|
|
محمد أركون ونقد الاستشراق.
ابراهيم ازروال
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 04:52
المحور:
قضايا ثقافية
بقلم : إبراهيم أزروال
I -منطلقات نقد الاستشراق : ينطلق نقاد الاستشراق الكلاسيكي والاستشراق الجديد المنفتح على العلوم الاجتماعية والإنسانية، من منطلقات محددة، يمكن حصرها فيما يلي: 1-المنطلق الإيديولوجي –الملي: انشغل قسط من نقاد الاستشراق باستشكال القراءات والمعالجات الاستشراقية الكلاسيكية أو الجديدة، المتأثرة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وإبراز تهافتها، المعرفي والنظري والتاريخي، استنادا إلى منظورات عقدية أو إيديولوجية –سياسية بينة تارة وخفية تارة أخرى .يتم التركيز في هذه الكتابات النقدية، على إظهار التنافر المنهجي والنظري والتصوري، بين المنهجيات البرانية المعتمدة وبين النصوص والمتون والظواهر الفكرية والواقعات التاريخية والحضارية المحللة. فالمستشرق، لا يراعي من هذا المنظور، خصائص النصوص المرجعية والظواهر الفكرية، وبنية الفكرية التراثية، وطبيعة العلوم العقلية –النقلية المطورة استنادا إلى النصوص التأسيسية، ويعتمد على مرجعيات غير ملائمة، فكرا ونهجا وعقيدة، للفكرية والمنتجات التراثية . إن الملاحظات المنهجية المقدمة عن الاستشراق وعطائه التحليلي ،غير قائمة، في الغالب، على استقصاءات معرفية شاملة ، بحكم التكوين الفكري والإيديولوجي لنقاد الاستشراق ، وصعوبة التمرس بالإنتاجات الاستشراقية والعودة مباشرة إلى مصادرها دون الاعتماد على وسائط وترجمات تقريبية أو مؤولة تأويلات بعيدة . وبما أن الاستشراق، ينهض على مقررات ويقينيات ومنهجيات، غير متوافقة، جوهريا، مع المقررات واليقينيات والمنهجيات التداولية التراثية ، فإنه ،حسب الانتقادات المقدمة ،استمرار، للنقود المسيحية أو اليهودية القديمة للموروث المعرفي والفكري العربي –الإسلامي من جهة أو نتاج منهجيات وفكريات وإيديولوجيات مادية وعلمانية ونفاتية ، مضادة للموروث التداولي ولأسسه النظرية والمنهجية ،من جهة أخرى . -2المنطق النظري –المنهجي : يركز بعض نقاد الاستشراق، على الفوارق الكبرى، بين المنهجيات المستعملة، والنصوص والظواهر والواقعات والفكريات المعالجة، وعلى طرائق توظيف تلك المنهجيات في استقراء واستقصاء حقائق العلوم والنظم المعرفية والسياسية والأخلاقية التراثية. ولما كانت القراءات الاستشراقية ، تتبنى منظورات معرفية ومنهجيات تاريخية أو وضعانية وتصدر عن ممهدات ومستندات ومرجعيات إبستيمولوجية مستمدة من الموروث الأوروبي ،الدهراني ،جوهريا ،فإنها لا تفلح في استجلاء حقائق نصوص ومتون وظواهر ،تراثية ، خاضعة لمنطلقات وأسس مختلفة . تفتقر المنهجيات الاستشراقية ولاسيما المنهجية التاريخية و الوضعانية والمقارناتية -حسب نقادها- إلى المرونة المنهجية والنظرية ، الضرورية للتفاعل مع عوالم فكرية ،تستمد نسغها المعرفي من إبستيمية تفسيرية و تأويلية تراثية. و لا تنحصر الانتقادات المقدمة هنا ، في تاريخية أو وضعانية أو انحيازات الاستشراق الكلاسيكي ،بل تطال كذلك الاستشراق الجديد .فلئن أوغل هذا الاستشراق في الاغتراف من العلوم الاجتماعية و الإنسانية ،ولا سيما من الأنثروبولوجية الثقافية ،فإنه لم يتمكن في نظر نقاده من تقديم استقراءات أو استنتاجات وازنة أو حاذقة. إن الاعتناء بالقضايا الميثودولوجية و الإبستيمولوجية والمنهجية ،لا يجب أن يخفي المقدمات والمسبقات الفلسفية أو السياسية –الإيديولوجية الكامنة وراء هذا الانشداد إلى استعراض أعطاب الاستشراق المنهجية .فالواقع أن كثيرا من نقاد الاستشراق ،يصدرون عن منطلقات فلسفية ،اختلافية أو تفكيكية أو تاريخية أو عن غائيات ومواقف سياسية إيديولوجية مقنعة. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم نقد عبد الكبير الخطيبي لجاك بيرك في (المغرب المتعدد) ،دون استحضار انحيازه الفلسفي إلى الفكر الاختلافي والتفكيكي ( هايدغر ودريدا ) الناقد لأسس الفكر والميتافيزيقا الغربية . 3-المنطلق السياسي –الإيديولوجي : تنطلق شرائح من الأنتلجانسا العربية و الإسلامية من منطلقات سياسية –إيديولوجية، في نقد الاستشراق، والتشكيك في شرعيته ومصداقيته المعرفية و الفكرية. ليس الاستشراق، من منظورها ، قطاعا معرفيا استكشافيا للآخر وأنساقه ونظمه ومنجزاته الثقافية والحضارية ،بل هو معرفة مخصصة لدعم سلطة النسق السياسي والمعرفي الغربي . وقد تفرد اليسار التقليدي والجديد، بنقد الاستشراق من منظور سياسي-إيديولوجي. ورغم استناده إلى منطلقات اختلافية (فوكو)، فإن نقد إدوارد سعيد للاستشراق، دعم الاتجاه النقدي، المستند إلى توجهات سياسية –إيديولوجية، ميالة إلى نقد المحورية أو المركزية الغربية والإمبريالية الثقافية الغربية . وقد نفى حسن حنفي علمية الاستشراق وشرعيته المعرفية، وقدرته على سبر عوالم الآخر بكفاءة منهجية عالية ؛فليس الاستشراق في نظره ،إلا إسقاطات كاشفة عن ثقافة واهتمامات وتاريخ الغرب وحائلة دون اكتشاف ثقافات وتواريخ وأنثربولوجيا الآخر. (لم يكن الاستشراق القديم محايدا بل غلبت عليه مناهج تعبر عن بنية الوعي الأوروبي التي تكونت عبر حضارته الحديثة مثل المناهج التاريخية ، والتحليلية ، والاسقاطية ،والأثر والتأثر .في حين أن وعي الباحث الآن في علم "الاستغراب "أقرب إلى الشعور المحايد نظرا لأنه لا يبغي السيطرة أو الهيمنة بل يبغي فقط التحرر من إسار الآخر حتى يوضع الأنا والآخر على نفس المستوى من الندية والتكافؤ .) -1- وبينما ينكر رائد علم الاستغراب، علمية ومنهجية وموضوعية الاستشراق، فإن صاحب "الاستشراق "يربط الاستشراق بالإمبريالية الثقافية الغربية والتعالي المعرفي الغربي. (فالاستشراق، من حيث هو جهاز ثقافي، هو عدوانية، ونشاط، ومحاكمة، وإرادة للحقيقة، ومعرفة. والشرق وجد من أجل الغرب، أو هكذا بدا لعدد لا يحصى من المستشرقين، الذين كان موقفهم من الموضوع الذين اشتغلوا عليه إما أبويا أو متعاليا صراحة –إلا اذا كانوا ، طبعا ، أثريين ،وفي هذه الحالة كان الشرق "الكلاسيكي" رصيدا مشرفا لهم لا للشرق الحديث التعيس .) -2- إن ميتافيزيقا الاستشراق، تنهض على أسطورة الطبائع الثابتة، وتسعى إلى تكريس التفوق الغربي والدونية الشرقية، وذلك بنفي الشرائط التاريخية للمنجز التاريخي –الحضاري بعامة وللوضع التاريخي والحضاري للشرق والغرب في عصر الحداثة بخاصة . -4الشرق والجمود الفكري : لا يكتفي المستشرق بالتبحر المعرفي وتجميع المواد التراثية والعكوف على المعالجة الفيلولوجية أو التاريخية للعلوم والظواهر التراثية ،بل ينبري للسجال الفكري والدفاع عن موقفه الثقافي .وفي هذا السياق ،فإنه لا يتردد في استشكال الوضع المعرفي والإبستيمولوجي للآخر الشرقي ،ويكشف عن اعتداده الكبير بمنجزات الحضارة الغربية . لم تنتج الأنا الشرقية أي منتج حضاري جدير بالتقدير في العصور الحديثة ، حسب فرانسيسكو غابرييلي .إن العطالة الحضارية للشرق أو للأطراف عموما ،واقعة مسلمة ،وليست محض تخيل أو توهم فرضته حاجيات استشراقية كما يعتقد نقاد المركزية الغربية . (فالواقع يجبرنا على الاعتراف بأننا لا نجد للشرق المعاصر أي مساهمة في بلورة المفاهيم الحديثة والأفكار الأساسية والتأويلات الجديدة للتاريخ والحياة. إنه لم يساهم طيلة القرون الأخيرة بأي شيء منها، ونحن لا نزال ننتظر منه أن ينهض ويقول لنا العكس ويكذب رأينا.) -3- إن الاستعانة بالمناهج الغربية في تحليل المعارف والنظريات والمذاهب والتواريخ الشرقية، لا زمة، حسب غابريييلي ،في غياب مناهج ونظريات وعلوم وحقول معرفية شرقية .وفي غياب عطاء فكري وفلسفي واقتصادي وتاريخي وجمالي شرقي ،لا مندوحة عن توظيف مناهج الغرب في قراءة ومقاربة المواد التراثية الشرقية واستكشاف الأبعاد الخفية للعلائق والظواهر الثقافية والسياسية والاجتماعية العصية على السبر والاستكناه . (لهذا السبب نقول بأنه لا ينبغي على أصدقائنا الشرقيين أن يطلبوا منا دراسة ماضيهم وحاضرهم على ضوء علم التاريخ الحديث الشرقي أو الفلسفة الحديثة الشرقية أو علم الجمال أو علم الاقتصاد الشرقي. لماذا ؟ لسبب بسيط هو أن ذلك غير موجود حتى الآن.) -4- وحيث إن الشرق في وضعية جمود ثقافي –حضاري والغرب في وضعية ريادة حضارية، في نظره ، فلا معدى عن الاغتراف من معارفه ،لفهم الأنا و تقييم تراثها وإعادة ترتيب الأولويات التاريخية –الحضارية في ضوء التحولات والمستجدات العلمية والتقنية والاقتصادية الراهنة. أركون والاستشراق: -II أين يكمن اختلاف وتميز معالجة محمد أركون للاستشراق؟ هل تختلف معالجته للاستشراق عن المقاربات الإيديولوجية والمنهجية والسياسية –الإيديولوجية الرائجة؟ هل استطاع تقديم مقاربات مختلفة، منهجا ومفاهيم وتصورات، للاستشراق وإشكالياته المفهومية والنظرية ومشكلاته الفنية والتقنية الكثيرة؟ المحددات النظرية للاستشراق: -1 لم يتخل المستشرقون على التحديد الإيديولوجي –الديني للشرق ،ولم يقبلوا النظرة الجغرافية –التاريخية الخاصة بحوض البحر الأبيض المتوسط، ،حسب أركون.تنطوي المنهجية الاستشرافية الكلاسيكية ،لزوما، في نظره ،على قبليات ومصادرات جوهرية ،تنكر خصوبة الواقع وتعقيده وصفته التركيبية .ولما كان الواقع الموصوف من التعقيد والتركيب بمكان ،كان من الضروري ،تغيير العدة التاريخية –الفيلولوجية أو إغناؤها بالانفتاح على آليات ومفاهيم و شبكات التأويل المبلورة في سياق العلوم الإنسانية والاجتماعية . والحال أن المستشرق الكلاسيكي ،يتغافل عن مفردات الواقع وصيغه التركيبية وبنياته الأنثروبولوجية وجدلياته المعقدة وخاصيات الفئات العرقية –الثقافية المختلفة المشكلة لنسيجه ،و يعلل الموصوفات تعليلا أحاديا ،دينيا أو قوميا في الغالب. كما لم يستثمر كثيرا منهجية الأنثروبولوجيا التاريخية في دراسة العلاقة بين القوى المركزية المهيمنة في الحواضر الكبرى والمراكز الثقافية و السياسية وبين قوى الهامش ،والجدليات التاريخية والسوسيولوجية القائمة بين المراكز والهوامش والأطراف. لقد دعا أركون إلى تجديد منهجية الاستشراق الكلاسيكي من خلال الانفتاح على العتاد النظري والمنهجي للعلوم الإنسانية وتطبيقه على التراث العربي –الإسلامي. لا يعتني مؤرخو الفكر من المستشرقين، في نظره ، بمحتوى وتركيب ومدلولات النصوص الفلسفية أو الفكرية ،بل ينشغلون ،بالأساس ،برصد الأصول والمؤثرات القريبة والبعيدة. علما أن الكشف عن أصالة الفكر لا يتم ، حسب أركون، إلا متى تم الجمع بين المنهجية التاريخية وبين المنهجية البنيوية. إن الكتابة الحدثية الخطية للتاريخي(كتابات برنار لويس وروجيه أرنلديز مثلا ...)،لا تفيد في الإحاطة بفرادة الحدث ولا في سبر أبعاده الظاهرة والباطنة ؛ولذلك يطالب أركون بالجمع بين التدليل النفسي-الاجتماعي –الألسني و بين التحليل الأركيولوجي والنقد الفكري-الفلسفي. وفيما لا ينكر قدرة الباحث الغربي المتسلح بأحدث النظريات والمنهجيات والآليات النقدية على استكشاف واستجلاء معالم فكر الآخر الشرقي ،فإنه يطالب الباحث الوطني باستفراغ الجهد في الاستقصاء والزحزحة والتحويل وإحداث طفرة في صياغة الإشكاليات وتعليلها. (فلا يمكن أن تطلب من باحث أجنبي أن يقوم بنقد راديكالي جذري لمشاكل مجتمع آخر لا يشاركه وجوديا قدره التاريخي..) -5- ولما كان الاستشراق الكلاسيكي، غارقا في الوصف والتصنيف والعرض السردي لمحتويات المدونات والأضابير التراثية، فإنه ينكر جدوى التجديد المنهجي واستعمال مفاهيم مستحدثة أقدر في ظن أركون على سبر نظم الفكر والنفاذ إلى البنيات العميقة للخطاب. (إنهم [ يقصد مؤرخي الفكر الإسلامي ] لا يدركون قيمته المعرفية[ يقصد مفهوم الإبستيمية أو نظام الفكر ] وفائدته من أجل القيام بكتابة تاريخ موسع للمجتمعات البشرية وثقافاتها وكذلك من أجل التقييم الإبستيمولوجي أي المعرفي العميق لتأويلات هذه الثقافات بالذات . ) -6- حدود الاستشراق :-2 حدود المنهجية الفيلولوجية : - اكتفى الاستشراق الكلاسيكي ،حسب أركون،بالمنهجية الفيلولوجية –التاريخية ،واستنكف عن استثمار منجزات الثورة الألسنية والسيميائية والبنيوية ومدرسة الحوليات والتفكيك ،وتمسك بالموقف الوضعي الاختزالي مستنكفا عن استيحاء الأنثروبولوجيا التاريخية وعلم النفس التاريخي والدراسات المنجزة عن الخيال والمتخيل والأسطورة والرموز في الثقافة الغربية . إن انتقادات أركون للإسلاميات الكلاسيكية أو الاستشراق هي منهجية إبستمولوجية عموما. فبما أن الاستشراق يكتفي، في الغالب ، بمنهجية تاريخانية أو وضعانية ،فإنه لا يساير الثورة المنهجية والإبستيمولوجية المعاصرة ، ولا يستفيد من المنجزات النظرية والمفهومية والآليات التحليلية للعلوم الإنسانية ومن آفاق المقارنة الممكنة بحكم إمكان الاستئناس بتجارب معرفية وحقول نظرية قريبة أو بعيدة عن الحقل التداولي العربي –الإسلامي . (أني أود أن يصبح الاستشراق جزءا لا يتجزأ من البحث العلمي المعاصر ،وأن يلحق بركب التجديد المنهجي والمفهومي الذي حصل في ربع القرن الماضي.فلا يعقل أن يظل منغلقا على نفسه وراضيا بمنهجية القرن التاسع عشر ورافضا الانفتاح على الثورة المنهجية والإبستمولوجية التي شهدتها العلوم الإنسانية منذ الستينات وحتى اليوم !) -7- ورغم أهمية هذه الثورة المنهجية والإبستيمولوجية ، فإنها لا تسلم ، في الواقع ،كأي منجز بشري من الاستشكال والنقد .وهكذا ،فبدلا من الانبهار الكلي بها ، كان من المفروض التعامل مع مكتسباتها وآلياتها وإوالياتها تعاملا نقديا وتوظيفها توظيفا ملائما مراعيا لخصائص المجال التداولي العربي –الإسلامي. - أركون والمنهجية التاريخانية: و فيما يطالب بالاحتفاظ بالمنهجية التاريخانية أو الوضعانية والاستفادة من دقتها وصرامتها في التقصي والرصد والتتبع واستكمال نواقصها باستيحاء المنهجيات الحديثة المنفتحة على الهوامش والمتخيل واللامعقول والأسطورة ،فإنه يطالب أحيانا بتجاوزها كليا وتبني منهجية الأنثروبولوجيا التاريخية. (..ينبغي علينا أن نتخلى عن المنهجية التاريخانية للمستشرقين ،هذه المنهجية التي غاصت في حومة التفاصيل الوقائعية والتسلسل الزمني للأحداث ،ينبغي أن نتخلى عنها لكي نتبع منهجية الأنتربولوجيا التاريخية.(..)فالشي الحاسم في المجادلة السنية/ الشيعية هو مسألة تحويل الأحداث التاريخية الواقعية إلى ذرى نموذجية تقديسية لتوجيه الوجود البشري .) -8- لكن ،هل يمكن اطراح المنهجية الفيلولوجية والتاريخية أو التاريخانية كليا ، بدعوى قصورها المنهجي بالقياس إلى المنهجيات التاريخية –الأنثروبولوجية الحديثة ؟ هل يمكن إنكار جدوى وصلاحية المنهجية التاريخانية والوضعانية والفيلولوجية بدعوى انحصارها في التحقق التاريخي من المعارف والمنظومات ؟أليس التحقق التاريخي واللغوي ،أساس المعرفة ،بالعقل و بإنتاجات المتخيل وبسياقات تشكيل وصياغة المعنى والدلالة والرمز والحدث ؟ألا يمكن بناء منهجية تكاملية تأخذ بعين الاعتبار : 1-دقة المنهجية التاريخانية و المنهجية الوضعانية وصرامتهما في التحقق والكشف عن التشكل والتاريخية ؛ 2- اتساع آفاق الثورة المنهجية المعاصرة ( الاهتمام بالمتخيل والذهنيات والمعتقدات واللامفكر فيه والهوامش ورصد الشروط والإكراهات وسمات السياقات الاجتماعية- التاريخية )؛ 3-التحرز من المظاهر والتجليات القلقة أو الملتبسة أو غير الناجعة ،معرفيا وتاريخيا ومنهجيا ،في المنهجيتين مما يفرض تنسيب العلوم الإنسانية نفسها ؛ لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار جدارة مفاهيم البنيوية وما بعد البنيوية والتفكيك وجدواها المعرفية والمنهجية؛ إن المفاهيم والمناهج المصاغة في سياق تفكيك الخطابات الفلسفية الغربية ،جديرة بالفحص والتحري أو الاستيحاء ؛الا أن استيحاءها يقتضي قراءتها في ضوء مساقاتها وسياقاتها المعرفية والتاريخية والسياسية،والتفكير المتعمق فيما تنطوي عليه من مسكوت عنه ولا مفكر فيه ومقاصد وغايات ومطالب فئوية أو شخصية أو توجهات سياسية أو تاريخية –حضارية . لقد استثمر أركون كثيرا من مفاهيم وآليات تفكيك وتحليل الخطاب ( مفاهيم فوكو وبورديو ودريدا وشتراوس ... إلخ) ،إلا أنه لم يقدم معالجة نقدية لهذه المفاهيم و لآليات تطبيقها وتبيئتها وأقلمتها حتى تكون أكثر نجاعة وإجرائية و أقدر على التحرر من اليقينيات الملابسة لها. إن شيوع نسق معرفي أو نظام منهجي ، وتفرده ،تقنيا وإجرائيا ، بالقياس إلى الأنساق أو الأنظمة المعرفية أو المنهجية الكلاسيكية ، لا يعني التسليم بجدارته المعرفية ،وعدم قابليته للاستشكال من حيث المبدأ . 4-توظيف المستجدات المعرفية والمنهجية والنظرية واستثمار تطور العلوم والمناهج بعد تراجع البنيوية والتفكيك ومدرسة الحوليات. 5-السعي إلى تطوير منهجيات مخصوصة تستمد آلياتها ومفاهيمها وعتادها التحليلي من منهجيات مختلفة ،غربية وجنوبية، وتسعى إلى تجديد تراكيبها وطرائقها التحليلية باستمرار. لا يهتم المستشرق، حسب أركون، كثيرا بتفكيك البناءات النظرية التراثية وأنظمة الفكر التقليدية. فعوض تفكيك التصورات العقلية المتحكمة في العقل التراثي، فإن الاستشراق يكتفي بالعرض السردي لمضامين النصوص أو تصنيف التيارات والاتجاهات والحساسيات الفكرية أو توثيق الظواهر الفكرية والتاريخية والكشف عن سياقاتها الاجتماعية والتاريخية. يرى أركون أن الانحصار في الدراسات الوصفية أو التوثيقية أو التصنيفية أو التشخيصية، غير مفيد، طالما أنه لا يساعد على فهم أبعاد الموصوف أو المشخص، وإدراك دلالاته العميقة، ومعانيه المضمرة، و أدواره الثقافية والاجتماعية والتاريخية المحجوبة. يكتفي المستشرق-حسب أركون- بالكتابة الوصفية السردية الناقلة للتصنيفات والترتيبات والتصورات المعيارية القديمة ،دون مساءلة فكرية أو نظرية عميقة لنظم الفكر أو استشكال نقدي جذري لمناهج التصنيف والترتيب والتبويب التراثية ،أو بدون تفسير أو تأويل المنقولات في ضوء المكتسبات المنهجية والإبستيمولوجية للعلوم الإنسانية .ونادرا ما يتبنى المستشرق منهجية علم الاجتماع التاريخي أو علم النفس التاريخي أو الأنثروبولوجيا التاريخية في قراءة النصوص الفكرية المؤسسة للتراث العربي –الإسلامي . من الضروري ،إذن ،الجمع بين المنهجية السردية الفيلولوجية و بين منهجية التاريخ الاشكالي المساعدة على التمييز بين الممكن التفكير فيه وما يستحيل التفكير فيه. (وكذلك يهتمون بدراسة تسلسل الأفكار والعقائد من أصولها وحتى الآن .ويقومون بالدراسة الوصفية للشيفرات المعيارية كما هي محددة أو مبلورة في الكتب الكلاسيكية للفقه أو للأخلاق .وهكذا يعيدون تركيب الإسلام الأرثوذوكسي كما يتصوره المسلمون أنفسهم .) -9- يكتفي المستشرق حسب أركون بالتفكيك الجزئي دون التركيب، بالفحص عن الأسس والبنيات دون صياغة مقترحات أو بدائل فكرية مرتبطة خاصة بالجانب التشريعي والتدبيري. (..لأن الجانب التفكيكي من عمل المستشرقين ضروري ولا غبار عليه من حيث النية أو المقصد .الشيء الذي يمكن أن نلوم المستشرقين عليه هو توقفهم عند هذا النقد التفكيكي.ذلك أنه تنبغي تكملته أو التعويض عنه عن طريق التركيب وإيجاد البديل.)-10- لا ينكر أركون جدوى تفكيك مفاهيم التراث وثوابت العقل اللاهوتي؛ إلا أنه يشدد على ضرورة النقد التفكيكي –التركيبي،في السياق الثقافي –الحضاري الراهن ،وعدم الاكتفاء بالنقد المتعالي المكتفي بإعمال آليات المنهجية الفيلولوجية-التاريخية في العقل التشريعي والعقل الأخلاقي ،دون الالتفات إلى ما يترتب على ذلك من ارتباك دلالي وفوضى اجتماعية واستعارات تقنية غير ملائمة لخاصيات المحيط العربي –الإسلامي . ولذلك يصر على مراعاة ما يسميه بالمسؤولية الروحية ،أي بآليات اشتغال العقل في سياق مترع بالمستحيل التفكير فيه واللامفكر فيه .من اللازم ، من هذا المنظور ،إعادة الاعتبار إلى القلق المعرفي العالي أي ما يسميه بأخلاقية الشخص البشري . (إني أنطلق من المبدإ التالي : هناك ضرورة لإعادة تقييم تاريخي وسوسيولوجي وأنتربولوجي وفلسفي للبعد الروحي من الشخص البشري .ولأني اعترف بذلك فإني اقترح مفهوم المسؤولية الروحية وأعتبره يمثل مجالا واسعا مهما للبحث والكشف .) -11- إن المستشرق مطالب، حسب أركون، باستيفاء شرائط ومقتضيات فكرية ومنهجية، ضرورية، لتجاوز أعطاب الاستشراق الكلاسيكي، المتمسك بقبليات، لا تساعد كثيرا، على استجلاء عوالم التراث وخفايا ظواهره وخصائص العقل العربي –الإسلامي. وفي هذا السياق ، يوجه محمد أركون انتقادات حادة لبرنار لويس، ولمنجيته الكلاسيكية، المنتمية إلى زمان معرفي مختلف جوهريا عن الزمن المعرفي للعلوم الإنسانية. والواقع أن برنار لويس، أظهر على الدوام، انشغالا كبيرا باستقصاء مكونات المقروءات التراثية ،أكثر مما اعتنى بتطوير العتاد المنهجي ،وتقوية الآلة التحليلية . (لقد ظل [برنارد لويس] على الرغم من علمه الواسع متخلفا من الناحية المنهجية والإبستمولوجية .كل الثورة المعرفية التي ظهرت في الغرب نفسه بعد الستينات ورافقت الفلسفة البنيوية لليفي ستروس والحركة التفكيكية لدريدا والمنهجية الأركيولوجية لميشيل فوكو والتجديد الرائع لعلم التاريخ على يد مدرسة الحوليات وأبحاث فيرنان بروديل وسواه لم يطلع عليها برنارد لويس ولم يعترف بأهميتها وضرورتها.)-12- كانت لبرنار لويس انشغالات فكرية مختلفة عن انشغالات أركون؛ فهو منصرف، بالكلية، إلى التبحر و تحصيل المعارف والتعرف على التيارات والحساسيات الفكرية والسياسية التراثية الكبرى، و رصد مشكلات الراهن، ولا سيما المشكلات الإيديولوجية و السياسية، خلافا لمحمد أركون المتأثر، عمقيا، بالمشهد الثقافي الفرنسي وبعلاقة الفكر الفرنسي بالتيارات الفكرية العربية –الإسلامية. (هذا التطور قد أثر في بعض الدارسين العرب مثل محمد أركون ،سيما وأنه وافق اتجاها سابقا داخل الاستشراق ،أعني التخلي عن التأويلات الليبرالية التي عرفها القرن 19والتي كانت تهتم بالتيارات الهامشية أو المندثرة (المعتزلة ، غلاة الشيعة ، أنصار الحكمة ، الزنادقة ،إلخ) وعوض ذلك التعمق في دراسة أصول الفقه .) -13- لقد انتقد أركون الاستشراق، في سياق تحوله من الاعتناء بالتيارات الفكرية المتحررة من الأرثوذوكسية إلى الاعتناء بالتراث الأرثوذوكسي، والعلوم المعيارية المتمثلة في أصول الفقه، حسب عبد الله العروي . - نقد حياد المستشرق: رغم براعة جوزيف فان إيس في مداورة المنهجية الفيلولوجية –التاريخية ،وتمكنه حسب أركون من الكشف عن السمة التاريخية للفترة التأسيسية للفكر الكلامي الإسلامي ، فإنه تمسك بالحياد .والحال أن الإبستيمولوجيا النقدية –التفكيكية ، تقتضي حسب أركون ،المساهمة من خلال الاشتباك المعرفي مع المقروءات والموصوفات في بناء معرفية متجاوزة لسقف الطائفة والثقافة القومية والتاريخ الثقافي أو الاجتماعي الملي . (كنت أنا شخصيا قد رفضت دائما هذا الموقف[الحياد المعرفي] الذي يتخذه بعض المستشرقين واعتبرته مضادا للإبستمولوجيا النقدية التي تلزم كل باحث علمي موضوع أمام مسؤوليته في تشكيل معرفة فوق طائفية ،وفوق ثقافية ، وفوق تاريخية .هذا هو المنظور الواسع والعريض الذي أتبعه في نقد العقل الإسلامي .)-14- يكتفي المستشرق إذن، بالتبحر الأكاديمي وتجميع الجزئيات والتفاصيل والتوسع في الوصف والسرد الخطي دون أن يتساءل عن الصلاحية الإبستيمولوجية لعمله ،ودون أن ينخرط في إشكاليات المقروء بدعوى الحيدة المعرفية . تكمن قيمة الباحث ،حسب أركون،في قدرته على استشكال ونقد النظم الفكرية المنتجة للمعنى. (فمهمة الباحث تكمن في أشكلة كل الأنظمة الفكرية التي تنتج المعنى ،وكل الصيغ التي اختفت أو لا تزال حية تنتج بدون تمييز المعنى وآثار المعنى .هنا يكمن التفريق الأساسي بين الباحث التقليدي والباحث الحديث. ) -15- ليس الباحث –المفكر مجرد إخباري أو عارض أو سارد أو واصف يتبحر في تحصيل التفاصيل والدقائق،أو عرض تواريخ عرضانية للملل والنحل والفرق والطوائف والطبقات ،بل هو ناظر ومفكك للنسق والنظيمة والإبدال وكاشف عن شرائط توليد وصياغة المعنى وآثاره في سياق من السياقات. ولما كان المستشرق شغوفا بالوقائع والعرض الواصف ومستنكفا عن المناقشات المنهجية والقلق الإبستيمولوجي،فإنه لا يصرف همته إلى الكشف عن شروط إمكان البناء النظري والآليات المعتمدة في التدليل والاستدلال والبرهنة. يتمسك المستشرق بالحياد النظري ويتجنب التنظير المنهجي من فرط الوله بالتبحر العلمي واستقصاء الدقائق والتفاصيل ؛ والحال أن المفكر-الباحث ملزم ،حسب أركون بالانخراط في التجديد المنهجي والإبستيمولوجي ،واستشكال المواقع المعرفية والمنهجية التقليدية ،الموروثة عن الإبستيمية العربية –الإسلامية من جهة وعن منهجيات الاستشراق الكلاسيكي من جهة أخرى . ليس المستشرق أسير صوره الذهنية ولا تمثلاته عن الشرق وعن الآخر كما يعتقد إدوارد سعيد وحسن حنفي ،بل هو أسير منهجية وصفية سردية ،مسكونة بالرصد والاستقصاء والنقل، حد التماهي مع منطق ومعنى المنقولات .وبما أنه واصف وسارد ،وغير قادر على استشكال آلياته الخاصة و مناهج المنقولات ،فإنه يلتقي- أحيانا - مع الفكر النقلي –التراثي ويؤكد ،ضمنا أو صراحة ، وجاهة منهجه وتصوره . - أركون و فان إيس: لا يملك أركون رغم إعجابه بالقدرة التحليلية الكبرى لجوزيف فان إيس المتجلية في كتابه عن " اللاهوت الإسلامي والمجتمع في القرون الهجرية الثلاثة الأولى " ،إلا التأسف على هيمنة التبحر الأكاديمي على الهم الإبستيمولوجي النقدي في هذا المؤلف النقدي الهام .إن فان إيس مثل برنار لويس ولوي غاردي وهنري لاووست وروجيه أرنالديز ... إلخ،يكتفي بالدراسة الوصفية والعرض السردي ،ولا ينشغل بالدراسة النقدية التفكيكية الفلسفية . والحال أن الدراسة الوصفية التصنيفية والسردية ،ليست في نظره إلا مرحلة أولى لا بد أن تتلوها الدراسة التحليلية والتفكيكية العميقة ليتحقق القصد المعرفي –الفكري المطلوب ، أي التحقق من المعنى وتحولاته والكشف عن نوعية العقلانيات المتنافسة في السياقات التراثية . ورغم كل تطلعاته المعرفية والمنهجية ، فإنه يعترف بصعوبة الجمع بين الدراسة الوصفية والتبحر الأكاديمي ،وبين الدراسة التحليلية والتفكيكية النقدية. (.. يصعب على باحث واحد أن يقوم بالعمليتين في آن معا: أي أن يجمع بين المنهجية الفيلولوجية التاريخية الصارمة كما يفعل فان إيس من جهة،والفعالية الإبستمولوجية للعقل الذي يقوم بعودة نقدية على مجرياته التحليلية ذاتها من جهة أخرى.) -16- -أركون و جاكلين الشابي: وفيما يكثر من نقد منهجية الاستشراق الكلاسيكي وحياده المعرفي، الدال في العمق على استقالة فكرية مؤكدة، فإنه يستثني منهجية جاكلين الشابي التاريخية –الأنثروبولوجية من الاستشكال المنهجي، ويشدد على تفردها. (إن كتابها[يقصد جاكلين الشابي]يقدم المثل العملي المحسوس على إمكانية تحقيق طفرة نوعية ،إبستميائية وإبستمولوجية ،في الكتابة التاريخية عن القرآن.) -17- فقد تمكنت في-اعتباره -من تحقيق قفزة حاسمة في مداورة المنهجية التاريخية –الأنثربولوجية ،وفي الجمع الدقيق بين الفيلولوجيا واللسانيات ،والتحري التاريخي عن الحيثيات والأصول الأولى واستقصاء شبكات التأويل والتخصيب البعدي للمفاهيم والكلمات. -IIIالاستشراق والسلطة والمعرفة : من الطبيعي، أن ترتبط المعرفة بالسلطة في بنية الاستشراق؛ فالاستشراق نتاج الإبستيمية الحديثة ،والإبدالات والأنساق الفكرية الغربية ، المطورة بعد إرساء أسس الحداثة ،وتحرير العقل الأوروبي من إسارالفكر المدرسي اللاهوتي .وهو مرتبط ،لا بالمعرفة والمناهج الأوروبية الحديثة ،فقط ،بل ،بالفعالية الثقافية والحضارية الغربية عموما .لم يكن الاستشراق مدفوعا بالرغبة في معرفة الذات ومعرفة الآخر فقط ،بل كذلك بدعم مسارات التحضر والترقي كما تتصورها الحضارة الغربية .ولما كان الاستشراق ،إذن ،وثيق الارتباط بفكريات ومسالك الحضارة الغربية ،فإنه يقرأ الآخر ،كما هو وكما يجب أن يكون ،أي أنه يجمع بين التوثيق والتشخيص العيني و الدراية الميدانية من جهة وبين التفسير و التأويل المشبعين بأنفاس ورغائب الذات الغربية من جهة ثانية . يحاول المستشرق الالتزام بالموضوعية و هو يشخص ويصف ويوثق ويرصد السمات الظاهرة للنصوص والمتون والمدونات و الظواهر الفكرية و الاجتماعية و الأنثروبولوجية و الأحداث التاريخية المركزية في تواريخ الأمم الشرقية، ويستعيد ذاتيته، شعوريا أو لا شعوريا، وهو يفسر المعاينات و الموصوفات و يؤولها، ويصلها بالراهن وإشكالياته و الحاضر وما يحبل به من تجاذبات ومخاضات ومنافسات ،ويقيمها من منظور قصده الثقافي والمعرفي والسياسي –الأيديولوجي . إن الاستشراق قراءة للذات والآخر،وتوصيف وتوثيق وتشخيص موضوعي في أفضل النماذج وتفسير وتأويل ،لا يخلوان من ذاتية ونرجسية ثقافية ومن موجهات ثقافية جماعية .لا يميز نقاد الاستشراق عادة ، بين مستوى التوثيق والتشخيص والرصد والتحري و الاستجلاء و الاستقراء ، ومستوى التفسير والتعليل والتأويل والتلوين .لا يقرأ المستشرق ،تراث الآخر الشرقي ،إلا ليفهم ذاته في المقام الأول ويدعم مسارات ثقافته وحضارته ،و يستكشف عوالم الآخر، المنافس الحضاري القديم سابقا ،والمنافس السياسي –الثقافي أيام التمدد الكولونيالي . إن ارتباط الاستشراق بحركية المجتمعات الأوروبية، أمر بديهي؛ وعليه، فخضوع الاستشراق لسلطة المعرفة كما تحددت في عصر الأنوار خاصة ولسلطة النسق السياسي-الإيديولوجي، أثناء التوسعات الكولونيالية وبعدها أمر مؤكد. والواقع أن نقاد الاستشراق كثيرا ما يغفلون معطيات جوهرية، هي: -ارتهان الاستشراق، نظريا ومعرفيا ومنهجيا، بالفكر الأوروبي الحديث (التاريخية والتاريخانية و الوضعانية والفيلولوجية )؛ -ارتهان الاستشراق، معرفيا وسياسيا وحضاريا، بتطلعات الحضارة الغربية -الحديثة؛ -ارتهان الاستشراق، بمعرفة الذات واستكشاف موقعها الثقافي –الحضاري، على الصعيد التاريخي (معرفة جذور المسيحية والتاريخ الثقافي والسياسي لكثير من النطاقات السياسية الأوروبية )؛ -ارتهان الاستشراق بمعرفة الآخر ،وتبين قدراته الثقافية –الحضارية ودوره وقدرته على المساهمة في بناء الحاضر ،علميا واقتصاديا وسياسيا وجيو-سياسيا . لتطوير الاستشراق، لامناص ،في الواقع ، في التفكير عمقيا في آثار هذه الارتهانات ، والبحث عن منهجيات مركبة تركيبا أعقد من صيغ فكرية ومنهجية ، أظهر التاريخ الفكري محدوديتها النظرية والتحليلية . (...أني أود أن يصبح الاستشراق جزءا لا يتجزأ من البحث العلمي المعاصر، وأن يلحق بركب التجديد المنهجي والمفهومي الذي حصل في ربع القرن الماضي. فلا يعقل أن يظل منغلقا على نفسه وراضيا بمنهجية القرن التاسع عشر ورافضا الانفتاح على الثورة المنهجية والابستمولوجية التي شهدتها العلوم الإنسانية منذ الستينات وحتى اليوم! )-18- لا مراء في أن الاستشراق نتاج الحداثة والرؤية الحضارية الأوروبية والغربية؛ وقد بلور في سياق، معرفي ذي أبعاد سياسية –إيديولوجية، أحيانا، وفي سياق تغليب رؤية تاريخية –حضارية دائما. وبناء على هذا التصور، فاتصال المعرفة بالسلطة وبالنزوع إلى تغليب الحضارة الغربية غالب وظاهر في الاستشراق. لا يمكن فهم الاستشراق، دون ربطه بالحداثة الغربية، وبتجاذبات العصور الحديثة وبمخاضات الحضارة الغربية. فالمستشرق، نتاج سياقه السياسي والثقافي والحضاري، ومستغرق في خدمة الترقي الثقافي –الحضاري الأوروبي أو الغربي. ومن الطبيعي، أن تتأثر رؤيته للآخر الشرقي أو الطرفي ، المنتمي إلى تقليد تاريخي –حضاري مختلف ،بهذا التوجه .وليس المستشرق بدعا من الأمر ،فلا تخلو كتابات الآخر الشرقي عن العالم المسيحي أو الفضاءات الثقافية الغربية من ارتباطات شرقية وإقرارات وتأكيدات و استدلالات متأثرة على نحو واضح بالمركزية الطرفية أو الشرقية . -تركيب: IV خلافا لحسن حنفي وإدوار سعيد ،ونقاد الاستشراق عموما ،اعتنى محمد أركون ،باستشكال المنجز الاستشراقي من منظور منهجي وابستمولوجي في المقام الأول .فهو لا ينكر جدوى المنهجية الفيلولوجية والتاريخية الغربية ، في إضاءة كثير من عتمات التراث الكلاسيكي ،وإبراز مراحل وآليات تشكل طبقاته وأنساقه و إبدالاته. إلا أنه لا يفتأ يبرز محدودية هذه المنهجية ، ويصر على ضرورة الانفتاح على العلوم الإنسانية و الاجتماعية ، وتطوير آليات المعالجة و المقاربة ، واستيحاء المنجزات النظرية والمنهجية و التركيبية ، المنجزة أوربيا في سياق تطوير الأبحاث المخصصة للمتخيل و الذاكرة واللاشعور والقرابة والتاريخ و الرمزيات . ومن الجلي ،أن مراهنته الكبيرة على العلوم الاجتماعية و الإنسانية ، في تجديد النظر إلى العقل التراثي ، تحتاج إلى استشكال .فمن المؤكد أن خصوبة وإجرائية بعض المناهج أضحت موضع مساءلة(البنيوية والتفكيك مثلا) ،كما أن التعويل على الدراسات البرنامجية ،غير المصاحبة بتكييفات واضحة وبينة للمفاهيم والآليات ،واختبارات عملية ،لا يساعد كثيرا على تطور المعالجة النقدية للظواهر الفكرية التراثية . الهوامش: -1حسن حنفي ، مقدمة في علم الاستغراب ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1992،ص,25. -2إدوارد سعيد ،الاستشراق –المعرفة .السلطة .الإنشاء ، نقله إلى العربية : كمال أبو ديب ، مؤسسة الأبحاث العربية ، الطبعة الخامسة ، 2001،ص،216. -3فرانسيسكو غابرييلي ،ثناء على الاستشراق ،الاستشراق بين دعاته ومعارضيه،ترجمة وإعداد :هاشم صالح،دار الساقي ،بيروت ،لبنان ،الطبعة الأولى 1994،ص.26. -4فرانسيسكو غابرييلي ،ثناء على الاستشراق، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه ،ترجمة وإعداد :هاشم صالح، ،ص.27. -5 محمد أركون،قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ ،ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة ،بيروت، لبنان ، الطبعة الثانية 2000،ص.116. -6محمد أركون ،نحو نقد العقل الإسلامي ، ترجمة وتقديم : هاشم صالح ،دار الطليعة ،بيروت ،لبنان ،الطبعة الأولى 2009 ،ص.123. 7- محمد أركون،قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ ،ترجمة وتعليق: هاشم صالح، ،ص.130. -8محمد أركون ،الإسلام الأخلاق والسياسة ،ترجمة : هاشم صالح، اليونسكو ومركز الإنماء القومي ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1990،ص.147-148. -9محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل –نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، دار الساقي ،بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1999،ص.331. -10 محمد أركون ،الإسلام ، أوروبا ،الغرب – رهانات المعنى وإرادات الهيمنة ، ترجمة وإسهام : هاشم صالح ،دار الساقي ،بيروت-لبنان ، الطبعة الأولى 1995،ص.118.. -11محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل ، نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ،ص،213 . -12محمد أركون ، تحرير الوعي الإسلامي –نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة ، ترجمة و تقديم : هاشم صالح ، دار الطليعة ،بيروت ،لبنان، الطبعة الأولى 2011،ص،231. -13عبد الله العري، خواطر الصباح، حجرة في العنق ،(1999-1982)،المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، بيروت ، الطبعة الأولى 2005ص،223. -14 محمد أركون ،قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ ،ترجمة وتعليق: هاشم صالح، ،ص.51. -15محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل –نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، ،ص.22 . -16 محمد أركون ،نحو نقد العقل الإسلامي ، ترجمة وتقديم : هاشم صالح ،ص.76. -17محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل –نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، ،ص.49-50. -18محمد أركون ،قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ ،ترجمة وتعليق : هاشم صالح، ،ص،130.
إبراهيم أزروال أكادير –المغرب
#ابراهيم_ازروال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مستقبل الديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي – (الجزء الثاني)
-
مستقبل الديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي – (الجزء الأول)
-
مفاهيم وفضائل وعلامات كونفوشيوسية
-
مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
-
مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هادي العلوي و التاوية
-
وعود وحدود التنوير الفرنسي
-
في الاستغراب والاستغراب المعكوس
-
جذور و أهداف علم الاستغراب عند حسن حنفي
-
الرواية ورهانات الكينونة
-
لوك فيري ونيتشه
-
حسن حنفي ونقد الاستشراق
-
استجلاء الوعي في سينما المخرج محمد خان
-
المعالجة الدرامية لقصة -أهل القمة- لنجيب محفوظ
-
المعالجة الدرامية لقصة -الحب فوق هضبة الهرم - لنجيب محفوظ
-
هادي العلوي والفكر الهندي
-
التجديد اللغوي في - المعجم العربي الجديد - لهادي العلوي
-
ورطات العلائق في فيلم -أربعاء الألعاب النارية - لأصغر فرهادي
-
الإنسانية الانتقالية ونسيان تراجيديا الحياة والموت
-
أشواق الذات في فيلم - أرض الأحلام - لداوود عبد السيد
المزيد.....
-
سوريا: انفجار في موقع للجيش بحلب والسلطات تطالب السكان بعدم
...
-
حزب ميرتس يتكبد خسارة تاريخية أمام -البديل من أجل ألمانيا- و
...
-
سوريا.. انفجارات ضخمة تهز منطقة العيس بريف حلب وسط حديث عن ق
...
-
بعيدا عن هيمنة ترامب.. فرنسا وكندا تتعهدان بتوثيق العلاقات و
...
-
حزب -روسيا الموحدة- يتصدر انتخابات الدوما بـ57.88% بعد فرز 5
...
-
انفجار في موقع للجيش السوري بمحيط بلدة العيس جنوبي حلب
-
كوريا الشمالية تطلق صاروخين بالستيين باتجاه بحر اليابان
-
20 دقيقة من المشي تُحدث تغيّرًا سريعًا في نشاط الأمعاء.. ماذ
...
-
مقتل 6 جنود باكستانيين وسط تصاعد العنف على الحدود مع أفغانست
...
-
الحرس الثوري الإيراني يتوعد بـ-جغرافيا حرب- جديدة وأسلحة -تد
...
المزيد.....
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
المزيد.....
|