أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: هيهات أن أعود














المزيد.....

نص نثري: هيهات أن أعود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 11:52
المحور: الادب والفن
    


اتركني على سجيّتي، على فطرتي الأولى، دعني أبكي حين يستحق البكاء، وأرتجف حين يمرّ الوجع قريباً من قلبي.
دعني أبكي على بكاء طفلٍ يتيم، لا يعرف من الدنيا سوى بابٍ موصد، ويدٍ صغيرة تمتدّ في الفراغ، تبحث عن حضنٍ لا يأتي.
دعني أبكي على امرأةٍ وقفت على حافة الانهيار، امرأةٍ أكلت الأيام من عمرها ما يكفي، ثم دفعتها الحاجة إلى قارعة الطريق، تستجدي الرغيف، وتخفي خلف عينيها سؤالاً أكبر من الجوع: أيّ حياة هذه التي تجعل الإنسان يستجدي حقّه في الحياة؟
دعني أبكي على وطنٍ يريدون لحروفه أن تتناثر مع الريح، أن يُمحى اسمه من الذاكرة، وتُقتلع من تربته الحكايات، حتى يصبح أبناؤه غرباء عن الأمكنة التي شهدت خطاهم الأولى.
قف... أرجوك.
لا تعبث بمشاعري، لا تقترب كثيراً من هذا القلب، فما زالت فيه نافذة صغيرة تطلّ على الضوء، وما زال في داخلي طفلٌ لم يتعلم كيف يكره، ولم يتعلم كيف يمرّ بجوار الألم دون أن يتوقف.
لا تجعل الموت كائناً أليفاً لديّ، فأنا أخشى اليوم الذي لا أعود فيه أرتجف أمامه، أخشى أن يصبح الموت خبراً عابراً، وأن يصبح الدم رقماً، والفقد عادة، والغياب مقعداً فارغاً لا يسأل عنه أحد.
لا تحوّلني، مع الأيام، إلى صخرة؛ فالصخرة لا تبكي، ولا تشتاق، ولا تتذكر يد أمّها حين كانت تمسح عن وجهها غبار الطريق.
لا تحوّلني إلى ذرات تراب، تأخذها الريح حيث تشاء، ثم تعود لتسألني أن أرجع.
أأعود؟ إلى أين أعود؟ إلى طينتي الأولى؟ إلى طيبتي التي لوّثتها الأيام؟ إلى حناني الذي أرهقته الخيبات؟ إلى قلبي الذي ظلّ يفتح أبوابه، حتى تعلّم أخيراً أن بعض الداخلين لا يأتون إلا ليتركوا وراءهم الخراب؟
أتريدني أن أعود إلى رائحة الخبز الخارج من تنور أمي الطيني؟ إلى يديها المبللتين بالماء والدقيق، إلى ذلك الصباح القديم، حين كان الرغيف أكثر من طعام، وكان البيت أكثر من جدران، وكان الوطن حضناً لا سؤالاً؟
هيهات... هيهات.
فأنا لم أعد ذلك الطفل تماماً، لكنني لم أصبح صخرة أيضاً.
ما زال شيءٌ مني يقاوم، شيءٌ صغير، عنيد، يشبه جمرةً خبأتها أمي تحت رماد التنور، ينتظر نفخةً واحدة، ليعلن أن النار لم تمت.
ولعلّ هذا ما تبقّى لي:
أن أحرس إنسانيتي من التحوّل إلى حجر، وأن أبقي في داخلي مساحةً للدمعة، لأن الإنسان، حين يفقد قدرته على البكاء، لا يموت دفعةً واحدة... بل يبدأ موته من الداخل، ثم يمضي حيّاً في هيئة غريب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة


المزيد.....




- بوتين: اللغة الروسية أسهمت في تشكيل روسيا كدولة موحدة متعددة ...
- سارتر وديلان وباسترناك.. أبرز فضائح جائزة نوبل الأدبية
- ماجدة موريس موريس تكتب :نحن.. والأوبرا
- غلافه من البرونز بتوقيع -سلفادور دالي-.. سرقة كتاب لا يقدر ب ...
- شريك رئيسي بفعالية -تايم 100 آرت-.. مؤسسة قطر تعيد إرث مقبول ...
- لمواجهة طوفان -نازا-.. الجيش الإسرائيلي يدافع عن روايته بفيل ...
- وزير الثقافة: اجتماع حلف مكة يؤسس لمحور إقليمي جديد واستعادة ...
- نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف ...
- بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع ...
- اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: هيهات أن أعود