أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - في شروط الفعالية التاريخية للفلسفة بين المعرفة النظرية والجدوى السياسية















المزيد.....

في شروط الفعالية التاريخية للفلسفة بين المعرفة النظرية والجدوى السياسية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 22:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة
تطرح مقولة حاجة المعرفة الفلسفية، لكي تكون ذات جدوى، إلى سلطة سياسية تتبناها، إشكالية مركزية تمسّ العلاقة البنيوية بين الفكر والسلطة. فالفلسفة، بما هي خطاب يطمح إلى الكلية والنقد وتجاوز الآراء السائدة، كثيرًا ما تقدم نفسها بوصفها مستقلة عن منطق القوة والمصلحة السياسية. غير أن فحص شروط فعاليتها التاريخية يكشف أن الفكرة الفلسفية تظل في الغالب محدودة الأثر ما لم تتحول إلى موردٍ من موارد الشرعية أو التوجيه أو التعبئة لدى سلطة سياسية قادرة على تحويلها إلى مؤسسات وقوانين وممارسات. ومن هنا يتمحور السؤال الجوهري حول الجدوى السياسية للفلسفة: متى وكيف تكتسب المعرفة الفلسفية قدرة على التأثير في موازين القوة وتوجيه المصائر الجماعية؟ وما الثمن الذي تدفعه حين ترتبط بالسلطة؟ وهل يمكن تصور جدوى سياسية تحتفظ للفلسفة بهامش من الاستقلال النقدي؟
الخصائص النظرية للمعرفة الفلسفية
تتميز المعرفة الفلسفية بخصائص تجعل علاقتها بالسياسة ملتبسة منذ البداية. فهي معرفة لا تمتلك أدوات الإكراه المباشر، ولا تتصرف بجيوش أو أجهزة إدارية أو موارد اقتصادية هائلة. قوتها الوحيدة تكمن في قدرتها على إعادة صياغة النظر إلى الواقع، وعلى كشف تناقضات الخطاب السائد، وعلى اقتراح معايير بديلة للشرعية والعدالة والتنظيم الاجتماعي. لكن هذه القوة الرمزية تظل كامنة أو هامشية ما لم تجد قناة سياسية تحولها إلى قوة مادية وتاريخية. فالسلطة السياسية هي الجهة القادرة على منح الفكرة الفلسفية إطار التحقق العملي: عبر السيطرة على التعليم، وتوجيه الإعلام، وصياغة التشريعات، وتحديد أولويات الموارد، وفرض معايير الاعتراف والإقصاء. حين تتبنى سلطة ما رؤية فلسفية معينة، فإنها ترفعها من مستوى التأمل إلى مستوى المعيار العام الذي يُحاكَم به السلوك الفردي والجماعي. من هذا المنطلق تتسم المعرفة الفلسفية بخصائص نظرية تميزها عن سائر أنماط المعرفة، وأبرزها طموحها إلى الكلية والشمول، إذ لا تكتفي بمعالجة ظواهر جزئية أو قطاعية، بل تسعى إلى فهم الوجود والإنسان والمجتمع والقيم في أفقٍ إجمالي يتجاوز التخصيص العلمي الضيق. وهي معرفة نقدية بامتياز، تقوم على مساءلة الافتراضات الأساسية والبديهيات المتداولة، وتعمل على كشف التناقضات الكامنة في الخطابات السائدة وفي أسس المعرفة ذاتها. كما تتميز بطابعها التأملي والانعكاسي، حيث لا تكتفي بالنظر إلى موضوعها الخارجي، بل ترتد إلى ذاتها لتسائل أدواتها ومفاهيمها وحدود عقلها. وتقوم هذه المعرفة على التجريد المفاهيمي الصارم، فترتفع من مستوى المعطيات الحسية والتجارب الجزئية إلى بناء مفاهيم كلية تسمح بإعادة تنظيم التجربة وفهمها على نحو أعمق. وهي في جوهرها معرفة سؤال لا معرفة جواب نهائي، إذ تحتفظ بطابع إشكالي مفتوح يرفض الانغلاق في منظومات عقائدية جامدة، حتى حين تبني أنساقًا مؤقتة. وأخيرًا، تتميز باستقلالها النسبي عن المنفعة المباشرة وعن مقتضيات التطبيق العملي العاجل، الأمر الذي يمنحها حرية نظرية أوسع، لكنه يعرضها في الوقت ذاته لتهمة الانفصال عن الواقع أو العجز عن التأثير فيه.
آليات الجدوى السياسية للفلسفة
تتحقق الجدوى السياسية للفلسفة عبر آليات متعددة. أولى هذه الآليات هي منح الشرعية. فالسلطة تحتاج دائمًا إلى مسوغات تتجاوز القوة الغاشمة، والفلسفة توفر لها سرديات كبرى تبرر الوجود السياسي وتحدد غاياته. سواء اتخذت هذه السرديات شكل نظرية في العدالة أو في الحرية أو في التاريخ أو في السيادة، فإنها تمنح السلطة لغةً تبدو كلية وتتجاوز المصالح الجزئية. ثاني الآليات هي التوجيه البرنامجي. لذلك تتحول المفاهيم الفلسفية إلى أهداف سياسية ملموسة وإلى معايير لتمييز السياسات الصائبة من الخاطئة. وثالثها هي التعبئة وصناعة الإجماع. حين تنجح الفلسفة في أن تصبح أفقًا مشتركًا، فإنها تسهل على السلطة حشد الولاء وتوحيد الرؤية وتقليص مساحة المعارضة الجذرية. بهذه الطرق تكتسب المعرفة الفلسفية جدوى سياسية حقيقية، أي قدرة على الإسهام في إنتاج الواقع لا مجرد تفسيره.غير أن ارتباط الفلسفة بالسلطة من أجل تحقيق هذه الجدوى ينطوي على مخاطر بنيوية عميقة. أول هذه المخاطر هو الاختزال الأداتي. تميل السلطة إلى انتقاء العناصر التي تخدم مشروعها من داخل المنظومة الفلسفية، وإلى تحييد أو تهميش الأبعاد النقدية التي قد تهدد استقرارها. فتتحول الفلسفة من خطاب مساءلة إلى خطاب تبرير. ثاني المخاطر هو التحجر العقائدي. حين تصبح الرؤية الفلسفية رسمية، تتعرض لضغط التحول إلى عقيدة مغلقة، وتُفرض عبر أجهزة الدولة، فيفقد الفكر قدرته على التصحيح الذاتي والتجدد. وثالثها هو فقدان المسافة النقدية. الفيلسوف أو التيار الفلسفي الذي يرتبط عضويًا بالسلطة يجد صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بالقدرة على نقد تلك السلطة من الداخل، لأن شروط استمراره وتأثيره باتت مرتبطة بها. تكشف هذه المخاطر عن مفارقة الجدوى السياسية ذاتها. فالفلسفة تحتاج إلى السلطة لكي تخرج من الهامشية وتؤثر في الواقع الجماعي، لكنها كلما اقتربت من السلطة ازداد تعرضها لفقدان ما يميزها كخطاب نقدي حر. وليس هناك حل سهل لهذه المفارقة. غير أن الوعي بها يسمح بالتمييز بين أشكال مختلفة من الارتباط السياسي. فهناك التبني الكامل الذي يحول الفلسفة إلى إيديولوجيا دولة، وهناك التأثير غير المباشر عبر تسرب المفاهيم إلى لغة النقاش العمومي والنخب السياسية دون تحولها إلى عقيدة رسمية، وهناك التحالف المؤقت مع قوى سياسية في لحظات تاريخية محددة مع الحرص على الاحتفاظ باستقلالية نسبية. وكل شكل من هذه الأشكال ينتج درجة مختلفة من الجدوى ومن المخاطر. ومن الضروري مساءلة مفهوم الجدوى السياسية نفسه. هل تُقاس جدوى الفلسفة بقدرتها على الوصول إلى سدة الحكم أو على توجيه سياسات الدولة فقط؟ أم أن هناك أشكالًا أخرى من التأثير السياسي لا تمر بالضرورة عبر التبني السلطوي المباشر؟ قد تسهم الفلسفة في إعادة صياغة الحس المشترك، أو في نزع الشرعية عن خطابات معينة، أو في توسيع مخيلة ما هو ممكن سياسيًا، دون أن تتحول هي ذاتها إلى برنامج حكم. هذه التأثيرات البطيئة والعميقة قد تكون في المدى الطويل أكثر أهمية من الارتباط الظرفي بسلطة قائمة. ومع ذلك، يظل صحيحًا أن التحولات السياسية الكبرى نادرًا ما تتم دون أن تجد الأفكار سندًا في قوى منظمة قادرة على حملها إلى حيز التنفيذ. تثير إشكالية الجدوى السياسية أيضًا سؤال المسؤولية. فإذا كانت الفكرة الفلسفية تكتسب فعاليتها عبر تبني السلطة لها، فهل يتحمل منتجو الفكر مسؤولية أشكال التوظيف السياسي لأفكارهم؟ الواقع أن النص الفلسفي بمجرد نشره يدخل فضاء تأويلات متعددة تخرج عن سيطرة مؤلفه. غير أن هذا لا يلغي ضرورة التفكير في كيفية صياغة المفاهيم وفي درجة الوعي بالسياقات التي قد تُستخدم فيها. كما يفتح النقاش حول ما إذا كان ينبغي للفلسفة أن تسعى بوعي إلى التأثير السياسي أم أن عليها أن تحافظ على مسافة متعمدة تحمي استقلالها، حتى لو كان الثمن هو محدودية الجدوى المباشرة.
خاتمة
في نهاية المطاف، تظهر حاجة المعرفة الفلسفية إلى سلطة تتبناها بوصفها شرطًا أساسيًا من شروط جدواها السياسية، لا بوصفها قانونًا مطلقًا يلغي أي شكل آخر من التأثير. فالفلسفة المعزولة عن كل قناة سياسية تظل في الغالب عاجزة عن تجاوز الدوائر الضيقة. أما الفلسفة التي تنجح في الارتباط بالسلطة فإنها تكتسب قدرة حقيقية على تشكيل الواقع، لكنها تدفع ثمنًا يتمثل في مخاطر الأداتية والتحجر وفقدان النقد. وتكمن المعضلة الدائمة للفكر الفلسفي الجاد في كيفية السعي إلى الجدوى السياسية دون التفريط في الاستقلال النقدي، وفي كيفية قبول التجسد السلطوي دون الذوبان الكامل فيه. وفي إدارة هذا التوتر المستمر تتحدد واحدة من أعمق مشكلات العلاقة بين الفلسفة والسياسة. فمتى تغادر الفلسفة صناعة التوضيح المنطقي والتجريد النظري وتصبح مقاربة عمومية ملتزمة؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا يتطلب نقل المجتمع من وضع غير سوي إلى وضع سوي؟
- ثورة الطلاب في فرنسا وتبلور فكر 68 وموقف الفلاسفة النسقيين م ...
- الفكرة الأوراسية بماهي تحول حضاري في العلاقات بين الأمم والد ...
- الاغتراب عند هيجل بوصفه وعياً بالفجوة بين العالم الواقعي وال ...
- فكرة اليسار الجديد عند آين راند
- مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الف ...
- أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
- المقاربة النفعية للمسألة الاقتصادية عند جون ستيوارت مل
- ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟
- مراجعة كتاب جيل دولوز -الفرق والمعاودة- هل يوجد أورغانون للا ...
- من هو الناقد الفلسفي؟ مقاربة ما بعد تأسيسية ما بعد نسقية
- تعلم التفلسف بدل تعلم الفلسفة، مقاربة بيداغوجية
- عدم التساوق بين التحولات المجتمعية الجذرية والمنظومات الأخلا ...
- مقاربة ابستيمولوجية للعلاقة بين الرياضيات والفيزياء
- فلسفة السياسة المعاصرة، مقاربة عمومية
- تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
- الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية ...
- في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على ...
- تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار ...
- النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر ...


المزيد.....




- ملك الأردن يدين الهجمات على السعودية ويرسل برقيتي عزاء إلى ق ...
- حمد بن جاسم يحذر دول الخليج من -خطر وجودي- ويدعو لإزاحة -كل ...
- مظاهرات في بغداد ضد قرار الحكومة خفض قيمة العملة
- الحوثيون يعلنون استعدادهم لـ-تحييد متبادل- مع السعودية للموا ...
- السفارة الأمريكية في الرياض تحذر رعاياها بعد هجمات على مطار ...
- ميروشنيك: دعوة ترامب لاستبدال زيلينسكي أثارت صراخا وذهولا لد ...
- فيتسو: اتفاق روسيا والولايات المتحدة بشأن الديزل يكشف سذاجة ...
- -يجب أن يرحل ميرتس-.. مظاهرة غاضبة في برلين إزاء الإنفاق على ...
- بعد رفض -BMW-.. -البديل من أجل ألمانيا- يطلب من ماسك تزويده ...
- برلين ترد على اتفاق الديزل بين بوتين وترامب: لا نعتمد على ال ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - في شروط الفعالية التاريخية للفلسفة بين المعرفة النظرية والجدوى السياسية