عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 04:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المعرفة، مهما ادّعت النزاهة والحياد، لا تنفصل كليًا عن منتجيها. فالمنتج له تحيّزاته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويتحرك في سياق تاريخي، وبالنتيجة يحمل مجموعة من الانتماءات والخلفيات التي لا يمكنه التخلص منها بالكامل. وبهذا المعنى أيضا، المعرفة ليست مستقلة عن السلطة في أي مكان في العالم. واللغة بدورها مرتبطة بجيناتها الثقافية، وبالسلطة ارتباطًا وثيقًا: فكل لغة عالمية كبرى كانت وراءها إمبراطورية كبرى تحملها. من اللاتينية القديمة، وصولا إلى الصينية في أيامنا، والتي تقول بعض التقديرات، بأنها ستُنافس الإنجليزية على المرتبة الاولى خلال العقود القليلة المقبلة. وهذا واحد من مؤشرات التحول المتزايد لمراكز القوة في العالم.
إذن اللغة امبراطورية في حد ذاتها، والمعرفة إمبراطورية، لأن كلاهما مرتبط بالسياق والمنشأ، وبالسلطة والنفوذ. فالأمريكان، على سبيل المثال، لم يكونوا أقل ذكاءً حين كانت أوروبا مركز إنتاج المعرفة. ولم يصبحوا أكثر ذكاءً حين أصبحت جامعاتهم مركز الثقة العلمية الأول. بل ما حدث هو أن مؤسساتهم اكتسبت قوة المال وقوة التنظيم والفاعلية، ما جعلها المركز الأول لإنتاج المعرفة عالميا، ففرضت معاييرها على الجميع.
في المقابل، عاشت مجتمعاتنا خارج المراكز المعرفية. وإذا كان الصينيون يتحدّثون عن "قرن الإهانة"، فنحن تعرضنا لقرون طويلة من الإهانة والتهميش العلمي والثقافي والاقتصادي. فغابت مؤسساتنا المعرفية وتحولت بلداننا إلى "منطقة ظل علمي"، رغم وجود هوامش مضيئة في بحر من الظلام.
بكل الأحوال، المعرفة لا تُنتج في فراغ. إنها تحمل دائمًا خلفيات منتجيها، وتتأثر بسياقاتهم، ثم تنتقل هذه المعايير والمنظورات إلى مناطق أخرى، وفق حسابات وأهداف محدّدة، تُشبه "التحكّم عن بُعد". هذا فضلا على أنها في العلوم الإنسانية، ستكون حتمًا نبتة لقيطة، ولن تعطي ثمارها إلا للتربة التي ولدت فيها.
مع ذلك، وبالرغم من تراجع أوروبا الغربية، وبالرغم من الفجوة الهائلة بينها وبين الولايات المتحدة والصين في جميع المجالات، ما زال جزء كبير من النخب في منطقتنا، يمينا ويسارا، يُؤطر تفكيره بأفكارها وقيمها، ويُخضع مواقفه السياسة على أساس أن في أوروبا يوجد الحل والرّبط. فالكثيرون لا يزالون، سياسيا ومنهجيا وثقافيا، أسرى سرديات المركزية الأروبية التي صيغت في أواخر القرن التاسع عشر، وقد تجاوزها النقد المعرفي بسنوات ضوئية. وهذا يؤكد مرة أخرى، وفي كل مرة، أن مجتمعاتنا غير منتجة، ومستهلكة لمنتجات الآخرين، وأوّلها المعرفة.
لماذا ذكّرت بهذه الأمور؟
في ضوء النقاش الدّائر حول المظاهرات التلمذية في فرنسا هذه الأيام، قرأت نصًّا نقديّا نشره أحد الرفاق في تونس (لا أذكر إسمه) ينتقد فيه اليسار الأوروبي من خلال اللافتات التي رفعها المراهقون، واستنتج من خلالها "أن اليسار الأروبي رثّ وستاليني ومازال أسير ليون بلوم ..." ونعوت أخرى من هذا القبيل.
لن أدخل في مناقشة المضمون في حدّ ذاته، لأنّ ما قاله، فيه موضوع للجدل الحقيقة، وله ما له وعليه ما عليه، على افتراض أن الناقد يساري ألماني أو أنجليزي. فقط عندي ملاحظات بسيطة، وأمرّ.
هو الإنسان، مهما كان عمره، كائن معقّد ومتعدد الأبعاد. ويبدو أنه من المهم الانتباه لمدى التعقيد الذي يكتنف شخصية "المراهق" تحديدًا لأنها مرحلة عمرية خطيرة، فيها في آنٍ واحد: طفلٌ منفعل، وكهل عاقلٌ. ولكنه مسكون بالعواطف الجياشة. والتمرّد جزء لا يتجزأ من طبيعته الكامنة. وعلى سبيل المثال، هو واع بحاجته الماسّة لبيئة مدرسية راقية، يتظاهر ويصطدم مع الشرطة من أجلها، وفي الوقت نفسه، لا يتردد في تخريبها وإتلاف محتوياتها. وهو السلوك الذي يذكرنا بأشكال الاحتجاج التي رافقت الحركة العمالية في طفولتها الأولى وهي تهشّم وسائل الإنتاج... ومن جهة أخرى، نفس هذا المراهق نراه منشغلًا بهموم الآخرين خارج المدرسة، في الحي، في عموم فرنسا، في غزة، وفي العالم بأسره ...
من هنا لا أرى ما يدعو للحيرة بسبب حضور "روافد الاشتراكية" بمختلف مدارسها في الشعارات واللافتات. فكما أن أكثر المجتمعات تقدما من الناحية التقنية لا تزال مسكونة بالدين والخرافة، كذلك يظل كل إرث فكري أو نضالي عالقا مُتوارثا وله مكانه في الوعي وفي وجدان الكهول بكل ما فيه من ايجابيات وسلبيات، فكيف بمراهق في السابعة عشرة من عمره؟
والحقيقة أظنّ أن كل يساري في هذا العالم، بما في ذلك مخاطبكم، والرفيق صاحب النص النقدي محل النقاش، كلنا مررنا بجزء من هذه التجربة الفريدة والاستثنائية التي هي "المراهقة"، المليئة بوقائع لا متناهية التنوع، منسوجة بالأخطاء والانتصارات أو "وهم الانتصارات"، وبالهزائم أيضا، وبالفرح والغموض وبالبلاهة حتّى.
اليوم، وفي وقت تواجه فيه البشرية مخاطر وجودية لم يسبق لها مثيل: من توحش إمبريالي، وحروب، وصناعة للتفاهة، وللأوبئة، وللتعصّب، والفقر. وما ينتظر البشرية من التغير المتسارع للمناخ... أمام كل هذه التحديات، أعطانا هؤلاء المراهقون المتمردون في فرنسا الأمل في أن هذا الجيل، الذي ظننا أنهم أفسدوه، هو أيضا يستشعر انتماء الإنسانية لمصير واحد مُشترك. وأنا أرى أن هذا الاستشعار هو الأهم والأبهى في المشهد ككل.
من ناحية أخرى هؤلاء الأطفال المتمردون ليسوا "اليسار الفرنسي". وإذا كان التمرد بطبيعته يساريا، لا يجب أن ننسى أن أكبر قوة سياسية يسارية منظمة اليوم، ولها قاعدة شبابية معتبرة، هي حركة "فرنسا الأبية" (LFI). وهي حركة شديدة التنوع والديناميكية، تضم في أحضانها: ماركسيين لينيين، وتروتسكيين، وماويين، وقادمين من الحزب الشيوعي، ومن النقابات العمالية، ومن الفوضويين، ويسار الحزب الاشتراكي... الخ
ففي هذه الحركة الواسعة المُجمِعة على برنامج سياسي تغييري، يمكنك أن تجد ما يرمز ل: روزا لوكسمبورغ، لباكونين، لكاوتسكي، لماو تسي تونغ، لستالين، لتروتسكي، لليون بلوم، لتشي غيفارا ! وذلك لأن القيادة لم تفرض على منتسبي الحركة "عقيدة إيمانية صارمة" قائمة على ذلك المثلّث الأصولي المُرعب عند اليسار العربي الذي لازال يشتغل بتوقيت البلاشفة (الوحدة الايديولية، والوحدة السياسية، والوحدة التنظيمية). وحسب رأيي مشهد الحشود التلمذية المتمردة، وطبيعة الشعارات العفوية المرفوعة في هذه الحركة المنفلتة، لا يمكن أن تفسّر كون اليسار الفرنسي "ستاليني رثّ"، أو "ليبرالي"، أو أنه "وريث للاشتراكية الديمقراطية الاصلاحية". هذا علاوة على أن اليسار بصفة عامة، متنوع ومتعدد بالضرورة، لأن الفكرة اليسارية الأساسية في جوهرها فلسفة نقدية، لا يمكن إغلاق باب الاجتهاد والتنوع داخلها.
نحن مشكلتنا تكمن في كوننا ننتقد "اليسار الأوروبي" ولم ننتج نظرية يسارية محلية من رحم سياقنا التاريخي ورحم واقعنا. الصينيون أنتجوا نظرية يسارية محلية. وبالنتيجة هنالك يسار أوروبي ويسار صيني ويسار أمريكي لاتيني... ولكن العرب فشلوا في توطين الماركسية. وظلّوا يحاولون محاورة الفكرة اليسارية من داخل المفاهيم الأوروبية وبأدواتها ذاتها. ولذلك ظلت الحركة اليسارية العربية نخبوية ومنفصلة على زمانها ومكانها.
في هذا السياق، ليس اليسار وحده يعاني من هذا المأزق، بل حتى الذين ينتقدون الغرب ويُعادونه من باقي التيارات الفكرية العربية، هم أسرى منطلقاته، ويستخدمون ذات المفاهيم التي صاغها الاستشراق على وجه الحصر، سواء في قراءته للعلاقة بين الدين والدولة أو في تحليله لواقع مجتمعاتنا. وهنا يكمن التحدي الأكبر: وهو أن ندرك أولاً أن المعرفة ليست محايدة، وأن نتحرر من سلطة المرجعية الواحدة، وأن نطرح الأسئلة من مواقعنا الخاصة، لا من مواقع الآخرين.
لقد شهد الفكر العربي الحديث والمعاصر تقاطعات معقدة مع أطروحات المركزية الأوروبية. وظل يُراوح هذا الأثر بين التبني المنهجي الكامل، والتأثر الأيديولوجي العكسي، من ذلك مثلا د، محاولات تفكيك التراث بأدوات غربية. وهنالك شواهد عديدة على ذلك:
لو نأخذ طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر"، عندما يقول: "علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُذم".
و عندما نأخذ "معالم في الطريق" لسيد قطب، في بابه الأول "إنني أتحدى"، وهو عنوان مأخوذ حرفيا من مقال إميل زولا (j’accuse )، حيث يُثبّت فكرته "نحن أمم لا تصلح لإنتاج التكنولوجيا، وإنما نصلح لإنتاج القيم"
أليست هذه هي نفس السردية الغربية؟
أو عندما يُحقّب محمد عابد الجابري التاريخ في "مفهوم العقل العربي"، على ان هنالك ثلاث أمم هي التي أنتجت العقل ولكن بدرجات متفاوتة: "اليونان القدماء، ثم العرب، ثم الأوروبيون المحدثون"
أليس هذا نفس التقسيم الثلاثي الذي أنتجته أوروبا أواخر القرن التاسع عشر؟
حتى الحركات الإسلامية الأكثر تطرفًا، حين تفسر قضية العلاقة بين الدين والدولة بتلك الاسطوانة الرّكيكة، على كوننا "على نقيض الغرب الذي أنتج الديمقراطية والعلمانية لأن الكنيسة كانت ظلامية وكانت تضطهد العلماء ..." الخ
نفس المأزق، نفس أدوات المعرفة التي أنتجتها المركزية الأوروبية، ولكنها معكوسة فقط.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟