|
|
الفكرة الأوراسية بماهي تحول حضاري في العلاقات بين الأمم والدول
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 09:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة إن الفكرة الأوراسية ليست مجرد نظرية جيوسياسية عابرة، بل هي رؤية حضارية عميقة الجذور تسعى إلى إعادة تعريف موقع روسيا والعالم الروسي ضمن منظومة العلاقات الدولية. تدور هذه الدراسة حول سؤال مركزي: هل أسهمت الحرب التي خاضتها روسيا ضد أوكرانيا منذ عام 2022 في تحويل الفكرة الأوراسية من تيار فكري هامشي إلى مشروع حضاري وسياسي فاعل يعيد صياغة العلاقات بين الأمم والدول والحضارات؟ والجواب يتطلب الغوص في جوهر الأوراسية ذاتها، لا باعتبارها رد فعل ظرفياً على العقوبات الغربية، بل كإطار تفسيري وتوجيهي أعادت الحرب إحياءه وتفعيله بقوة غير مسبوقة. فمتى تشكلت الفكرة الأوراسية؟ ماهي طموحاتها على الصعيد المحلي والعالمي؟ وماهي حدودها؟ أولاً: جوهر الفكرة الأوراسية كرؤية حضارية مستقلة تقوم الفكرة الأوراسية على فرضية أساسية مفادها أن روسيا ليست امتداداً هامشياً لأوروبا الغربية، ولا مجرد دولة آسيوية، بل هي حضارة وسيطة أصيلة تمثل تركيباً فريداً بين العنصر الأوروبي والعنصر الآسيوي. هذه الحضارة الأوراسية تستمد خصوصيتها من الجغرافيا الشاسعة الممتدة عبر القارتين، ومن التاريخ الإمبراطوري المتعدد القوميات، ومن التراث الأرثوذكسي الشرقي، ومن التفاعل الطويل مع الشعوب التركية والإيرانية والقوقازية والسيبيرية. على خلاف الرؤية الغربية التي تعتبر الحداثة والتقدم مساراً كونياً واحداً ينطلق من أوروبا، تؤكد الأوراسية على تعددية المسارات الحضارية. فكل فضاء جغرافي-ثقافي يمتلك منطقه الداخلي الخاص، ولا يجوز إخضاعه لمعايير خارجية. بهذا المعنى، ترفض الأوراسية المركزية الأوروبية رفضاً جذرياً، وترى في محاولة إدماج روسيا أو محيطها الحضاري ضمن المنظومة الأطلسية استيعابا قسرياً يؤدي بالضرورة إلى رد فعل هوياتي عنيف.تتجلى الأوراسية في ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد الجغرافي الذي يرى في أوراسيا وحدة طبيعية استراتيجية، والبعد الثقافي الذي يمجد التعددية الإثنية ضمن إطار دولة قوية جامعة، والبعد السياسي الذي يدعو إلى بناء نموذج سيادي مستقل عن الليبرالية الغربية، يقوم على أولوية الدولة والجماعة والتقاليد بدلاً من الفرد والسوق المفتوحة. ثانياً: الحرب كمحفز حضاري لتفعيل الأوراسية قبل اندلاع الحرب، كانت الفكرة الأوراسية حاضرة في الأوساط الفكرية الروسية، لكنها ظلت محدودة التأثير على مستوى السياسة العملية. كانت روسيا لا تزال مندمجة جزئياً في المنظومة الاقتصادية العالمية الغربية، وتسعى إلى شراكة انتقائية مع أوروبا مع الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي. أما الحرب فقد شكلت اللحظة الفاصلة التي حولت الأوراسية من نظرية إلى ضرورة وجودية.من منظور أوراسي، لم تكن أوكرانيا مجرد دولة مجاورة، بل جزءاً أصيلاً من المجال الحضاري الروسي-الأوراسي. لذا فإن توجه كييف نحو الاندماج في الهياكل الغربية الأطلسية والأوروبية اعتُبر تهديداً مباشراً لوحدة هذا المجال ولكينونة الحضارة الأوراسية ذاتها. جاءت الحرب، بهذا المعنى، دفاعاً عن الحدود الحضارية لا عن الحدود السياسية فحسب. لقد أدت الحرب إلى تسريع ثلاث عمليات جوهرية تصب مباشرة في صالح المشروع الأوراسي: أولاً، القطيعة الواعية مع الغرب الجماعي. لم تعد روسيا تبحث عن موقع داخل المنظومة الغربية، بل باتت تعلن صراحة نهاية عصر الهيمنة الغربية وتدعو إلى عالم متعدد الحضارات. هذا الخطاب ليس دبلوماسياً فحسب، بل هو ترجمة عملية للمبدأ الأوراسي الرافض للمركزية الغربية. ثانياً، إعادة توجيه المجال الحيوي شرقاً وجنوباً. أصبح تعزيز الروابط مع الصين والهند وإيران ودول آسيا الوسطى والقوقاز سياسة استراتيجية لا تكتيكية. الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة شنغهاي للتعاون لم يعودا مجرد أدوات اقتصادية، بل باتا يُنظر إليهما كبنى مؤسسية للفضاء الأوراسي الناشئ. ثالثاً، إعادة صياغة الهوية الروسية ذاتها. تصاعد الخطاب الذي يؤكد على فرادة المسار الروسي، وعلى الاستمرارية التاريخية من روس كييف مروراً بموسكو القيصرية والاتحاد السوفييتي وصولاً إلى روسيا المعاصرة كحاملة للمشروع الأوراسي. أصبحت القيم التقليدية والسيادة الوطنية والخصوصية الحضارية مرتكزات رسمية تتوافق تماماً مع الرؤية الأوراسية. ثالثاً: الأوراسية كإطار لإعادة تعريف العلاقات بين الأمم والدول والحضارات تكمن أهمية الفكرة الأوراسية في قدرتها على تقديم نموذج بديل للعلاقات الدولية يتجاوز ثنائية الغرب/الآخرين. ففي المنظور الأوراسي، لا تقوم العلاقات بين الأمم على قواعد كونية واحدة، بل على احترام التعددية الحضارية والسيادة الحقيقية لكل فضاء ثقافي-سياسي. الدولة هنا ليست مجرد وحدة إدارية أو سوق مشتركة، بل هي التعبير المؤسسي عن حضارة معينة، ووظيفتها حماية هذه الحضارة وتطويرها. من هذا المنطلق، ترفض الأوراسية مفهوم "المجتمع الدولي" بالمعنى الغربي الليبرالي، وترى فيه غطاءً لهيمنة حضارة واحدة. بدلاً من ذلك، تدعو إلى نظام علاقات يقوم على توازن الحضارات الكبرى: الحضارة الأوراسية، والحضارة الصينية، والحضارة الهندية، والحضارة الإسلامية، وغيرها. كل حضارة تمتلك حق صياغة نموذجها الداخلي دون تدخل خارجي، والعلاقات بينها تقوم على المصالح المتبادلة لا على فرض القيم. الحرب الروسية-الأوكرانية كشفت عن حدود النموذج الغربي في استيعاب الحضارات الأخرى. فمحاولة دمج أوكرانيا قسراً ضمن المجال الأطلسي أدت إلى تفجير الصراع، مما عزز القناعة الأوراسية بأن الحدود الحضارية أعمق وأكثر ثباتاً من الحدود السياسية المصطنعة. كما أظهرت أن الدولة القومية الحديثة، حين تُفصل عن جذورها الحضارية، تصبح هشة وعرضة للاختراق. ومع ذلك، تواجه الفكرة الأوراسية تحديات بنيوية عميقة. فالمجال الأوراسي ليس متجانساً حضارياً؛ الصين تحمل مشروعاً خاصاً بها قد يتعارض مع الطموح الروسي للقيادة، ودول آسيا الوسطى تسعى إلى تعدد الشراكات، والشعوب غير السلافية داخل روسيا ذاتها تحتاج إلى صيغة اندماجية حقيقية لا مجرد تبعية. كما أن الجاذبية الثقافية والاقتصادية للنموذج الأوراسي لا تزال محدودة مقارنة بالنموذج الغربي أو حتى الصيني. رابعاً: حدود التأسيس ومستقبل المشروع الأوراسي هل أسست روسيا الفكرة الأوراسية بعد الحرب؟ الجواب الدقيق هو أن الحرب لم تُنشئ الفكرة، لكنها نقلتها من حيز النظرية إلى حيز الممارسة السياسية والحضارية. لقد وفرت الظروف الموضوعية لتحويل الأوراسية إلى أيديولوجيا توجيهية للدولة الروسية، وإلى إطار تفسيري لسلوكها الدولي. غير أن التأسيس الحقيقي لحضارة أوراسية متماسكة يتطلب أكثر من القطيعة مع الغرب وأكثر من التحالفات الظرفية. يتطلب بناء نموذج تنموي جذاب، وإنتاجاً ثقافياً مؤثراً، وقدرة على استيعاب التعددية الداخلية دون تفكيك الوحدة الاستراتيجية. خاتمة في نهاية المطاف، تمثل الفكرة الأوراسية محاولة جادة لاستعادة الفاعلية الحضارية في عالم يتجه نحو التعددية القسرية. الحرب ضد أوكرانيا لم تكن سبباً في ظهور هذه الفكرة، بل كانت المحك الذي اختبر قدرتها على التحول إلى مشروع تاريخي. سواء نجحت روسيا في ترسيخ هذا المشروع أم تعثرت، فإن الأوراسية قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة من التأثير على طريقة تفكير الدول والأمم في علاقاتها المتبادلة، وعلى فهمنا المعاصر لطبيعة الصراع والتكامل بين الحضارات. فما مصير الفضاء الأوروبي الغربي في ظل بروز تحالف بين الفكرة الأوراسية والفكرة الصينية؟ وأي مستبقل للحلف الاطلسي في تشكل محور البريكس؟ وما منزلة العرب والمسلمين في ظل هذه التحولات الجذرية والانتقال من عالم القطب الواحد الى عالم متعدد الأقطاب؟ كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الاغتراب عند هيجل بوصفه وعياً بالفجوة بين العالم الواقعي وال
...
-
فكرة اليسار الجديد عند آين راند
-
مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الف
...
-
أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
-
المقاربة النفعية للمسألة الاقتصادية عند جون ستيوارت مل
-
ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟
-
مراجعة كتاب جيل دولوز -الفرق والمعاودة- هل يوجد أورغانون للا
...
-
من هو الناقد الفلسفي؟ مقاربة ما بعد تأسيسية ما بعد نسقية
-
تعلم التفلسف بدل تعلم الفلسفة، مقاربة بيداغوجية
-
عدم التساوق بين التحولات المجتمعية الجذرية والمنظومات الأخلا
...
-
مقاربة ابستيمولوجية للعلاقة بين الرياضيات والفيزياء
-
فلسفة السياسة المعاصرة، مقاربة عمومية
-
تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
-
الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية
...
-
في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على
...
-
تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار
...
-
النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر
...
-
الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
-
دراسة مقارنة بين جنيالوجيا المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو وف
...
-
قراءة سوسيو-اقتصادية للأحداث الجارية في المنطقة
المزيد.....
-
السعودية تنشر صورا من موقع سقوط شظايا صاروخ معترض تسبب بإصاب
...
-
رحلة فلاي دبي.. النائب العام الإماراتي يكشف السلاح المستخدم
...
-
قبل وبعد تصريف السائل اللمفاوي: ماذا يحدث فعلاً للجسم؟
-
شتاينماير يحذر: الديمقراطية الألمانية تواجه أخطر تهديد منذ ا
...
-
كيف وصلت أجزاء من جدار برلين إلى مختلف أنحاء العالم؟
-
شرق ألمانيا يدفع ثمن الوحدة.. فجوة الثروة والنفوذ لا تزال قا
...
-
ُشبِّه بـ-الملك الشمس- .. وزير ألماني يتخلى عن -كرسي شاطئ- ب
...
-
إلغاء رحلات قطارات في بريطانيا بسبب -بق الفراش-
-
ديناصور -السبينوصور المصري- يلفت نظر السيسي في منتدى مصر للت
...
-
مشاهد توثق سيولا ضخمة تجرف السيارات في شوارع بلدة مادريغيراس
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|