|
|
مستقبل الديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي – (الجزء الأول)
ابراهيم ازروال
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 02:52
المحور:
قضايا ثقافية
مستقبل الديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي – (الجزء الأول) بقلم: إبراهيم أزروال تساؤلات واستشرافات : -I يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات تصليب الديمقراطية مثلما يوفر إمكانيات تعديل الأنساق والمعايير السياسية الديمقراطية. هل يمكن للتطبيق الأخلاقي والمسؤول للتقنيات الذكية، أن يمثل إمكانية لتعضيد الديمقراطية؟ هل يمكن هذا التطبيق من تحسين أداء المؤسسات السياسية، مع الحرص على حماية الخصوصية والحريات الفردية؟ كيف يمكن حماية وتطوير الديمقراطية، في عصر هيمنة الخوارزميات؟كيف يمكن التوسع في تطوير الذكاء الاصطناعي وتعميق التحولات الرقمية، والمحافظة في ذات الآن على المبادئ الأساسية للديمقراطية؟ هل يمكن للمواطن، المنذور للبطالة والعطالة و الهدر الاجتماعي والوجودي، بعد تعميم الروبوتات الشبيهة بالبشر و أتمتة الوظائف والمهام اليدوية و المعرفية، أن يشارك في تدبير الشأن العام؟ من سيتحكم في القرار السياسي والسياسات التدبيرية ، في مجتمعات سيفقد فيها الإنسان العادي ريادته الثقافية والسياسية ، لفائدة تقنيات الذكاء الاصطناعي ؟ما معنى السياسة والمشاركة الديمقراطية ، في مجتمعات ، سيتغلب فيها الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري ؟ هل يمكن بناء الوعي السياسي على الإيحاءات العاطفية ، و التعاطف الوجداني أم لا مناص ، في الواقع ، من وعي سياسي معزز بوعي تاريخي ورؤية حضارية قوية وموازية للتفاعل الإبداعي والخلاق مع الإشكاليات الفكرية والحضارية المتوقع مواجهتها بعد تطوير الذكاء الاصطناعي وتغيير بنيات الوعي والتدبير والإنتاج وفهم العالم ومعنى الوجود الإنساني ؟ لا بد في الواقع، من مراعاة سمات وتحولات عصر الذكاء الاصطناعي المتمثلة في : تراجع التعليم الكلاسيكي والتشكك في قيمة الديبلومات و الدراسات العليا ،وتغيير آليات الحراك الاجتماعي ، واستفحال الاستقطاب الاجتماعي ،وتراجع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشرائح السفلى من الطبقة الوسطى ، والمراهنة على الأتمتة و توظيف الذكاء الاصطناعي . تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي، في مفاعيله السياسية والاجتماعية، وآثاره على النموذج والإبدال الديمقراطيين. هل يمكن تطوير الأداء الديمقراطي للفاعلين السياسيين، في عالم ينخره اللايقين السياسي والاجتماعي والحضاري، نتيجة تسارع التحولات الرقمية والتغيرات التكنولوجية، ويوجه فيه الإنسان، إما إلى التهجين أو إلى الهوامش الحضارية، بعد المراهنة على الذكاء الاصطناعي الفائق أو العام؟ ألا يسهم إضعاف الطبقة الوسطى، من خلال دعم الاستقطابات الاجتماعية ، في إفقاد الديمقراطية سندها الاجتماعي ؟ هل يمكن تقوية السلوك الديمقراطي، في مجتمع يهيمن عليه اللايقين السياسي والحيرة الوجودية والتطوح الوجودي والهدر الرقمي؟ كيف ستتشكل الديمقراطية في عصر التحولات الرقمية المتلاحقة وتطورات الذكاء الاصطناعي المتوالية؟ ما تأثير الذكاء الاصطناعي على الحكامة والحريات والديمقراطية التشاركية؟ كيف ستفعل الديمقراطية، إذا غاب السجال والنقاش والجدال والحجاج المباشر، وتحكمت الخوارزميات في التوجيه ومسارات وآليات الإقناع؟ ألا يوفر الذكاء الاصطناعي دعامة تقنية للخطاب السياسي؟ ألا تضعف هذه الدعامات التقنية ،السلوك السياسي ، بإضعاف قدرة السياسي ،وكفاءته العملية و التدليلية و التفكيرية ، في عالم مقبل على تحولات رقمية و جيو-سياسية و اقتصادية وتاريخية-حضارية كبرى . ؟هل ستتحكم الخوارزميات في القرار السياسي ، بعد أن انفردت إرادة الجموع ، سواء في الديمقراطيات المباشرة أوفي الديمقراطيات التمثيلية بالقرار السياسي والتحكم في إدارة الحقل السياسي ؟ هل يمكن إسناد سلطة اتخاذ القرار بشكل نسقي إلى الآلات مما قد يؤدي إلى إحلال حكم الخوارزميات محل الديمقراطية الكلاسيكية؟ هل يمكن أن تحل الألغوقراطية أو حكم الخوارزميات algocratie أو نظام الخوارزميات l’ algoarchie ،محل الديمقراطية ؟ هل تملك الحداثة السياسية كما كرستها الحداثة الغربية، القدرة على الصمود أمام الثورة الرقمية، وإيجاد صيغ تركيبية، لا تفقد الفاعل السياسي والمدني قدرته على المبادرة، أم أن الفاعل الرقمي، سيتفرد بالمشهد وأن المعايير الكلاسيكية للفعل السياسي، ستتغير بالكلية، في ظل إخراج الإنسان - المتوقع من قبل كثير من الأخصائيين -من ميدان الإنتاج والفعل السياسي-التاريخي، وتفرد الذكاء الاصطناعي، بالريادة، إنتاجا وتدبيرا وتنظيما؟ ألا يفضي التعويل على آلات ملتزمة بالتعليمات، في تحديد الاختيارات والتوجهات والتفكير والكتابة، إلى إضعاف الوعي النقدي والالتزام بالمسؤولية الأخلاقية؟ ألا يحملنا هذا التطور على استحضار الحمولة النظرية لمفهوم "ابتذال الشر " la banalité du mal لحنة أرندت ؟ ومن المحقق، أن الذكاء الاصطناعي، يخلق ،حسب البعض ،فراغا معرفيا وفكريا، لدى المستخدمين له، ويولد غيابا للوعي السياسي والوعي التاريخي والتجذر الوجودي استتباعا. لا يستحضر البعض هذا الفراغ المعرفي، دون استحضار ابتذال الشر كما تصورته الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت . فبما أن هذا الفراغ يقترن "بلامبالاة " ظاهرة ورغبة كبرى في "التفادي" ،كلما تعلق الأمر بالمسائل و المواقف الأخلاقية ، فإنه يقترب ، في الواقع ، من ابتذال الشر .فالواقع أن الشر ، يتجذر في فراغ الفكر كما ترى حنة أردنت . هل غياب الفكر سمة من سمات عصر الذكاء الاصطناعي؟ كيف يمكن تطوير وتكييف الديمقراطية، إذا تعمق، عزل أو تحييد الفكر السياسي والفكر الاجتماعي، وصار الاعتناء بالتخليق المسؤول، مهمة قلة غير مؤثرة، عمقيا، في مسارات الحضارة؟ كيف سنتفاعل ،سياسيا و أخلاقيا ، مع تحولات عصر الفرادة الكبرى بكل تعقيداته وتلويناته وتطلباته ؟ (....إن الفرادة هي أهم حدث في تاريخ الجنس البشري على الإطلاق ، وأن ثلاثة أنواع من التقدم التكنولوجي تهييء لقيام هذا الحدث-الظاهرة وتعتبر في الوقت ذاته من أهم ملامحه ومقوماته ،وهي التقدم في مجال الذكاء الصناعي والتقدم في مجالات الآلات المتناهية الصغر أو النانو تكنولوجي الجزيئية والتقدم في مجال التكنولوجيا الحيوية الجزيئية .) -1- II-الفاعل الرقمي والوعي الرباعي : ظهر الفاعل الرقمي ، المتفرد بإدارة الذكاء الاصطناعي ، والتحكم في تطويره ،بمظهر الفاعل المركزي المؤثر ، محليا ودوليا وكونيا .إن الفاعل الرقمي ، مسكون بطوبى رقمية ، تحيل الإنسان المسلح بقدرات الآلة ،والمتحرر من المهام التكرارية ومن ضرورة العمل اليدوي إلى فاعل تاريخي ذي سمات أسطورية ،وتعيد تشكيل المشهد السياسي والمشهد الاجتماعي والمشهد الاقتصادي في ذات الآن .فمن المؤكد أن الديمقراطية التمثيلية ، ستظهر قصورها ، الكبير ، الناتج عن تولدها عن سياقات وإبدالات ونماذج عقلانية وتاريخية وواقعية ، بعيدة عن مجاراة عالم يتفرد الذكاء الاصطناعي التوليدي وربما الذكاء الاصطناعي العام ،والروبوتات الشبيهة بالبشر ، بإدارته .كيف ستتفاعل ديمقراطية ،مصممة لواقع اجتماعي –سياسي ،يصيغ العقل والمخيال الإنسانيان ، حقائقه وأشواقه ، مع عالم طوباوي ، من سماته التعويل على الآلات والتهجين و تفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري ، وإحالة الجموع المفتقرة إلى الكفاءات والقدرات الرقمية العالية ، إلى الهوامش والظلال ؟ كيف ستتمكن الجموع المعطلة بعد استتمام أتمتة المهام اليدوية والمعرفية، والمحررة من الاستغلال الاقتصادي، والمنذورة للخمود والهدر الاجتماعي والخمول السياسي، حسب البعض، من الاقتناع بجدوى الإبدال الديمقراطي؟ ألا تنتج التحولات الرقمية الحالية مظاهر استلاب جوهرية، و أشكالا من "العبودية الرقمية الطوعية" في الغالب و تفاعلات ثقافية و اجتماعية قائمة على التبضيع و التسليع؟ (أما "الليبرالية –التكنولوجية "فيبدو أنها تخترق كل الحدود، بما فيها الحياة الشخصية ،وتعمل بسرعة فائقة على خلق حالات استلاب جديدة ، و"عبودية طوعية "،أو لاواعية للوسائل الرقمية ،فضلا عن مظاهر "تبضيع" للثقافة وللعلاقات الإنسانية .) -2- إن الفاعل الرقمي، المسكون بالتفوق والتفرد، واستعمال كل الموارد الرقمية من أجل بسط رأسماله الرقمي، وسلطته الرقمية، لن ينشغل غالبا، بالإبدال الديمقراطي، المستند إلى مقررات ومواضعات تداولية، مستمدة من اقتصاد واجتماع بشريين، وخلفيات تاريخية وحضارية كلاسيكية . والحال أن الطوبى الرقمية ، ستستند إلى ابدال رقمي مختلف ،وإلى سنن رقمي ، وفاعلين مهجنين وفاعليين آليين ،في المقام الأول ، وستهمش ، تحقيقا ، المواطن العادي ، ذي القدرات الرقمية المحدودة . هل يمكن إعادة تشكيل الديمقراطية، دون إنشاء فكر سياسي جديد، يأخذ بعين الاعتبار التحولات الرقمية والإيكولوجية والجيو –سياسية والاقتصادية الجديدة؟ هل يصلح الإبدال الديمقراطي الكلاسيكي المستند الى الفكر السياسي لهوبز ولوك وسبينوزا وكانط وروسو ومونتسكيو ، لتدبير عالم سيعرف تغيرات جذرية في العمل والتعليم و العلائق الاجتماعية و تدبير الروابط بين الفاعليين الرقميين وبين الفاعلين العاديين؟ لا تكرس الرقمنة -أحيانا -الاستلاب الرقمي فقط ، بل الهدر الرقمي كذلك .إن الإنسان المهدور رقميا ، عاجز عن فحص المحتويات الرقمية ، والتثبت من مضامين ما يقدم له رقميا ، ومن التحقق من مصداقية ما يخصص له من مواد .صارت الحقائق الرقمية ، بمثابة مسلمات ؛ والحال أن الحقائق الرقمية ،حقائق في حاجة إلى إسناد فكري ،لا يمكن التوافر على آليات دعمها واعتمادها دون التسلح بوعي رباعي : وعي معرفي ووعي سياسي ووعي تاريخي ووعي رقمي . III-تراجع الفاعل الديمقراطي والمدني : لا جدال في اعتلال الفكر السياسي الليبرالي، وتراجع القوى السياسية الديمقراطية و النقابية، في الغرب وفي الجنوب ، على السواء .لقد فقد الفاعل السياسي والنقابي ، ألقه السياسي والإيديولوجي السابق ،وأضحى الفعل السياسي ،فعلا تدبيريا ،مندرجا في زمان سياسي محدود ، ويقيم في الغالب ،استنادا إلى معايير برغماتية أو برنامجية .وبالمقابل ،تقوت سلطة الفاعل الرقمي ، وصار بإمكانه ، التأثير من خلال التقنيات و المحتويات الرقمية ، في الجموع .كما تقوت سلطة الفاعل الاقتصادي الرأسمالي –العولمي ،بحيث أظهر قدرته الكبيرة ،على رسم المصائر ،اقتصادا و سياسة و تقنية ورقمنة. كيف سيتمكن الفاعل السياسي –المدني ، من منافسة الفاعل الاقتصادي -العولمي و الفاعل الرقمي ذي النزعات الكونية ، وهو يشهد تراجع الوعي النقدي ، والوعي السياسي ، نتيجة ، تغليب المخيال السياسي الرقمي على الوعي السياسي –التاريخي –الحضاري الليبرالي ؟ هل يمكن استعادة الوعي والبرهنة وإدماجهما ضمن آليات التفاعل الرقمي، تفاديا لمحدودية المحتويات الرقمية ذات الشحنات العاطفية والإيحاءات الوجدانية؟ هل يمكن عقلنة الرقمنة ،وتجاوز التنميط الوجداني للجموع ،واستعادة البرهنة العقلانية و الاستدلال العقلي المراعي للمصالح ، على المدى المتوسط و على المدى البعيد ؟ هل يمكن الارتقاء بالإنسان الرقمي، ونقله من نطاق الوجدان إلى نطاق العقل الاستدلالي والبرهاني؟ هل ستحل الديمقراطية الرقمية، إشكاليات الديمقراطية التمثيلية، أم أنها ستكرس، على النقيض من ذلك، سلطة الأوليغارشيات الرقمية ؟ ومن المعلوم، أن اعتلالات الديمقراطية لا تفتأ تتراكم ، مما يقتضي استشكال عاليا للفكر السياسي الليبرالي وتجديدا عمقيا ، للمعايير الكلاسيكية للديمقراطية . (إن الديمقراطية البرلمانية، مهما بلغت أهميتها، غير كافية. بل إنها أصبحت تعاني من الضعف حيث يوجد تسطيح عميق في الفكر السياسي، وعدم اكتراث بالشأن السياسي بين المواطنين، وعجز عن مواجهة التحديات الكبرى للعصر الكوكبي.)-3- -الذكاء الاصطناعي والديمقراطية: IV التأثيرات الإيجابية: -1 مما لا شك فيه ، أن للذكاء الاصطناعي مزايا وخاصيات ،بإمكانها تحسين الشفافية وفعالية الإجراءات الحكومية .فبفضل تحسين معالجة البيانات ،تعزز تقنيات الذكاء الاصطناعي ، شفافية عمليات صنع القرارات .وهكذا ، تستطيع الخوارزميات تحليل رصيد كبير من البيانات ،بسرعة مذهلة ، وتسهم في تحديد وحصر حالات الفساد .علاوة على ما سبق ، تتجلى إيجابية الذكاء الاصطناعي ، في تخفيض التكاليف وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ، بعد أتمتة الكثير من المهام الإدارية ؛ مما يدعم ،جزئيا ، نجاعة وفعالة المؤسسات الديمقراطية و يدعم شرعيتها وثقة الجموع فيها . ومن البين، أن الذكاء الاصطناعي، يوفر إمكان فهم القضايا السياسية والمشاركة في المنتديات التفاعلية وفي عمليات صنع القرارات، بفضل ما يوفره من معلومات ثرة وغزيرة. ويمكن حصر مزايا الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، في: تحسين الشفافية والولوج إلى الخدمات العامة، وتوسيع ومشاركة المواطنين في الشأن السياسي. التـأثيرات السلبية: -2 تشكل المعلومات المضللة والتلاعبات الجماعية والتحيزات الخوارزمية les biais algorithmiques، مخاطر محققة على الديمقراطية ومستقبلها. للذكاء الاصطناعي، تأثيرات سلبية، تتمثل في التلاعب وتضليل الرأي العام، من خلال المعلومات المضللة. من الممكن استغلال الخوارزميات، في بث ونشر معلومات غير دقيقة، على نطاق واسع، والتأثير، استتباعا ، في العملية الانتخابية. ولا بد إذن، من تنظيم الذكاء الاصطناعي، تلافيا للتلاعبات وتوجيه الاختيارات الانتخابية توجيها رقميا، وضمان انتخابات حرة ونزيهة، واختيارات نابعة من إرادة جموع المواطنين. علاوة على ما سبق، فإن تطور الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى ممارسة مراقبة متطفلة على الأفراد، نتيجة سوء استعمال البيانات الشخصية. فالواقع، أن التطفل على أنشطة الأفراد يمس ، عمقيا ، بجوهر الحرية الفردية ،وهي كما هو معلوم ركيزة من ركائز النظام الديمقراطي .إن التطفل والمراقبة الجماعية للأفراد ، يتعارضان جوهريا مع الخصوصية ومع الحرية الفردية . والواقع، أن الذكاء الاصطناعي ينتهك -أحيانا -الخصوصية عبر ما يلي: جمع البيانات الضخمة: تلتقط خوارزميات التعلم الآليles algorithmes d’apprentissage automatique بدقة متناهية تفاصيل دقيقة عن سلوك وتوجهات و انشغالات وأولويات الأفراد: المواقع الإلكترونية وعمليات الشراء ....إلخ. الانتهاك الاستنتاجي attaque par inférence: تتمكن الأنظمة المعلوماتية من استنتاج معلومات دقيقة وشخصية خاصة بالتوجهات السياسية أو الميولات الإيديولوجيات أو الوضع الصحي، من بيانات ومعطيات عادية ظاهرا . تطرح التحيزات الخوارزمية إشكاليات كبرى، إذ يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي، إعادة إنتاج الصور النمطية الاجتماعية المهيمنة، وتكريسها في الوعي السياسي الجماعي، مما سيولد مواقف وقرارات تمييزية بعيدة عن الإنصاف والعدل. ومن المؤكد أن غياب التمثيل والإنصاف في عمليات صنع القرارات، يضعفان التوازنات السياسية والاستقرار السياسي. تأثير التطفل الرقمي على الديمقراطية: -التلاعب بالناخبين: يتم الاستعانة بالخوارزميات أحيانا، لتوجيه آراء الناخبين، والتحكم في توجهاتهم و قراراتهم السياسية، من خلال محتويات منتقاة بعناية رقمية متناهية دون علمهم. -تزييف الحقيقة: تمكن تقنيات "التزييف العميق " من بث وتعميم ونشر معلومات مشوشة وغير دقيقة ومشكوك في مصداقيتها وتماسكها، مما يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين في المواضعات والمقررات و كفاءة المؤسسات السياسية. وهكذا يقود الفشل، في حماية البيانات الرقمية، إذن، إلى إضعاف الثقة، في قدرات المؤسسات والشركات. -خنق حرية التعبير: يؤثر الخوف من المراقبة في سلوك الأفراد وردود أفعالهم، ويحفزهم على التريث و التحوط والرقابة الذاتية وتفادي كل السجالات أو النقاشات أو التفاعلات الفكرية أو السياسية المتحررة. -الذكاء الاصطناعي والسياسية: V -الانتخابات:1 يمكن استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي المتمثلة فيما يلي: الترجمة والتركيب والتيسير والمواكبة في الانتخابات. تستخدم شريحة من المواطنين، الذكاء الاصطناعي من أجل الاطلاع على برامج المرشحين واختيار مرشحهم. -المسار التشريعي:2 يؤثر الذكاء الاصطناعي في الحياة التشريعية عن طريق تحسين صياغة القوانين والتحليل البرلماني. وهكذا يستخدم الذكاء الاصطناعي في الحياة البرلمانية من أجل إنجاز ما يلي: -المساعدة على صياغة أو تعديل مشاريع القوانين: يساعد الذكاء الاصطناعي على صياغة أو تعديل مشاريع القوانين. -التركيب والتحليل: ويساعد على معالجة سريعة لرصيد كبير من الوثائق والبيانات والمعطيات واستشارات المواطنين. -الرصد والتأثير: ويقتضي الرصد تقييم آثار التشريعات ومتابعة تحقق المطابقة القانونية. 3-بلورة وتقييم السياسات العمومية : يمكن الذكاء الاصطناعي من صياغة وبلورة السياسات العمومية؛ وذلك من خلال: -التحليل السريع للبيانات والمعطيات الرقمية الضخمة؛ -اتخاذ القرارات التنبئية؛ -تحسين تقييم القوانين. -4دورة السياسات العمومية : -المساعدة على وضع التصورات: ويتم ذلك عبر معالجة البيانات الضخمة من أجل تحديد وتعيين الحاجيات الفعلية. يمكن الذكاء الاصطناعي من رصد الاتجاهات المجتمعية الكبرى واستقصاء المطالب الجماعية الملحة من خلال فحص وتحليل البيانات والمعطيات والشكاوى الرقمية. -المحاكاة والتنبؤ : ويتم ذلك عبر نمذجة تأثير أو مفعول قانون قبل اعتماده .تمكن الرؤى الاستشرافية من التقليل من نسبة المخاطر . -التقييم القبلي والبعدي: ويتم ذلك من خلال وضع تركيب سريع للدراسات والسياسات السابقة من أجل قياس فعاليتها. -المشاركة المواطنة: ويتم ذلك عبر تحليل آلي لآراء الجمهور أثناء الاستشارات الوطنية. يمكن الذكاء الاصطناعي من تقييم فعال للسياسات العمومية، من خلال: -تسريع معالجة البيانات والمعطيات المجمعة والضخمة؛ -تركيب وصياغة تقارير معقدة؛ -محاكاة سيناريوهات التأثير. -5مساهمات الذكاء الاصطناعي في التقييم : -معالجة البيانات الضخمة: ويتم ذلك من خلال المعالجة السريعة لرصيد ضخم من البيانات والمعطيات النصية والرقمية (الاستبيانات والقوانين وآراء واقتراحات وتوجيهات المواطنين). -التركيب والاستشراف: يتم من خلال إنجاز ملخصات للسياسات العمومية السابقة ووضع سيناريوهات مستقبلية أو استشرافية أو توقعية . المتابعة الآنية: ويتم ذلك من خلال التعديل الديناميكي للبرامج العمومية بفضل المؤشرات المحينة باستمرار. 6-الذكاء الاصطناعي والانتخابات: يتم تصميم أو تحسين محتويات رقمية: مقاطع فيديو قصيرة وشعارات مصاغة بعناية فائقة، ووعود موجهة، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوجه للناخبين في مواقع التواصل الاجتماعي، كما في الانتخابات الأوروبية المجراة في يونيو 2024. لقد حل الإقناع الفردي غير المرئي محل المواجهة المرئية والجماعية والسجال الفكري المباشر في الساحة السياسية. ولئن كان الناخب فردا مفكرا في التجارب الديمقراطية الكلاسيكية، فإنه أضحى، في زمان التحول الرقمي، هدفا يتوخى تحريكه من خلال المحفزات العاطفية لا غير. يفرض استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، إحداث تحول جوهري في آليات تدبير النقاش العمومي. فبدلا من تبادل الأفكار وتقديم الحجج والأدلة الداعمة لها وتفنيد حجج المتنافسين السياسيين، في الساحة العمومية، غاب النقاش المباشر والمرئي في الغالب، واستحال "النقاش " إلى سلسلة من الحوارات غير المرئية بين الآلات وبين المواطنين. الذكاء الاصطناعي والتواصل السياسي: -7 يوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي، إمكانيات، هامة فيما يخص التواصل السياسي والإقناع. يمكن الذكاء الاصطناعي من تحقيق ما يلي : -التحليل الفوري للرأي العام؛ -أتمتة إنشاء المحتويات؛ -استهداف الناخبين بدقة. استعمال الذكاء الاصطناعي في السياسة: -8 يفيد الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام التالية: تحليل البيانات والمعطيات: ويتم ذلك عن طريق معالجة رصيد كبير من ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي لقياس الرأي العام؛ تخصيص أو شخصنة الرسائل: ويتم ذلك عبر تصميم المحتويات والخطابات والحملات الميدانية، بحيث تتناسب مع قطاعات وفئات محددة من المواطنين؛ الإنشاء الآلي la création automatisée :مكن الذكاء الاصطناعي من كتابة الخطابات ،وإعداد المحتويات المرئية ،أو استعمال برامج الدردشة الآلية chatbots ، من أجل التواصل والتفاعل مع المواطنين ؛ تمكن هذه البرامج الحاسوبية ، المستخدمين ،من التفاعل مع الأجهزة الرقمية ،كما لو أنهم يتفاعلون مع أشخاص حقيقيين . -9المخاطر الجوهرية : التحيز المنهجي : لا تعتمد الخوارزميات دوما على بيانات محينة وراهنة ، بل تعتمد أحيانا على بيانات قديمة أو جزئية ، مما يسهم في اعتماد قرارات رقمية جزئية و قديمة ، تكرس -أحيانا - التمييز الاجتماعي و السياسي والاقتصادي والثقافي . توجيه الناخبين: يمكن تحليل بيانات الأفراد، من استهدافهم برسائل سياسية، ذات تأثير بين على اختياراتهم السياسية والإيديولوجية. تآكل السيادة الديمقراطية: يؤثر التعويل الكبير على الأنظمة التقنية في صياغة وتوجيه الرأي العام أو بلورة وإنتاج السياسات العمومية على عمل المؤسسات الديمقراطية وعلى قدرات الفاعل السياسي على إنتاج الحلول والبدائل، وعلى استقصاء إمكانات الحقل السياسي. القسر المعرفي: ويتجلى ذلك في استخدام النماذج التحاورية والتفاعلية من أجل توجيه التمثلات والتصورات وجذب انتباه الناخبين. -غياب الضبط والتقنين: من البين، أن ثمة غيابا –أحيانا أو في سياقات محددة تدقيقا -لقواعد ضبطية وتقنينية، لاستخدام هذه التقنيات استخداما مسؤولا وعقلانيا وأخلاقيا. قرارات خوارزمية: يتم أحيانا التأكيد على قرارات سياسية أو إدارية، اعتمادا على أنظمة معلوماتية، معقدة، لا يتوصل المهندسون أنفسهم، أحيانا، إلى تفسير طرائق أو آليات أو أساليب عملها. ضياع المسؤولية: يصعب أحيانا أو في سياقات محددة للدقة ، تحديد الجهات أو الأطراف المسؤولة عن قرارات غير صائبة أو غير ملائمة للوضعيات أو لطبيعة المشكلات أو التحديات المواجهة ،أو متحيزة ناتجة عن الخوارزميات . تراجع المصادر الموثوقة: ليس من السهل دوما العثور على معلومات دقيقة وموضوعية وموثوقة، في فضاءات رقمية، مشوشة ومزدانة بمحتويات اصطناعية رقمية مضطربة.
الهوامش: -1 أحمد أبو زيد ،مستقبليات ، كتاب العربي ،العدد 80،أبريل 2010،ص46-47 : -2محمد نور الدين أفاية ، النهضة المعلقة ، المركز الثقافي للكتاب ، الدار البيضاء /بيروت ، الطبعة الأولى 2020،ص،408 3-Edgar Morin, La voie, Pour l’avenir de l’humanité, Fayard/ Pluriel, 2012, page : 104.
إبراهيم أزروال أكادير –المغرب
#ابراهيم_ازروال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مفاهيم وفضائل وعلامات كونفوشيوسية
-
مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
-
مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هادي العلوي و التاوية
-
وعود وحدود التنوير الفرنسي
-
في الاستغراب والاستغراب المعكوس
-
جذور و أهداف علم الاستغراب عند حسن حنفي
-
الرواية ورهانات الكينونة
-
لوك فيري ونيتشه
-
حسن حنفي ونقد الاستشراق
-
استجلاء الوعي في سينما المخرج محمد خان
-
المعالجة الدرامية لقصة -أهل القمة- لنجيب محفوظ
-
المعالجة الدرامية لقصة -الحب فوق هضبة الهرم - لنجيب محفوظ
-
هادي العلوي والفكر الهندي
-
التجديد اللغوي في - المعجم العربي الجديد - لهادي العلوي
-
ورطات العلائق في فيلم -أربعاء الألعاب النارية - لأصغر فرهادي
-
الإنسانية الانتقالية ونسيان تراجيديا الحياة والموت
-
أشواق الذات في فيلم - أرض الأحلام - لداوود عبد السيد
-
استشراف المستقبل وإشكاليات الحرية في فيلم -انفصال - لأصغر فر
...
-
لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي -الجزء الثاني
المزيد.....
-
رأي.. عبدالله بن عادل فخرو يكتب: صُنع في الخليج.. من شعار لل
...
-
عمرو موسى بعد لقاء السيسي ومحمد بن سلمان: لم يعد الصمت خيارً
...
-
إسرائيل تدمر منصات صواريخ في جنوب لبنان.. وسجال داخل البرلما
...
-
ممرّان يضغطان على حسابات القاهرة والرياض.. هرمز وباب المندب
...
-
قبل لقاء ترامب وشي المرتقب.. وزير الخارجية الإيراني يزور الص
...
-
احتجاز ما لا يقل عن 150 محتجا مؤيدا لمجتمع الميم في حملة أمن
...
-
تقرير: واشنطن هاجمت قوارب إيرانية حاولت الاستيلاء على مسيّرة
...
-
تدريبات على السلاح ورصد للمعارضين في الخارج.. ماذا وراء تحرك
...
-
مصر ـ اتهامات للسلطات بإزالة -مساحات خضراء-.. والحكومة توضح
...
-
-حرب- مصر على أشجارها.. من يقف وراءها ومن يدفع الثمن؟
المزيد.....
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
المزيد.....
|