أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - مشروع قانون -استعادة الديمقراطية في تونس-: بين الواقع التشريعي والاستهلاك السياسي















المزيد.....

مشروع قانون -استعادة الديمقراطية في تونس-: بين الواقع التشريعي والاستهلاك السياسي


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 19:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من جديد أُثير الجدل هذه الأيام حول مشروع قانون "استعادة الديمقراطية في تونس" (المسجل تحت رقم H.R.5101 في الكونغرس الأمريكي)، وسط شائعات تروّجها منصّات تابعة لحركة النهضة في الخارج تدّعي وجود تحرك تشريعي وشيك، أو تجديد رسمي للمطالبة بتمريره من قِبل لجان الخارجية للحزبين الجمهوري والديمقراطي. وتعود قصة هذا المشروع إلى سبتمبر 2025، ولم يُنظر فيه حينها، ولم يتجدّد الجدل حوله في الأوساط الأمريكية بصفة رسمية؛ غير أن المنصات المذكورة دفعت باتجاه نشر مقطع فيديو يحتوي تقريرًا قدّمته "قناة فرانس 24" للإيحاء بوجود اهتمام فعلي بالموضوع في الكونغرس الأمريكي هذه الأيام. لكن بالرجوع إلى البيانات الرسمية للكونغرس، تبيّن عدم دقة هذه الادعاءات؛ إذ لا يزال المشروع مجرد مقترح مُحال للدراسة داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، دون أي تغيير تشريعي أو تصويت رسمي حتى تاريخه.

وما يؤكّد ضعف مفعول هذا المشروع وطابعه الدّعائي، بل والتوظيف الذي يخفيه، هو أن النائبين "جو ويلسون" و"جيسون كرو" اللذين قدّما مشروع القانون منذ سبتمبر 2025، لم يسعيا طوال هذه الفترة إلى بناء كتلة دعم وازنة أو حشد تأييد واسع داخل الكونغرس لتحويله إلى أداة ضغط حقيقية، بل اكتفيا بإبقائه مرتبطًا حصرًا باسميهما، ذلك لأنّ توسيع دعم المشروع قد يُفقدهما التفرّد بالاستفادة المالية من جماعة الضغط التي تمولهما للقيام بهذه المهمة. فإبقاؤه محصورًا بهما يضمن استمرار هذا التمويل، وفي نفس الوقت يستفيدان انتخابيا من الاستهلاك الإعلامي. بل لعلّ تمرير هذا القانون وحسمه، ليس من مصلحة هذين النائبين.

من جانب آخر، تتعامل الإدارة الأمريكية في علاقتها بالدولة التونسية بميزان المصالح الأمنية الاستراتيجية. وهي تدرك تمامًا حجم التحديات الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك الإرهاب والفساد، التي عانت منها تونس طيلة فترة حكم حركة النهضة. وبما أن المؤسسة العسكرية التونسية، بعد اختفاء حزب الدستور، تُعَدّ الشريك الوحيد الموثوق المتبقّي لدى واشنطن، فإن دوائر القرار الفعلي في الولايات المتحدة لن تغامر بزعزعة استقرار تونس أو المساس بشراكاتها الأمنية الثابتة منذ الستينات من أجل مشروع قانون معزول وُلد في سياقات غير رسمية لا تعكس إرادة حقيقية في البيت الأبيض أو البنتاغون.

ومن الملاحظ أن جزءًا من المعارضة يغفل طبيعة الدولة ومؤسساتها الراسخة، فيتعامل معها وفق قراءات تبسيطية تفتقر لتقدير التوازنات الاستراتيجية. فلقد كان حدث 25 جويلية 2021 مدعومًا بمؤسسة الجيش، وهي مؤسسة منظمة تُقدّر المخاطر وتتحرك بميزان دقيق، ولا يمكنها اتّخاذ خطوة بذلك الحجم دون تنسيق واطلاع يأخذان في الاعتبار علاقات تونس التاريخية مع شركائها الرئيسيين. وفي ميزان الثقة والشراكة مع الولايات المتحدة، لا توجد قوى سياسية أو مدنية في تونس تملك ما تمتلكه المؤسسة العسكرية من رصيد وموثوقية. وبناءً على هذه الحقائق، فإن أي مشروع قانون يهدف إلى إعادة منظومة حكم سابقة تضع المؤسستين العسكرية والأمنية في مأزق لن يجد أفقًا سياسيًا أو تشريعيًا للتطبيق، لا في الكونغرس ولا في المرّيخ، لأنّ الأسوار التي بنتها الدولة لحماية استقرارها، تبيّن بالتّجربة، أنها أكثر مناعة وأكثر قدرة من حركة النهضة وجهازها السرّي ومن أموالها وتحالفاتها الدّولية، فكيف يمكن لهذه الأسوار أن تهتز بمبادرة تشريعية معزولة مدفوعة الأجر؟!

في هذا السياق، واستنادًا إلى مؤشرات مستعارة من دراسة استشرافية بصدد الإعداد (2026–2030) تم فيها طرح ثلاثة أسئلة مركزية:
"لماذا فشلت المعارضة في الإطاحة بالرئيس قيس سعيّد؟"
"لماذا بقي النظام صامدًا؟"
و"متى ينفجر الشارع؟"
جرى اعتماد "مصفوفة التأثير المتبادل" (Cross-Impact Matrix) كأداة منهجية لقياس تفاعل 14 متغيرًا سياسيًا، اقتصاديًا، أمنيًا، ودوليًا. وقد خلصت الدراسة إلى النتائج التحليلية التالية:

1. العامل الوحيد والحاسم القادر على تهديد حكم الرئيس قيس سعيّد، واضطرار الدولة لإحداث تغيير في رأس السلطة، هو الانهيار الاقتصادي وتدهور الأداء الخدمي (العجز المالي والاقتصادي الحاد). ووفقًا لتحليل المصفوفة، يُعتبر الاقتصاد هو "القنبلة الموقوتة الوحيدة" القادرة على اختراق أسوار النظام، وتحديدًا من خلال المؤشرات الحرجة التالية:
- العجز عن تسديد الرواتب: إذا عجزت الدولة عن دفع أجور موظفي القطاع العام لمدد تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر.
- المعادلة المعيشية: حدوث اضطرابات اجتماعية عفوية نتيجة فقدان المواد الأساسية (أدوية، وقود، خبز) وتجاوز التضخم نسبة، تدفع الحاضنة الشعبية للفصل بين "فشل الإدارة الحالي" و"فساد المنظومة السابقة".
- التصدع الداخلي: حدوث انشقاق داخل النظام (المؤسسة الأمنية والعسكرية) في حال غرق البلاد في فوضى عارمة ناتجة عن الانهيار المالي الكامل.

2. الشروط الهيكلية المطلوبة في المعارضة لإحداث التغيير:
لكي تتحول المعارضة من "متغير تابع وضعيف التأثير" إلى قوة قادرة على الفعل السياسي، يشترط التحليل الكمي للمصفوفة توفر المواصفات التالية:

- بروز معارضة سياسية لم تحكم من قبل، وغير موصومة، ولا هي مرتبطة برموز الحقبة الممتدة بين 2011 و2021.
- فك الارتباط الكامل بحركة النهضة للتحرّر من عبء "الذاكرة الجريحة" وعناوينها التي ترفضها الأغلبية الشعبية والأجهزة العسكرية والأمنية (التي قدّمت مئات الشهداء)، فضلًا عن وجود "فيتو" إقليمي صارم ضد عودة الإسلام السياسي للحكم.
- طرح بديل اقتصادي واجتماعي واضح، يقطع مع الشعارات الايديولوجية المجردة، والتركيز على برامج حمائية وتنموية واقعية تلامس معيشة التونسيين اليومية.
- بناء وسائط جديدة والرهان على الداخل، كتأسيس روابط شبابية ومنصات رقمية قادرة على الحشد السلمي المنظم ميدانيًا، والقطع النهائي مع الرهان على الخارج.


بالنتيجة، ومن خلال هذه المعطيات، يتضح أن مشروع القانون الذي قدّمه النائبان "جو ويلسون" و"جيسون كرو" لا يعدو كونه أداة "دعاية وارتشاء"، لا تمتلك أي مسار إلزامي داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية. فاستمرار حصره باسميهما دون توسيع قاعدة الدعم يعكس طبيعته المحدودة، وغياب أي تحرك جاد لدفعه قدمًا يؤكّد أنه أقرب إلى رسالة إعلامية موجهة للداخل التونسي منها إلى إرادة تشريعية أمريكية فعلية. وفي مواجهة واقع التحديات الاقتصادية التي تمثل التهديد الأكبر للاستقرار، يبقى الرهان على مشاريع القوانين الخارجية بديلًا واهيًا لا يعالج جوهر الأزمة، ولا يملك من أدوات التأثير ما يفوق قوة الحقائق على الأرض. وبالتالي فالحل الوحيد الممكن والواقعي سيبقى في الرهان على معارضة تقطع علنًا مع حركة النهضة حتى تداوي جراح الذاكرة، وترتمي في أحضان شعبها دون تردّد ولا حسابات.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة الإمبريالية وصعود اليمين الفاشي
- ثلاثة أسئلة عن تونس: من أين تأتي القوة، وأين يكمن الضعف، ومت ...
- هل يُهزم الحوثيين؟
- فرنسا بين ثقافة العنف وفقدان الدولة لمعناها
- الانسحاب الأمريكي من العراق: قراءة في مستقبل السيادة،
- المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم
- قراءة في خلفية إيقاف هيئة تنظيم الأسطول وأبعاده
- بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنا ...
- الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج
- بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر ...
- بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
- في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
- تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
- لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
- هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ...
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟


المزيد.....




- روسيا تطلق سراح مواطن أمريكي عمره 74 عامًا احتجزته لسنوات بد ...
- سميت ماتشهار قائد طائرة -فلاي دبي- يُجري مقابلة جديدة من سري ...
- شويغو: الشباب الغربي ينزلقون إلى أعمال الشغب بسهولة بسبب سيا ...
- الكرملين يثمن الجهود الأمريكية لحل الأزمة الأوكرانية عقب لقا ...
- بوتين: العلاقات بين روسيا والصين تتطور بنجاح كبير وليست موجه ...
- ويتكوف ودميترييف يلتقيان بالمرتزق الأمريكي هابارد بعد الإفرا ...
- مصر توجه رسالة حادة لإثيوبيا: -لن نتنازل عن قطرة ماء-
- -قرار انتحاري-.. توسك يهاجم مبادرة أعلنتها السلطات في أوكران ...
- مصر تحذر بعد موافقة ليبيا على ترسيم الحدود مع تركيا
- دميترييف: اجتماع بوتين وويتكوف -مثمر للغاية-


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - مشروع قانون -استعادة الديمقراطية في تونس-: بين الواقع التشريعي والاستهلاك السياسي