عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 04:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
العالم يعيش مخاضًا جيوسياسيًا عنيفًا: نظام دولي يتحلّل، وآخر لم يكتمل بعد. في هذا الفاصل التاريخي، شُطب شعار "نشر الديمقراطية" من جداول الأعمال الغربية، ليس انتصارًا للديكتاتوريات، بل انتصارًا للبراغماتيا: الطاقة، الاستقرار، ضبط الهجرة. في قلب هذا التحول، تعيش تونس مفارقة قاسية: سلطة فاشلة اقتصاديًا لكنها صامدة سياسيًا، ومعارضة معزولة شعبًا ومرتبطة بماضي مرفوض، وشعب بين المطرقة والسّندان.
للإجابة عن ثلاثة أسئلة مركزية:
"لماذا فشلت المعارضة في الإطاحة بالرئيس قيس سعيّد؟"
"لماذا بقي النظام صامدا؟"
"متى ينفجر الشارع؟"
اعتمدت "مصفوفة التأثير المتبادل" (Cross-Impact Matrix) كأداة منهجية، واخترت 14 متغيرًا سياسيًا، اقتصاديًا، أمنيًا، ودوليًا، ثمّ قِستُ تفاعلها المتبادل، لاستخراج المؤشرات المحرّكة والسيناريوهات المحتملة (2026–2030). فكانت النتيجة كما يلي؟
أولاً: لماذا فشلت المعارضة؟
المعارضة التونسية المتشبثة بحركة النهضة ارتكبت خطأً فادِحًا حين ظنّت أن العواصم الغربية (واشنطن، بروكسل) ستتحرك لإسقاط قيس سعيد. لكن هذا الرهان اصطدم بثلاثة جدران صلبة:
- الجدار الأول: تغيّر الأولويات الغربية. الحرب الروسية–الأوكرانية، والتصعيد في فلسطين والخليج، وصراع واشنطن-بكين على قواعد النظام الدولي الجديد، جعلت القوى الغربية تكافح من أجل تأمين الطاقة، ولا تهتم ب"نشر الحريات". فتونس لم تعد "قصة نجاح ديمقراطي" كما كانت توصف بعد الحوار الوطني (2014)، بل باتت "ملفا أمنيا ثانويا" يُقاس بمقدار منع انهيار الأوضاع وضبط الهجرة البحرية نحو أوروبا، بقطع النظر عن شكل الانتخابات ونتائجها.
- الجدار الثاني: إرث فشل النهضة والفيتو الإقليمي. فالغرب يدرك أن تجربة الإخوان (2011–2021) أنتجت ركودًا، إرهابًا، وهجرة جماعية. كما يوجد فيتو إقليمي صارم (مصري، سعودي، جزائري) يمنع إعادة الإسلام السياسي للحكم. فيما تحتاج أوروبا غاز الجزائر، ونفط الخليج، وعلاقة طبيعية مع مصر بلد الثقل الرئيسي الضامن لاستقرار المعادلة الغربية في المنطقة، أكثر من حاجتها لـ"ديمقراطية تونسية مشبوهة".
- الجدار الثالث: العزلة الشعبية وغياب الوسائط. المعارضة ربطت مصيرها بالنهضة، فارتبطت في الذاكرة الشعبية بـ"فساد، إرهاب، خراب". الأمر الذي انعكس على المشهد الحزبي برُمته، فأضعف بقية الوسائط من نقابات ومجتمع مدني. وبالنتيجة، عجز تام عن حشد الشارع، غياب البديل الموثوق.
تحليل المصفوفة يظهر "قوة المعارضة" كمتغير ضعيف التأثيره (4 من 14)، وتأثره عالٍ جدا (16 من 14). هذا يعني أن المعارضة لا تمثل قدرة على التغيير في حدّ ذاتها، بقدر ما هي نتاج تفاعل متغيرات أخرى (الذّاكرة الجريحة، الشّرعية، السّردية). أي أنها لن تملك رافعة إلا بظهور جيل جديد غير موصوم.
ثانيًا: لماذا تبقى السلطة رغم فشلها؟
النظام بنى "قلعة شرعية" من أربعة أسوار، جعلته "مقاومًا للصدمات" حتى مع تدهور الخدمات (كهرباء، ماء، مقدرة شرائية):
- السور الأول: الذاكرة (2011–2021). البيروقراطية العسكرية والأمنية، والأغلبية الشعبية، كلاهما، تربط بين فوضى ما بعد 2011 (340 شهيد عسكري/أمني/سياسي، إرهاب، مافيا اقتصادية) وبين "الحاجة لرئيس قوي". قيس سعيد باع لهما "هيبة دولة". وهنا مصفوفة التأثير المتبادل تضع "ذاكرة الفوضى" كمحرّك رئيسي: تأثيره 10 من 14، وتأثره 4 من 14.
- السور الثاني: السيادة (رفض صندوق النقد). سردية رفض الاقتراض من صندوق النقد (2023–2024) وخلاص الديون في آجالها، منحت شرعية وطنية عابرة للطبقات، حتى وهي سردية شُعبوية خالصة، جعلت حال لسان العامة يقول"الأفضل نجوع ولا نبيع البلاد". هذا المتغير المركّب ("سيادة - الحرب على الفساد") محرّك وسيط: تأثيره7 من 14، وتأثر 0 من 14.
- السور الثالث: السردية ("المعارضة تتآمر وتخرب"): نجح النظام في تحويل الغضب الناجم عن "انقطاع الكهرباء، والماء الصالح للشراب، ونقص الدواء والمواد الغذائية" إلى غضب على "الفاسدين في الإدارة من أعوان النهضة المخرّبين". هذا يرفع "شرعية الرئيس" كمتغير حرج: تأثيره 9 من 14، تأثره 21 من 14، بقطع النظر عن صحة الوقائع من عدمها.
- السور الرابع: السّيف (ولاء الجيش والأمن). فأكثر من 340 شهيد، وتقارير تتهم "جهاز النهضة السري" بالتورط في قتل أمنيين وعسكريين، يمنح ولاءً كاملًا للرئيس قيس سعيد. خاصة وأن من طبيعة الجيش التونسي أنه "لا يطبخ السياسة"، بل يحمي الدولة فقط. هنا مصفوفة التأثير المتبادل تضع "ولاء الجيش والأمن - دم المسسة" كمحرّك رئيسي خفي: تأثيره 11 من 14، وتأثره 0 من 14.
النتيجة: حتى مع تدهور الخدمات، سيبقى السقف الاجتماعي للتحمّل عاليًا. و "تركيز السلطة" هو المحرّك الأسمى: تأثيره 19 من 14، تأثره 4 من 14. يليه "ولاء الجيش والأمن - دم المؤسسة" (11 من 14)، ثم "ذاكرة الفوضى (2011_2021)" (10 من 14).
ثالثًا: لماذا الغليان الاجتماعي قادم؟
لأن المعدة الفارغة لا تفقه في السياسة. مصفوفة التأثير المتبادل تضع "الأداء الاقتصادي" كمتغير وسيط حرج: تأثيره 9 من 14، تأثره 5 من 14. ما يشعل شرعية الرئيس محلّ شكوك، لأن جزء مهم من الشارع الموالي، يفصل بين "فساد قديم" و"فشل خدمي حالي". وهذه هي القنبلة الموقوتة الوحيدة القادرة على اختراق الأسوار الأربعة.
- أزمة المعيشة (أدوية، وقود، خبز). التضخم 7–10%، القدرة الشرائية تآكلت، الطبقة الوسطى انهارت. التونسي يقضي يومه في طوابير البحث عن الدواء والبنزين.
- بطالة هيكلية (14.9%). الشباب العاطل (خاصة في المناطق الداخلية) أصبح "وقودًا جاهزًا". والحرس البحري نجح في غلق قوارب الهجرة، فتحولت تونس إلى وعاء مضغوط: لا عمل، لا هجرة، لا أمل.
- الخشية الكبرى من انفجار بلا تأطير. فالأحزاب مشتتة، الاتحاد العام التونسي للشغل مُهمَّش، المجتمع المدني مُقيَّد. والنتيجة أي انفجار قادم سيكون "انتفاضة جياع" بكل ما في العبارة من عشوائية، وعنف، مدفوع بـ"الأمعاء الخاوية".
مصفوفة التأثير المتبادل ترسم ثلاثة سيناريوهات (2026–2030):
- استقرار سلطوي طويل (70–75%): بقاء اقتصاد راكد دون انهيار.
- تآكل بطيء (18–22%): عجز عن تسديد الرواتب لما يزيد عن 3 أشهر، وتضخم يتجاوز 12%.
- انتفاضة ناعمة (5–8%): عجز عن تسديد الرواتب لما يزيد عن 6 أشهر، يصحبه انشقاق داخل النظام.
النتيجة النهائية: السلطة باقية ما لم ينهر الاقتصاد، والمعارضة عاجزة ما لم تفك ارتباطها بالنهضة، والشارع صامت خوفًا من فوضى أسوأ، لكن الغليان يتصاعد.
تاريخ تونس أثبت دائمًا أن المعدة الفارغة تتجرّأ على القصور دون تردّد. والدم المسفوك (340 شهيد) لا يُنسى. والرهان على الخارج خاسر دائمًا.
رابعًا: ثلاثة مخارج معقولة (شروط وسيناريوهات)
المخرج الأول: تغيير حكومي حقيقي من الداخل
- الشرط: رئيس حكومة سياسي وكفء، طليق اليدين، ليس مجرد مأمور من رئيس الجمهورية. ومعه وزراء من صنفه، ومحيط حكومي من أفضل الخبراء في جميع المجالات.
- الآلية:
- رئيس جمهورية يمنح صلاحيات واسعة لرئيس حكومة (اقتصاد، اجتماع، إدارة).
- حكومة ذات خلفية سياسية وذات مشروع، لو مستقلة عن الأحزاب، المهم ليست موالية لأن الولي بلا مشروع.
- خطة طوارئ اقتصادية (6–12 شهر): دعم طبقات هشة، إصلاح صندوق تعويضات، جذب استثمارات في قطاعات منتجة.
- السيناريو:
- نجاح (40–50%): تحسن معيشة، تهدئة غضب، بقاء النظام مع إنجاز إصلاحات جدية.
- فشل (50–60%): رئيس حكومة مُقيَّد، وزراء موالين، خطة ورقية = عودة للغليان.
المخرج الثاني: تغيير من داخل النظام (استقالة وانتقال سلس)
- الشرط: رئيس جمهورية يستقيل من تلقاء نفسه، أو يُقنع بالاستقالة، ويُفتح باب انتخابات مبكرة برعاية الجيش والأمن، تُصعد شخصية من داخل النظام.
- الآلية:
- رئيس جديد، ولو لم تقبله المعارضة.
- امتصاص التوتر: عفو عام محدود، حوار وطني، تعديل دستوري.
- قبول العسكر والأمن (ضمان عدم محاكمات انتقامية).
- قبول الخارج (ضمان استقرار، هجرة، أمن).
- السيناريو:
- نجاح (30–40%): انتقال سلس، شرعية جديدة، استقرار نسبي.
- فشل (60–70%): فراغ سلطة، صراع نخبة، انقسام أمني.
المخرج الثالث: جيل جديد من معارضة غير موصومة
- الشرط: جيل سياسي جديد، غير مرتبط برموز 2011–2021 (النهضة، الفياد).
- الآلية:
- فك الارتباط بالنهضة: قيادات شابة مستقلة، برنامج اقتصادي واجتماعي واضح.
- بناء وسائط جديدة: حركة شبابية، منصات رقمية.
- رهان على الشارع: احتجاجات سلمية منظمة، لا رهان على الخارج.
- السيناريو:
- نجاح (20–30% على 5–10 سنوات): جيل جديد يفوز بانتخابات محلية ثم وطنية.
- فشل (70–80%): قمع، تشتت، عودة لرهان الخارج الخاسر.
ملاحظة أخيرة: هذه الورقة لا تُبرّر السلطوية، ولا تُدين المعارضة جزافًا. غايتها الاقتراب ما أمكن من الجواب عن الأسئلة الثلاثة: لـ"لماذا بقي النظام؟" و"لماذا فشلت المعارضة؟" و"متى ينفجر الشارع؟".
ومن يريد إسقاط النظام، عليه أولاً أن يفهم لماذا بقي. ومن يفهم ذلك، قد يكتشف أن المعطيات تغيرت، وأن أسلوب الإنكار يُعيق المعارضة، وأن طريق التغيير مازال بعيدًا، وأنّ المغامرة التي قد تؤدي للفوضى دخلت في وارد المستحيل، لا لأنّ كاتب هذه الورقة لا يُريد الفوضى، بل لأن العوامل التي تخلق مثل هذا السيناريو لم تعد موجودة.
والسؤال الأخير: هل يستحق التونسيون نظامًا يحميهم من الفوضى ولو كلّفهم حرية قيادة النهضة؟
الجواب ليس عند الكاتب، بل عند من عاش 2011–2021، ولا يتردّد في القول "نجوعو ولا تعودوا".
المصادر المنهجية:
- مصفوفة التأثير المتبادل (14 متغيرًا)، 7 أكتوبر 2026.
- تقارير الكونغرس الأمريكي (CRS) عن تونس، 2024–2026.
- تقرير BTI 2026 عن تونس.
- تقارير معهد واشنطن عن الإرهاب والأمن في تونس، 2021–2023.
(*) مصفوفة التأثير المتبادل: هي المصفوفة التي تقيس كيف يؤثر تغيّر مُتغير واحد على احتمالات تغيّر المتغيرات الأخرى في النظام نفسه، ممّا يسمح بتحديد "المحرّكات الرئيسية" (عالية التأثير، منخفضة التأثر) و"المتغيرات الحرجة" (عالية في البعدين) و"متغيرات النتيجة" (منخفضة التأثير، عالية التأثر).
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟