|
|
هادي العلوي و التاوية
ابراهيم ازروال
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 18:48
المحور:
قضايا ثقافية
بقلم : إبراهيم أزروال
لا بد في نظر هادي العلوي، من التحرر من التاريخ الغربي المشبع بنزعة مركزية ظاهرة، والانفتاح على الفكر الشرقي ولا سيما الفكر الصيني. كانت للفكر الصيني، مساهمات ثرية، في تاريخ الاستذهان البشري، لا مناص ، من معرفتها وإظهار خصائصها الفكرية ،ومقارنتها بالمساهمات الفكرية الغربية و الإسلامية البارزة ،واستجلاء الرؤية الحضارية المضمنة فيها . للانفلات من غربنة أو تغريب الوعي، لا مندوحة، في نظره، عن تمثل الثقافة الحديثة وهي ذات منشأ غربي ، واستيحاء الثقافة العربية -الإسلامية ، ولا سيما إنجازاتها في مضمار القيم والمعايير اللقاحية والمشاعية والعرفانية ،والثقافة الصينية ،في غرارها التاوي تخصيصا . وأيا كانت الفوارق الثقافية والحضارية، والتمايزات السياسية والتاريخية بين الحضارات الأوراسية ، فثمة مشتركات ومؤتلفات حضارية، لا يمكن في اعتباره، إغفالها في ظل الارتهان بالفكر الغربي الحديث. ولئن أغفل الفلسفة الصينية، في تناوله الأول لنظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي، فإنه أغنى معالجته لفكر الملا صدرا الشيرازي، بالإحالة على الفكر الصيني واستيحائه وتطوير رؤيته لخصائص نظرية الحركة الجوهرية. (وهو إدراج الفلسفة الصينية في المقارنات إلى جانب الفلسفة اليونانية والحديثة. وكان ذلك نقصا في الطبعة الأولى سببه جهل المؤلف بهذه الفلسفة التي تشغل مسافة من تاريخ الاستذهان البشري تمتد ما بين القرن السابع قبل الميلاد حتى أوائل القرن العشرين، وهو جهل ناتج من تلمذتنا لعلم التاريخ الغربي.) - 1- 1-فكر لاوتسه : كان من الطبيعي، أن يعتني هادي العلوي، بفكر لاوتسه ،المؤسس الأول للفكر والاستذهان التاويين. أرسى لاوتسه مداميك التاوية ،باعتبارها فلسفة روحية ،تصل الإنسان بالطبيعة و تربطه باجتماع بسيط بعيد عن التعقيدات و الكماليات و الرفاهية الملازمة للتمدن .ولا يمكن مقاربة فكر لاو تسه ،دون مقارنته بفكر معاصره :كونفوشيوس والفكر اليوناني ،المتراوح بين البيان والبرهان ،على التخصيص . يتفرد فكر لاوتسه ،بالتعقيد بالقياس إلى أفكار كونفوشيوس ،والفكر الإغريقي السابق لأفلاطون . (وأفكار لاوتسه كما وردت في كتابه متقدمة على فكر كونفشيوس .بل هي متقدمة على فلسفة طاليس ولا مجال للمقارنة في الواقع بين بساطة فكر طاليس وأفكار لاوتسه المعقدة .والمكتوبة بلغة لم يعرفها الإغريق إلا في زمن أفلاطون .) -2- تجمع نصوص لاوتسه بين الترميز الأدبي والرهافة الفكرية والتقشف الحكمي. ومن هنا، فهي منفتحة الدلالات والمعاني ودقيقة الإشارات والإقرارات ومتقنة الاستدلال. وهي تتفوق، رمزيا وحكميا، في نظره، على لغة ورؤى الملاحم الأوراسية الكبرى : جلجامش والإلياذة . (الألطف في الوجود. يغلب الأغلظ في الوجود. ما هو بدون هيولى يمكنه النفاذ إلى اللامكان . ولذلك فأنا أعرف قيمة اللافعل . التعليم بدون كلمات، والعمل بدون فعل. لا يفهمه إلا القليل جدا من الناس.) –3- إن الحكيم التاوي، مشغول بتوليد الحقائق، من خلال الربط بين الحدس القوي والتأمل الدقيق والرهافة التعبيرية الكاشفة للمخبوء والمغطى والمنسي والمجهول. يقوده التناغم الكلي مع الطبيعة والكون، إلى النظر الشفيف، والنأي عن الفعل القسري، القائم على مخالفة السنن والمواضعات الطبيعية واصطناع نظريات نفعية ظرفية وعابرة. وقد اعتبر هادي العلوي لاو تسه أول الأبدال أو الأوتاد في التاريخ، ورائدا من رواد الفكر المشاعي ،في " مدارات صوفية ." -2 سمات التاو : والتاو هو القوة السارية في الموجودات وهو المبدأ والمآل، في نظر لاو تسه ومريديه أو القانون الطبيعي أو القوام الذاتي للأشياء .وهو كذلك ،جوهر و محرك الأشياء .و بهذا الاعتبار يكون التاو ، حسب هادي العلوي ، مقابلا ممكنا : للعقل الأول أو للمحرك الأول ،في الفلسفة الإسلامية . وللكشف عن فحوى التاو ،يقارن فكر لا وتسه بفكر أرسطو وفكر صدر الدين الشيرازي .لا تتجلى ، خصائص الفكر التاوي ، في منظور صاحب "المستطرف الصيني "، إلا بعقد مقارنات مستمرة ومتعمقة ، بينه وبين الفكر الإغريقي والفكر الفلسفي العربي - الإسلامي . (وهو مطلق لا بمعنى أنه ثابت كجوهر أرسطو بل هو أقرب إلى أن يكون القوة السارية في الموجودات والتي سيتحدث عنها صدر الدين الشيرازي بعده بأكثر من ألفين سنة.) -4- تميزت تصورات لا وتسه حول نشأة الكون ، في نظر هادي العلوي ، بمنطقها الديالكتيكي ،المساعد على الجمع بين الأضداد. ويحاول هادي العلوي، أن يبرز فحوى التاو ،من خلال عرض المقاربات التاوية المختلفة له ، و استحضار المفاهيم والتصورات الفلسفية اليونانية أو الإسلامية القريبة منه ، أو استعراض التصورات الفلسفية أو العرفانية المشابهة له .ومن الطبيعي ،أن يقارن التاو ،بالحركة الجوهرية عند الملا صدرا الشيرازي ووحدة الوجود عند محيى الدين بن عربي . (ويستند لاوتسه في نشكونياته إلى منطق ديالكتيكي سهل عليه الجمع بين الأضداد وأغناه عن الولوج في عالم الماهيات المتصالبة. فالأزلية لا تستدعي عدم الحركة بل لعلنا نجدها في شرط المتحرك الذي يستمد خلوده من استمرار تحركه.) –5- ينفي الحكيم التاوي ،في غمرة تأمله للتاو في الطبيعة المصادفة ،ويقر بالانتظام والاتساق والضرورة . (...إنها[التاوية] لا تقول بالصدفة، إن إحساس الحكيم التاوي بحكمة الوجود واتساقه وانتظامه، مرهف جدا ، ومن هنا كان التاويون أقدم من استبصر الضرورة في العالم وأقدم من قال بالترابط بين الأشياء وقنون تحولاتها كما قنن حدودها وفاعليتها .)-6- إن كل مظاهر الكون تصدر، من منظور تاوي ، عن التاو ،وهي مترابطة ومتواشجة ؛فالإنسان متصل بالأرض والأرض تابعة للسماء ،و السماء منقادة للتاو. (الإنسان يتبع الأرض. الأرض تتبع السماء. السماء تتبع التاو . والتاو تتبع ما هو طبيعي.) -7- والتاو هو الفراغ أو اللاوجود؛ ورغم فراغه فهو مصدر هيولى الوجود .ولا يحقق الإنسان التناغم مع التاو ، دون إفراغ النفس أو الخروج القصدي من الإنية والفعل من خلال اللافعل ،والكدح من خلال اللاجهد . (التاو إناء فارغ، يستعمل دون أن يملأ. مصدر لا يسبر لعشرة آلاف شيء. ينثلم فيه الحاد. وتنفك العقدة. ويتلطف البريق. وينغمس بالغبار. مخبوء بعيدا ولكن حاضر أبدا. لا أدري من أين جاء. إنه سلف الأباطرة.) -8- ولا تقل لغة كتاب تشانغ تسه، تركيبا عن لغة لاوتسه في كتاب التاو ؛فالتاو ،حسب الفصل السادس من كتابه، هو فوق السمت دون أن يكون عاليا ، وهو في أوطأ مكان دون أن يكون واطئا. (ليس عاليا مع أنه في السمت، ولا واطئا مع أنه في الحضيض. ورغم سبقه للسماوات والأرض فهو قديم. ورغم أنه أقدم من كل الحكماء فهو غير قديم. حصله شي وي[نجم] فعادل به السماوات والأرض. وحصله فو شي [نجم]فتوغل في أصل المادة وحصله الدب الأكبر فلم ينحرف عن مداره قط.) -9- كانت الحدوس التاوية ،عن التاو بما هو مبدأ ضمني عامل من داخل ظواهر الكون ،موحية وملهمة ،لا سيما إن قرئت في ضوء الفيزياء الكونية . (شيء ما تشكل في السر. ولد قبل السماوات والأرض. في الصمت والخلاء. أحديا لا متغيرا. حاضرا أبدا ومتحركا أبدا. قد يكون هو الأم للعشرة آلاف شيء. أنا لا أعرف اسمه. لكني أسميه التاو .) -10- إن التاو قريب من لوغوس فيلون الإسكندري اليهودي، ويشبه حسب هادي العلوي ، عقل أفلوطين الأول .وأيا كانت هذه التشابهات ،تتميز التاوية ،خلافا للأفلاطونية الجديدة وفلاسفة الإشراق المسلمين ،باعتنائها باستقرار التاو في صميم الكون . إن التاو (..هو الخميرة الفاعلة في الكون من داخله ،والنظام الضمني الذي يدفع صيرورة عمليات الطبيعة .) -11- -3 خلال الحكيم التاوي : إن للحكيم التاوي خصائص وصفات وخلال، تميزه عن الحكيم الكونفوشيوسي، المرتبط بالمواضعات والملابسات الاجتماعية والسياسية. ينأى الحكيم التاوي عن العواطف المتأججة و المتوقدة، ويفضل الانعزال والغفلية واتباع اللاجهد واللافعل . (الحكيم يمنح نفسه البقاء :أمان .سلام .عقل .كبت العواطف كلها .الامتناع عن كل ما ينهكنا ويمزقنا .اختيار العزلة والخمول ( عدم الشهرة ).وإذا سحب بالإكراه من عزلته إلى الإدارة فهو يحكم ويدبر تبعا لنفس المبادئ دون إرهاق ذهنه .)-12- يتوخى الحكيم التاوي التناغم والتساوق مع الكون ومع المجتمع، بدون تصطنع وتمحل ومضاعفة الجهد وتبذير الطاقة والكوامن. لا يسعى الحكيم إلى تكثير الجهد والتفاعل مع المسارات الاجتماعية والثقافية، القائمة على تصيير الإنسان كائنا وسيليا ،مهذبا و مكلفا بالنهوض بأعباء لا تتسق مع تركيبته الطبيعية . (فالحاكم التاوي يفعل من خلال اللافعل ،ويترك الأمور تسير في المجتمع سيرها في حياة الطبيعة .فإذا اتخذ كل شخص في المجتمع مساره التلقائي الطبيعي دون تلقين أو قسر أو إكراه ،ساد التناغم في المجتمع مثلما يسود التناغم في الكون .) -13- يبرز هادي العلوي، علاوة على حكيمية الحكماء التاويين وتأملاتهم الفكرية الجامعة بين دقة الحدوس و رهافة المقارنات وحصافة التعليلات، مواقفهم الاجتماعية، الميالة إلى النأي عن التملك والاحتجان والهيمنة والطقوس المفرطة والترف والبهرجة. (يقول الكنافشة أن السماء خلقت الناس ونصبت النبلاء فوقهم. ولكن لماذا ينبغي إقحام السماء المتلألئة في القضية؟ ولماذا يجب عليها إصدار مثل هذه التعليمات؟)-14- ينأى الحكيم ، في غمرة تروحنه ،عن الأثرة والتنرجس ،والارتهان بقرارات وميولات وهواجس الآخرين .فهو ينحاز إلى الفضيلة ،بصرف النظر عن أفعال ومواقف ونزعات السوى . (الحكيم لا تعنيه خاصة نفسه. بل هموم الآخرين. أنا خير مع الأخيار. وخير مع غير الأخيار. لأن ال تي[التاو المتحقق في الطبيعة وفي الإنسان ] هي الخير. لي ثقة بالأوفياء. ولي أيضا ثقة بغير الأوفياء. لأن ال تي هي الوفاء. الحكيم خشوع متضع ويبدو أمام العالمين مشوشا.) -15- لم يكتف هادي العلوي بترجمة كتاب التاو للاو تسه ،بل ترجم كذلك لتشانغ تسه. ويتضمن النص المترجم ،كلاما وسرودا و أمثولات لتشانغ تسه ،وشروحات لفيلسوف تاوي هام هو كووشيانغ ،وهوامش وتذييلات للفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الصينية والمترجم فونغ يولان .وتشانع تسه أكثر اهتماما بالانسجام مع نواميس الطبيعية ومبادئ ال تي ،و أقل احتفاء من لاوتسه ،بالتفاوتات الاجتماعية والبؤس الناتج عن السياسات الاجتماعية القهرية . (تركزت فلسفة تشوانغ تسه الاجتماعية على موضوع العودة إلى الطبيعة ،فهو أول فيلسوف طبيعاني Naturalist وفي هذا المساق عارض التوسع في الحياة الحضرية واعتبرها تكديرا لجوهر الإنسان .) -16- يتصالح التاوي مع الحياة والموت، ويندمج مع الطبيعة والكون، ويحقق السعادة الروحية، غب التحرر من الرغائب الحسية. وثمة تقارب، في نظر هادي العلوي بين التجربة العرفانية أو الروحية التاوية ، وتجارب التصوف الإسلامي القطباني. (قال تسه سو ،تسه لي ، وتسه لاي لبعضهم بعضا : من هو القادر على أن لا يجعل رأس وجوده شيئا، والحياة عموده الفقري، والموت ذيله، من هو الذي يعرف أن الموت والحياة، والوجود واللاوجود، شيء واحد. ذلك الإنسان سيكون صديقنا.) -17- ولا تزيد الاختبارات القاسية الحكيم، إلا اقتناعا بضرورة الانسجام مع مقتضيات الطبيعة، واتباع مجرى الكون ومسايرة الصيرورة. (من هنا ،فإن الحكيم هو الذي يدرك قطبية وجوده ووجود العالم ،وصيرورة الأحداث فيه ، ويرى في كل مظهر لليانغ بذرة ين تنمو في أعماقه ،وفي كل مظهر للين بذرة يانغ .) -18- قال تسه يو ،حين سأله تسه سو ،بعد مرضه : (إن من يكون رابط الجأش في الحديث الموافق، ويتبع مجرى الطبيعة، لا يحيك فيه الحزن والفرح. أولئك هم الناس الذين اعتبرهم القدماء أحرارا من القيود .. والذين لا يقدرون على فك أنفسهم يترددون في شباك الأشياء. زد عليه ان حقيقة أن الأشياء الجزئية لا تتغلب على الطبيعة، هي حقيقة معترف بها، من وقت طويل. فلماذا أنفر من حالي؟) -19- يتحرر الحكيم التاوي من مفاعيل الفرح والحزن، والصحة والسقم، حين يتبع مجرى الطبيعة، ويتجاوز الثنائيات المتنافية ويدرك وحدتها العليا، ويتحرر من أغلال العلائق وأثقال الروابط وشباك الأشياء. يسعى الحكيم التاوي إلى تحصيل الكمال والصادقية والحكيمية والتمتع بالمحبة القلبية العميقة .يمكنه تحرره من الارتهان بالأشياء والعلائق والتملك والإعجاب بالذات ،من استكمال حكيميته وقدرته على الاستبصار الشامل والابتعاد عن الكدح الفكري والعقلي والتأجج الوجداني ،المضعف ، بسبب الاستغراق في العواطف والوجدانيات ،للحكيمية و الصادقية استتباعا . (يبقى الحكيم في المؤخرة ولذلك فهو في المقدمة. ويظل منقطعا فهو مستقل، لكنه متحد مع الجميع. ومن خلال الإيثار يبلغ الحكيم الكمال.)-20- لا يكتفي الحكيم التاوي، باستكمال تحققه الروحي، بل يصر على صوغ تأملاته في منعرجات الوجود والحقائق الملتبسة غالبا ، و الكشف عن الغموض الملابس للحقائق التداولية . (خير لك أن تقتصر على القليل من الامتلاء حتى نهاية النهاية. بالغ في شحذ المدية، تنثلم حافتها حالا. كدس الذهب واليشب، فلن تقدر على حمايتها. احتجن الثورة والجاه، تقترب من الكارثة. انسحب عند إنجاز العمل.)-21- لتحقيق السلام والرضا والطمأنينة، لا مناص، من منظور التاويين ، من العودة إلى الطبيعة والتخفف من أعباء و أثقال التمدن و التحضر .إن نهج الطبيعة ، أفضل بديل ، للنهج الاصطناعي ، المنتج للتفاوتات والمنازعات و التسلط والاستئثار .ويذكرنا نقد التاويين ، بنقد روسو ،للتقدم والتمدن و المسرح البورجوازي والفنون والرفاه والاحتجان ، في القرن الثامن عشر . فمادام الإنسان أسير الرغبات والشهوات والملذات، فإنه لن يتشخصن إطلاقا. وعليه، فبدلا من القسر والضبط الشرائعيين و التهذيب البراني الكونفوشيوسي ، يقترح الحكيم التاوي ، تجفيف منابع الأثرة والتنرجس من خلال تقليل الرغبات والمطامع والاحتياجات ،وتصيير الإنسان سيد نفسه . (ما من خطيئة أعظم من الرغبة. ولا من لعنة ألعن من الجشع. ولا سوء حظ أشد من أن يريد المرء لنفسه شيئا. من هنا ، يعرف أن الكافي هو الكافي يحصل على الكفاية دوما .) -22- إن حكمة الحكيم التاوي كونية في نظر هادي العلوي، ويمكن أن تستلهم في إشاعة الوعي الحكيمي في العالم، وفي ترسيخ ما يسميه صاحب "مدارات صوفية " بالمثقفية الكونية .فما دام الحكيم التاوي ،يجمع بين رهافة الاستبصار في شؤون الطبيعة و الكون والعالم ،وبين قوة استكشاف الحقائق الجوهرية للاجتماع الإنساني ،فمن الضروري ،استيحاء آرائه في تعضيد الفكر المعاصر ،وإبعاد الإنسان المعاصر عن التغريب والتنميط والتعليلات الأحادية. -4النزعة الإنسانية التاوية : كانت محبة الإنسان والإشفاق عليه مشتركين بين التاويين و الكونفوشيوسيين ، إلا أن للتاويين ،امتياز الانكباب ، حسب هادي العلوي ، على المشكلات الاجتماعية والثقافية ، الناتجة ، عن انعدام التكافؤ ومحاباة النبلاء و تكريس وترسيخ التفاوتات و اللامساواة . لقد تفرد الفكر الصيني بنزوعه الإنساني، وميله إلى الاحتفاء بفرادة الكينونة الإنسانية. (الإنسان [حسب تزوسو] وحده هو الحقيقة كليا في عالمه البشري، الذي يقدر على صنع النسيج العظيم للحياة المتمدنة، الذي يقدر على إرساء الأسس العظيمة للمجتمع المتمدن، والذي يستطيع فهم سيرورات تغذية السماء والأرض. هل يمكن لأي متغيرية أن تحل فيه؟ ما أرسخ قلبيته الإنسانية! كم هو عسير سبر أفعاله! وكم هي غامرة مروءته الفائقة! من هو الذي يستطيع أن يتصور هذه ما لم تكن له فطنة حادة وحكمة شبيهة بالحكماء، ما لم يصل صعدا إلى القوة الروحية للسماء؟) -23- ولئن عقد هادي العلوي مقارنات متواترة بين الفكر التاوي وبين الفكر الصوفي والفكر الفلسفي الإسلامي، فإنه أغفل عقد مقارنات بين النزعة الإنسانية الصينية، وبين النزعة الإنسانية الإسلامية والأوروبية. من المؤكد أن ثمة توافقات، بين النزعات الثلاث، كان من الممكن الإبانة عن المقتضيات الفكرية والتاريخية المساعدة على بروزها وأشكال حضورها وتأثيرها في بيئات ثقافية تعرف مخاضات فكرية حادة ولا سيما في المنعطفات الحضارية. لقد أكد الفكر التاوي، فرادة الإنسان، ورسوخ قلبيته الإنسانية وفطنته، ونبل مروءته. وبينما تتغلب الأخلاق على النزعة الإنسانية في الكونفوشيوسية، وتصير القوانين المعيار المثالي للضبط والتوجيه في الشرائعية ، فإن التاوية تصر على نزوعها الإنساني وتقديرها العالي للإمكانيات الوجودية الرفيعة للإنسان . -5الطوبى التاوية : يحن التاوي إلى مجتمع بسيط ،و متجانس في ذات الآن .لا يكف التاوي ،عن نقد التفاوتات ومظاهر التسلط والهيمنة وتكريس مواقع الفئات المترفة و الطقوس المبالغ فيها والاعتلالات الاجتماعية المستفحلة. وتنبني نظرة لاوتسه في مضمار المجتمع ، حسب هادي العلوي ، على اللافعل . (العشرة آلاف شيء تصعد وتنزل بلا توقف، تبيع، ولا تملك. تشتغل، ولا تأخذ شيئا. تنجز العمل، وتنساه. وهكذا فهي تبقى إلى الأبد.) –24- إن اللافعل هو سبب الأبدية من منظور تاوي . يقصد باللافعل ،حسب فراس السواح ،إيجابية التناغم مع حركة الكون والعمل وفق النظام الطبيعي للأشياء . يحلم التاوي بما يسميه هادي العلوي بدولة البساطة، ذات الحمولة الطوباوية أو المثالية الظاهرة. (إنها إذن دولة البساطة التي تعود بالناس إلى سنة الأولين: وهم العودة إلى الحياة البدائية كما يقول مؤلفو "محيط الكلمات الصينية"،ذلك الوهم الذي يحيله[جوزيف] نيدهام إلى تصور فلسفي واع لمجتمع بدائي متجانس يحلم التاويون ببنائه على أنقاض المجتمع القائم .) -25- يروم الفيلسوف التاوي ،التوحد مع التاو ،والعودة إلى براءة الأشياء وشفافية الطبيعية ،بعيدا عن تعقيدات المجتمع الطبقي .فمهما تم الحرص على التخليق و التثقيف و التهذيب و الإخضاع لمسارات تربوية صارمة كما في المجتمع الكونفوشيوسي ،فإن الإنسان لا يتحرر من الرغبات المفرطة المسؤولة عن نرجسيته وميله إلى الاكتناز والاحتجان والاستئثار و التسلط على السوى . (ومن هنا دعوة الفيلسوف التاوي إلى التوحد مع المبدأ، نفس الصدى الذي ردده المتصوف المسلم في دعوة الفناء في الذات،وهي هنا مطلق الصين : التاو المبرأ من صفات المجتمع الطبقي المتعالى عليه والمتوغل في أغوار الطبيعة ، بعيدا عن المدنية والصنعة ، إن العودة إلى الطبيعة ، أي إلى ما قبل الطبقات ،من أجل أن يتخلص الإنسان من الرغبات المفرطة التي تقف ،تبعا لحدس التاوي ، وراء الحروب وتدفع إلى سن قوانين العقوبات ، وتحرم الناس من حقهم في الكفاف...)-26- رغم إعجاب صاحب "المستطرف الصيني " بالفلسفة التاوية وإقراره بإمكان استيحاء بعض سماتها الفكرية الجوهرية، فإنه لا يتردد في الكشف عن بعض مظاهر قصورها. (ومن هذه الجهة يمكننا وضع التاوية في عداد ثورة ضد طبقية ترتكس فيها مأساة المجتمع المتمدن. وقد ضلت التاوية سبيلها السوي حين وجهت أسلحتها ضد الأصل والفرع، وكان حريا بها لذلك أن تثير الهلع لدى الكثيرين: حماة المدنية المتعلقين بأهدابها. وبناة المجتمع الجديد الذين أزعجهم سلبها المطلق، وهي إلى هذا كله مسؤولية أيضا عن الكثير من البلبلة التي يخطط لها مفكرو الطبقات السائدة مستفيدين من دعوتها اللجوج إلى الكفاف والنسك. )-27- ولما غلب المنحى الطوباوي على تاوية لاوتسه ،ومريديه ،فإنها لم تفلح في مزاحمة الكونفوشيوسية ، ذات المنحى السياسي والأخلاقي الواقعي .وهذه الواقعية ، هي التي مكنت ، في نظر هادي العلوي ، الكونفوشيوسية من النفاذ إلى المجتمع والدولة الصينيين ، وإزاحة التاوية و الشرائعية و الموهية والبوذية، إلى مواقع فكرية طرفية . (يمكننا الذهاب إلى أن واقعية كونفوشيوس /على الضد من طوباوية لا وتسه /قد مكنته من النفاذ إلى الدولة والمجتمع معا في اتساق مبرر مع مجريات تطور اجتماعي كابدته الصين قبل زمانه وواصلته ردحا طويلا من بعده.) -28- وقد مكنت أفكار حفيد كونفوشيوس ، تزو سو ، وبالأخص منشيوس وشون تسه ،من تكريس حضور الكونفوشيوسية ، وإكسابها الموقع الأول في الفكر السياسي والفكر الاجتماعي و الفكر الأخلاقي الصيني . -6سمات الفكر التاوي: اعتنى هادي العلوي بإظهار نقاط تميز التاوية ،بالقياس إلى الفكر اليوناني من جهة و الفكر الكونفوشيوسي والفكر الشرائعي والفكر الموهي من جهة أخرى .فبينما يتميز الفكر اليوناني الأرسطي بخاصة بتعليلاته الأحادية ومنطقه الصوري ، تميز التعليل التاوي بمنحاه الديالكتيكي . يلح هادي العلوي ، على اختلاف المنطق التاوي مع المنطق اليوناني الصوري ،ويعقد مقارنات بينه وبين الحركة الجوهرية للشيرازي .وكان من الممكن ،إغناء إفاضاته عن المنطق التاوي ، بمقارنته بالمنطق الديالكتيكي الهيجيلي أو الماركسي. وعلى حين ،يعتني الفكر الكونفوشيوسي ،بالمباحث السياسية والأخلاقية والتربوية ، في المقام الأول ، يظهر الفكر التاوي شغفا ، بفلسفة الطبيعة ، فضلا عن اعتنائه الكبير بالفلسفة الاجتماعية والأخلاقية .وبينما تتطلب الدولة ،حسب فيلسوف الشرائعية هان فيي (233ق.م)،ثلاثة شرائط ومقتضيات : (فا)وهو القانون و(شو )وهو فن إدارة الأشياء و (ييه) وهو السلطة أو القوة ،فإن الدولة المثالية ،من منظور تاوي ، هي الدولة المشاعية ، المقترنة بالتناغم مع الطبيعة والمستوحية للتجربة المشاعية لأسرة تجوو وبخاصة نظام "المربعات التسعة" . ولئن تميزت أفكار الفيلسوف الموهي موتسه ( 420 -480ق.م )بالميل إلى الحب والتعاطف والوعظ الأخلاقي ،فإن التاوية الفلسفية ، تفردت بميلها إلى تكريس السلبية التاوية ،الرافضة للقهر والهيمنة والتسلط .ويشبه هادي العلوي التاوي باللقاحي العربي ،الميال مثله إلى مؤسسات اجتماعية وسياسية بسيطة التركيب والتدبير . من المحقق، أن للفكر التاوي خاصة والفكر الصيني عامة، فرادات وخصائص وإضافات، من المطلوب التعمق في استجلاء مدلولاتها وحمولاتها وأساليبها البنائية و التدليلية ومفاعيلها التاريخية و الحضارية. ومن الجلي، أن فحص الفكر الشرقي عامة والصيني خاصة، من الضروريات الفكرية، اللازمة لبناء رؤى حضارية متماسكة في عالم متحول. (فكلما أقرأ نصا من المورث الصيني أندهش أمام عمق التفكير وقوة النظرة التي تناشد الإنسان العاقل الحساس إلى اليوم. هي حكمة مقامة على الحدس وحرية التفكير والخبرة بالأخلاق ولا تنزلق في الأنساق البرهانية.) -29-
الهوامش: 1-هادي العلوي ،نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي ، دار الطليعة ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1983،ص،5. -2هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، منشورات المدى، دمشق، سوريا، طبعة ،1994، ص 58-59. -3 لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ، المدى ، دمشق ، سوريا ، الطبعة الأولى 2002، 83 :. 4-هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، ص 62-. 5-هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، ص 63-. 6-لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص -.29 7- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص .71 8- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص ،57. 9- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص ،195. 10-لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص ،70. 11-لاو-تسو ،كتاب التاو ، إنجيل الحكمة التاوية في الصين ، ترجمة و شرح وتعليق: فراس السواح ، منشورات دار علاء الدين ،دمشق ،سوريا ،الطبعة الثانية 2000ص،11. 12-هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، ، ص 154-. 13-لاو-تسو ،كتاب التاو ، إنجيل الحكمة التاوية في الصين ، ص،162 . 14-هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، ص 170-. 15-لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص .86. 16-هادي العلوي ، مدارات صوفية ، تراث الثورة المشاعية في الشرق ، المدى ،دمشق ، سوريا ،الطبعة الأولى 1997،ص،117. 17-لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص .198 18-لاو-تسو ،كتاب التاو ، إنجيل الحكمة التاوية في الصين ، ص،10 . 19- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص .198-199. 20- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص.58-59. 21- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص 59. 22- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص 85. 23-هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، ص 183-. 24- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص.56. 25- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ، ،ص.46. 26- لاوتسه/نشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص.48-47. 27- لاوتسه/تشانغ تسه ،كتاب التاو ،ص.48 28-هادي العلوي، المستطرف الصيني، "من تراث الصين"، ص 73-. 29- هشام جعيط ، أزمة الثقافة الإسلامية ، دار الطليعة ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 2000،ص،98.
إبراهيم أزروال اكادير –المغرب
#ابراهيم_ازروال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وعود وحدود التنوير الفرنسي
-
في الاستغراب والاستغراب المعكوس
-
جذور و أهداف علم الاستغراب عند حسن حنفي
-
الرواية ورهانات الكينونة
-
لوك فيري ونيتشه
-
حسن حنفي ونقد الاستشراق
-
استجلاء الوعي في سينما المخرج محمد خان
-
المعالجة الدرامية لقصة -أهل القمة- لنجيب محفوظ
-
المعالجة الدرامية لقصة -الحب فوق هضبة الهرم - لنجيب محفوظ
-
هادي العلوي والفكر الهندي
-
التجديد اللغوي في - المعجم العربي الجديد - لهادي العلوي
-
ورطات العلائق في فيلم -أربعاء الألعاب النارية - لأصغر فرهادي
-
الإنسانية الانتقالية ونسيان تراجيديا الحياة والموت
-
أشواق الذات في فيلم - أرض الأحلام - لداوود عبد السيد
-
استشراف المستقبل وإشكاليات الحرية في فيلم -انفصال - لأصغر فر
...
-
لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي -الجزء الثاني
-
لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي الجزء الأول
-
الذات والتاريخ في -رحلة من الحمراء الى إيلغ -لمحمد المختار ا
...
-
نبيلة قشتالية –برتغالية في القصر السعدي بتارودانت
-
الدراسات التراثية : إشكاليات المنهج والتداول
المزيد.....
-
مسؤول أمريكي يكشف تفاصيل عما يريده ترامب من مفاوضات البرنامج
...
-
قطر تعلن وفاة أميرها السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فماذ
...
-
هل بدّل ترامب طائرته بسبب مخطط لاغتياله؟ تقرير يكشف ما حدث
-
رفض سعودي ـ عراقي لاستخدام أراضي أي دولة أو أجوائها لتهديد أ
...
-
بيان عربي حاد ضد إيران لاستمرار هجماتها على دول الجوار
-
الحوثيون: نقف الى جانب ايران وننسق باستمرار معها لمواجهة كل
...
-
ترحيب أممي واقليمي بعقد الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب الجديد
...
-
عمدة موسكو: الدفاع الجوي دمر حوالي 300 مسيرة أوكرانية كانت م
...
-
-خطوة متقدمة نحو جيش ليبي موحد-.. صدام حفتر يرحب باجتماع خال
...
-
فرقة -كوستروما-.. باليه بنكهة روسية في مصر
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|