياً لحماية القلب التكنولوجي والمالي، بينما يُترك الانتشار الشبكي يعمل في المجالات التي تعزز النفوذ دون تكلفة سيادية مباشرة. من الزاوية الجيوسياسية، يؤدي هذا التشكل المزدوج إلى إعادة رسم خريطة القوة العالمية. فالإمبريالية الريزومية تضعف الحدود التقليدية وتخلق فضاءات نفوذ غير إقليمية، بينما يعيد الانكماش الحمائي إحياء أهمية الجغرافيا والموارد والممرات الاستراتيجية. وتنتج عن ذلك مناطق رمادية تتداخل فيها الشبكات العابرة مع السياسات القومية: مناطق تُدار عبر مزيج من الاتفاقيات التجارية والأدوات العسكرية الناعمة والضغوط المالية. كما يبرز دور الفاعلين غير الدوليين، من الشركات التكنولوجية الكبرى إلى صناديق الاستثمار السيادية، بوصفهم أدوات ووسطاء في هذه الإمبرياليات الجديدة. فهم يعملون ضمن منطق رأس المال العابر، لكنهم يظلون خاضعين في اللحظات الحرجة لتوجيهات الدول التي تحتضن مقارها أو تتحكم في أسواقها الرئيسية.
التحليل الجيوسياسي
ويكشف التحليل الجيوسياسي كذلك عن تفاوت القدرات بين القوى في إدارة هذا التوتر. فالدول التي تمتلك عمقاً سوقياً كبيراً وعملة احتياطية ونفوذاً مؤسسياً دولياً تكون أكثر قدرة على الجمع بين الانفتاح الانتقائي والحماية الاستراتيجية. أما الاقتصادات الأصغر أو الأكثر اعتماداً على التصدير فتجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع تقلبات الشبكات العالمية أو البحث عن تحالفات إقليمية توفر حداً أدنى من الحماية الجماعية. وفي هذا السياق، تتحول الأزمات إلى لحظات كاشفة تعيد ترتيب الأولويات: فما كان يُنظر إليه بوصفه تكاملاً مفيداً يصبح مصدر هشاشة، وما كان يُعتبر انغلاقاً متخلفاً يُعاد تقديمه بوصفه سيادة ضرورية.
خاتمة
إن تشكل الإمبرياليات الرأسمالية في بداية القرن الحادي والعشرين لا يعبر عن عودة بسيطة إلى نماذج القرن التاسع عشر أو العشرين، ولا عن انتصار نهائي للعولمة الشبكية. بل هو حركة مزدوجة تجمع بين تمدد ريزومي يسعى إلى اختراق كل الحواجز، وانكماش حمائي يحاول إعادة رسم حدود قابلة للدفاع عنها. والمقاربة الجيوسياسية لهذه الحركة تكشف أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأراضي أو الموارد، بل حول القدرة على التحكم في العقد الحيوية للشبكات مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بهامش من الاستقلالية الترابية والاقتصادية. وفي ظل استمرار التوتر بين هذين المنطقين، يتجه النظام الدولي نحو حالة من التعددية غير المستقرة، حيث تتنافس إمبرياليات رأسمالية متعددة المراكز، كل منها يسعى إلى توسيع شبكاته مع تحصين قلبه السيادي، في عالم لم يعد يعترف بالفصل الحاد بين الداخل والخارج، ولا بين الاقتصاد والسياسة، ولا بين الصلابة والسيولة. فكيف يجدر بنا أن نفعل لكي نعيد الاعتبار والفاعلية للمجتمع المدني العالمي؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر ...
- الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
- دراسة مقارنة بين جنيالوجيا المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو وف ...
- قراءة سوسيو-اقتصادية للأحداث الجارية في المنطقة
- اعتراف فيلسوف قراءة معمقة في أجوبة مارسيل كونش على أسئلة أند ...
- دراسة مقارنة بين سيكولوجية كارل يونغ وسايكولوجية سغموند فروي ...
- البحث عن الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية
- التمييز بين هيدجر الوجود والزمان وهيدجر المنعطف، أو في تعقب ...
- مفهوم الفعل عند بيير جانيه بين اللغة والذهن والذكاء، مقاربة ...
- تلقي فلسفة فريدريك نيتشه في السياق الشرقي
- علاقة الفرد بالمجتمع بين تأكيد الذات وفقدان الأصالة
- من هم الفلاسفة الذين تاهوا عن الطريق الفلسفي الخاص بهم ؟ ولم ...
- التمايز وإعادة الإنتاج والعنف الرمزي كعناصر في نظرية النسق ا ...
- تغلغل الماوية في الفكر السياسي العربي، قراءات في أعمال ناجي ...
- نانسي فرايزر وتصديها لاقتلاع الرأسمالية الكانيبالية المتوحشة ...
- العمل السياسي الهادئ والبطيء والطوعي والذي يغلب عليه طابع ال ...
- تحولات الفلسفة الوجودية بين العبثية المتمردة والعدمية اليائس ...
- الاستحالة كمفهوم فلسفي أساسي
- حدود الليبرالية كبضاعة فكرية رأسمالية
- المقترحات الجديدة في الفلسفة السياسية المعاصرة


المزيد.....




- موسكو: الغرب يتغاضى عن سجون سرية تديرها كييف لتعذيب الأسرى و ...
- -200 في مخزن واحد-.. ناجٍ من -دقريس- يروي للجزيرة نت جحيم ال ...
- توتر في سبتة ومواجهات بين محتجين مناهضين للمهاجرين والشرطة
- تصاعد التوتر في سبتة: مواجهات بين السكان والشرطة إثر أزمة تد ...
- سبتة.. احتجاجات عنيفة وأزمة إنسانية تعصف بالجيب الإسباني بعد ...
- أَغُرْفَة لِلْمُسَاءَلَةِ مُضَافَة ؟؟؟
- خالد شيخ محمد.. من اعتقاله في باكستان إلى محاكمة مؤجلة في غو ...
- بين عودة النازحين وتأمين المساعدات.. «الشروق» ترصد تحديات ال ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام يمني -قصاصا- وتكشف عن جريمته ...
- الأمم المتحدة تحذر من أي وجود عسكري إسرائيلي مفتوح في سوريا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - زهير الخويلدي - تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار الريزومي والانكماش الحمائي، مقاربة جيوسياسية