أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ابراهيم ازروال - محمد أركون ونقد الأنوار.















المزيد.....



محمد أركون ونقد الأنوار.


ابراهيم ازروال

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 20:56
المحور: قضايا ثقافية
    


بقلم: إبراهيم أزروال
أركون ونقد الفكر الغربي: -I
لم يقدم محمد أركون نقدا نسقيا ومفصلا للفكر والثقافية الغربيين. فقد انشغل كما هو معروف بنقد العقل الإسلامي وبالإسلاميات التطبيقية ،وقدم في الغالب دراسات برنامجية أو تطبيقية ، عن النص القرآني أو العقل الأخلاقي أو العقل السياسي –التشريعي .ومن المحقق أنه استثمر كثيرا من مفاهيم وآليات وأجهزة ومكتسبات العلوم الإنسانية والاجتماعية في القراءة والرصد والاستقراء والتقييم ،وطالب بالاستفادة من الثورة الإبستيمولوجية المعاصرة ،لتثوير العقل ،وتنوير الأذهان وتغيير الأعيان .ومن الجدير بالذكر أنه يطالب بالجمع بين المعايير الإبستيمولوجية و النظرية وبين المعايير السياسية(الواقعة الكولونيالية تخصيصا) و الأخلاقية ، في تقييم إنجاز الحضارة الغربية .
(إنه يعني أنه ينبغي أن نقوم بنقد شامل للحداثة الغربية ومسارها منذ مائتي سنة وحتى اليوم آخذين بعين الاعتبار مسألة الاستعمار كمعيار أساسي لخيانة الغربيين للأنوار أو إخلاصهم لها .) -1-
و يطالب أركون بنقد شامل للحداثة الغربية،وما نجم عنها من خيانات ومآس تاريخية .ويشمل نقده في الغالب :
-عقل الأنوار؛
-العلمانية؛
-العقل الذرائعي ؛
-العقل الأخلاقي الغربي .
إن نقد الحداثة الغربية من التعقيد بحيث لا ينحصر كما يطالب أركون في المقارنة بين المثال وبين الواقع ،ومدى الالتزام بالمبادئ ( حقوق الإنسان ومبادئ الأنوار )في التعامل مع الآخر ( التجربة الكولونيالية وتدبير الهجرة والتعامل مع الأقليات الإثنية والدينية )،بل يجب أن يمتد لنقد هذه الحداثة من منظور منهجي مقارن ومن منظور فلسفة الحضارة .إذ لا يمكن -في اعتبارنا- فهم احتداد المواجهات الثقافية بين الغرب والجنوب ،دون فهم الممانعة الثقافية وآليات المواجهة المادية والرمزية المعتمدة في رفض الغرب باعتباره آخر ومفاعيل اللاشعور الثقافي والسياسي في الجهات المتصارعة.لا يمكن التغاضي كذلك ،عن التاريخ ومفاعيله ، وعن الحضارة وتحولاتها ، وعن صراع التطلعات والنرجسيات الثقافية و الحضارية في النطاقات الثقافية الكبرى.
إن الثقافات الكبرى ميالة إلى إثبات جدارتها وتفوقها من جهة وإلى إظهار تمنعها وتحفظها من المثاقفة الموسعة من جهة أخرى. يتولد عن إثبات التفوق، وإظهار الممانعة الثقافية، تنافس وتنازع وتصادم ثقافي بين الثقافات الكبرى بخاصة.
فمن المحقق، أن القدامات الطرفية ، رفضت أسس الحداثة والتحديث ،لاعتبارات ثقافية وفكرية وتاريخية –حضارية ، في المقام الأول .لقد رفضت النظر والمثال ،استنادا إلى منظورات ومعايير معرفية و أخلاقية وسياسية وتاريخية –حضارية مخصوصة .وهكذا رفض المثال ، قبل أن تتوالى ،خيبات وتراجعات و انسدادات الواقع الأوروبي والغربي(الواقعة الكولونيالية ).
لقد أبدى السفير محمد بن عثمان المكناسي إعجابه الكبير، بتفوق العقل التقني الأوروبي ، أثناء رحلته السفارية ، في أواخر القرن الثامن عشر ،إلى بلدان أوروبا .ومن الظاهر أنه يقر بدونية الإنجاز التقني ،غير المصحوب بشرعية أخلاقية و روحية . ومن الجلي ،أنه يحتكم إلى العقل الشرعي ، في التقييم والفحص والاستقصاء ، في المقام الأول .
(ومن غريب ما رأينا من ذلك مدفع كبير مصنوع من الجلد محمول على عجلاتة كانوا يخرجون به البارود عند أول ظهور هذه الصنعة .الحاصل إتقانهم واعتناؤهم بـأمور الدنيا أمر عجيب .....) -2-
لقد مارست الثقافات الطرفية، الممانعة الثقافية، انطلاقا من إقرارها بأفضليتها الثقافية، وتفوقها النظري على سواها من الثقافات والفكريات وتمسكها بالمعايير التقييمية للعصر الوسيط. والحال أن الحداثة، مثلت نقلة جوهرية، في مسارات الفكر والحضارة والثقافة والتاريخ.
- -IIأركون وأعطاب الحداثة :
نقد الغرب ونسبية المعايير الأخلاقية: -1
لم يتمكن العقل الغربي، منذ عصر الأنوار، من استكشاف جغرافيا المعنى، وبناء نظام دولي عادل ومتوازن، حسب محمد أركون .بل ليس الخطاب المتمحور حول الديمقراطية وحقوق الإنسان في تقديره، إلا استعادة جديدة ومقنعة لتفوق الغرب وتفرد عطائه الحضاري. وهكذا تغيب المعايير والغايات الأخلاقية ، عن السياسات منذ انتصار العقل الأداتي.
(وهكذا أسست أوروبا في القرن التاسع عشر نظاما قائما على الظلم واللامساواة.ولا تستطيع العنجهية العلموية للعقل الوضعي ،أو الوعي المتظاهر بتعذيب الضمير والذي ساد لفترة قصيرة بعد الاستقلال في مرحلة ما يدعى "بالتعاون" والذي هو أيضا متواطئ إيديولوجيا مع الغرب على الرغم من كل المظاهر ،أقول لا يستطيعان أن يمحوا الآثار السلبية المدمرة الناتجة عن نظام اللامساواة هذا .)-3-
من المحقق أن موقف أركون الأخلاقي من منجز الأنوار والحداثة الكلاسيكية ،قلق وملتبس.
1-فهو يشهر معيار الأخلاق والغايات العالية والعدالة الكونية الناجزة ،في وجه حضارة قائمة على النجاعة والنفعية والعابرية والتجاوز والفعالية والنسبية . كان من الممكن التفكير مليا ، في صعوبة التوفيق بين النجاعة في الممارسة وبين الرهانات الأخلاقية ،ولا سيما في العلاقات الدولية وتدبير الموارد وإدارة الرأسمال على الصعيد العالمي.
-لم يقدم أركون معالجة مدققة للفكر الأنواري ،المتميز بالغنى والاختلاف والتعدد والتعقيد .كان من المفترض ، في الواقع ، الكشف عن المنجز الفكري والإبستمولوجي للأنوار الفرنسية و الألمانية والإنجليزية ، و عن المنهجيات المعتمدة في الفحص والتمحيص و الاستقصاء والإنشاء النسقي .إن التنوير الفولتيري ،مختلف عن التنوير الروسوي وعن التنوير الكنطي وعن التنوير الاسكتلندي (دافيد هيوم) ؛وهذا ما يتطلب إعادة النظر في الرؤى الأحادية و النمطية ، المهيمنة ، في الفكر الغربي الحديث والمعاصر (نقد مدرسة فرانكفورت لعصر الأنوار مثلا).فالواقع أن روسو ،لم يكتف بنقد الحداثة و العقلانية و التاريخية و النفاتية والتقدم والمادية فقط ،بل قدم انتقادات غذت ،جزئيا أو كليا ،النقد الرومانسي لعصر الأنوار .لقد انتقد روسو الأنواري ،الأنوار منذ أن كانت مشروعا برسم الصياغة والبلورة والتصميم .وحذر فولتير من تبعات الحماس النظري والعملي ونسيان التراجيدي الملازم للتاريخ والحضارة البشريين .كانت الأنوار الفولتيرية ،تذكيرا دائما ومركبا ، بإمكان الترقي وضرورة تفادي نسيان التراجيدي .
- يثمن أركون العلوم الإنسانية والاجتماعية ويؤكد على المعايير الأخلاقية في تقييم المنجز الحضاري الغربي في نفس الوقت .والحال أنه لو تمسك ،عمقيا ، بمنطق ومعنى تلك العلوم ،لقدم قراءة مغايرة للأنوار ومساهماتها الحضارية ،ولأدرك مكانة الأخلاق في الممارسة إدراكا آخر ،وعلل البون بين النظرية أو المثال وبين التطبيق أو التنفيذ تعليلا عقلانيا و أحال إلى الشروط والممكنات التاريخية والحتميات الاجتماعية –الثقافية المهيمنة . هل بإمكان الفاعل الاجتماعي أن يحتكم كليا إلى معايير الأخلاق، في سياق التنافس حول الثروات ومواقع النفوذ الاستراتيجية وتوسيع المجال الحيوي؟ هل يمكن بناء نظام دولي عادل وأخلاقي من طرف واحد؟ ألا تكشف الأطراف الجيو –سياسية و التاريخية –الحضارية عن براغماتية نفعية وعن استئثار مفتقر إلى أدنى المعايير القيمية والأخلاقية أحيانا ؟
3-يمعن أركون في التقييم الأخلاقي للوضع دون تساؤل عن إمكان تخليق العلاقات الدولية وسياسات الدول. هل يمكن تحقيق عدالة دولية، في ظل استشراء التأخر والتأخر المضاعف في بلدان الجنوب مثلا ؟ألم ترفع ثقافات كبرى راية الممانعة الثقافية والمجابهة السياسية في وجه الحداثة والتحديث ؟ ألا يفصح النظر في فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ ،عن نظرية أو افتراضية التخليق ؟ أليس التخليق مطلبا نظريا أو معيارا أخلاقيا مطلوبا ، إلا أنه صعب التحقيق لاعتبارات عملية وتاريخية –حضارية ؟
-كان من المطلوب تقييم الإنجازات الأنوارية ، في ضوء تاريخ أوروبا الغربية .لقد عرفت أوروبا ،تطورات جذرية ، بعد الثورة الفرنسية ، وظهور الإيديولوجيات الثورية الكبرى ولا سيما الاشتراكية والماركسية من جهة والفلسفات المضادة للأنوار وخاصة الرومانسية من جهة أخرى .كانت الأنوار ،الفولتيرية ،جماع توجهات و أفكار وآمال برسم الإنجاز والتحقيق ،من خلال الاعتماد على العقل الحصيف و المخيلة المتزنة والتساند الجماعي و المتخيل الجماعي .كانت الأنوار الفولتيرية ،أقل وثوقية ودوغمائية بالقياس إلى التاريخانية و الوضعانية والماركسية.
من غرائب النقد الموجه إلى الأنوار ، التعويل على رؤى نقدية بعدية أبدعت في سياقات تاريخية وفكرية مضادة للأنوار(نقد ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو وهربرت ماركيوز ومارتن هايدغر للأنوار )،واستبعاد النصوص والمرجعيات و التجارب الأنوارية الأصلية .
فهل يمكن تشخيص وضع الفكر الأنواري الفرنسي مثلا ، دون الانكباب على "الموسوعة ،أو قاموس مفسر للعلوم والفنون والمهن"وعلى كتابات الثلاثي الفكري : روسو وفولتير وديدرو بخاصة ؟.
-2الغرب والآخر :
يتساءل أركون: أين التنوير ؟و كيف تستبعد مواد وبنود إعلان حقوق الإنسان والمواطن في الممارسة و العلاقة بالآخر ؟ولماذا تضيع دوما حقوق الآخر رغم الاعتراف به فلسفيا كشخص ؟.
لقد اجترح الفكر الفلسفي الحديث مأثرة اكتشاف قارة الآخر وتقريبه من تخوم الذات وتثمين الغيرية والإيثار. من المؤكد إذن ، أن الحداثة وسعت مجال المفكر فيه ،إذ زاوجت بين الذاتية وبين الغيرية ، بين الذات وبين الآخر ،بين تحقيق الذات معرفيا ووجوديا ،وبين الانفتاح على الآخر في تحققه الوجودي والمعرفي المرتقب.
(..إن الآخر ،كشخص له كرامته المعصومة ،هو عبارة عن إحدى فتوحات الفكر الفلسفي الحديث ،وهذا ما لم تعرفه العصور الوسطى اللاهوتية أبدا. كان يمثل بالنسبة لها اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه.) -4-
ولئن خرقت الحداثة سياجات الفكر اللاهوتي المتمركز ،عمقيا ، حول الذات ،فإنها لم تتمكن ،عمليا ، من الالتزام بالمعايير الأخلاقية والحقوقية في الممارسة داخل وخارج مدارات الغرب.
يكتفي أركون برصد الفارق بين المقررات النظرية والممارسات الميدانية ؛والحال أن الرصد لا يكفي ،بل لا بد من البحث في شروط إمكان هذا الفارق في السياقات المعرفية والسياسية الحديثة.
-IIIسمات وخصائص الأنوار:
1-عدم اكتمال الأنوار:
إن الأنوار مشروع فكري –نظري برسم الإنجاز والصياغة ولم يكن قط مشروعا مكتملا وناجزا ومغلقا حتى في أشد لحظات توهجه الثقافي والسياسي .ما كان من اليسير عقلنة ، الأنساق الفكرية والأخلاقية ،وعلمنتها ،دون مجابهات شاقة بين العقل الحداثي وبين العقل اللاهوتي المسيحي .
(....إننا نعيش عصرا يسير نحو التنوير .ففي الوضع الراهن ،يفتقر الناس إلى الكثير لكي يصبحوا قادرين على إعمال عقولهم في الأمور المتعلقة بالدين بثقة وصواب دون توجيه من الآخرين .ورغم ذلك،ثمة إشارات واضحة على انفتاح المجال أمامهم لكي يشتغلوا في هذا الاتجاه،كما أن العوائق التي تحول دون تعميم التنوير ودون الخروج من حالة الحجر –الذين هم مسؤولون عنه-في تراجع مستمر . ) -5-
ولئن تفاعلت الأنوار الغربية مع العقل اللاهوتي والديني اليهودي –المسيحي نقديا ،فإنها لم تتفاعل بنفس الدرجة والعمق ،مع العقل الديني الإسلامي والبوذي والهندوسي والكونفوشيوسي .وبدلا من استكمال الأنوار من خلال توسيع مجال فعاليتها النقدية ،لتشمل الموروث الإفريقي والآسيوي والأمريكي –اللاتيني ،فإنها أدمجت بعد الثورة الفرنسية وبروز الماركسية والوضعانية في نظم هذه الفلسفات. فهل كان من المفترض ،استكمال الأنوار ،بتوسيع فعاليتها النقدية ،داخل وخارج نطاقات الغرب ،وبكوننة مناهجها وتصوراتها ،لتحقيق التوازن بين الأنا الغربي والآخر الطرفي ؟هل يمكن تحقيق علاقات متوازنة وعادلة في ظل علاقات مختلة بين ذات متطبعة بالعقل الأداتي والنفعية وآخر مستغرق في ثنائيات لاهوتية وتمييزات عرفانية ويقنيات تداولية ؟هل يمكن إنجاح التعامل مع الآخر كشخص ،إذا استمسك برؤية للعالم ناقدة لسؤدد الفرد ورافضة ،مبدئيا ،للأنسة والعقلنة و الدهرنة والعلمنة ؟
لقد تمسكت الثقافات والحضارات الكبرى ( الصين و الهند و الحضارة الإسلامية )،بمعاييرها وقيمها التقليدية ،ولم تقبل المثاقفة أو الحوار الحضاري ،إلا بعد بروز الفوارق النظرية و العملية بين القدامات الطرفية وبين الحداثة الأوروبية ،بدءا من القرن التاسع عشر .
من الجدير بالذكر ، أن فكر التنوير ، اعتنى برصد الحدود ، وتفادي الأعطاب النظرية الناتجة عن الدوغمائية و الوثوقية والتفاؤل النظري ( نقد فكر الأنوار للأنساق العقلانية والطوباويات النظرية ) . ومن اللافت للنظر ، حرص نقاد الأنوار على وسمها بالوثوقية ، رغم أنها ترفض الوثوقية الفكرية و النظرية وتصر على استكشاف الحدود المعرفية والأخلاقية ( كتابات فولتير وديدرو وروسو وكانط) للحداثة الغربية .
2-تحقيق الأنوار و كوننتها:
ليس من الممكن تحقيق مقاصد الأنوار دون تعميم أفكارها، حسب المنتصرين لرؤاها. وبما أن الفوارق بين الأنا الغربي والآخر الشرقي متسعة،فإن لقاء الحداثة بنقائضها يؤول في الغالب إلى الصدام والمجابهة أو الممانعة الصريحة أو المقنعة باسم التحديث من الداخل أو التكييف التداولي.ومن اللافت للنظر انبهار الآخر قبل الواقعة الكولونيالية،بالمنجزات العلمية و التقنية للغرب ،واعتراضه المبدئي على المنجزات والمكتسبات الفكرية والنظرية والقيمية الغربية باسم الأصالة والإخلاص للذاكرة الجماعية.
إن الحرية ، حسب المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري ، من وضع الزنادقة ؛وبما أنها لا تلتزم بمقتضيات الحرية الشرعية ،فإنها تستلزم التنكر للحقوق الشرعية و حقوق الوالدين و حقوق الإنسانية .
(وأما إسقاطها لحقوق الإنسانية، فإن الله تعالى لما خلق الإنسان كرمه وشرفه بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل، ويبعثه على الاتصاف بالفضائل، وبذلك تميز عما عداه من الحيوان، وضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور، بل يبيح للإنسان أن يتعاطى ما ينفر عنه الطبع، وتأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش والزنا وغير ذلك إن شاء لأنه مالك أمر نفسه فلا يلزم أن يتقيد بقيد، ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز له أن يظلمه. وما عدا ذلك فلا سبيل لأحد على إلزامه إياه.) -6-
3-يترتب على نفعية وإجرائية العقل الأداتي ،بالحتم واللزوم ،الاشتغال بالتجريب والتقصي وبلورة الجديد في الأفكار والطرائق والآليات .وتضع هذه التجريبية المتمددة ،العقل الأداتي ،في صراع مع نظم وأنساق وأنماط فكرية واجتماعية قائمة على إتباع الأنماط النموذجية، وانتهاج نهج الأسلاف في النظر والعمل ، و في قراءة الطبيعة والعالم والتاريخ والتفاعل مع المستجدات الوقتية.
4-ثمة فرق جوهري بين المساواة الأنطولوجية أو الوجودية، وبين التفاوت التاريخي بين الثقافات والحضارات .إن تأهيل الإنسان أنطولوجيا وفلسفيا ،ليس إلا الخطوة الأولى في مسار التأهيل الممتد،وهو لا يكتمل إلا بتأهيله ثقافيا واجتماعيا وحضاريا .والحال أن الحداثة أهلت الإنسان أنطولوجيا ووجوديا وصيرته شخصا منذورا للتحقق والامتلاء والإنجاز،فيما تعثرت في تأهيله ثقافيا واجتماعيا وتاريخيا ،إلا في سياقات تاريخية محدودة في المركز،ولم تتمكن ،إلا نادرا،من إيجاد وسائط وآليات لتأهيله في الأطراف المتمسكة ،جوهريا ،بسردياتها ورؤاها المخصوصة للعالم.
فكيف يمكن تجاوز الهوة بين التنظير وبين الواقع ،إذا كان الإنسان الشرقي أو الطرفي عموما ،رافضا لفلسفة الشخص كما بلورتها الحداثة،ويستبطن منظورا وسيطيا لتنظيم العلاقات بين الطوائف والملل والأمم والإقامة في العالم ؟
وبناء على ما سبق ، لا يمكن تجاوز تجريدية حقوق الإنسان والنزعة الإنسانية ،إلا بتأهيل الإنسان الطرفي ثقافيا،أي بتعميق معرفته بحقوقه وممكناته وممكنات الاغتناء المتبادل والتضامن بين الأغيار في سياق تنافس كوني حول الموارد والطاقات والتفرد بالمبادرات الحضارية الكبرى ( الصين والهند والولايات المتحدة) ،وتجاوز كثير من العوائق النفسانية والاجتماعية والرمزية الموروثة عن التواريخ القديمة.
(فما دمنا لا نعامل الآخر وكأنه ذات ،أي كأنه مثلنا ،لا يمكن أن توجد نزعة إنسانية .ينبغي أن يتحول الآخر إلى ذات ، أو الذات إلى آخر ، لكي يحصل التناغم والانسجام في المجتمع والعالم كله.) -7-
إن الآخر الطرفي رافض لنظرة الذات الغربية، ويطالب بالحقوق والمساواة القانونية أحيانا (المهاجر المغترب) ،فيما يستشكل مقتضياتها الفلسفية والفكرية والوجودية. من السهل، نظريا أو حجاجيا ، مطالبة الغرب ،بتحقيق المثال والالتزام بدقائق حقوق الإنسان والنزعة الإنسانية، وتحقيق التناغم الحضاري على الصعيد الكوني. والحقيقة ،أن استفحال التفاوت التاريخي –الحضاري، و حرص الثقافات الطرفية على السرديات الموروثة واستعمال مفاهيم وآليات وتصورات ما بعد الحداثة في تسويغها ،لا يساعدان على إعادة ترتيب الوضع الحضاري ووضع معايير عقلانية للتفاعل والتواصل الثقافي العميق بين الغرب والجنوب.
إن المنجز الفكري –الفلسفي حول الآخر والغيرية ( تأهيل الآخر عند ريكور وليفيناس ) في حاجة إلى إغناء واستكمال وتطوير على يد الباحثين-المفكرين .فبما أن الباحث –المفكر يراعي الشمولية في النظر ، والتعددية في المناهج ،والتنوع في الاستقصاء ،والاختلاف في حقول وميادين ومجالات الاشتغال ،فإنه أقدر على التفكير في علاقة الأنا بالآخر،من منظور فلسفي –فكري مشرب بإشكاليات التاريخ والحضارة و فلسفة الحضارة وخيارات الثقافات الكبرى في التكيف وإعادة البناء والتبيئة والممانعة.
لا يمكن تأسيس علاقات ثقافية –حضارية متوازنة بين الغرب والآخر الطرفي ،إذا اختلفت السجلات الثقافية والمعايير القيمية واعتمد الآخر على الترميق الفكري والترقيع الديني –الإيديولوجي ،في بلورة رؤيته الفكرية –السياسية ومنظوره الخاص للعلاقات الدولية وتعزيز حقوق الإنسان والمواطن .
(إنه لا يترك[يقصد الترقيع الإيديولوجي] أي مجال لتفكيك العنف السياسي الخالي من أي أفق للأمل وإحلال التفكيك الفكري ،أي التحرير الفكري ،محله . )-8-
ولما تعذر التحرير الفكري ،بسبب محدودية الأطر الاجتماعية للمعرفة النقدية واستشراء المزايدة المحاكاتية بين المتنافسين على تأويل النصوص والتجارب التأسيسية ،وغياب فلسفة سياسية وفلسفة حقوقية متماسكة ومتناسقة ومحكمة البناء النظري ،صار العنف السياسي ،والتصلب الإيديولوجي وتلميع الحكايات المثالية الكبرى من علامات المرحلة الحضارية الراهنة .
3-الحداثة بين ذهنية التحريم والأنسنة :
لم تتمكن حداثة الأنوار ،في اعتبار محمد أركون ،من تعميم الأنوار وتعزيز ذهنية الأنسنة وحقوق الإنسان.
(...إن تلك الحداثة الفكرية فشلت في تعميم "الأنوار " الحديثة والتخلي عن ذهنية التحريم أو التفكير والحروب الدينية وإحلال ذهنية الأنسنة المتفتحة محلها .وهي ذهنية تدافع عن حقوق الإنسان وتحرير الوضع البشري من الاضطهادات والقمع والظلم.) -9-
لا يمكن لمنصف أن ينكر تردد الأنوار وعدم تمكنها –في كل الأحوال –من إنفاذ المثال ،وتغليب مقتضيات المعنى على ملابسات القوة والهيمنة والسياسية.
هل بإمكان الأنوار أن تغير مسارات حضارية متجذرة في التاريخ ؟هل بإمكان الحداثة أن تحقق التنوير،فيما مكوناتها متضاربة ومتعارضة( العقل الاقتصادي والعقل التقني والعقل السياسي والعقل الفكري ) ؟وهل يمكن بسط مكتسبات التنوير ،عالميا ،فيما يصر الإنسان غير الغربي على تأكيد فرادته الفكرية والأخلاقية الموروثة عن وضع إمبراطوري حضاري فائت ،أو أفضليته العرفانية المتعالية عن العقلانية الأداتية جملة ؟هل يمكن للعقل الأداتي ،أن يركن إلى سكون الإنسان الطرفي ،وهيامه الألفي بالبلاغة والرموز والتأويل ،وأن يتخلى عن بروميثيوسيته الكونية ؟ وهل يمكن تحرير الوضع البشري ،دون تحرير كل ثقافة من سياجاتها وسجونها الرمزية ؟
يرجع عدم قدرة الحداثة الكلاسيكية على تحقيق الأنسنة وتحرير الشرط البشري ـفي اعتبارنا- إلى ما يلي :
1-تعارض مكونات الحداثة الكلاسيكية: إن منطق الاقتصاد الرأسمالي والتقانة توسعي ومغامر ومجازف ،أما منطق الفكر، فحذر ومنفتح ومتحفظ ؛فالمنطق الأخير أحرص على الدقة والشمول والرهافة الفنية والبناء النسقي ( سبينوزا وكانط وهيغل) وعلى مراعاة المسلمات والمبادئ والمثل.
2-تعارض الكونية الفكرية مع القومية السياسية والعالمية الاقتصادية: لم يكن من السهل الجمع بين كونية الفكر ،بعد الثورة الفرنسية خاصة،و قومية السياسات وعالمية الاقتصاد الرأسمالي .ليس من السهل تحقيق تمفصل وظيفي بين كونية تحفل بالإنسان وحقوقه وتأنسنه وتنوره ،وقومية سياسية منحصرة في المكاسب السياسية والإنجازات الوطنية ،ورأسمالية توسعية خاضعة لمنطق اقتصادي ربح ونفعاني وسوق متطلبة.
3-صعوبة إدارة الصراع مع القدامة: ليس من السهل إدارة التنافس الفكري مع اللاهوت في المركز وفي الأطراف في نفس الآن.
4-غياب معرفة نسقية بالآخر: تميز الغرب أثناء العصر الكولونيالي وبعده بافتقاره إلى معرفة نسقية بالآخر وباجتماعه وثقافته وأنساقه الكبرى ، تمكنه من محاورته أو مناظرته بفعالية .ثمة فرق بين معرفة وثائقية ومعرفة نسقية ،تجاوزت الجمع والتوثيق والأرشفة والاستخبار والتحليل والاستحضار . الواقع أن الغرب بقي أسير المعرفة التوثيقية ، في العصر الكولونيالي وما بعده ، ولم يتمكن إلا نادرا من استيفاء شرائط المعرفة النسقية بالآخر و أنساقه ( نيدهام ونقده للحضارة الصينية مثلا).
الأنثروبولوجيا والأنوار:-IV
إن الحضارة معترك فكري – تاريخي تشتبك فيه الأفكار والتمثلات و المصالح والمنافع والحقائق والأساطير، وتصطرع فيه إرادة المعنى بإرادة القوة ،ومحبة الذات بإيثار الآخر ،والتطلع إلى المثال والامتثال الاستحواذي لمعايير النظر والعمل .ليس عالم الحضارة عالم المثل والفضائل والأفكار والأنساق فقط ،بل هو كذلك عالم الاقتصاد والتقنية والسياسية والحروب والجيو-سياسة والغرائز والعلل والخروم .
فهل يكفي تعلم فضائل العلم الأنثروبولوجي لتفادي قصور الأنوار والحداثة الكلاسيكية كما يعتقد أركون؟هل تكفي الأخلاق الكانطية لتفضيل المعنى على القوة ومعاملة الآخر كذات مضاعفة ؟هل تملك المعرفة وحدها القدرة المطلوبة ، على الاستجابة لتحديات تدبيرية وسياسية وجيو-سياسية ومالية واقتصادية ونفسانية وتاريخية متراكمة ؟ألا تشي الرغبة في توظيف معرفة مؤسسة أو مؤسساتية عن نزعة أنوارية في خطاب يروم نقد الأنوار بالذات ؟
(كما أن العلم الأنتربولوجي يعلمنا كيفية التعامل مع الثقافات الأخرى بروح منفتحة متفهمة ،وضرورة تفضيل المعنى على القوة أو السلطة ،ثم تفضيل السلم على العنف ،والمعرفة المنيرة على الجهل المؤسس أو المؤسساتي .) -10-
إن المعرفة الأنثروبولوجية لازمة ، بلا شك ، لتوسيع آفاق الفاعلين التاريخيين ،وإدراك العمق التاريخي –الأنثروبولوجي لكثير من معضلات الحاضر ،ومعرفة الرهانات المركبة لكثير من الواقعات المشكلة ،إقليميا ودوليا .بيد أنه لا يمكن المراهنة ،كليا وعمقيا ،على هذه المعرفة ،في أنسنة عالم معولم،تستأثر به القدامات المستأنفة والحداثات البعدية.
إن المعرفة المؤسسة قد تنير وتضيء درب الفاعلين ؛إلا أنها لا تفلح ،مهما كان توهجها ،في إحلال التواهب محل التناهب في نسق عولمي-كوكبي تنافسي-تنازعي بامتياز.
وكما كان العائق مركبا ،فإن البديل يجب أن يكون مركبا ،أي شاملا للكل الحضاري .يقتضي التجاوب الحاذق مع تحديات الوضعيات الحضارية المشكلة ، استجابات تاريخية –حضارية مركبة،لا استجابات إجرائية –تقنية أو أخلاقية قيمية جزئية .
تحولات أوروبا: -V
أوروبا بين اللوغوس وبين الميتوس :-1
يعتقد أركون أن أوروبا الوضعانية ، تفضل اللوغوس على الميتوس ،حين تعتبر الربح والتسليع وتراكم الثروات مقياس ومعيار العقلانية وتتخلى عن القيم الأخلاقية العليا والمثالية .
(..فإنها[يقصد أوروبا] تتخلى عن الميثوس كليا لصالح اللوغوس ،أي لصالح العقلانية الوضعية الباردة والمفرغة من أي قيم روحانية-إنسانية.فلم يعد يهمها إلا العقلانية الإجرائية التي تؤدي إلى الربح السريع وتراكم الرساميل والثروات المادية.لم يعد للروح أو للقيم الأخلاقية العليا والمثالية أية قيمة تذكر في الغرب التكنولوجي المعاصر. ) -11-
من المستغرب أن يقدم منشئ الاسلاميات التطبيقية ،المنشغل بلعب دور الوسيط الثقافي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط ،تشخيصا غير مطابق للوضع الأخلاقي للغرب في زمان العولمة والنسبانية الثقافية .
فالواقع أن تشخيصه غير مطابق بالنظر إلى ما يلي:
1-لا تعتمد أوروبا في تعيين الأولويات وتحديد المعايير وتسطير الغايات على العقلانية الوضعانية بل على مركب جامع بين التفكيك وما بعد الحداثة والليبرالية الجديدة والعولمة علاوة على ثقافة حقوق الإنسان. ومن هنا ،فلا حضور للعقلانية الوضعانية أو التاريخانية،في بناء السياسات وصياغة الاستراتيجية وترتيب الوضعيات في الفضاءات الغربية المعاصرة.
فقد انفرد الليبرالي العولمي ،بإدارة الأولويات والغايات،بعد أن فكك المفكك ( فوكو ودريدا وبودريار وليوتار ) السرديات الكبرى،و أنكر التقدم والحتمية التاريخية والفعل الجماعي وقيم التضامن،وأسهمت الثقافة المضادة والتعددية الثقافية وسياسات اليسار الاقتصادية ،في توهين الروابط الاجتماعية والبنيات الثقافية الموروثة عن عصر التنوير والوضعانية والقومية .
لقد وفر التفكيك وما بعد الحداثة الشروط المثالية( تفكيك الأنساق و رفض إمكان صياغة البدائل الجماعية وتذرر الفرد و تكريس الرغبات والأهواء والنزوات الشخصية وإضعاف العمل الجماعي والتضامن التاريخي وتكريس الهجنة والهيدونية والارتحال ... ) للعولمة والرأسمالية المتوحشة.
2-لا يقبل الفرد المفتون بنداء الرغبة والذات والشغف ،على مطلوبه بناء على تفكير عقلاني ،بل على ميل لا عقلاني في الغالب.إن الافتتان بالرغبة والذات ،لا يدل على الترقي في مدارج الحضارة ،بل على الالتصاق بأسطورة الذات .فكلما كان الفرد أسير رغباته ونزواته وميوله ،صار طيعا ،وارتفع إقباله على السلع الرمزية والمادية المعروضة في الأسواق (مساهمة الثقافة المضادة وثورة ماي 1968 واليسار الجديد في انتصار الليبرالية الجديدة ).وتأسيسا على ما سبق ، فإن الإقبال على الاستهلاك وعلى الهيدونية ،لا يكشف عن عقلنة بل عن أسطرة وعن انخداع شعوري أو لا شعوري بتقنيات الإشهار والتسويق .
3- لا يمكن إفراغ المجتمع من الدلالات الخيالية ومن المعايير الأخلاقية بالكلية .علاوة على هذه القاعدة الاجتماعية المقررة ،نشير إلى احتكام المجتمعات الأوروبية إلى المعايير والقيم الأخلاقية في كثير من السلوكيات والوضعيات والمواقف(توفير اللجوء السياسي والبيئي والاقتصادي للاجئين قادمين من الجنوب وتوفير الرعاية الاجتماعية واعتماد السياسات الاجتماعية وقبول التعددية الثقافية.. إلخ).
-2 الفلسفة وعودة اللاهوت/المقدس :
طوى عقل الأنوار كل الإشكاليات الأنثروبولوجية والفلسفية المرتبطة بالمقدس والخطاب النبوي أو العرفاني ،وأحل رمزية جديدة دهرانية و ناسوتية محل الرمزية المتعالية ، بالاستعانة ، حسب أركون ، بالعنف الثوري .صارت إشكاليات ورهانات المقدس ورمزياته ،من اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه ،بعد انتصار التاريخانية والوضعانية ، منهجيا وفكريا ،والثورة الفرنسية والروسية ،سياسيا وثقافيا.
(ولكن ذلك[يقصد عودة الروحيات في الغرب] ينبغي أن يعني ليس العودة إلى "قيم" مؤسطرة ورؤى مهلوسة خاصة "بالإنسان الكامل"،وإنما فتح فضاءات جديدة للمعقولية العلمية ، وشق سبل أكثر موثوقية لتحرير الشرط البشري.) -12-
إن عودة المقدس ،النسبية ،في الغرب،لا تستدعي، في اعتباره، العودة إلى القيم المؤسطرة للاهوت ،بل تدشين فضاءات جديدة للمعقولية العلمية وإيجاد سبل وثيقة وناجعة لتحرير الشرط البشري.
لم يعرف الغرب ،في الحقيقة،عودة إلى الروحانيات أو المقدس ،خلافا لما يرى أركون وجيل كيبل .بل عرف الترميق العقدي –الإيطيقي(تشكيل معتقد ذاتي مقتبس من أكثر من تراث روحي أو إيطيقي ) والتحول العقدي،في نطاقات محدودة سوسيولوجيا في الغالب .ولا بد في اعتبارنا ،من ربط الترميق العقدي –الإيطيقي ،بالثقافة المضادة وبما بعد الحداثة ،والتحول العقدي المصحوب بميل لاشعوري في الغالب إلى المصالحة العملية بين الموروث والمكتسب ، و بتقريظ الآخر ،وإعفاء السرديات الطرفية من الاستشكال والتفكيك وغياب المعرفة النسقية بالآخر والمرجعيات الثقافية الطرفية .
لم تقيم بشكل موضوعي نتائج وتبعات مدرسة فرانكفورت( أفكار ونظريات أدورنو وماركيوز مثلا) والثقافة المضادة والاختلاف والتفكيك وفكر 68،بما فيه الكفاية . إن الوضع المعرفي الغربي الراهن المحتضن لبعض مناحي اللامعقول والإخفائية والترميق الأخلاقي – الروحي ، نتاج الفكر الاختلافي –التفكيكي ،المنافح عن اللانسقية والتشظي والمغايرة والترميق وتمجيد الذات وتقديس الشغف .
VI-أركون ونقد عقل التنوير :
-1 الأنوار والاستجابات الفكرية المتعددة :
لم يقدم أركون مقاربة نقدية محكمة منهجيا، ومفصلة ومدققة للفكر الغربي ولعقل الأنوار. بل اكتفى، في الغالب، بتعيين إشكاليات أو بتقديم نقود متفرقة، يبسط فيها حجم البون والفرق بين المحتوى النظري لعقل الأنوار وبين التجربة التاريخية الغربية التراجيدية، فكريا وسياسيا واجتماعيا.
(أقصد في مرحلة يشعر فيها الناس بالهلع أمام الفراغ المسبب على التوالي من قبل تناقضات عقل التنوير ومحدوديته التي أصبحت واضحة للعيان .ومن المعلوم أن هذا العقل بالذات كان قد أبطل الأمل الديني من الناحيتين الفكرية والسياسية أو جعله يبدو قديما باليا.) -13-
يستلهم نقد أركون لعقل الأنوار ،نقد فكر ما بعد الحداثة للأنوار والثورة الفرنسية والعقل الأداتي –التقني. ولا يخلو هذا النقد من التباسات واشتباهات ،نذكر منها ما يلي :
1-إغفال تعدد الاستجابات التنويرية لإشكاليات المقدس والعقل الديني ؛إذ ثمة فوارق مفهومية ومنهجية وتصورية كبرى بين التيارات الفكرية الأنوارية الفرنسية ،في فهم وتفسير وتأويل النصوص وتشخيص التجارب الدينية والأخلاقية والحكمية الكبرى.
يمكن التمييز بين ثلاثة تيارات فكرية كبرى في التنوير الفرنسي:
-التيار الروسوي ،الناقد للمادية و التاريخية والتقدم؛
-التيار الفولتيري ،الداعي إلى عقلنة وعلمنة ودهرنة الأنساق الفكرية ،دون التخلي عن المشتركات التاريخية لأوروبا ؛
-التيار الميلي ، الناقد للموروث الديني .
لقد تطلع روسو إلى عقيدة بسيطة، تجمع بين العقل والوجدان، وتضمن للمجتمع الاتساق والوحدة والتماسك.
(املأ قلبك باستمرار ،يا ولدي ،بالشوق إلى الرب ،فلن يخامرك أبدا الشك في وجوده .تذكر ،فوق هذا ومهما يكن الرأي الذي تنحاز إليه في النهاية ، أن الواجبات الصحيحة التي يفرضها الدين مستقلة عن المؤسسات البشرية ،أن القلب الصادق هو معبد الرب الحقيقي ،أن عصارة الشريعة ،في كل بلد وفي كل ملة ،هي أن تحب الخالق فوق كل مخلوق ، وأن تحب أخاك كما تحب نفسك ،وأن الدين لا يعفي في أي حال من واجبات الأخلاق ، أن هذه هي أهم ما في الأمر كله ، أن العبادة بالقلب هي أول تلك الواجبات ،وأن لا فضيلة حقة أبدا دون إيمان .) -14-
ويختلف التنوير الفرنسي، بالقطع ، عن التنوير الألماني ، النزاع إلى عقلنة نسبية للموروث الروحي –الأخلاقي والديني .
(ما التنوير ؟إنه خروج الإنسان من وضع الحجر الذي هو نفسه مسؤول عنه .وهذا الحجر يعني عجز الإنسان عن استعمال عقله دون وصاية غيره .فالإنسان مسؤول ذاتيا عن هذا الوضع ، والسبب في ذلك لا يعود إلى قصور في عقله ،ولكن إلى قصور في اتخاذ القرار وإلى افتقاد الشجاعة في استعمال هذا العقل دون اللجوء إلى الغير ."لتجرأ على المعرفة ، ولتكن لديك الشجاعة على إعمال عقلك الخاص":ذلك هو شعار التنوير .) -15-
2-طي صفحة التنوير بعد انتصار الوضعانية والتاريخانية وعدم تعميق المقاربة الأنوارية للنصوص المرجعية وأطر العقل الديني ؛فمما لا شك فيه ،أن أوروبا ،استغرقت في بناء الطوباويات الثورية ( التاريخانية و الماركسية )، بعد الثورة الفرنسية ، أكثر ما اعتنت باستكشاف خفايا العقل اللاهوتي ، الغربي و الطرفي .
3-عدم تعميم المنهجية التنويرية والاكتفاء بالتجميع والتحقيق والرصد الوصفي والجمع الكمي لنصوص ووثائق ومدونات وتحف الآخر. وكما كان التجلي السياسي للأنوار عالميا، كان من الأولى أن تكون حاضنتها الفكرية والنظرية عالمية كذلك.
4-تفاقم الخيبة الناتجة عن استعصاء الوعي الاشتراكي –الماركسي عن التحقق ،بعد ثورة مدوية (ثورة أكتوبر) و حشد وشحن المتخيل الشعبي ،شرقا وغربا .لقد استفحل الفراغ الوجودي الناتج عن تناقضات الأنوار المنسية ،فكريا ،بعد نسخها جدليا ( الماركسية ) وتعثر الماركسية بسبب افتقارها إلى نظرية مدققة في الثقافة والسلطة تدعم نظريتها المدققة في الاقتصاد -علاوة على اعتبارات سياسية و جيو –سياسية وتدبيرية -و تمخض الامتلاء الدلالي –المعنوي عن فراغ فادح ، بعد تذويب الطوبى في التاريخ وبأدوات التاريخ.(تفكك المنظومة الاشتراكية و الماركسية بما هي جسد نظري وقواعد سياسية وآليات تدبيرية. ) .ومن مفارقات الفكر الغربي ، أن الماركسية ، اجتافت التنوير الروسوي ( نقد الملكية الخاصة و الاغتراب والإرادة العامة) والفولتيري (الإيمان بالتقدم التاريخي وربط الفكر بالعلم والاقتصاد والإبداع) ،ومنحتهما أبعادا طوباوية وأقصت التنوير الميلي (الاغتراب الديني ) بدعوى الاعتناء الحصري بنقد الأرض والإيديولوجيات الأرضية. ومن المعلوم أن التنوير الروسوي والفولتيري ، يشتركان في تمسكهما بالممكن التاريخي و رفضهما للطوباويات والنزعات المثالية، وأن الاكتفاء بالاغتراب السياسي –الاقتصادي لم يساعد الأنظمة الماركسية على معرفة الظاهرة الدينية والتعامل مع مدبري المقدس ولا سيما في لحظات التحول الثقافي –الحضاري الكبير .
-2نقد كونية الأنوار :
تم التعويل على العقل والعصر الأنواريين من أجل توليد نزعة إنسانية كونية حسب أركون. ورغم التعويل على النزوع الإنساني الكوني من أجل توليد التقدم البشري، فإن التجربة الكولونيالية، كشفت في نظره، عن محدودية هذا العقل وارتهانه بسياقه الثقافي –الحضاري المخصوص.
(...ثبت عن طريق التجربة العملية أن هذا العقل [العقل الأنواري ] محدود على الرغم من عظمته وليس كونيا. والدليل على محدوديته هو أنه استبعد من ساحته مختلف الشعوب والثقافات الأخرى غير الأوروبية. فلو كان كونيا كما زعم أصحابه لما استبعد الثقافات الأخرى وحاول تهميشها، ولكان دافع عن الإنسان في كل مكان وبالدرجة نفسها.) –-16
هل ينفي الارتكاز على الثقافة الأرقى، البعد الإنساني الكوني؟ألا تبدأ الكوننة ، بالعمل النقدي والاستشكال الفكري ،لفكر الآخر وفحص مكوناته الثقافية و الاجتماعية ؟ألا تنشغل الثقافات الغربية ،بمعرفة الآخر واستقصاء إمكاناته الثقافية و التاريخية ،وباكتشاف أبعاد وموروثات مهمشة ومحجوبة عن الوعي الوطني الطرفي أحيانا ( اكتشاف حجر رشيد في 1799 و فك رموز الكتابة المسمارية وإنجاز دراسات إثنوغرافية و إثنولوجية و أنثروبولوجية حول بلدان شمال إفريقيا و الشرق الأوسط والصين والهند.... إلخ) ؟ألا يؤثر التفاوت الثقافي بين المراكز والأطراف في العلائق بينهما ويحول دون قيام علائق أكثر توازنا واتساقا وإنسانية بينهما؟كيف نسوغ اعتناء الغرب بثقافات وتواريخ ،يرفض وارثوها التاريخيين الاعتناء بها ،بدعوى مخالفتها لمعاييرها وضوابطها القيمية والأخلاقية الراهنة ؟ألا توفر الكتابات الإثنوغرافية و الأنثروبولوجية و الإثنولوجية والأركيولوجية الغربية ، مواد و إفادات وتحاليل ونظريات ، لا محيص عن استحضارها ، في التفاعل مع كثير من الثقافات الطرفية( تاريخ مصر الفرعونية و تاريخ شمال إفريقيا في العصر البونيقي و الروماني وتاريخ العراق في العصور القديمة مثلا) ؟
لا يمكن إنكار محدودية الأنوار، إلا أن تأكيد هذه المحدودية الراجعة إلى اعتبارات معرفية وتقنية و سياسية و تاريخية وحضارية، لا يلغي نوعية المساهمة الحضارية الأنوارية من جهة و إمكان تطوير وتثوير الفكر والبنى الأنوارية من جهة أخرى .
تميزت الأنوار الفولتيرية بخاصة ، بحذرها وتحوطها ،وإدراكها العميق ،لتعقيدات المسارات التاريخية و الحضارية .ولذلك ركزت على الربط بين تحصيل المعارف المختلفة وتداولها وتوظيف كل الوسائل والقنوات التواصلية المتاحة من جهة والتركيز على العمل الميداني والتدرج في الممارسة السياسية وفي العمل التاريخي –الحضاري التحويلي من جهة ثانية.
أقرت الأنوار الفولتيرية بإمكان الترقي والتحسن والتأنسن ،إلا أنها انتقدت بحزم اهتيامات النظريات الطوباوية و مزاعم الأنساق الفلسفية .انتصر فولتير لعقلانية أدائية ،تحذر من التأكيدات الجازمة و الكلية والإحكام ،وتركز على التحسن الجزئي والقطاعي .
هل يمكن أنسنة عالم مشبع بالفوارق والاختلافات والتفاوتات السياسية والاجتماعية و التاريخية و الحضارية ؟ألم ينحز فولتير إلى الممكن المعرفي والتاريخي القائم ،فيما انحازت الاشتراكيات الطوباوية والماركسية ، إلى مثالات أثبت التاريخ صعوبة تحقيقها عمليا ؟
لقد رفض فولتير، الخطابات المشبعة بالطوبى والمثالات السياسية و الثقافية والحضارية، وشك في نجاعة الأنساق الفكرية والفلسفية والأخلاقية ،ورفض التفاؤل الفلسفي ،وأكد على الصعوبات التاريخية الملازمة لعلائق الأنا بالآخر ( كنديد أو التفاؤل ).لقد لامس مفكرو التنوير التراجيدي ( روسو وفولتيرو ديدرو )،وحاربوا التفاؤل الطوباوي ،وإن أقروا بإمكان الترقي الإنساني .
كان عصر الأنوار مجرد مسار فكري أول، كان من المفترض استكمال نواقصه، وإحكام ما ينقصه الإحكام و الاتساق والوثوق من أفكاره و أنساقه ومفاهيمه، واستفراغ الجهد في استكشاف الأفكار والأنساق الطرفية ،في سياق مشروع موسوعي يروم الشمول و التدقيق و التوسع في الرصد والمقارنة و نقد إبدالات الآخر من منظور العقل والتاريخ الكوني .إلا أن الفكرية الأنوارية ، سرعان ما جرفتها الإيديولوجيات الثورية ولاسيما الماركسية ،وتحولات تاريخ هادر ، وحروب الإبدالات والأنساق والفكريات ؛فصارت علامة من علامات الماضي المنقود ، بدعوى انطوائه على بذرة العطب التاريخي والأنطولوجي .
3-أركون والتحرير المزدوج :
يطالب أركون بتحرر مزدوج مكمل لنقد مزدوج للتركيبات الأسطورية –التاريخية للاعتقاد القروسطي والمسلمات المثالية للأنوار الأولى .وكما ينادي بنقد العقل اللاهوتي وفك الارتباط بمصادراته ،فإنه يتجاوز انغلاق مسلمات الأنوار .لا تسلم الأنوار ،من مسلمات ومصادرات وقبليات قابلة للاستشكال والتجاوز،ومن نزوع إلى القطعية والوثوقية ،تجاوزته فلسفات الشك،في نظره .
(أولا ينبغي أن نتحرر من كل الانغلاقات العقائدية الدوغمائية التي أورثتنا إياها التراثات الدينية المسجونة داخل التركيبات الأسطورية-التاريخية للاعتقاد الإيماني إبان القرون الوسطى.وفي ذات الوقت ينبغي أن نتجاوز السياج الدوغمائي المغلق والمسلمات المثالية للأنوار الأولى السابقة على فلسفة الشك (أي فلسفة ماركس ونيتشه وفرويد).) -17-
إن موقف أركون من الأنوار إشكالي ،مما يستدعي بعض التدقيق في النظر والاستهداف ،وإعادة فحص ما بدا مسلما بعد طول استغراق في نقد العقل الأداتي وتحميل الفكر الأنواري مسؤولية كل انزلاقات واختلالات التجربة التاريخية –الحضارية الغربية منذ الثورة الفرنسية.
1-كان نقد العقل الأداتي والأنوار القاسم المشترك بين مدرسة فرانكفورت (هوركهايمر وأدورنو وماركيوز ... إلخ) وبين مابعد الحداثة (فوكو ودولوز ودريدا..).و يرتكز النقد المقدم ،في هذا السياق ، على الكشف عن وثوقية الأنوار وانغلاقها وتفاؤلها ونزوعها إلى التقدم الخطي والحتمية ذات المسحة المسيحانية –الألفية.ليست الأنوار،من هذا المنظور،إلا لاهوتا مقنعا،أو مسارا نقديا غير مكتمل وسيرورة استشكال معاقة ،وتركيبا غير محكم نظريا ومنهجيا لمركبات مستوحاة من أكثر من سجل معرفي .وبدلا من أن تحرر الإنسان من العوائق النظرية ومن الحوائل العملية الحائلة دون تحرره ،فإنها أغرقته في معمعة تاريخ منذور رغم كل المثبطات والمعوقات للتقدم والسعادة والاكتمال الإنساني !.
كان الوعي الغربي ،محتاجا إلى فهم ما جرى، وإلى إدراك مآسي القرن العشرين وعنفه البنيوي المدمر للتاريخ ومنشآته ،والإنسان وكرامته ،والحضارة ومآثرها؛ وبما أن نقد الأنوار يندرج في سياق هذا الفهم ،وفي سياق تطوير فلسفات الشك ،فإنه لا يسلم من الاستشكال مبدئيا ونظريا،ومن المساءلة ،راهنا ، عما ترتب عنه ، معرفيا وتاريخيا وحضاريا. كان من اللازم، معرفيا، التنقيب عن مسوغات نقد الأنوار،وعن حيثيات بلورته وصياغته وتعميمه ،فكريا وتربويا وإعلاميا وسياسيا.
2-إن قراءة فلسفات الشك لفكر الأنوار،مركبة ؛إذ جمعت في الغالب بين التمثل والتشرب والاجتياف والتجاوز.( موقف ماركس من إرث روسو وفولتير و موقف نيتشه من فولتير مثلا).والحال أن نقاد الأنوار المعاصرين يميلون إلى التجاوز ويغفلون التمثل والتطبع والاجتياف.
3-حرص نقاد الأنوار على عد أعطاب الحداثة، وربط مآسي القرن العشرين (نشير هنا إلى الحربين العالميتين والحروب الكولونيالية والمهابدات الجماعية بأوروبا.. إلخ)،بأداتية ونفعية ووسيلية العقل الأنواري؛ كان من المطلوب،تحرير الفكر من النسقية ومن الوثوق والإحكام ،والفكر من الصرامة البرهانية و الاستدلالية ،والتاريخ من الحتمية والخطية والنزعات الألفية ،والوجدان من الوعي الطبقي أو الوطني ،والفرد من البعد الواحد أو من الهوية الثقافية ،وتحقيق المصالحة بين الفكر النظري المتشظي و بين الفكر البري.
لم ينبر نقاد الأنوار لإنجاز مقارنات واسعة، واكتفوا في معرض الانبهار بلانسقية فكر الآخر وسردياته وعروضه وفرجاته بالبحث عن مواد للاستلهام ( الفكر التاوي أو الياباني أو المسرح الهندي أوالمكسيكي أوالموسيقى الإفريقية ) وتأكيد الفروض النظرية( الفكر البري ) و الإعجاب بالتجارب المدهشة ،جماليا( التمثيل والرقص الهندي والياباني مثلا).
وكان إيثار الغيرية (مواقف سارتر وفوكو ودولوز من المهاجرين مثلا)،من علامات التميز والتمايز عن المركزية الغربية المنقودة .كان من الممكن إغناء الفكر النقدي ،آنذاك ، عن طريق توسيع نطاق المقارنة ، ليشمل التاريخ والفكر الوسيط وتاريخ وفكر وأرثوذوكسيات الأطراف .نسي نقاد الأنوار أن مشروعها مشروع لم يكتمل ،وأن التثوير المعلن في الأطراف ( الثورة الإيرانية مثلا)،لن يتحقق طالما افتقر إلى ممهدات ومقدمات و حوامل اجتماعية قادرة على إنجاحه.
ومن مفارقات التفكيك ومابعد الحداثة،الانفتاح نظريا على الغير ،والانحصار ،عمليا ، في إشكاليات وقضايا الفكر الأوروبي .مما يعني أن غياب المعرفة النسقية بالآخر ، حقيقة مسلمة وراسخة .
(وذلك لأن الفلاسفة الأكثر جرأة وتقدما في نقدهم للعقلانية المركزية الأوروبية كفوكو ودريدا وغيرهما يبقون منغلقين داخل جدران التراث الفكري الأوروبي .وأنهم لا يخرجون أبدا من سياج هذا التراث.) -18-
4-اكتفى مفكرو التفكيك والاختلاف والبنيوية بقراءات جزئية لفلسفات الشك ( ماركس ونيتشه وفرويد )، ومعالجات تجزيئية أو تجريبية باحثة عن تأكيد فرضيات نظرية أو منهجية مسبقة منفصلة عن المحتوى الكلي للمتن المقروء .ومن اللافت للنظر ،هنا ، التأكيد البعدي على علمية فكر ماركس كما في أعمال لويس التوسير ،وعلى منظورية وتأويلية نيتشه كما في أعمال جيل دولوز.علما أن فكر ماركس وثيق الصلة بالفكر الفلسفي والاجتماعي والتاريخي (كانط وهيجل والأنوار)،وأن فكر نيتشه مهجوس بنقد اللاهوت ، فكرا ومؤسسات وقيما.
ومن هنا، كان من المطلوب ،إعادة استكشاف نقاط تمفصل وارتباط فلسفات الشك بالأنوار ،وتسليط الضوء من جديد على الإمكانيات النقدية الكبرى لمتونها.ومن الطريف أن يصير راهنيا ( معالجة ماركس للإيديولوجيا الألمانية وعلاقته بكنط وهيجل وفيورباخ ونقد نيتشه للأخلاق والمسيحية )ما اعتبر تاريخيا ،موضوعا عرضيا لا يملك أهمية نقد الرأسمال والرأسمالية والأفلاطونية والديكارتية و النسقية الكانطية .
VII-تركيب :
تتصادى رؤية أركون للأنوار مع نقد التفكيك وما بعد الحداثة للمنجز الأنواري .والحقيقة ،أن ما بعد الحداثة ،قدمت قراءة مخصوصة وتاريخية راهنا ، لتراث ومنظورات الأنوار ،ذات الطابع البرنامجي في الغالب .لقد وسمت الأنوار ،بالوثوقية و الأحادية والعقلانية الفجة ، والحال أنها منفتحة ومتعددة المسارات و التوجهات والحساسيات .
لا يمكن ،في اعتبارنا ،استشكال المنجز الأنواري ، الفكري والنظري والإبستيمولوجي والإبداعي ، أو العملي ، السياسي والاقتصادي ، دون اعتبار ما يلي :
- تعددية التيارات والحساسيات الأنوارية ؛
- الطابع البرنامجي للتصورات والتوجهات الأنوارية ؛
- تفاعل التيارات الأنوارية المعقد مع الموروث المسيحي من جهة ومع الثورات العلمية و التقنية والصناعية والسياسية المتلاحقة في الغرب منذ القرن السادس عشر من جهة أخرى (الثورة الصناعية والمخاضات البورجوازية ) ؛
- التوظيف البعدي البراغماتي للتراث الأنواري(توظيف نظريات روسو السياسية مثلا) بعد الثورة الفرنسية بخاصة ؛
- اعتماد منظورات نقدية مركبة في النقد والتقييم ؛ونشير هنا إلى ضرورة اعتماد فلسفة الحضارة و فلسفة التاريخ والأنثروبولوجيا الثقافية في القراءة والتقييم .
يركز محمد أركون على منظور مابعد حداثي من جهة و منظور طرفي أخلاقي من جهة أخرى ، في تقييم الأنوار الغربية ومفاعيلها في مضامير الفكر والسياسية و الاقتصاد و العلاقات الدولية. ومما لا شك فيه ،أن التعويل على قراءات خاصة مرتبطة بتطورات الفكر الغربي ومخاضات المجتمعات الغربية بعد الحروب القومية و الدولية واستشراء أدواء الشك والنسبية بعد توالي الانقلابات العلمية والتقنية ،لا يساعد كثيرا على سبر خصائص الموصوف.
والواقع ،أن الفكر الأنواري معقد ومتعدد الحساسيات والتيارات ؛والحال أن أركون يركز على نقدانية الأنوار ،وعلمانية منظوراتها و معالجتها للظاهرة الدينية والمقدس ،رغم إمكان الحديث عن "أنوار ثورية " وأنوار توفيقية " و "أنوار ناقصة ".
(فعلا ،لقد كان كانط مقتنعا أنه أدى خدمة جليلة للدين الرسمي ،أفضل مما قدمه التبحر الفيلولوجي التاريخي لأصحاب اللاهوت العالم ،أعني إثباته توافق المسيحية مع أنقى أصناف الإيمان الأخلاقي للعقل العملي .بل إنه ادعى لنفسه الأحقية في إحياء المسيحية "التي كثيرا ما أصابها الضمور ، وفقط لأجل هذا يمكن أن يعاد إقامتها مرة أخرى في خطوب من هذا القبيل ".والمسيحية بالنسبة إلى كانط هي البروتستانتية .) -19-


الهوامش :
-1محمد أركون ،الهوامل والشوامل –حول الإسلام المعاصر ،ترجمة وتقديم :هاشم صالح ،دار الطليعة –بيروت ، الطبعة الأولى 2010،ص.73.
-2محمد بن عثمان المكناسي ، البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر ، دراسة وتحقيق : مليكة الزاهدي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية ، الطبعة الأولى 2005،ص,162.
-3 محمد أركون ،الإسلام ، أوروبا ،الغرب – رهانات المعنى وإرادات الهيمنة ، ترجمة وإسهام : هاشم صالح ،دار الساقي ،بيروت-لبنان ، الطبعة الأولى 1995،ص.59..
-4محمد أركون ، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية ،ترجمة وتقديم : هاشم صالح ،دار الساقي ، بيروت ،لبنان ، الطبعة الأولى 2011،ص.328.
-5إيمانويل كانط،ما التنوير ؟،ترجمة : مصطفى لعريصة،مقدمات ، العدد 31، خريف 2004،ص.13.
-6أحمد بن خالد الناصري ، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ، منشورات وزارة الثقافة والاتصال ، الرباط ، المغرب ، 2001،الجزء الثامن ،ص.130.
-7محمد أركون ، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية ،ترجمة وتقديم : هاشم صالح ،ص.337.
-8 محمد أركون ، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية ،ترجمة وتقديم : هاشم صالح ، ،ص.391.
-9محمد أركون ، القرآن -من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، دار الطليعة ـ بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 2001،ص.6.
-10 محمد أركون ، القرآن -من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ،ص.6.
-11محمد أركون ،تحرير الوعي الإسلامي –نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة ،ترجمة وتقديم :هاشم صالح ،دار الطليعة ،بيروت ،لبنان ،الطبعة الأولى 2011،ص.245-246.
-12محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل –نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، دار الساقي ،بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1999،ص.228.
-13محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل –نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ،ص.316.
-14جان-جاك روسو ،دين الفطرة ، ترجمة : عبد الله العروي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ،بيروت ، الطبعة الثانية 2012،ص،128
-15 إيمانويل كانط،ما التنوير ؟،ترجمة : مصطفى لعريصة،مقدمات ،ص.10.
-16 محمد أركون ،قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ ،ترجمة وتعليق : هاشم صالح، دار الطليعة ،بيروت ، الطبعة الثانية 2000.،ص،323.
-17محمد أركون ،نحو نقد العقل الإسلامي ، ترجمة وتقديم : هاشم صالح ،دار الطليعة ،بيروت ،لبنان ،الطبعة الأولى 2009،ص.300.
-18 محمد أركون ، الفكر الإسلامي-نقد واجتهاد ،ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، دار الساقي ،بيروت ،لبنان ،الطبعة الأولى 1990،ص.258.
-19محمد المزوغي ،عمانويل كانط –الدين في حدود العقل أو التنوير الناقص ، دار الساقي بالاشتراك مع : رابطة العقلانيين العرب ، الطبعة الأولى 2007،ص.138.




إبراهيم أزروال
أكادير –المغرب



#ابراهيم_ازروال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أركون والعلمانية الغربية
- محمد أركون ونقد الاستشراق.
- مستقبل الديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي – (الجزء الثاني)
- مستقبل الديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي – (الجزء الأول)
- مفاهيم وفضائل وعلامات كونفوشيوسية
- مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
- مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي
- هادي العلوي و التاوية
- وعود وحدود التنوير الفرنسي
- في الاستغراب والاستغراب المعكوس
- جذور و أهداف علم الاستغراب عند حسن حنفي
- الرواية ورهانات الكينونة
- لوك فيري ونيتشه
- حسن حنفي ونقد الاستشراق
- استجلاء الوعي في سينما المخرج محمد خان
- المعالجة الدرامية لقصة -أهل القمة- لنجيب محفوظ
- المعالجة الدرامية لقصة -الحب فوق هضبة الهرم - لنجيب محفوظ
- هادي العلوي والفكر الهندي
- التجديد اللغوي في - المعجم العربي الجديد - لهادي العلوي
- ورطات العلائق في فيلم -أربعاء الألعاب النارية - لأصغر فرهادي


المزيد.....




- روبيو يحث روسيا على كشف مزيد من التفاصيل بشأن وفاة غامضة لمو ...
- أمير قطر يلتقي وزير الداخلية الإيراني.. وهذا ما بحثاه
- انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسا لمجلس النواب الليبي ...
- الذكاء الاصطناعي لإدارة الأجهزة المنزلية
- لماذا أثار قرار السعودية بتصحيح أوضاع اليمنيين في البلاد تفا ...
- الحوثيون ينفون خسارة -مكتسباتهم الميدانية-.. والقوات الحكومي ...
- إسرائيل ترفع حالة التأهب إلى أقصى درجة عشية ذكرى 7 أكتوبر.. ...
- -الأجواء السعودية أصبحت مسرحًا لعملياتنا-.. الحوثيون يعلنون ...
- -دعوهم يدمرون لوس أنجلوس وسان دييغو-.. تصريح صادم لترامب عن ...
- تطورات جديدة في مفاوضات واشنطن وطهران.. -الاتصالات لم تنقطع- ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ابراهيم ازروال - محمد أركون ونقد الأنوار.