عمر حمش
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 21:36
المحور:
الادب والفن
ومن عجائب حرب إبادتنا أنّه، حين اشتدّ الجوع بالناس حتى التهموا علف الحمير، ظهر وسط مخيم جباليا رجلٌ أمامه دَسْتٌ هائل يغلي، وفي يده مغرفة من التنك، يصيح: شوربة لحم يا جائعين!
كان يمرّ هناك صديق لي أعرفه حقّ المعرفة، رجل أنيق ونظيف على الدوام، مكويّ الهندام، ملمّع الحذاء، يختار خطواته بعناية، ويدقّق في كلامه إلى أن يثق بما يقول. وإن امتدّت إليه يدٌ لمصافحته، تردّد ثم تفحّصها. لكنّه يومها كان قد هدّه الجوع، فشحب وبدأ يتمايل في مشيته، وخرج يبحث عمّا يقيم أَوَدَه، حتى سمع نداء الرجل.
كنتُ وقتها في الجنوب، وحدثوني عن ذلك عند عودتنا الأولى، قبل أن يطردونا إلى الجنوب مرة أخرى.
قالوا لي إنّ صاحبي أخذ يدقّق النظر، متنقّلًا ببصره بين الرجل والدَّسْت. وفهمتُ، بالطبع، ما دار في خلده؛ فلا بدّ أنّه كان يسأل نفسه كيف طبخ الرجل هذه الشوربة، وإلى أيّ حدّ حافظ على نظافة دَسْته.
تأفّف وتردّد، ثم حسم أمره واشترى. ناوله البائع مغرفةً من الشوربة، ووضعها له في كيس نايلون، وهو يقول: رمّ عظامك!
مضى صاحبي بكيسه، ساخطًا يلعن الكون وما فيه، واليوم الذي ولدته فيه أمّه، لكنه شرب الشوربة كلّها.
والأهمّ من هذا كلّه ما حدث لمعدة صاحبي وأمعائه حين عرف أنّ الشوربة لم تكن سوى لحم حماره، وأنّ الرجل هرب.
#عمر_حمش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟