أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - كوردستان الدولة القادمة من الأزل














المزيد.....

كوردستان الدولة القادمة من الأزل


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 10:01
المحور: القضية الكردية
    


كلّما تعذّر إنكار وجود الكورد، انتقل بعضهم إلى محاكمة اسم كوردستان: متى ظهر؟ ومَن استخدمه؟ أكان في العصر العباسي أم السلجوقي؟ وقد يكون السؤال مشروعًا في دراسة تاريخ الأسماء، لكنه يتحوّل إلى تلاعب حين يُستعمل لتأخير ميلاد شعب، أو نزع صلته بأرضه.
فالاسم لا يخلق سكانه، وأوّل ذكر محفوظ ليس شهادة ميلاد الجغرافيا. وبين تاريخ وجود الشعب، وتاريخ تدوين اسمه، وتاريخ إنشاء وحدة إدارية باسمه، وتاريخ قيام دولته، فروق يمحوها الخطاب القومي حين تعوق روايته.
من الشواهد المعروفة ما أورده حمد الله المستوفي في «نزهة القلوب» عن إقليم كوردستان، وربطه بترتيبات السلطان السلجوقي سنجر في القرن الثاني عشر.
لماذا يذكر حمد الله المستوفي جغرافيةً باسم كوردستان، داخل عالمٍ تحكمه إمبراطوريات تتبدّل أسماؤها وحدودها؟ أليس في ذلك شاهدٌ على حضورٍ كورديٍّ ارتبط بأرضٍ محدّدة، حتى دخل اسمُ الشعب في تعريفها الجغرافي والإداري؟ إنّ اختزال هذه الشهادة في تاريخ ظهور الكلمة يتجاهل السؤال الأهم: ما الوجود الذي جعل تلك الجغرافية تُعرف باسم الكورد أصلًا؟
وإنشاء إقليم إداري يحمل اسم الكورد لا يعني إنشاء الكورد أنفسهم. السلطان أعاد تنظيم مجالٍ في سلطانه؛ لم يستحدث شعبًا بمرسوم. ومن يحوّل هذا التنظيم إلى بداية الوجود الكوردي يخلط بين سلطة تسمية المقاطعة وتاريخ سكانها.
المشكلة الأعمق هي ازدواجية المعيار. يُسمح للدول القائمة بأن تستدعي آلاف السنين من التاريخ، وأن تضمّ إمبراطوريات متعاقبة إلى سيرتها الوطنية، بينما يُطالب الكورد بوثيقة تحمل الاسم الحديث نفسه، والحدود نفسها، ومؤسسات الدولة نفسها، وإلّا اعتُبر وجودهم طارئًا. هذا شرط لا يجتازه معظم مَن يفرضونه.
لنأخذ إيران. اسم «إيران» ليس اختراعًا بهلويًا؛ فصيغة «إيران/إيرانشهر» موثّقة في العهد الساساني منذ القرن الثالث الميلادي. وما حدث سنة 1935 كان طلب اعتماد «إيران» بدل «فارس» في الاستعمال الدولي. لكنّ قدم الاسم لا يجعل الدولة الحديثة مطابقة للإمبراطورية الساسانية، ولا يحوّل جميع شعوب تلك الإمبراطورية إلى فرس. ومن هنا يجب التمييز بين المجال الإيراني التاريخي، والهوية الفارسية، والدولة الإيرانية الراهنة.
والقاعدة نفسها تنطبق على تركيا. فاسمها له استعمالات جغرافية سابقة للجمهورية، لكنّ الدولة العثمانية لم تكن دولة قومية تركية بحدود الجمهورية وهويتها السياسية. كانت إمبراطورية تضمّ شعوبًا ولغات وأقاليم متعدّدة. استحواذ الدولة الحديثة على ميراثها لا يجعل تلك الشعوب فروعًا من قوميتها، ولا يجعل أراضيها جميعًا وطنًا قوميًّا تركيًا.
وإذا كان أصل الأسرة الحاكمة يكفي لنسبة الإمبراطورية إلى قومية واحدة، فلماذا يُستدعى هذا المعيار مع العثمانيين ويُعطَّل مع الأيوبيين؟ «الشرفنامة» لشرف خان البدليسي، في أواخر القرن السادس عشر، تناولت الأسر والإمارات الكوردية، وأدرجت الأيوبيين ضمنها. لكنّ الأصل الكوردي للأسرة الأيوبية لا يجعل جميع رعاياها كوردًا، مثلما لا يجعل أصل الأسرة العثمانية جميع رعاياها أتراكًا. المطلوب معيار واحد، لا قاعدة تتبدّل تبعًا لهوية الحاكم الذي يراد تمجيده.
أمّا العراق وسوريا، فلهما أسماء ومجالات تاريخية سابقة للدولتين الحديثتين، لكنّ حدودهما الراهنة ليست حدودًا أزلية، ولا تختصر تاريخ جميع الشعوب التي أُدرجت فيهما. لا يجوز إعادة رسم الماضي بقلم الدولة المعاصرة، ثم اتهام مَن لا تنسجم ذاكرته مع خريطتها بأنّه وافد.
هنا تقع المصادرة: تُعامل حدود الدولة بوصفها أصل التاريخ، ويُعامل تاريخ الشعب بوصفه اعتراضًا عليها. ثم تُمنح الدولة حقّ تعريف سكانها، وتوزيع أقدميتهم، وتحديد مَن يملك الذاكرة ومَن يجب أن يعتذر عن وجوده.
كوردستان، باسمها التاريخي وحضورها الإقليمي، أسبق من تأسيس عدد من الدول القومية التي تتقاسمها اليوم. ولا يحتاج إثبات ذلك إلى الادّعاء بأنّها أقدم من كلّ اسم وكلّ جغرافيا في الشرق الأوسط. يكفي تفكيك المغالطة الأساسية: غياب الدولة الكوردية ذات السيادة لا يعني غياب كوردستان، كما أنّ قيام دولة فوق جزء منها لا يمحو التاريخ الذي سبق قيامها.
لقد دوّن البدليسي تاريخ إمارات وأسر ومجالات كوردية قبل قرون من خرائط الدول الراهنة. وهذا وحده يكشف ضحالة تصوير كوردستان بوصفها اختراعًا سياسيًا حديثًا. قد تتغيّر حدود المجال الذي يدلّ عليه الاسم، وتتبدّل سلطاته، لكنّ تغيّر الحدود لا يساوي زوال الشعب أو انقطاع صلته بأرضه.
ليست كلّ كتابة تاريخية بريئة لمجرّد أنّها تضع حواشي. حين يُمنح شعبٌ استمرارية عبر تبدّل الأسماء والسلالات، ويُحرم شعبٌ آخر منها بسبب تبدّل الاسم أو غياب السيادة، تصبح الحاشية أداةً لتبرير السلطة. بعض المؤرخين يكتبون الماضي من موقع الوثيقة؛ وبعضهم يقرأ الوثيقة من موقع الحدود التي يريد حمايتها.
ولهذا فإنّ السؤال الذي ينبغي توجيهه إليهم هو: لماذا تجعلون الدولة الحديثة وريثةً لكلّ ما سبقها، وتجعلون الكورد غرباء عن كلّ ما سبق تدوين اسمهم؟
في قراءتي، ما يقلق الدول التي تتقاسم كوردستان هو أنّ الاسم يحتفظ بمعنى لا تستوعبه خرائطها القومية: وجود شعب ومجال تاريخي يمتدّان عبر حدودها. ولذلك يتحوّل النزاع على كلمة إلى نزاع على الذاكرة والسيادة.
لا يبدأ تاريخ الشعوب يوم تسمح لها الدولة بأن تدخل سجلّها. والذي يحتاج إلى مساءلة هو المنهج الذي يجعل انتصار السلطة دليل أقدميتها، وهزيمة الشعب دليلًا على أنّه لم يكن موجودًا.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
7/10/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوردستان الدولة التي يعترفون بها بمحاربتها
- تزوير تاريخ الجزيرة الكوردستانية باسم المستشرق سخاو
- بني سعادة غيابٌ لم تبلغه حكمتي
- لماذا سحبت أميركا قواتها من العراق؟
- الكلمة الكوردية بين دقة المعنى وإرث الهيمنة اللغوية
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفضل عبد الغني محاكمة مَن هزم د ...
- سوريا تتعفّن والترقيع يسرّع موتها
- واشنطن تعيد هندسة المجال السني في مواجهة الصين وروسيا
- هل هُزم داعش أم أُخفي تحت غطاء الدولة؟
- الشرق الأوسط بين حرب إيران وأوكرانيا،هل نحن أمام ولادة خريطة ...
- السنّة والشيعة وقود حرب الإمبراطوريات
- اللغة الكوردية في سوريا حقٌّ لا مِنّة
- برلمانُ سوريا يشرّع لاغتيال المرأة وسحق الطفل
- من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه 3/3
- من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه 2/3
- من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه 1/3
- هل تقترب كوردستان من لحظتها التاريخية؟
- الكورد والإمبراطورية الساسانية، تاريخ حاول المؤرخون طمسه
- سوريا التي تتآكل من الداخل، بين الانفتاح الظاهر وصعود الدولة ...
- من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 8/8


المزيد.....




- غرينلاند تخطط لإعدام 1000 سمكة قرش عمرها 400 عام
- واشنطن تلاحق مادورو وزوجته بتهم تعذيب مواطنين أمريكيين
- ادعاءات بتعذيب أمريكيين.. مادورو يواجه اتهامات جديدة
- -أنصار الله- تعلن استهداف -سرية لواء العمالقة التي قامت بدهس ...
- ممداني: أموال ضرائبنا تمول جرائم الحرب في غزة
- ماليزيا تستقبل زعيم ميانمار رسمياً وسط جدل حول ترحيل اللاجئي ...
- -رويترز-: حزب الله تلقى 200 مليون دولار من إيران لمساعدة الن ...
- لحظة اعتقال شخص بحوزته يورانيوم كان يحاول بيعه
- فرنسا تجري مع طالبان -حوارا تقنيا- لترحيل المهاجرين الأفغان ...
- الأمم المتحدة: هدم 742 منشأة فلسطينية في القدس خلال 3 أعوام ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - كوردستان الدولة القادمة من الأزل